جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > إعلام وصحافة

إعلام وصحافة نقاشات وكتابات حول الاعلام والصحافة

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 12 - 11 - 2004, 12:34 AM   #1
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2004
المشاركات: 173
الإعلام وتشكيل ثقافة الجماهيرفي عصر الثقافة السيبرنية

بحث اعجبني احببت اطلاعكم عليه
هذا البحث قدم ضمن الندوة الفكرية لمهرجان القرين الثقافي العاشر يناير 2004
قراءة ممتعة



الإعلام وتشكيل ثقافة الجماهير في عصر الثقافة السيبرنية

د. مصطفى المصمودي


***********************@**********************

الإعلام وتشكيل ثقافة الجماهير في عصر الثقافة السيبرنية

الجزء الأول: دور أجهزة الإعلام في تشكيل ثقافة الجماهير وتكريس الحريات
1- الوظائف العامة لأجهزة الإعلام
2- الأهداف الثقافية
3- المفارقات بين أجهزة الثقافة وأجهزة الإعلام

الجزء الثاني: التفاعل الثقافي الإعلامي في المستوى العربي
1- الوضع الإعلامي الثقافي في الوطن العربي
2- الخطاب الإعلامي الثقافي في الداخل
3- الحضور الحضاري العربي في الخارج

الجزء الثالث: دور الثقافة السيبرنية في ترويض الثورة الإعلامية
1- المواطن العربي في عالم بدون حدود
2- الثقافة السيبرنية في الفضاء العربي
3- الاعتبارات الجديدة لتطوير الاستراتيجية الإعلامية الثقافية




لقد كتب الكثير خلال العقود الأخيرة عن تأثير الإعلام في الوعي الجماعي للجماهير وعن المصادر التي تستقي منها الجماهير زادها الثقافي كما أن الباحثين تعمقوا في استشراف المستقبل وحاولوا التنبؤ بمضمون المعلومات التي ستندفق عبر الشبكات الإلكترونية متسائلين هل أن هذه الشبكات ستكون قادرة على تشكيل ثقافة جديدة تتماشى مع التقلبات المنتظرة. وأدركوا إذاك أن ثقل التأثير الإعلامي الثقافي تجاوز كل التوقعات وأن وزن الثقافة في حياة الإنسان سوف يكون أثقل في عصر العولمة، تلك الظاهرة التي هي وليدة ثورة المعلومات وتكنلوجيات الاتصال.
وقد بدأنا نفهم أسباب وقوف الولايات المتحدة منذ ربع قرن ضد نزعة الحفاظ على الخصوصية الثقافية وضد مسعى منظمة اليونسكو لإقامة نظام عالمي جديد للإعلام والاتصال بغية تحقيق بيئة معلوماتية عالمية قائمة على التوزيع المتكافئ للموارد الجديدة ولمنافعها المختلفة.
وقد تساءل الملاحظون في ما بعد، عن مبررات الاندماجات بين عمالقة صناعة الإعلام وصناعة السينما، ودور الصحافة والنشر وشركات برمجة الكمبيوتر والانترنيت، وتأثيرها في الحركة الاقتصادية والبورصة العالمية. وتشكك آخرون بخصوص حاجة سكان الأرض إلى تلك الحلقة الكثيفة من الأقمار الاصطناعية التي تجاوز عددها الخمس مائة ساتل للإرسال المباشر وغير المباشر، ثم ذهل الكثير عندما انهار الاتحاد السوفياتي دون حرب أهلية أو تدخل أجنبي، وتأكدوا أن ما كتبه قبل نصف قرن فيليب كوبس لم يكن مجرد تصور نظري عندما أكد أن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على أربعة أركان وليس أقلها البعد الثقافي، واتضح أن أجهزة الثقافة شأنها في ذلك شأن أجهزة الإعلام الحديثة (مثل الأنترنيت) يمكن استغلالها لأغراض بعيدة عن الإبداع الفني والأهداف النبيلة.
وإنه من المحتم الاعتراف بتلك الفضاءات الجديدة التي أفرزتها منظومة العولمة، كما انه لا مفر من الاعتراف بدور أجهزة الإعلام بكل أشكالها، في التغييرات التي طرأت على مظاهر السلوك الإنساني في هذا العصر الذي لم يعد فيه وجود لأي حواجز ثقافية أو فنية، حيث دخلت أجهزة الإعلام كل بيت وانتشرت القنوات الفضائية وأصبح الكمبيوتر الشخصي مرافقا للإنسان في كل مكان.
ثم إن العلاقة بين منظومة العولمة ومفهوم الحضارة في مجتمع المعلومات في حاجة إلى تحاليل ضافية ودراسات معمقة، ذلك أن المنافسة كانت تقوم بكل درجاتها وأنواعها داخل حدود الوطن نفسه، أما العولمة فهي تؤدي إلى غياب البعد الوطني أو القومي وهي تعني الانصهار في مصنع عالمي واحد وسوق عالمية تهيمن عليها الشركات العابرة للقارات، وتعامل تجاري في أرضية عالمية لا تتشابه مع الواقع المعهود في تقاليده الإنسانية ولا في ثقافته الشعبية التي تقوم على تشابك أساليب الحياة.
ولذلك فإنه يحق لنا التساؤل اليوم أي تشكيل ثقافي يمكن الحديث عنه ؟ هل هو المضمون المحلي الذي توارثناه جيلا بعد جيل ؟ أم الثقافة السيبرنية التي ستكيف المجتمع في شكل جديد ؟ وهل يمكن طرح موضوع علاقة الثقافة بالإعلام من منظور تقليدي تحدثنا عنه بالأمس ؟ أم هل يتعين ربط المفهوم الجديد للثقافة بالشبكات الحديثة للمعلوماتية وبالتجهيزات الرقمية التي قد تتجاوز الإنسان في ذكائه وطاقته الإبداعية وتقدر على التأثير في سلوكه، وستتغير حاجاته في مظهرها وفي مضمونها وستوجه سبل الإبداع نحو مستقبل آخر مؤثرة في أجهزة الإعلام ذاتها بعد أن تأثرت بها طويلا.
ومساهمة في تحليل هذه التفاعلية في مختلف مظاهرها سوف نتناول هذه الدراسة في ثلاثة أجزاء :


الجزء الأول: دور أجهزة الإعلام في تشكيل ثقافة الجماهير
الجزء الثاني: التفاعل الثقافي الإعلامي في المستوى العربي
الجزء الثالث: دور الثقافة السيبرنية في ترويض الثورة الإعلامية



I- الجزء الأول: دور أجهزة الإعلام في تشكيل ثقافة الجماهير

إن الثقافة تتمثل في مجموع الرموز المميزة التي يختص بها المجتمع، وهي تشمل أنماط العيش وطرق الإنتاج ومختلف القيم والعقائد وتتجاوز أبعاد الفنون الجميلة والآداب المستظرفة لتكون محور حيوية المجتمع وأداة دوامه وتجدده. والثقافة هي أيضا التصور للواقع الذي يعيشه الإنسان بعد أن يضفي عليه نظرته الخاصة ويضيف إليه مسحة من الروعة والجمال، والثقافة شأنها شأن الطبيعة ترفض الانغلاق وتنشد نسمة التلاقح والانفتاح. ولذلك فهي تتأثر عميق الأثر بحركة العولمة التي تقوم في بعدها الأساسي على التكنلوجيا والاقتصاد. ولئن كان لهذه العولمة بعد ثقافي فإن هذا البعد الذي يمكن وصفه "بعولمة العقول" لا يقدر على مجاراة نسق تطور عولمة السوق والشبكات، ومن هنا تظهر أهمية الإعلام الاجتماعي الذي من شأنه أن يساعد على التقريب بين النسقين وتمكين الثقافات من استنشاق الهواء النقي الذي يقيها من شر الاختناق. ويتجلى هذا التفاعل الإعلامي –الثقافي بوضوح أكثر بين المجتمعات التي تشترك في اللغة والدين والحضارة والتاريخ. إلا أن المنظرين لا يقبلون بمبدأ قصر الوظيفة الإعلامية على تدعيم النشاط الثقافي دون غيره من الغايات والأغراض الأخرى. وسنحاول المزيد من تحليل هذا الموضوع من خلال ثلاثة عناصر وهي :

 الوظائف العامة لأجهزة الإعلام والاتصال
 الأهداف الثقافية لأجهزة الإعلام
 المفارقات بين أجهزة الثقافة والأجهزة والإعلام



1- الوظائف العامة لأجهزة الإعلام والاتصال:


إن وظائف الإعلام والاتصال في مفهومها الواسع متنوعة وهي تتصل بميادين مختلفة ومتعددة فإذا نظرنا إليها باعتبارها نشاطا يتجاوز نشر الأنباء والمعلومات ويشمل أفراد المجموعة في إنتاج الخبر، فإنه يمكن حصر الوظائف الأساسية لمختلف أجهزة الإعلام، في النقط التالية :
أ- الوظيفة الإعلامية:
تتمثل في جمع الأنباء والبيانات والصور والتعليقات ونشرها بعد معالجتها ووضعها في الإطار الملائم من أجل فهم الظروف المحلية والبيئة والأوضاع الدولية وتمكين متلقي الخبر من الوصول إلى وضع يسمح له باتخاذ القرار السليم.
ب- وظيفة تقريب وجهات النظر:
وهذه وظيفة تتمثل في توفير رصيد مشترك من المعرفة لدعم التآزر وتمكين أعضاء المجتمع من التعايش والعمل المشترك.
ج- وظيفة استحثاث الهمم:
أي إيجاد الرغبة في العمل وتشجيع التطلعات الفردية والجماعية على الدخول في حيز الواقع.
د- وظيفة تكثيف فرص الحوار والنقاش:
المساعدة على تبادل المعلومات وتلاقح الأفكار وتوضيح مختلف وجهات النظر وخلق أرضية للعمل الذي يتماشى مع المصلحة العامة في مختلف مستوياتها : المحلية والمركزية والدولية.
هـ- وظيفة التكامل والتفاهم:
تقتضي هذه المهمة تمكين الأفراد من إبلاغ أصواتهم وآرائهم بما يكفل فرص الاطلاع والتفاهم والتعرف على ظروف معيشة الآخرين ووجهات نظرهم وتطلعاتهم.
و- وظيفة خدمة المجتمع:
أنه لم يعد بإمكان المجتمعات أن تشارك في الحياة العصرية، ما لم يتم إعلامها على وجه صحيح بالشؤون السياسية والأحداث المحلية والدولية. كما أن الحكومات أصبحت تحتاج أكثر فأكثر إلى معلومات متنوعة من مصادر متعددة لتتمكن من التخطيط للمستقبل على الوجه الصحيح وتحقيق الزيادة في الإنتاج وتحسين الإنتاجية، وكذلك فإن الأحزاب السياسية والجامعات ومعاهد البحوث والجمعيات وكافة الهيئات الأخرى لا يمكن أن تعمل بدون تبادل يومي للمعلومات. وهذا ما يؤكد أن أجهزة الإعلام هي في الوقت ذاته أجهزة سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية فضلا عن كونها أجهزة ثقافية.



2- الأهداف الثقافية:

إن الإعلام هو المحرك للنشاط الاجتماعي، وهو المنبع المشترك الذي ينهل منه الإنسان الآراء والأفكار، وهو الرابط بين الأفراد والموحي إليهم بشعور الانتساب إلى مجتمع واحد، وهو الوسيلة لتحويل الأفكار إلى أعمال والأداة التي تعكس الأحاسيس والحاجيات من أبسطها إلى أعلى آيات الكمال. فهو الذي يعلو بالإنسان عن غريزته إلى المطامح الحضارية. تلك هي التصورات التي يسوقها المنظرون عند طرق موضوع العلاقة بين الثقافة والإعلام وكلاهما يهدف إلى الإشعاع ويسعى إلى إرضاء طموح الإنسان ويتخذ كل منهما الاتصال والتخاطب طريقة أساسية لبلوغ هذه لأهداف.
ويتبين مما سبق انه لا مجال لأية ثقافة من الانتشار إذا لم تؤازرها أجهزة الإعلام ولم تعرف بمختلف مظاهر الخلق والإبداع. كما انه لا سبيل أمام أجهزة الإعلام والصحافة للازدهار بدون زاد ثقافي يشد اهتمام الجمهور ويسمح لها بإبلاغ رسالتها على أوسع نطاق ممكن.

أ- الوظائف الثقافية لأجهزة الإعلام :
بناءا على هذا الأساس يمكن اعتبار الأدوار التالية وظائف ثقافية لأجهزة الإعلام :
- التثقيف والتربية وتتعلق هذه الوظيفة بنشر المعرفة على أساس تفتيح الأذهان وبناء الشخصية وشحذ الكفاءات وتنمية الذوق وتهذيبه، وتمكين الإنسان على مدى العمر من المحافظة على مقدرة استيعاب كل ما ينمي طاقاته ويوسع آفاقه و يشبع تطلعه إلى الخير والجمال.
- النهوض بالإنتاج الفكري وتعني هذه الوظيفة نشر الإنتاج في مجال الأدب والفن والابتكار الفكري واليدوي بصورة عامة.
- استحثاث الإنتاج بكل أوجهه الفكرية والفنية والمادية ونشره وتوزيعه على أوسع نطاق.
- تفجير الطاقات الكامنة في الأشخاص والمجموعات وتمكينها من الإسهام في إعداد الرسالة الثقافية وإبلاغها.
- تهذيب الذوق العام ودفع الجماهير إلى التفاعل مع الإنتاج الفكري والإبداع الفني.
- التفاعل مع المحيط الاجتماعي والسعي إلى الارتقاء به إلى منزلة أسمى.
- تناقل التراث بين الأجيال وإثرائه وجعله السراج الذي ينير الحاضر ويربط بين الماضي والمستقبل.
- ضمان الأمن الثقافي للمجتمع حتى لا يكون الإنسان ضحية الاكتساح الذي يرفض الحوار والتلاقح.
وما هذه العناصر إلا أنموذجا لوظائف أخرى وعناوين لعناصر كثيرة متفرعة عنها.
ب- الوظائف الإعلامية الإنمائية لوسائل الثقافة:
إن أجهزة الثقافة تقاسم أجهزة الإعلام والاتصال وظيفتها الاجتماعية الإنمائية ومن ذلك:
- الترفيه: تتمثل هذه الوظيفة في تقديم وعرض التمثيليات الروائية والمسرحيات والأفلام وفرق الموسيقى والرقص والرياضة والألعاب ... إلخ، بالاعتماد على الكتابة والصور والأصوات والرموز بهدف التسلية والترفيه. والمفروض أن ترمي هذه البرامج إلى هدفين اثنين يتعلق الأول بشد وإغراء السامع والمشاهد والقارئ، وجلب اهتمامه إلى برامج إعلامية وإنمائية ذات فائدة أكبر تسبق أو تتخلل أو تتبع هذه التظاهرات الترفيهية. أما الهدف الثاني فهو العبرة التي يمكن استنتاجها من هذه البرامج وأثرها الفعال الذي يبقى راسخا في الذهن ويساعد على تطور الإنسان واستكمال مقومات شخصيته.
- نشر الديمقراطية والتعددية الثقافية: أن الحق في الثقافة معترف به ضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأن التعبير الذي يدفعه الخلق لا يكون له قوام بدون عدالة لذلك فإنه من الوظائف الأساسية لأجهزة الثقافة العمل على ألا تمتاز الطبقات الراقية والأقليات المحظوظة بكل إنتاج ثقافي مفيد وجذاب على حساب الأصناف الشعبية الأخرى، كما يتعين على هذه الأجهزة توفير مناخ ديمقراطي في الميدان الثقافي وإفساح المجال أمام كل من يأنس في نفسه مقدرة على الإنتاج والنشر.
- دعم اللامركزية والمشاركة الجماعية: إن المشاركة الجماعية تتمثل في إسهام الإنسان في كل مراحل العمل الثقافي ودعم اللامركزية في هذا المجال، على أن هذا المسعى لا ينبغي أن يؤدي إلى الحزازات القبلية أو العرقية بل إن الهدف الأساسي المقصود هو الإثراء الثقافي الوطني وتمكين كل الفئات والأقليات من حقها في الأخذ بنصيبها منه. والحوار الحقيقي يقتضي إشراك كافة أصناف المجتمع من شباب وكهول وشيوخ ذكورا وإناثا.
- الإسهام في التنمية: إن البعد الثقافي للتنمية لم يعد في حاجة إلى تأكيد كما أن إسهام الثقافة في التنمية أصبح أمرا لا جدال فيه. فالإنتاج الثقافي هو غاية ووسيلة. ومن أنبل الوسائل أن تساهم أجهزة الثقافة في الرفع من المستوى الفكري، وبالتالي المادي، للإنسان وتنمي طاقته ليصبح قادرا على استيعاب مقومات التطور والنهضة.
- الحفاظ على اللغة وتطويرها: إن أجهزة الثقافة هي المؤمنة على مصير اللغة الوطنية والمحافظة عليها من الاندثار تحت تأثير اللغات الدخيلة والمصطلحات الأجنبية. وهي مطالبة في الوقت نفسه بإثرائها حتى تكون أفضل أداة وصل بين ماضينا ومستقبلنا وتبقى قادرة على تمكين الشبان من استيعاب العلوم الحديثة على غرار نظرائهم من الدراسيين باللغات الغربية الكبرى.
- حماية الخصوصيات الثقافية: تهدف هذه الوظيفة إلى تمكين الثقافات الوطنية من التكامل ومن الإثراء بالاحتكاك بغيرها وتمكين الأمة من تعريف الرأي العام العالمي بقيمها الثقافية والاجتماعية وجلب الاحترام والتقدير لها. كما أنه على أجهزة الثقافة إحياء الخصوصيات الثقافية وحمايتها من الاحتواء الخارجي وإبراز مقومات أصالتها. فالذود عن تلك الخصوصيات هي أداة الوصل بين الأجيال المتعاقبة.
- التأثير في السلوك الاجتماعي: إن الوسائل الثقافية هي أدوات تساعد على دعم المواقف أو التأثير فيها، وعلى تهذيب مناهج السلوك وتحقيق التكامل الاجتماعي. كما ان هذه الوسائل تلعب دورا رئيسيا في تنظيم الذاكرة الجماعية للمجتمع، بجمع المعلومات ومعالجتها واستخدامها.



3- المفارقات بين أجهزة الثقافة وأجهزة الإعلام:

لقد كتب الكثير عن هذه المعادلة منذ ربع قرن وتفاوتت الآراء. وقد بدا للبعض أن وظائف أجهزة الثقافة تتكامل مع وظائف أجهزة الإعلام إلى حد كبير وحتى إذا كان هناك شيء من التفاوت، فإنه يعود إلى طبيعة الأجهزة بالذات، ورأى آخرون أنه إذا كانت أجهزة الثقافة بمنزلة الحرفي التقليدي الذي يسعى إلى الكيف أكثر من الكم، فإن أجهزة الإعلام تكون أشبه بالآلة الصانعة التي يمكنها الإنتاج الغزير انطلاقا من مقياس موحد.
وقد رأى "فلوراس وليا" وهو كاتب من المكسيك أن وظائف أجهزة الثقافة تختلف عن وظائف أجهزة الإعلام إذ أصبحت عبارات الثقافة والإعلام في مواجهة حتمية. ذلك أن استعمال أجهزة الإعلام الحديثة ينطلق من مبدأ نكران وجود الخصوصيات الثقافية للمجتمعات. ومن نتائج ذلك توحيد النماذج والآراء والأذواق وتعميم أنماط الحياة والدفع إلى التقليد الأعمى وكذلك العبث بالضمائر من خلال الإعلانات والبرامج الموجهة. وكل هذا من شأنه أن يخل بمقدرة الإنسان على الخلق والابتكار، وأن يحد من قدراته العقلية على النقد والتحليل، وقد يؤدي كل ذلك إلى الإخلال بشروط الخلق والإبداع. ويساند مختار لوبيس الصحفي الأندونيسي هذا الموقف إذ يرى فيما يتعلق بالإختلاف بين وظائف أجهزة الإعلام وأجهزة الثقافة أن الأجهزة الأولى يمكن أن تمس بالقيم والمبادئ التي اهتدى إليها الإنسان حينا من الدهر. وأن أجهزة الإعلام يمكن استعمالها للبناء كما يمكن استعمالها للهدم وهي تنافس منافسة شديدة وسائل التعبير التقليدية مثل السرد الشفاهي للقصص الشعبية والتمثيل المسرحي والمنتديات الشعرية والجمعيات الموسيقية، وتحد من طاقتها على دعم الانسجام والتضامن داخل المجتمعات وربط اللحمة بين أعضائها. ذلك أن وسائل الإعلام الحديثة تضعف هذه الصلة فتقضي على قيم التعاون والتضامن المعروفة من قديم الزمان وتعوضها بنماذج مستوردة من الخارج بما فيها من سلبيات وتناقض. وهي تساعد من جهة أخرى على توجيه الرغبة إلى حاجيات مصطنعة وتؤدي إلى ظهور عقليات غير متماشية مع إمكانيات المجتمع ومناخه الطبيعي وقدراته الذاتية.
إلا أن دعاة التمييز بين أجهزة الثقافة والإعلام لا ينكرون في الوقت ذاته جوانب التكامل والتجانس بين القطاعين فهم يقرون إلى حد كبير بمزايا تكنولوجيات الاتصال باعتبار أن وسائل الإعلام تعد بمنزلة الوتر الحساس للثقافة داخل كل مجتمع والسند الأكبر لتأمين حرية التعبير، ذلك أن التنمية الثقافية ليس لها أي مجال من الانتشار إذا انعدم الحد الأدنى من هذه الحرية وبانعدام الحرية يتوقف الإبداع في مجال الفن والأدب والرسم والنحت والمسرح. والحرية الثقافية، كما أكده تقرير ديكويلار ، حرية فردية تؤمن كرامة الإنسان وحرية جماعية، تضمن حق المجموعات في اختيار ما تشاء من أساليب الحياة والحرية الثقافية بحمايتها لحق الآخرين في الاختلاف، تشجع على التنوع الثقافي والخيال والإبداع.
ثم إن هناك من يعتقد أن أجهزة الثقافة مثل أجهزة الإعلام يمكن أن تحمل في طياتها بشائر العلم والفن والجمال، كما يمكنها خدمة أغراض أخرى لا يمكن ربطها بالثقافة في معناها السليم. ويحلل Yves EUDES في كتابه "غزو العقول" هذه النظرة مرتكزا على مفهوم بعض السياسيين لدور أجهزة الثقافة وفحوى الرسالة الثقافية، إذ يعتبرون أن كل إنتاج ثقافي ينبغي أن يكون له محتوى إيديولوجي واضح مهما يكن شكله أو نوعه وأن الثقافة ينبغي أن تكون الغلاف الخلاب لأي بضاعة أو رسالة سياسية.
وبالتالي، فإنه يتضح أو الوسائل الثقافية يمكن استغلالها كيفما يراد وليس دائما لفائدة الأغراض النزيهة. ولذلك فإن التبادل الحر لكل منتوج ثقافي ينبغي أن يتم على قاعدة التكافؤ وأن يقوم على أساس الاحترام المتبادل. وهذا ما يبرز ثقل مسؤولية أجهزة الإعلام ودقة وظيفتها التي ينبغي ألا تقتصر على نقل المضمون المعرفي ونشره بل هي مطالبة أيضا بانتقاء فحواه وتقدير مدى الإبداع فيه، بما يتناسب مع طاقة المجتمع على الاستيعاب.
ومن الطبيعي أن تكون السياسات الثقافية محور خطة العمل التي أقرها مؤتمر ستوكهولم الذي تعمق في بحث مضمون اللجنة المذكورة، إذ لا سبيل إلى تحقيق الأهداف المرسومة إلا بصياغة سياسات ثقافية ملائمة وإعادة النظر في السياسات الثقافية الراهنة على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والعالمية في ذات الوقت. وقد أكدت هذه الخطة أن الأهداف الرئيسية للسياسات الثقافية تتمثل أساسا في تحديد الأهداف وإنشاء البنى وتأمين الموارد المناسبة لخلق بيئة يصل فيها الإنسان إلى تحقيق إنسانيته. وكل ذلك لا يكون إلا في تكامل بين الثقافة والإعلام.
والوظائف المتكاملة لأجهزة الإعلام والثقافة تتلاءم مع كافة المجتمعات، وخاصة في الدول النامية بما فيها الدول العربية. وربما كانت هذه الوظائف أكثر دقة ووضوحا داخل المجتمع العربي نظرا لما يجمع بين أقطاره من وحدة في اللغة والتاريخ والدين وما يمكن أن تقدمه تلك الأجهزة لتمتين الصلة ودعم الروابط العربية.


II- الجزء الثاني: التفاعل الثقافي الإعلامي في المستوى العربي

إن التعمق في تحليل ظاهرة التفاعل الثقافي الإعلامي في المستوى العربي هو أمر أساسي لا بد من الإقبال الجدي عليه ولا بد من الانطلاق في هذا المسعى من بحث الموضوع في ثلاثة أبعاد : البعد الوطني في كل بلد عربي والبعد القومي أي في مستوى العلاقة بين الشعوب العربية، والبعد الدولي أي الحضور العربي في الخارج. ذلك أن الأمة العربية تواجه تحديات خطيرة تزداد حدة مع مرور الزمن وفي مقدمة هذه التحديات الخيارات الحضارية التي ستواجهها الأجيال الصاعدة. ولن نحقق الأهداف المرسومة لرفع هذه التحديات ما لم نأخذ في الحسبان العنصر الثقافي الإعلامي لما له من مميزات وخصائص.

1- الوضع العربي من خلال الأرقام:

لقد كتبت ريتا عوض حول هذا الموضوع في مجلة العربي في عدد 521 لشهر أفريل 2002: "إن أمامنا، نحن العرب، أشواطا طويلة لا بد أن نقطعها، في سباق مع الزمن، ففي عصر أصبحت الأمية فيه هي الجهل باستخدام تقنيات الاتصال، مازالت الأمية الأبجدية مرتفعة المعدلات في البلدان العربية ولم نستطع القضاء عليها رغم الخطط والمحاولات، ومازالت معدلات التسرب من التعليم مثيرة للقلق، ومازالت المناهج الدراسية تعاني الغربة عن العصر وتجتر أساليب تربوية تجاوزها الزمن، ويتراجع، عاما بعد عام، عدد الكتب المطبوعة في أقطار الوطن العربي كما تتناقض نسخ ما يطبع منها، وتظل الملكية الفكرية حقلا سائبا للتجار والسماسرة، والمبدعون محرومون من حقوقهم القانونية وتغلق حدودنا الأرضية في وجه الصحيفة والمجلة والكتاب في عصر الطرق السريعة للمعلومات والسماوات المفتوحة للفضائيات. ويبقى ضئيلا، قياسيا بما ينبغي أن يكون عليه، عدد قاعات المسارح ودور السينما وصالات العروض التشكيلية والمكتبات العامة والمراكز الثقافية، وتعد متدنية –قياسا على المتوسط العالمي- نسبة امتلاك أجهزة الراديو والتلفزيون وعدد نسخ الصحف وورق الطباعة لعدد المواطنين في مجموع الدول العربية. ففي حين يصل المتوسط العالمي لامتلاك أجهزة الراديو للألف مواطن 364 جهازا ينخفض إلى 264 جهازا في الدول العربية. وإذا كان المتوسط العالمي لامتلاك أجهزة التلفزيون 228 جهازا فهو ينخفض إلى 138 جهازا في الدول العربية مقابل 146 جهازا في الدول النامية. وفي حين أن المتوسط العالمي لعدد نسخ الصحف لكل ألف مواطن هو 115 نسخة فإنه ينخفض في الدول العربية إلى 25 نسخة مقابل 50 نسخة في الدول النامية، أما ورق الطباعة لكل ألف فهو لا يتجاوز 2,9طن في الدول العربية مقابل معدل في الدول النامية يبلغ 5,7طن وفي المستوى العالمي 20,9 طن.
وفي مجال الاتصال يفتقر الوطن العربي إلى البنية التحتية للاتصالات، فلا تتجاوز نسبة الربط بشبكة الهاتف 6 من كل مائة مواطن في معظم الدول العربية بينما تتجاوز هذه النسبة 60 مواطنا في الدول المتقدمة. ولا يتعدى نسبة المشتركين بشبكة الإنترنيت مواطنا واحدا من كل ألف مواطن في أغلب الدول العربية بينما تفوق هذه النسبة المائة مشترك في عديد الدول المصنعة. وتشكو الدول العربية من نقص في توافر وسائل الاتصالات الحديثة داخل العائلات، إذ لا تصل نسبة امتلاك أجهزة الكمبيوتر الشخصية إلى 30 جهازا للألف مواطن في حين ترتفع هذه النسبة إلى ما يتجاوز 150 جهازا في معظم الدول المتفوقة تكنولوجيا.
ولا توجد في الدول العربية صناعات ثقافية، باستثناء تجميع أجهزة التلفزيون في عدد منها وصناعة 20% من ورق الكتابة، وتغطى بقية احتياجات السوق بالاستيراد، ولم توفر الامتيازات والتسهيلات والحوافز لتشجيع المستثمرين على إقامة هذه الصناعات. ويبقى الأمن الثقافي العربي مهددا ما دمنا لم نصل إلى إيلاء اهتمامنا لما يسمى بصناعات المحتوى الثقافي، فتبقى أسواقنا الثقافية وعقولنا مفتوحة للإنتاج الأجنبي، ويقف المبدع العربي عاجزا أمام هذا الوضع وسط مناخ غير موات للإبداع ينتظر تأشيرات الدخول على الحدود العربية المفتوحة أمام الإنتاج الأجنبي مباشرة وعبر الشبكات.

2- الخطاب الإعلامي الثقافي في الداخل:

لقد كتب محمد جابر الأنصاري في ندوة علمية نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بفاس سنة 2001 تحت عنوان "نحو تجسيد المشروع الحضاري النهضوي في الواقع العربي" بان العرب مازالوا يعيشون في ظروف القرن الثامن عشر على أفضل تقدير رغم بدء ثورة العلوم الاجتماعية لأنهم لم يقدروا على دخول القرن التاسع عشر بما فيه من نهضة علمية وتقدم صناعي وحرب على الخرافات. ولم يجتازوا القرن العشرين بمعايير الثورة العلمية والثورة الديمقراطية ولذلك فإنه لا يحق لهم أن يجهدوا أنفسهم بالتفكير في القرن الحادي والعشرين بل ينبغي أن يكون هدفهم الاستعداد لدخول القرن التاسع عشر وذلك من باب التواضع الحضاري الذي ينبغي أن يتحلوا به. ومن أراد التأكد من ذلك فعليه معرفة أحوال الريف العربي أو سكان المخيمات، ولذلك فإنه يتعين على العرب تأسيس ثقافة عربية جديدة فاعلة في الواقع والاهتداء إلى خطاب ثقافي إعلامي صريح يهدف إلى التخلص من ثلاث علل خطيرة وهي : التخلف المجتمعي – التخلف العقلي / العلمي – التخلف الأخلاقي.
ويرى الأنصاري أن التخلف المجتمعي والهيكلي مرتبط بالبنى المجتمعية التقليدية والتحديث لن يحصل إلا بعد إذابة هذه البنى في إطار منظمات المجتمع المدني. أما التخلف العقلي فهو يعود إلى استخدام المواطن العربي لذاكرته الناقلة أكثر من عقله الناقد مما يحول دون استيعاب عقلانية العصر الحديث والتقدم العلمي. بينما تتصل الظاهرة الثالثة بالتخلف الأخلاقي وغياب القيم المدنية. ويلخص المفكر هذه الظاهرة في : الأزمة الأخلاقية العامة وغياب قيم السلوك المدني.
ورغم ذلك تنتهي الدراسة بمسحة تفاؤلية إذ تعتبر أن رصيد العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين في حياة العرب لم يكن كله رصيد تراجع وخسائر.
وإني شخصيا لأشاطر هذا التشاؤم القاتم غير أن تحليل الواقع العربي لن يكتمل بدون التعمق في تحليل تأثيرات العولمة الرقمية في التطور الحضاري، ذلك أن مشروع القرية الكونية الذي ينتظرنا ليس فقط مفهوما سياسيا واقتصاديا بل هو في الآن ذاته مفهوم حضاري. لذلك وجب أن تقوم هذه القرية على قاعدة من القيم الأخلاقية بما يكفل للإنسانية التعايش السلمي وينشر قيم التسامح والتضامن وينبذ العنف والنزوع إلى التسلط والغطرسة.
والثقافة هي التي تمكننا لدى ممارستنا للحياة اليومية من تحقيق الغايات الاجتماعية الكبرى كالحفاظ على القيم العائلية وحماية المؤسسات المدنية في عالم يشهد تحولات متسارعة وسلوكيات لا تستقيم مع موروثنا الحضاري.
لقد كانت الأسرة في المجتمعات التقليدية تمثل المهد الذي يشب فيه الطفل على السلوك القويم، وكانت المدرسة تمثل الفضاء الذي يذهب فيه تكوينه الذهني في حين كانت المدينة تمثل البيئة التي يمارس فيها الاستخدام السليم للمفاهيم الأخلاقية والثقافية المكتسبة في البيئتين المذكورتين.
وإن التحدي الذي يتعين على الإنسان العربي رفعة هو استنباط أشكال جديدة من التصرف في المجتمع، وطرق جديدة من التفكير داخل المدرسة، ونماذج جديدة من التنظيم داخل الأسرة.
فهذه البيئات الثلاث هي التي تحكم تطور أي مجتمع، وليس من منقذ لأسرة الغد خير من الحضارة. فالتحدي يواجه كل المجتمعات بما فيها المجتمع الغربي الذي عرف أكثر منا كيف يتفاعل مع العصر الصناعي لكن ليس هنالك ما يدل على أنه اهتدى إلى أنجع السبل للتعايش في المجتمع الرقمي. وإذ نقر بأن اللجوء إلى تقنيات الاتصال لا يمكن أن يسبق اكتساب القدرة على القراءة والكتابة ولا يمكن أن يحل محلها، فإننا نجد فيها حافزا على هذه القدرة ووسيلة لدعم هذه المعرفة وتوسيع مجالها ضمن فضاءات متعددة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الطفل قابل للتعلم بنسق أسرع خمس مرات إذا نحن وفرنا له الجهاز الحاسوبي الملائم والمضمون المعرفي المطلوب.
وإذا ما نظرنا في وضع البيئات الثلاث التي أشرنا إليها آنفا تبينت لنا الحالة المزرية التي تعاني منها المجتمعات الغربية. ففي حين كان يعرف الأطفال الأسرة على أنها بيت يعيش فيه الأم والأب والجد والجدة، نجد أن التحولات المتسارعة قد قوضت هذا البناء الأسري في الغرب وبدأ الشعور لدى الشباب بأن نهاية الأسرة قد حانت. فالإحصائيات تقدم لنا أرقاما مروعة عن الأمهات العازبات (5 بالمائة سنة 1972 مقابل 30 بالمائة حاليا)، وكذلك عن الأزواج دون أطفال في أمريكا، (16 بالمائة سنة 1972 مقابل حوالي 35بالمائة حاليا)، إضافة إلى أن حالات الطلاق قد تضاعفت منذ الستينات وأن نصف الولادات الأولى في بعض البلدان الغربية تحدث خارج إطار الزواج الذي لم يعد المرجع الوحيد لإقامة الأسرة المؤلفة من ذكر وأنثى والإطار الطبيعي لتربية الأطفال ورعاية الشيخوخة. وقد استنتج الباحث الفرنسي بينوا سيار (Benoit Sillard) في تدخل له بالجامعة الصيفية للاتصال في قرية "هورتان" الفرنسية (27 أوت 2003) أن الطفل الفرنسي يقضي في السنة ما يعادل 1400 ساعة أمام شاشة التلفزيون والكمبيوتر مقابل 200 ساعة فقط للتحاور مع والديه.
أما عن المدرسة، فنحن نعلم أن مدرسة الغد سوف تعتمد على مناهج التعليم عن بعد والإنتاج المعرفي المستورد أي أن ظاهرة العولمة سوف تمتد إلى المدرسة بعد اكتساح السوق التجارية وأن التوريد المعرفي من الخارج سيشمل برنامج التاريخ الوطني والجغرافيا والتربية المدنية إلخ ... ويرى أهل الذكر أن المدرسة لكي تنتج في خلق تواؤم مستديم بين العائلة والمجتمع وتتناغم مع الثورة التكنولوجية الراهنة فإنه يتعين تطوير الحس المدني لدى الناشئة، وإدراج مواد ضمن البرامج التعليمية متصلة بحقوق الإنسان ومفهوم الديمقراطية وهي بالأساس تربية وثقافة وسلوك وممارسة تتعلمها الأجيال المتتالية في بيئة متماسكة وليس من اليسير ضمان ذلك.
وفيما يتعلق بالمجتمع فإن المدينة قد أصبحت مزدوجة يتعايش فيها فضاءان، فضاء الأطراف المتعاملة مع المؤسسات العابرة للحدود والهويات، والفضاء المحلي. ومن البديهي أن هذا الأخير هو الذي يحافظ على الهوية والانتماء وإذ يبدو فضاء الهوية أقرب إلى المحلية، فإن الفضاء المهني يبقى كونيا.
والاستنتاج هو أن التقيد ببعض التقاليد الإيجابية يمكن أن يصبح عنصر قوة ودفع في بداية ثورة إعلامية-ثقافية عارمة. والمهم هو أن تدرك النخبة كيف يكون التفاعل الاجتماعي الناجع وكيف يكون تلافي القطيعة بين فئتين متواجهتين في مجتمع واحد وأحيانا في نفس الحي.
ويرى الشاذلي القليبي في كتابه "أمة تواجه عصرا جديدا" أن العولمة لا تتناقض مع توجهات الحضارة الإسلامية التي وفرت مجالا رحبا منذ نشأتها للتقارب بين الشعوب وتلاقح الحضارات، بل أكثر من ذلك، أن ظاهرة العولمة تجد في الحضارة العربية الإسلامية تراثا ثقافيا مناسبا لتطوير مثل هذا التواصل والتقارب بين الشعوب.
ويتعين علينا العودة إلى هذا الإرث الثقافي كما يجب علينا ونحن نؤكد خصوصيتنا الثقافية أن نتجنب الإفراط حتى لا نثير لدى الآخرين الضغينة والأفكار المسبقة التي لن يترددوا في ربطها بالإسلام جهلا منهم بأن من صميم هذه الديانة مفاهيم السماحة، والتعقل والانفتاح والمروءة. كما يجب إقناع الآخر بأن العدو الحقيقي للإنسان إنما هو الفقر وسوء المعاملة والجور وأن قانون السوق لا يجب أن يؤدي إلى مجتمع السوق أي إلى قانون الغاب.
وقد يطول الحديث حول حقيقة التعددية الإعلامية عير الشبكات الفضائية بين مؤيد ومعارض، لكن الواقع هو أن هنالك مجالا أوسع للاختيار أمام المشاهد العربي بفضل هذه القنوات، كما أن إنشاء شبكات الاتصال الحديثة من شأنه تكثيف العلاقات التفاعلية بين السكان وتوسيع الإدارة البلدية، وحل الإشكالية الظرفية أو حتى الراسخة. ذلك أن ممارسي النشاط السياسي سيجدون في وسائل الاتصال الإلكترونية طرقا جديدة للتعرف على هموم المجتمع بالتحاور مع الجماهير والاقتراب منها أكثر فأكثر والاستجابة لمطامحها المشروعة وبذلك يكتسب الرأي العام مزيدا من الوعي في التعرف على الشؤون العامة ويسهم بالفعل في اتخاذ القرار على المستويين المركزي والمحلي.
إننا، نحن العرب، نعيش منعطفا تاريخيا خطيرا ونقف أفرادا وجماعات وأقطارا وأمة في مواجهة تحديات مصيرية بكل معني الكلمة. ولعل أول شروط لمجابهة التحديات أن نعمل معا، متكافلين ومتعاضدين لمواجهتها. فلا بد من التنسيق بين الدول العربية في صياغة السياسات الثقافية في كل مجال يتعلق بالتنمية البشرية والتنمية الشاملة. ولا بد أن يتجه خطابنا الإعلامي الثقافي إلى معالجة هذه القضايا الشائكة التي نعاني منها أو هي في الانتظار.

3-الحضور الحضاري العربي في الخارج:

إن الحضور الحضاري العربي في الغرب مرّ بمراحل عديدة وسجل نتائج متفاوتة عبر العصور ومن المحتم المزيد من التعمق في الموضوع حتى نبني خطابنا الخارجي على أسس أمتن مما كان عليه في الماضي.
لقد جاء في محاضرة لروبار سوان Robert Swann الأمين العام للرابطة البرلمانية من أجل التعاون الأوروبي العربي، حول "الإسلام كما يراه الغرب" ألقاها في سنة 1980، إن الموقف الذي يتخذه الغرب إزاء العالم الإسلامي يرجع أكثر مما نتصور إلى أهواء الأجيال التي سبقتنا وإلى أحكامها المسبقة. ذلك أن الدراسات الغربية الخاصة بالدين الإسلامي وبالمسلمين كانت تهدف إلى تكريس تفوق الغرب. ويؤكد المؤلف شعوره بأن الصحافة والتلفزة في الغرب لا تتحرى بالقدر الكافي ولا تتردد في نشر الأنباء المثيرة وتشويه ملامح العالم الإسلامي. وهو يعتقد أن السبب لكل ذلك يكمن في نفسية البشر، إذ من طبيعة الإنسان غير المطلع أن يشعر بتحرز غريزي إزاء من يختلف عنه.
وقد أخذ المسيحيون على لسان البابا يوحنا بول الثاني (2 يونيو 1980 باليونسكو) موقفا واضحا من هذا الموضوع فقد قال قداسته إن أجهزة الإعلام الجماهيرية لا يمكن بحال من الأحوال أن تفرض هيمنتها على الآخرين، بل عليها أن تراعي قيم الأمم وتاريخها وتحترم حق الإنسان في الكرامة باعتبار أن الهوية الثقافية هي خلاصة تلك القيم. وجل ما نقرأه اليوم من دراسات ومقالات صحافية وتصريحات سياسية من مصادر مختلفة يؤكد ترسّخ هذه الاعتبارات.
وفي العقود الأخيرة لعبت الحركات المناهضة للعرب دورا خطيرا في زيادة تشويه الصورة العربية في الغرب ذلك أن أغلب الكتب التي تؤلف عن العرب لا تتوخى الإنصاف والدقة بل تجاري الصورة التي استقرت في أذهان الناس عنهم. ورغم الاهتمام الذي برز في السنوات الأخيرة بالديانات والشعوب الشرقية فإن مكتبات أوروبا لا تعرض إلا القليل من الكتب عن العرب والإسلام، وقد عجز المال والذكاء العربي عن كسر حواجز الكراهية والتعريف بالجوانب الإيجابية والإنجازات الحضارية والثقافية للأمة العربية لدى الشعوب الأوروبية وإن التحركات على الساحة الدولية لم تكن فعالة بالقدر الكافي في تصحيح الأوضاع.
لقد أتيحت لنا فرص متعددة للوصول إلى الرأي العام في أوروبا عبر قنوات مختلفة. ولكن هذه القنوات لم تستخدم بصورة فعالة بسبب فقدان التنسيق، وعدم توفر خطة شاملة لتحرك ثقافي إعلامي منظم تسخر له الكفاءات العربية الموجودة في الشرق والغرب، والساحة في البلاد المتوسطية الشمالية مفتوحة على مصراعيها للاستماع إلى وجهات النظر العربية ولإقامة علاقات أفضل مع العرب والمسلمين وهي ساحة خصبة تنتظر البذرة الطيبة والمتابعة الذكية والتحرك الجاد.
لقد كنا نعتقد أن هذه الانطباعات التي سجلت منذ زمن بعيد قد تطورت بتأثير أجهزة الإعلام والقنوات الفضائية والشبكات الإلكترونية. إلا ان ما جد قبيل أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وبعدها يؤكد أن الصورة العربية الإسلامية هي في حاجة ملحة إلى المعالجة والتحسين. لقد نشرت بعض الصحف الأوروبية المعروفة بجديتها ومن ذلك صحيفة "الفيقارو" في نشرتها الصادرة بتاريخ 1 أكتوبر 2001 وفي مقال بإمضاء ابن وراق وغي هنبال جاء فيه أن الإسلام ليس دين اعتدال وأن أغلبية المسلمين الذي يبلغ عددهم مليار شخص ليسوا مواطنين مسالمين مؤمنون بعقيدتهم ويمارسون شريعتهم بمثال بصيرة مختلف المؤمنين بالله. وما هذا التفكير إلا نموذج لكثير مما كتب في السنوات الأخيرة حول صراع الحضارات وما قيل منذ انهيار المعسكر الشيوعي حول حاجة العالم الغربي إلى خصم يركز عليه حقده ويمرر به العديد من اختياراته الاستراتيجية التي تستوجب التعتيم الإعلامي والتضليل. وتأتي الصحيفة الإيطالية "كورياري ديلاسيرا" لتزيد في الطين بلّة بنشر مواقف لاذعة للصحافية أوريانة فالاشي (Oriana Fallaci) ضدّ الحضارة العربية الإسلامية وتتعرض بالثلب للعرب جميعا بدون أدنى احترام لأدبيات الصحافة والإعلام.
وفي هذه الأجواء المغيمة أتى تصريح رئيس الحكومة الإيطالية السيد "سيلفيو برلوسكوني" (Silvio Berlosconi) ليساند هذه المواقف من الحضارة العربية الإسلامية مثيرا بذلك الأحقاد والانفعال الشديد. فلو اطلع هذا الرجل السياسي على ما كتبه موريس بوكاي وروبارسوان لما انزلق إلى الموقف الذي كرره عدة مرات قبل أن يتراجع فيه.
إن هذه الإشارات ما هي إلا عينة مما يكتب اليوم عن العروبة والإسلام غير أن هذا الثلب المكشوف لا يخفف من مسؤولية من انخرط في صفوف الأصوليين الدينيين الذين أضروا بالإسلام وبمفهومه المعاصر وبسماحة الإيمان. نعم لقد شوه البعض من العرب والمسلمين المتطرفين صورة الحضارة العربية الإسلامية إلى أبعد حد إذ قاوموا مبادرات التفتح والاجتهاد وألحقوا الأذى برجال الفكر والقلم الذين خالفوهم الرأي. فلا بد لنا من الاعتراف بأن كثيرا مما نال صور حضارتنا في الخارج من تشويه يعود إلى حقائق داخلية لا سبيل إلى نكرانها، وعليه فمن الأجدر توجيه ما يلزم بذله من جهد إلى تحسين الملامح السلبية والاعتماد على السياسات الواضحة التي ترفض ازدواجية الخطاب وتمسك عن مناصرة الإرهاب مهما كان مأتاه.
كما أن الحاجة تدعو إلى القيام بعمل سريع لسد الثغرة القائمة بين العرب وشعوب أوروبا، مثلما فعلت اليابان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لمحو الصورة السلبية عنها في أذهان الأمريكيين والأوروبيين. فقد قامت اليابان بحملة موسعة استمرت عشر سنين لعرض الثقافة والرقص والموسيقى والفنون اليابانية على الشعب الأمريكي وأقامت مؤسسات وجمعيات للصداقة واحتضنت طلابا وقدمت منحا ودعما للجمعيات الأمريكية الإنسانية ونجحت إلى حد بعيد فما ضر العرب أن يعرفوا دوريا بما خلده أجدادهم من تراث متميز في مجالات النقش والزخرفة والكتابة بمثل هذا الجهد.
وإن كان هناك حضور لوبي صهيوني في مواقع صنع القرار في البرلمانات ولدى الحكومات وفي وسائل الإعلام الكبرى كالصحف وشبكات الإذاعة والتلفزيون التي غالبا ما تكون في المدن الرئيسية، فإن مجموعات كبرى من الرأي العام في الغرب مازالت على استعداد للاستماع إلى الحقيقة وللتعاطف مع القضايا العربية وهذه الجماهير التي تعيش خارج العواصم غالبا ما تقف موقف الحياد من النزاع العربي الإسرائيلي فإذا نجح العرب في عرض أوجه حضاراتهم من خلال اتصالهم المباشر معها، أو من خلال وسائل الاتصال المختلفة فإن الجماهير المستهدفة هي التي ستتولى التأثير على حكوماتها ونوابها، وتلك هي الوسيلة الناجعة لكسر الحلقة الشريرة التي تحاول حمل الحكومات الغربية على التجاوب مع المنادين بصراع الحضارات.
لقد كتب الكثير عن الإعلام العربي الخارجي وعما يتعين بذله من جهود لضمان التعايش الحضاري حتى تكون الصورة العربية مقبولة لدى الجمهور الأوروبي والغربي على العموم، وكان هناك وفاق كامل حول ضرورة السعي إلى تحسين سيولة الإعلام العربي نحو أوروبا وذلك باللغة وبالأسلوب اللذين يتناسبان أكثر من غيرهما مع المستهدفين والأطراف المتقبلة. وقد شجعنا الكثير من الإعلاميين العرب حتى يستقروا بالخارج لأداء هذه الرسالة فأين نحن من هذه الرؤية وأين نحن من هذه الأهداف السامية وهل قام هؤلاء بالواجب على الوجه المطلوب أم تأثروا بظروف أخرى تحت واعز الربح.
فلا ينبغي أن تخفى هذه الحقيقة عن الأذهان، ولا بد من كشف المشكلات والجوانب السلبية التي يجابهها الإعلام العربي في الخارج.
إن الاستراتيجية الإعلامية هي محور مركزي في هذا المجال، كما أنها تمثل ركنا أساسيا من أركان الحوار بين الأطراف التي ستتعايش في المجتمع الجديد.


III-الجزء الثالث: دور الثقافة السيبرنية في ترويض الثورة الإعلامية

إن ما يطلق عليه اسم العصر الإلكتروني ومجتمع المعلومات يمثل أحد الأسباب الرئيسية للثورة العارمة التي نشهدها ونحن على عتبة عصر جديد لم تتحدد قسماته بعد. لقد جاء في دراسة أعدت منذ ربع قرن للباحث الأمريكي بركهيل (D.F Parkhill) أن تطور وسائل الإعلام سوف يؤدي إلى نظام مشابه لشبكة من الطرقات السريعة الإلكترونية المرتبطة بعضها ببعض والممتدة عالميا بدون حواجز ولا حدود. وكان هذا الخبير هو أول من اعتمد هذا المصطلح كرمز "لمجتمع المعلومات" وتنبأ بأن البحث في المخابر سيتوصل سريعا إلى تذليل آخر العقبات الفنية حول نقل الصورة الرقمية بالسرعة الفائقة واللون المطابق والتفاعل المطلوب. وقد ساند هذا الخبير ما ورد في دراسة يابانية أعدت سنة 1971 استنتجت أن الشبكة العالمية للكمبيوتر سوف تساعد على تقديم مجموعة لا تحصى ولا تعد من الخدمات التي تتصل بالفنون والعلوم والتربية والصناعة والتجارة والصحة والنقل والإدارة العمومية والنشاط الحكومي وسوف تساعد على رفع الإنتاجية والزيادة في الناتج الوطني وتوفير فرص التشغيل وتحسين نوعية الحياة.
كما ركزت تلك الدراسة على القوة الإعلامية كطاقة جديدة قابلة للتوزيع الإلكتروني ولاحتلال مكانة كبرى تتجاوز حجم الصناعة في الاقتصاد الوطني باعتبار أن الانتقال نحو مجتمع ما بعد الصناعي يحصل عندما يتسع قطاع الخدمات المعتمد على الإعلام ويتجاوز نسبة 50 بالمائة من الناتج الوطني العام. وتزول كل الحدود الجغرافية ويندمج نظام الكمبيوتر مع العقل الإنساني ويعم الفضاء السيبرني كافة المجالات وكل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهاهي الإنسانية قاطبة بدأت تخوض غمار هذه الثورة السيبرنية في مختلف أبعادها وفي مقدمتها البعد الثقافي. وسنحاول تناول الموضوع من خلال العناوين التالية :
 المواطن العربي في عالم بدون حدود
 الثقافة السيبرنية في الفضاء العربي
 الاعتبارات الجديدة لتطوير الاستراتيجية الإعلامية الثقافية

1- المواطن العربي في عالم بدون حدود:

إن العلاقة بين منظومة العولمة ومفهوم الحضارة في مجتمع المعلومات هي في حاجة إلى تحاليل ضافية ودراسات معمقة، غير انه يمكننا إبراز البعض من جوانب هذا التناغم الثلاثي من خلال ما كتب حول الموضوع في السنوات الأخيرة.
أ- التكتلات الحضارية اليوم:
يرى بعض المنظرين أن للثقافة جانبين: روحي ومادي بحيث يضم الجانب الروحي القيم والمعايير والاعتقادات والتقاليد، ويمثل الجانب المادي العنصر الملموس لما يصاغ من أدوات ومنشآت لضمان الاستقرار الحضاري والتعايش الاجتماعي. وهذا يعني أن الثقافات المتجانسة يمكن أن تشارك في حضارة عالمية واحدة مع الاحتفاظ بجانبها الروحي ومميزاتها الخاصة. أما الحضارات المتباينة كثيرا فهي مرشحة إلى التصادم. ويقول صامويل هنتنغتون في كتابه "صراع الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي" إن الثقافة والهويات الثقافية التي هي هويات حضارية تشكل أنماط التماسك والألفة والمودة بين المنتمين أو المنتسبين إلى هذه الحضارة أو تلك. وأصبحت المجتمعات تعتمد الهوية للدفاع عن مصالحها وتنميتها. وبما أننا لا نعرف من نكون إلا عندما نعرف من ليس نحن، فقد تأكدت ظاهرة الانتساب الحضاري. ذلك أن الناس يعرفون أنفسهم من خلال النسب والدين واللغة والتاريخ والقيم والعادات. كما أن رموز الهوية مثل الملابس والمأكولات والشعارات الدينية (الهلال أو الصليب) تدخل في الاعتبار إلى حد كبير للتعريف بتلك الهوية وذلك الانتساب. وستكون السياسة المحلية في هذا العالم الجديد هي السياسة العرقية، أمّا السياسة الكونية فهي سياسة الحضارات كما سيكون الانتساب الحضاري من مبررات المنافسة بين القوى الكبرى والتكتلات.
وبصورة عامة فإن الفروق التي أصبحت تميز بين الشعوب بعد انتهاء الحرب الباردة لم تعد سياسية أو اقتصادية بقدر ما هي ثقافية. ومن هنا تدرج مؤلف كتاب صدام الحضارات إلى تصنيف هذه الحضارات وتقييم وزنها على الساحة العالمية وهي تتمثل في ثمانية تكتلات حضارية وهي الغربية والإسلامية والهندوسية والأمريكية اللاتينية والإفريقية و اليابانية و تتفاوت هذه المجموعات فيما بينها من حيث الطاقة الاقتصادية و تعداد السكان و يستنتج المؤلف أن الصدارة في الترتيب هي للمجموعة الصينية من حيث تعداد السكان و تليها المجموعة الإسلامية.
و يلتقي هنتغتون مع هنري كيسنجر الذي يرى أن القوة الرئيسية التي ستؤسس النظام العالمي في القرن الحادي و العشرين, تنتمي على حضارات متباينة جدا و منها الدول الإسلامية التي ستكون مؤثرة في الشؤون العالمية بفضل مواقعها الاستراتيجية وعدد سكانها وحجم مواردها البترولية.

ب- التأقلم مع الحدود الجغرافية الخفية:

إن الفضاء المعلوماتي هو عالم جديد خفي بلا حدود و لا ضوابط و لا سلطة فلا يرى و لا يقاس. لقد صدر في السنوات الأخيرة كتاب ألفه الباحث الياباني كنيشي اوهماي Kenichi OHMAE تحت عنوان " القارة الخفية" و مفاد هذا الكتاب أن ظاهرة العولمة أدت إلى ظهور هذا الكيان السياسي الذي ليس له دستور و لا نظام أساسي لكنه يستند إلى ميثاق عنوانه الاستقلال في كنف التكامل و الترابط و التعايش السلمي (Interdépendance). ولهذه القارة مؤشرات مشابهة للقارات الجغرافية المعروفة كالمساحة وعدد السكان وحجم النتائج ومعدل الدخل إلى آخره ولها مستوطنات في كل بلاد.
ويوضح كنيشي أن الإنسان لم يكتشف بعد مختلف خفايا هذه القارة غير أنه قادر على إدراك ملامحها من خلال أربعة أبعاد وهي: البعد الظاهر والبعد الافتراضي والبعد المتغيم والبعد العابر للحدود.
فالإنسان يمر بالأبعاد الأربعة في اليوم الواحد بحيث يتعامل مع البعد الظاهر عندما يشتري غذاءه، ويتفاعل مع البعد الافتراضي عندما بيستعمل بطاقة دفع ممغنطة، ويلامس البعد المتغيم عندما يقف في بهو البورصة، ويدخل في البعد العابر للحدود عندما يجلس امام التلفزة أو الحاسوب ويستفيد عن بعد من مختلف الخدمات الإدارية والتجارية.
ولهذه القارة الممتدة عبر الأراضي والبحور جسور تساعد على العبور بين منطقة وأخرى لكنها لا تماثل الطرق والمسالك التي عرفها الإنسان في العصر الصناعي. ويتحكم في هذا الكيان المنتجون والمستهلكون على اختلاف مشاربهم وهم غير متفقين على توجه واحد ولا توحد بينهم سوى اللهفة على الربح السريع، وغزو الأسواق الجديدة، والمنافسة الشرسة. أما الجسور فهي أساسا قنوات التلفزيون الفضائية، وشبكات المعلومات، وإنترنيت، ومايكروسوفت ... وتسمح الأحكام الضمنية في هذه القارة بالتمييز في المعاملات بين مجموعة سكنية وأخرى والمراوغة وعدم احترام مبادئ المساواة وتجاوز آداب اللياقة. ويمكن لكل راغب أن ينتسب إلى هذه القارة بمحض إرادته بدافع الطموح أو تحت التأثير والإغراء.
والسؤال بالنسبة إلى كل مفكر عربي هو ما هي مميزات التعامل مع هذا الفضاء الجديد وما هو مستوى حضورنا في هذه القارة الخفية ؟ وماهي نسبة تفاعلنا مع مكتشفيها؟ وماهو مقدار مشاركة الفكر العربي لتبوئ منزلة فيها ؟ وبأي نسق سيكون إقبال الخبرة العربية عليها ؟
ومن المؤسف أننا دخلنا في عالم قوامه العنف والإرهاب وقد تولد ذلك في حد كبير عن انفتاح الحدود والتطرف واشتداد الحاجة والفاقة حتى في المجتمعات الغنية وأصبحت الإنسانية تبحث عن حلول ملائمة لقضايا جديدة وقوانين دولية متميزة وضوابط أدبية يتقيد بها الجميع في هذه القارة الخفية.
ويرى الأخصائيون في هذا المجال أن الحياة السياسية ستتأثر –إلى حد كبير- بتطور تقنيات الإعلام، وستعم الديمقراطية السيبرنية وستصبح الديمقراطية المباشرة قابلة تقنيا للتحقيق لأول مرة في التاريخ. وهو ما سيتيح اندماج الحاسوب في كل آليات الحياة السياسية، والتصويت الإلكتروني، والمشاركة عن بعد في منابر الحوار والمجالس النيابية والبلدية وكسب القدرة على مجابهة مجموعات الضغط بفضل توفر المعلومات المطلوبة في سرعة بالغة إلى غير ذلك من التطبيقات. غير أن تجسيد المجتمع الحضاري الرقمي يتوقف أساسا على تعميم الثقافة الرقمية في كافة أنحاء العالم العربي وكم من مرة يطرح السؤال حول ماهية الثقافة الرقمية ؟
ج- اكتساب الثقافة الرقمية :
وثقافة المعلومات هي في نظر البعض، ما يتعين على الإنسان إدراكه وتقاسمه مع بقية أفراد المجتمع حول خصائص تكنولوجيا الاتصالات وآلياتها وتطبيقاتها وانعكاساتها على مختلف مكونات الحياة الاجتماعية. ويبدأ ذلك بتدرج تاريخي يمر بمفهومي ثورة المعلومات والطريق السريعة الإلكترونية وبإدراك خلفيات شبكة إنترنيت وبمدى تكاملها مع الشبكات المحلية للاتصال وبآفاق تطور تقنيات الصورة الافتراضية والتطور المنتظر في مجال تفعيل مختلف الحواس عن بعد. والموضوع المطروح اليوم، ماهو مضمون هذه الثقافة وماهي مرجعيتها وماهو الحد الأدنى من الدراية الفنية والوعي الاجتماعي لإدراك معناها العميق ؟ وماهو السلوك الملائم للمشاركة في بناء هذا المجتمع الرقمي ؟
فلئن كان مصطلح الثقافة الرقمية سائرا على كل لسان فإن الاختلاف ما يزال قائما في أذهان مستعمليه وكل يراه حسب تخصصه وعلاقته بمهنته، فهو يعني للبعض الإيقاظ العلمي في مجال المعلومات، ويعني لأطراف أخرى القدرة على استعمال الحاسوب واكتساب المهارة في توظيف شبكة إنترنيت أو الشبكات الداخلية والاستفادة عن بعد من خدمات كثيرة. ويعني لأطراف ثالثة التضلع في علوم الكمبيوتر وعلوم الرياضيات والألقوريتم وبلوغ درجة عليا في الإبداع الرقمي. ولذلك فنحن في حاجة لتوحيد مفهومنا لهذا المصطلح.
وغني عن التأكيد أنه لا مكان في القرن الحادي والعشرين لمن يعجز عن تحريك أصابعه للتفاعل مع الحاسوب واختصار المراحل لأداء أعباء مهنية وإدارية وعائلية كثيرة. ذلك أن الثقافة الرقمية في هذا المجال تعني الإلمام بالقواعد الأساسية لاستعمالات الحاسوب والتمييز بين آلياته وإدراك معنى الفيروس، والعلاقة بين الكمبيوتر وشبكات الاتصال وعلاقة كل ذلك بشبكة إنترنيت وصيغ الإبحار بها، كما أن هذه الثقافة تعني إدراك مدى اتساع الفضاءات التي تفسحها تلك الشبكة، ومعنى المعلومة المخزونة في الحاسوب أو السيديروم وميزة التراسل على الخط وكذلك صيغ التراسل وطرق الحصول على العنوان الإليكتروني (e-mail) والموقع (Web) والمفاتيح الملائمة إلى غير ذلك من الاعتبارات الفنية التي يمكن استيعابها من خلال برامج التدريب المبسطة في الإعلامية والحاسوب.
ثم إن عبارة الثقافة الرقمية لا تكمن فقط في القدرة على الدراية الفنية وحدها وإنما في الجمع بين التصور العلمي والمهارة التقنية في آن واحد.
فهي ثقافة الشبكات التي تبسطت مسالكها وتيسر التفاعل معها من أجل تطوير العمل بالمؤسسات الاقتصادية وتحديث أساليب المعاملات فيما بينها وتطوير قطاع الخدمات والارتقاء به إلى مسالك جديدة أهمها التجارة الإلكترونية والمبادلات اللامادية والتواصل المفتوح بين الأفراد والمجموعات في كافة أنحاء العالم. وأضحت الرموز الرقمية وأجهزة المولتيميديا هي همزة الوصل الأولى بين متساكني القرية الكونية وأداة الفهم لكل ما يتعلق بحياتنا أفرادا وجماعات. فأينما ذهبنا، وحيث ما نظرنا، وكيف ما بحثنا وتبصرنا، نجد أنفسنا في مواجهة المعلومات، نجدها في جسيمات الذرة ونواة الخلية كما نجدها في المحيط الأرضي والمجرات الفضائية.
فهي تمكن في بنية الكائن البشري، الذي أوشك أن يتحول بذاته إلى قاعدة بيانات، عن طريق الخرائط الوراثية والمخية، وهي تكمن كذلك في بنية المجتمع كنظام يقوم على مؤسسات الحكم والاقتصاد والتربية والإعلام والأمن والقانون الخ ...
ومهما كانت أهمية الجانب التقني في استعمال الحاسوب وشبكات الاتصال فإن ذلك الجانب سرعان ما يتوارى لتبرز الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تتكامل شبكة الإنترنت مع منظومة التربية والإعلام والاقتصاد، وتوفر بيئة مثالية لحوار الثقافات والتهجين الثقافي.
وهذا ما يدعو إلى ضرورة النظر إلى تكنولوجيات المعلومات من منظور ثقافي تنموي، والإلمام بهذه الحقائق لكسب سباق التطور والرقي. وفي هذا السياق يندرج أيضا موضوع ردم الفجوة الرقمية التي تظهر معالمها بين الشعوب وداخل المجتمعات.
ولن يستقيم فهم مضمون هذه الثقافة دون إدراك مدى علاقة التكنولوجيا الحديثة للمعلومات بالفن التشكيلي وبالآداب وبخصائص اللغة العربية وبقابلية تفاعلها مع باقي اللغات العالمية الكبرى. بمثل هذا الوعي الجماعي في المستويين الوطني والقومي، يمكن للمنطقة العربية أن تتفاعل مع ثورة المعلومات مثل غيرها من الشعوب وقد تتميز عنها لا سيما في بعدها الثقافي.

2- الثقافة السيبرنية في الفضاء العربي :

إن المواطن العربي هو اليوم في حاجة إلى ثقافة من شأنها أن تساعده على التفكير في الأمور العالمية و الأمور المحلية، أي إلى ثقافة شمولية. و "الثقافة السيبرنية" التي ترافق بروز "المجتمع العالمي للمعلومات" لها البعض من صفات مثل هذه الثقافة "الشمولية المحلية" التي ليست "ثقافة الإنترنت" إلا صورة أولية لها. فـ"الثقافة السيبرنية" لها نماذج ذهنية وآلاتية من شأنها أن تساعد على إدراك أفضل للصيغ الجديدة لمظاهر التعقد. وعلى سبيل المثال فإن المحاكاة الرقمية، وتجسيم الواقع الافتراضي يمكنان من صياغة مفاهيم عالمية جديدة ونماذج مجردة و متطورة للوصول إلى فهم أفضل لطبيعة الأشياء المحيطة بالإنسان. ومن ناحية أخرى، فإن الثقافة السيبرنية هي أيضا تلك المجموعات الافتراضية و "المدارس اللامرئية" التي تمثل أشكالا جديدة من الحياة الجماعية و تمكن من القيام بالعمل ضمن مجموعات على الصعيد العالمي. والسيبرنية ترتكز في جانب كبير منها على هذا الشعور بالانتساب إلى مجموعة "مستعملي الإنترنت" على الصعيد العالمي.
إن عبارة "الثقافة السيبرنية" تعتمد لفظة "سيبر" التي أضحت اليوم في العالم أجمع، رمزا للثورة التي أحدثتها التكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصال. وهي ليست ثقافة الفضاء السيبرني والتليماتية فحسب، بل هي كذلك ثقافة "القيادة" و "الحكم" وهي ثقافة الملاحة في فضاءات الموارد الضخمة من المعلومات، وهي أيضا ثقافة الحكم الشامل. فجوهر الثقافة السيبرنية مرتبط بإدراك ما هو شامل وما هو عالمي وما هو متعلق بالكوكب الأرضي، وفي النهاية، بما هو متعلق بالكون قاطبة. وقد تطلعت منذ زمان ثقافات أخرى إلى الإلمام الواسع بالبعد الكوني إلا أن الجديد في الوضع، هو أن الثقافة السيبرنية تستخدم وسائل خاصة بعصرنا هذا وتستفيد من مجالات الواقع الافتراضي للتأثير في القضايا القائمة فيه. وباختصار فإن الرهان الحقيقي للثقافة السيبرنية هو إضفاء الصبغة الحضارية على ظاهرة العولمة والشمولية، من أجل تحقيق أحلام اليوم وآمال الغد.
ذلك أن الثورة الناتجة عن تطور تقنيات المعلومات والاتصال قد كانت جد سريعة وعميقة إلى حد أنها أدخلت تأثيرات على تنظيم مجتمعاتنا وذلك على المستوى العالمي. فنمط المجتمع الصناعي بالذات أضحى موضع نظر في مختلف المجتمعات بقطع النظر عن مستوى تطورها و "المجتمع العالمي المعلوماتي" هو في الواقع السبب في ثورات أربع: ثورة ثقافية، وثورة اجتماعية، وثورة اقتصادية، وثورة سياسية.
وإذا تأملنا في الثورة الثقافية وجدنا أنها ليست مجرد ثورة تقنية بل هي أمر أعمق من ذلك بكثير يمكن مقارنته بحدث ظهور الأبجدية لأول مرة فالتقنيات الرقمية هي بمنزلة لغة حرة تمكن من تحقيق الشفافية التامة بين كل أشكال التصور ويمكن مقارنتها كذلك باختراع الطباعة (فالأنترنيت هي بمثابة مطبوعة كونية، وفي آن واحد آلة شخصية حاضرة في كل مكان، يمكن تشغيلها بتكاليف زهيدة). وهذه الثورة الثقافية لها آثار بعيدة المدى إلى حد يمكن معه القول بأنها أحدثت صيغة جديدة "لهيئة" الإنسان. فالتواجد على شبكة الأنترنيت يكيف الوجدان البشري إلى أبعد حد.
ويرافق ذلك تغير جذري في نظرنا إلى العالم وفي طريقة مواجهة المشاكل وفي حلها. من ذلك أننا نلاحظ تزايدا في تجريد التفكير وفي ترويض النماذج اللازمة لفهم صيغ تماسك المجتمعات، تلك المجتمعات التي ازدادت تعقدا يوما بعد يوم، ويتنامى ارتباطها بتعميم استخدام الحاسوب ومختلف تكنلوجيات الاتصال. وهذا التقدم في ظاهرة التجريد يمكن اعتباره بمنزلة "تقدم" للإنسانية إذا ما أخذنا بوجهة نظر المفكر لوروا قورهان الذي يرى أن المراحل الكبرى للحضارة الإنسانية كانت نتيجة مراحل للتجرد الكبير (فالصيحة قد تجردت فنشأ عنها التعبير، واليد قد تجردت فنشأت عنها الآلة والخطاب الشفاهي قد تجرد فنتجت عنه الكتابة).
وبما أن ظاهرة "الافتراضية" أي محاكاة الواقع هي بمثابة التجرد، (حيث إن الواقع يتجرد ليولد الافتراضي)، فبالإمكان أن نتوقع منها نتائج لا تحصى ولا تعد بالمقارنة مع ما عرفناه عبر العصور التي مرت بها البشرية. فبعد العصر الحجري، والعصر البرنزي، والعصر الحديدي قد يظهر العصر الافتراضي. على أنه يمكن لنا أن نتساءل عن المنزلة التي يؤول إليها الإنسان في هذه المرحلة الجديدة من التجريد. فقد يفقد هذا الإنسان كيانه العميق لأن التصورات الافتراضية والنماذج الرقمية لا يمكن أن تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الخفية والنواحي المسكوت عنها في الذات الإنسانية. ولذلك فإن الثقافة السيبرنية ستكون متأثرة إلى حد كبير بتلك الضغوط والتوترات.
ومن القضايا التي ستطرحها ثورة الشبكات الافتراضية قضية "الذكاء الجماعي" التي ستكون مفيدة لحل المشاكل الكونية التي ستزداد تعقدا وشمولية على مر الأيام. فكل مجموعة بشرية مرتبطة بالأنترنيت بإمكانها نظريا أن تشارك في إنجاز الأعمال الجماعية وذكاء كل فرد يمكن أن يعبأ لفائدة الجميع. والجدير بالتذكير أن عبارة "الذكاء الجماعي" التي كانت شائعة الاستعمال قد تعوض بعبارة "دائرة العقول" التي استخدمها تيلهار دي شردان فدائرة العقول هي مجموعة من الذكاءات الفردية الحرة متصلة فيما بينها ومتعاونة في مجال البحث عن تطور الوعي. والثقافة السيبرنية مؤهلة أكثر من سواها لتيسير استعمال هذا المفهوم الجديد.
وهناك قضية أخرى وهي قضية التنوع الثقافي. فالعولمة هي بلا أي شك خطر يهدد ثراء وتنوع الثقافات في العالم لكنها تمثل كذلك فرصة مهمة. فهناك توازن عسير إيجاده بين اختلاف الشعوب وبين ما يجمع بينها وبين عبقريتها الخاصة وبين تطلعاتها المشتركة. ومن ناحية أخرى فإنه ينبغي دوما التذكير بأن "مجتمع المعلومات" لا يترتب عنه بالضرورة إضافة في مجال الثقافة. فمن المعلوم أن المعلومات ليست المعرفة وأن المعرفة ليست الثقافة. فالتحدي الذي ينبغي التغلب عليه يتمثل بالفعل في إنشاء ثقافة حقيقية من شيء مازال لحد الآن خليطا من التكنولوجيات والمعلومات. والثقافة السيبرنية لن تكون جديرة حقا بهذه التسمية إلا إذا ما استطاعت تجسيد التطلعات العميقة لمواطني الكون.
نتبين من هنا أن الثقافة الخاصة بالمسائل الكونية هي قاسم مشترك بين كل الثاقفات. وتلك الثقافة ليست مجرد ثقافة عالمية مرقمنة موضوعة على الشبكة ويمكن النفاذ إليها في الوقت الحقيقي في كل نقطة من كوكبنا الأرضي. وينبغي في هذا الصدد التمييز بين "الثقافة الخاصة بالمسائل الكونية" و "الثقافة الكونية"، ذلك أن "الثقافة الكونية" قد لا تكون سوى ثقافة معولمة منمطة تؤدي إلى الافتقار والاستلاب أما الثقافة الخاصة بالمسائل الكونية فهي على خلاف ذلك ثقافة تسعى إلى الإلمام بخفايا الكون وتوظيف الفكر للتعمق فمعرفة قضايا الإنسان حيث ما كان.
والثقافة السيبرنية هي كذلك أحد المجالات التي توضع وتصاغ فيها سلوكيات ذهنية وثقافية جديدة كفيلة بتجسيد مفهوم الكونية تجسيدا ملموسا وعمليا ويمكن إذا تعريف السيبرنية بأنها ثقافة كفيلة بالمساعدة على مجابهة التحديات المطروحة في الساحة العالمية وهي الإطار الذي تزدهر فيه ثقافة تتلاءم مع أخلاقيات المجتمع العالمي للمعلومات، و "أخلاقيات مجتمع المعلومات" ليست أخلاقيات جديدة، بل هي ترتكز، بالعكس، على القيم الأخلاقية الأساسية التي أثبتت التجربة جدواها مثل المساواة والحرية والكرامة البشرية إلا أنها تسعى إلى وضعها حيز التنفيذ في السياق الجديد الخاص بالمجتمع العالمي للمعلومات. والمنطقة العربية طرف من هذا المجتمع الجديد فعلى المواطن العربي أن يكون فاعلا ومتفاعلا مع هذه الثقافة السيبرنية.

3- الاعتبارات الجديدة لتطوير الاستراتيجية الإعلامية الثقافية العربية:

إن الخطاب الثقافي الجديد في الداخل والتحرك الإعلامي الخارجي الملائم ينبغي أن يتقيد مستقبلا بمفهوم الثقافة السيبرنية إذ أن التجدد الحضاري يستوجب الانخراط في مجتمع المعلومات الذي تحتل فيه تكنولوجيا الاتصال موقعا محوريا، وتوظيف المناهج والآليات الإعلامية الجديدة التي أصبحت من مقومات العمل السياسي الثقافي.
ونحن نعلم ما توليه بعض القيادات العربية من اهمية لتكنولوجيا الاتصالات الحديثة وما ينتظرنا من تغييرات جذرية نتيجة ظهور هذا المجتمع الجديد، كما أنه من حسن الطالع أن يقرر الملوك والرؤساء العرب في السنة الأولى من القرن الحادي والعشرين تسجيل موضوع تكنولوجيا الاتصال والمعلومات كبند قار لسائر اجتماعاتهم القادمة. وفي ذلك وعي بتحديات الألفية الجديدة وبما يمثله هذا القطاع الاستراتيجي كمعطى جوهري للتنمية الشاملة ولدعم موقع الأمة العربية في العالم وتعزيز حضورها الثقافي ولتمكين اللغة العربية من التأثير الفاعل والانتشار العالمي كلغة علم ومعلومات. وإن تجسيم هذا التصور الاستراتيجي يتمثل حسب ورقة العمل التي قدمت في سنة 2001 للقمة العربي في مجموعة من المبادرات العربية المشتركة وخطة متكاملة للقرن الجديد ومن عناصرها برنامج عربي لتنمية تكنولوجيا الاتصال والمعلومات ونشر لتكنولوجيا المعلوماتية لخدمة الاقتصاديات العربية وتحقيق التكامل العربي في مجال صناعة البرمجيات قصد الوصول إلى سوق عربية مشتركة في هذا القطاع وإعداد الكفاءات العربية وتأهيلها وإنشاء صندوق عربي للاستثمار في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات ومعهد عربي للبحوث والتكوين في هذا الميدان، وتبادل الخبرات والتجارب وتوظيف الكفاءات العربية المهاجرة والتعاون معها والعمل من أجل خلق شراكة عربية والزيادة في حجم الاستثمارات العربية المشتركة ذات الصلة بهذا المجال وكذلك توفير الحوافز لدعم صناعات هذه التكنولوجيات وتنميتها وتوطينها باللغة العربية ونقلها إلى الآخرين بكل ما تتيحه تقنيات الاتصال من آليات.
وفي هذا الإطار يتعين الإعداد العربي المحكمم للمشاركة في الحوار العالمي القادم حول قضايا الاتصال والمعلومات. فمن الأكيد أن القمة الكبرى لمجتمع المعلومات التي ستكون على مرحلتين : المرحلة الأولى بعاصمة أوروبية وهي جنيف (2003) والثانية بعاصمة عربية وهي تونس (2005) سوف تولي أهمية بالغة لموضوع حوار الحضارات في المجتمع الجديد الذي سيبنى على أساس العلم والمعرفة. كما أن هذه القمة سوف تكون متأثرة بما جرى على الساحة العربية وانعكاسات ذلك على المناخ العالمي وكلنا أمل بأن تمتص تكنولوجيات الاتصال هذه المضاعفات بفضل ما تيسره من فرص للتفاعل الثقافي والتفاهم العالمي.
إن ظهور ثورة المعلومات وتطور تقنيات الاتصال الحديثة من شأنه أن يؤثر تأثيرا مباشرا في العملية الإعلامية من حيث أساليبها وأهدافها في العمل السياسي والتحرك الديبلوماسي. وإن ما تتضمنه عبارة الديمقراطية السيبرنية من أهداف يمثل بحد ذاته مشروعا حضاريا متكاملا. والأمر يتوقف على تحقيق التأهيل الشامل في هذه الحال للجميع بدون استثناء حتى يكون الحوار قائما بين أطراف متكافئة وفي ضوء رؤية مستقبلية تنبذ الرجعية والانغلاق وتنشد التفتح والديمقراطية والعدل.
ومن جهة أخرى فإن امتداد الطريق السريعة للمعلومات عبر الحدود سوف يكون له أثر كبير في الإعلام الخارجي لان وسائل الاتصال الحديثة ستساعد من خلال البنية التحتية ومن خلال المضمون على تجاوز الكثير من الصعوبات ومجابهة المشاكل الجديدة مثل اتساع الإرهاب وانتشار المخدرات وتلوث الأجواء والبحار إضافة إلى مختلف المضاعفات الناجمة عن منظومة العولمة الاقتصادية وانصهار المصالح العليا للدولة في صلب المصلحة الكونية.
إلا أن ما تتيحه الثورة الاتصالية من إمكانيات وما ينجر عنها في الوقت ذاته من مضاعفات، يستدعي اليقظة الكاملة ذلك أن الشبكات التلفزيونية الفضائية ومواقع الأنترنيت ليست كلها مع الأسف ملتزمة بالضوابط الأخلاقية. ففيها الإثارة وفيها ما يدعو إلى خرق القوانين وما يحث على الكراهية والعنف والإرهاب. فلا يفوتنا أن الحوار العالمي حول الحرية الإعلامية وتدفق المعلومات والخصوصية الثقافية انتقل من المنظمات الأممية المعنية بالثقافة والعلوم إلى المنظمات التجارية والاقتصادية. وقد تفاوتت الآراء بين صانعي القرار وبين ممثلي المنتجين والمستهلكين وتفاقم الخلاف بين المدافعين عن الحرية المطلقة للإعلام وبين المدافعين عن الضعفاء والأخلاق الفاضلة من خلال مدونات السلوك والقوانين العالمية للاتصال.
__________________
لدي ستة أصحاب علموني كل ما أعرف........ هم
ماذا؟ لماذا؟ متى ؟ كيف ؟ أين؟ من ؟
كيبلينغ
الخزامى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14 - 11 - 2004, 03:49 AM   #2
‍‍‍‍‍
 
تاريخ التسجيل: 04 - 2004
المشاركات: 3,287
بحث غني حقا ً ..

قد لا يفيك الشكر حق نقله إلينا ..

إنما سيظل بوابة لهذا القسم مدة من الزمن ..
رباح القويعي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23 - 11 - 2004, 02:27 PM   #3
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2004
المشاركات: 173
اخي رباح..
مرحبا بك....
يسعدني انك وجدته مفيد


لك التحية
الخزامى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:15 PM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor