جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > مكتبة الجسد

مكتبة الجسد كتب واصدارات

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 20 - 02 - 2010, 09:05 PM   #1
سائح في دنيا الله
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2008
الدولة: اسكن الظل
المشاركات: 10,622
جرجي زيدان في الميزان

بقلم : سليمان الخراشى

ترجمته([1]) :



-ولد جرجي زيدان في بيروت عام 1861م، والبلاد تتخبط في الفتن والانقسامات والحزازات المذهبية.

-اضطر إلى ترك المدرسة صغيراً ليساعد أباه في تحصيل القوت، ثم تعلم في مدرسة ليلية اللغة الإنجليزية.

-التحق بالكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية) حيث تعلم الطب.

-هاجر إلى مصر كحال غيره من نصارى الشام.

-في مصر انصرف إلى العلم وتحرير جريدة (الزمان) والتأليف والترجمة، ثم عمل ترجماناً للمصريين والسودانيين عندما وجه الإنجليز حملتهم إلى السودان.

-في عام 1885م عاد إلى بيروت، فانتخب عضواً في المجمع العلمي الشرقي. ثم زار انجلترا.

-عاد إلى مصر منقطعاً إلى التأليف والصحافة.

-أسس في عام 1892م مجلة (الهلال) الشهيرة.

-توفي في سنة 1914م.



مؤلفاته:

-من مؤلفاته في التاريخ:

1- العرب قبل الإسلام –الجزء الأول، طُبع في مصر سنة 1908.

2- تاريخ التمدّن الإسلامي- خمسة أجزاء –طبع في مصر 1902-1906.

3- تاريخ مصر الحديث –جزآن- طُبع في مصر 1889.

-ومن مؤلفاته في اللغة وآدابها:

1- الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية –بيروت 1889.

2- تاريخ آداب اللغة العربية –أربعة أجزاء- مصر 1911.

-ومن مؤلفاته في القصص التاريخي: عشرون رواية تستعرض التاريخ الإسلامي في مختلف أطواره، هي: فتاة غسان – أرمانوسة المصرية- عذراء قريش- 17رمضان- غادة كربلاء- الحجاج بن يوسف- فتح الأندلس- شارل وعبدالرحمن- أبو مسلم الخراساني- العباسة أخت الرشيد –عروس فرغانة- أحمد بن طولون- عبد الرحمن الناصر- الانقلاب العثماني- صلاح الدين – شجرة الدر- أسير المتمهدي- المملوك الشارد- استبداد المماليك- جهاد المحبين.



انحرافاته :

1- نصرانيته، وليس بعد الكفر ذنب !

2- يصدق فيه ما قاله الدكتور محمد السيد الوكيل في تقديمه لرسالة (نبش الهذيان من تاريخ جرجي زيدان) بأنه : "من أشهر من افترى وزيَّف التاريخ الإسلامي في العصر الحديث… الذي استتر برداء العروبة وتوارى خلف شعارات القومية، ومهّد له الإعلام الغربي ليلعب دوره الطبيعي في كتابه التاريخ الإسلامي مشوَّهاً ومبتوراً يزينه بأسلوب رقيق ممتع، ويغلفه بعناوين زاهية براقة، ويقدمه في صورة قصة غرامية أخاذة" (ص6).

3- لقد توجهت كلمات العلماء والناصحين إلى كتب وروايات هذا النصراني، محذرةً منها، ومبينة انحرافاتها، ومن ذلك:

I- تحذير الشيخ الهندي شبلي النعماني من كتاب (تاريخ التمدن الإسلامي) لزيدان، حيث فند أخطاءه، وكشف انحرافاته، وأبان عن تزويره وتلبيساته، وذلك في كتابه (انتقاد كتاب تاريخ التمدن الإسلامي) الذي لخص في مقدمته أبرز انحرافات زيدان قائلاً:

"إني أيها الفاضل! المؤلف غير جاحد لمنبتك فإنك قد نوهت باسمي في تأليفك هذا وجعلتني موضع الثقة منك، واستشهدت بأقوالي ونصوصي، ووصفتني بكوني من أشهر علماء الهند، مع أني أقلهم بضاعة، وأقصرهم باعاً، وأخملهم ذكراً، ولكن مع كل ذلك هل كنت أرضى أن تمدحني وتهجو العرب، فتجعلهم غرضاً لسهامك، ودربة لرمحك، ترميهم بكل معيبة وشين، وتعزو إليهم كل دنية وشر، حتى تقطعهم إرباً إرباً، وتمزقهم كل ممزق؟ وهل كنت أرضى بأن تجعل بني أمية لكونهم عرباً بحتاً من أشر خلق الله وأسوئهم، يفتكون بالناس، ويسومونهم سوء العذاب، ويهلكون الحرث والنسل، ويقتلون الذرية وينهبون الأموال، وينتهكون الحرمات، ويهدمون الكعبة ويستخفون بالقرآن؟!

أو هل كنت أرضى بأن تنسب حريق الخزانة الإسكندرية إلى عمر بن الخطاب، الذي قامت بعدله الأرض والسماء، وهل كنت أرضى بأن تمدح بني العباس فتعد من مفاخرهم أنهم نـزلوا العرب منـزلة الكلب، حتى ضرب بذلك المثل، وأن المنصور بني القبة الخضراء إرغاماً للكعبة، وقطع الميرة عن الحرمين استهانة بهما، وأن المأمون كان ينكر نزول القرآن، وأن المعتصم بالله أنشأ كعبة في (سامرا) وجعل حولها مطافاً واتخذ منى وعرفات؟!

وهب أني عدمت الغيرة على الملة والدين، وافتخرت كصنيع بعض الأجانب بأني فلسفي بحت عادم لكل عاطفة ووجدان، فلا أرضى ولا أغضب ولا أسر ولا اغتاظ ولا أفرح ولا أتألم، وهب أني حملت نفسي على احتمال الضيم، وقبول المكروه، والصمم عن البذاء، ومجازاة السيئة بالحسنة، ومكافأة الخبيث بالطيب، فهل كنت أرضى بأن تشوه وجه التاريخ، وتدمغ الحق، وتروج الكذب، وتفسد الرواية، وتقلب الحقيقة، وتنفق الهم، وتعود الناس الخرافة؟ بئس ما زعمت أيها الفاضل، فإن في الناس بقايا وأن الحق لا يعدم أنصاراً.

إن الغاية التي توخاها المؤلف ليست إلا تحقير الأمة العربية وإبداء مساويها، ولكن لما كان يخاف ثورة الفتنة غير مجرى القول، ولبس الباطل بالحق.

بيان ذلك أنه جعل لعصر الإسلام ثلاثة أدوار: دور الخلفاء الراشدين، ودور بني أمية، ودور بني العباس، مدح الدور الأول وكذلك الثالث (ظاهراً لا باطناً كما سيجيء) ولما غر الناس بمدحه الخلفاء الراشدين، وهم سادتنا وقدوتنا في الدين، وبمدحه لبني العباس وهم أبناء عم النبي صلى الله عليه وسلم، وبهم فخارنا في بث التمدن وأبهة الملك، ورأى أن بني أمية ليست لهم وجهة دينية فلا ناصر لهم، ولا مدافع عنهم، تفرغ لهم، وحمل عليهم حملة شنعاء، فما ترك سيئة إلا وعزاها إليهم، وما خلى حسنة إلا وابتزها منهم…الخ" (ص2 ،3)

Ii- أما انحرافاته في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية) فقد أبان عنها الشيخ أحمد عمر الإسكندري –رحمه الله-. في مقالة له نشرت في ذيل رسالة النعماني السابقة. جاء فيها : "الأمور التي تؤخذ على الكتاب: "يكفي القارئ أن أذكر بغاية الاختصار بعض هذه الأمور فإذا شاء أو شاء المؤلف فضل إيضاح لبعض المباحث فصلته تفصيلاً ويمكن توزيع هذه الأمور إلى الأنواع الآتية:

1- الخطأ في الحكم الفني: أي تقرير غير الحقيقة العلمية سواء كان ذلك بقصد من المؤلف أم بغير قصد.

2- الخطأ في الاستنتاج: وهو ما يعذر فيه المؤلف لأنه اجتهاد من عند نفسه فإن أصاب فله الشكر وإن أخطأ فمن ذا الذي ما ساء قط.

3- الدعوى بلا دليل: وهو ما يقرره المؤلف من غير تدليل عليه وقد يكون في ذاته صحيحاً ولكن في سوقه ساذجاً مجالاً للشك.

4- الخطأ في النقل: وهو آت من تصرف المؤلف في عبارات المؤلفين بقصد اختصارها أو من تسرعه في الجمع وقلة مراجعة الأصول .

5- قلة تحري الحقيقة: بمراجعة الكتب المعتبرة والتواريخ الصادقة ووزن كل عبارة بميزان العقل والأنصاف وقياس الأمور بأشباهها بل كثيراً ما تروج عند المؤلف أقوال الخصوم في خصومهم وأقوال الكتب الموضوعة لأخبار المجان أو لذكر عجائب الأمور وغرائبها.

6- تناقض بعض أقوال الكتاب.

7- الاختصار في كثير من التراجم والمباحث وإهمال ما ليس من شأنه أن يهمل .

8- إدخال ما ليس من موضوع الفن فيه لغير مناسبة أو لمناسبة ضعيفة جداً.

9- الاستدلال بجزئية واحدة على الأمر الكلي وهو كثير الحصول في جميع كتب المؤلف وفي أكثر استنتاجاته ودعاواه .

10- تقليد المستشرقين في مزاعمهم أو نقلها عنهم من غير تمحيص .

11- اضطراب المباحث وصعوبة استخراج فائدة منها لاختلال عبارتها أو لعدم صفاء الموضوع للمؤلف.

12- اضطراب التقسيم والتبويب إما بذكر المباحث في غير موضعها وإما بعدّ رجال عصر في عداد رجال عصر آخر، وربما زاد المؤلف عن ذلك بعد رجال فن في رجال فن آخر.

13- التحريف واللحن وهما كثيرا الشيوع في جميع كتب المؤلف مع سهولة الاحتراز عنهما بمراجعة الأصول عند التأليف والطبع واستئجار أحد المصححين العالمين بقواعد العربية.

14- تهافت المؤلف على تطبيق قانون النشوء والارتقاء حتى في الأمور التي فيها تدن وانحطاط لا نشوء ولا ارتقاء" (ص 8-81).

V- أما كتابه (تاريخ مصر الحديث) فقد تولى كشف زيفه الشيخ أمين بن حسن الحلواني المدني في كتابه (نبش الهذيان من تاريخ جرجي زيدان) خطّأ فيه زيدان في (101) موضع.

Viii- أما رواياته التاريخية فقد خصص الأستاذ شوقي أبو خليل كتابه (جرجي زيدان في الميزان) لبيان ما فيها من إفساد. ولخّص في خاتمته أبرز انحرافات زيدان في رواياته قائلاً:

(وهكذا.. قدمنا ملاحظاتنا حول روايات جرجي زيدان، التي تعمد فيها التخريب والكذب لأجل تحقير العرب، عن سوء قصد، لا عن جهل، فلا ينقص جرجي العلم بعد أن أوهم قرّاءه أنه عاد إلى مصادر ومراجع عربية.. لكنه تعمّد التحريف، وتعمد الدس والتشويه، وتعمد فساد الاستنباط مع الطعن المدروس.. لعمالته الأجنبية، ولتعصبه الديني، الذي جعله ينظر إلى تاريخنا العربي الإسلامي، وآداب اللغة العربية، بعين السخط والحقد.

ونحن في نقدنا الذي دوّناه فيما سبق.. لم نكن في موقف من يتصيد الأخطاء ويغمض عينه عن الصواب.. ولكننا كنا نبحث عن الصواب فلم نجده، فاخترنا من الأخطاء بعضها وأهمها.. ونحن لا نقول إن ما سجلناه هو كل ما يقال عن روايات جرجي، لا.. فمن يفتش يجد طعنات وأخطاء بقدر ما كتبناه وأكثر.. ولكننا أردناها لقيمات تتذوقها من "طبخة" كبيرة طبخها جرجي من تاريخنا، وقدمها للأجيال..

وخاتمة لدراستنا هذه .. يمكننا أن نستخلص من مجموع الروايات، ما أراده جرجي، وما هي الملاحظات الرئيسة التي توجه إلى هذه الروايات:

1-شوه جرجي سيرة أبطال الإسلام

ففي "فتاة غسان".. سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ورجالات الصدر الأول.. ووصفهم بالبطش، والفتك والنهب..

وفي "أرمانوسة المصرية" شوه حياة عمرو بن العاص.. وأظهر المسلمين سذجاً بسطاء أغبياء..

وفي "عذراء قريش" .. شوه سيرة عثمان وعلي وعائشة.. رضي الله عنهم.

وفي "17 رمضان" .. شوه سيرة خلفاء بني أمية.

وفي "فتح الأندلس" .. شوه سيرة طارق بن زياد وموسى بن نصير.

وفي "شارل وعبد الرحمن".. شوه سيرة عبد الرحمن الغافقي.

وفي "أبي مسلم الخراساني".. شوه سيرة المنصور.

وفي "العباسة أخت الرشيد".. شوه سيرة الرشيد.

وهكذا شوه جرجي أيضاً سيرة المعتصم، وأحمد بن طولون، وعبدالرحمن الناصر، والظاهر بيبرس وقطز، ومحمد أحمد المهدي.

2-طمس جرجي بطولات وفتوحات المسلمين، وأثار الشكوك حولها.. تارة بالنهب والسلب، وتارة بالبطش والفتك.. وتارة بالظلم "جزية خراج، أتاوة..".

3-جعل جرجي الجزئية كلية، واستدل بجزئية واحدة على الأمر الكلي.. وهذا حاصل في كل استنتاجاته ودعاواه، يجعل الواقعة الجزئية قضية كلية وقاعدة عامة.. يضاف إلى هذا.. إغفال الأحداث الرئيسة في تاريخ الإسلام..

مثال ذلك.. أشار جرجي إلى نكتة ذكرها صاحب الأغاني لحسين بن الضحاك، فأنزلها منـزلة الأمور العمومية في ذلك العصر، فهذا ليس بتاريخ، بل مسخ التاريخ، وقال جرجي "ومن ثمار الحضارة في ذلك العصر تكاثر الغلمان، وصاروا يحجبونهم كما يحجبون النساء" .. هذا ما رآه جرجي من ثمار الحضارة، ومن مميزات عصر النهضة الذهبي في تاريخنا !!.

4-جعل مسرح أحداث رواياته في الأديرة والكنائس، وجعل للرهبان والقسس دور التوجيه حيث الأمن والأمان والاحترام والطمأنينة، والرأي القويم السليم .. عندهم.

كما أضفى هالات مثالية على كل ما هو (مسيحي).. وسلط الأضواء على صور الصلبان والقديسين ومياه المعمودية المقدس.. وزيت مصباح الدير.. "الشفاء التام ببركة الماء المقدس وزيت المصباح وبركة صاحب الدير".

5-تلاعب بالمصادر والمراجع .. وإن أشار إلى مرجع ونقل فقرة، نقلها مشوهة ودون ذكر الجزء أو الصفحة أو الطبعة.. وما ذلك إلا لإيهام القارئ بموضوعيته..

كما وأنه يضع كلاماً بين قوسين، وكأنه ينقل حرفياً بأمانة.. مع أنه كلام من أفكار جرجي.. يدسه ويرويه على ألسنة أعلام مشهورين. وبخاصة حوار كبار الصحابة مع بطلاته الوهميات !!

6-ركز جرجي على فترات القلق السياسي، فكانت له أحداث الفتنة الكبرى، وأبو مسلم الخراساني، الأمين والمأمون، وشجرة الدر.. مرتعاً خصباً للخوض في غمار هذه الأحداث مجسماً الخلاف، مظهراً العيوب..

7-كما أكثر جرجي من "الدعوى بلا دليل"..

كاستهانة عبد الملك بن مروان بالقرآن الكريم : "هذا فراق بيني وبينك!" وكقوله إن معاوية أرسل بسر بن أرطأة، وأرسل معه جيشاً، أوصاهم أن يسيروا في الأرض ويقتلوا كل من وجدوه من شيعة علي، ولا يكفوا أيديهم عن النساء والصبيان !!

وكقول جرجي أن المنصور والمعتصم، بنيا كعبتين في بغداد وسامراء!!

وكقوله بكره المنصور للعرب.. وهو العربي وابن عم النبي العربي صلى الله عليه وسلم .

وقوله إن "دائرة للمنجمين" في قصر الخلافة العباسية في بغداد.

وقوله: ذبح الخليفة أهل الكرخ بسبب جارية.

وقوله: إن للبطل الفاتح عبد الرحمن الغافقي "خباء من النساء"!!

8-أظهر شعوبية وحقداً على العرب..

لقد حقر جرجي –في ذهنه فقط- أمتنا، وأظهر مساوئها.. بل ما ترك سيئة إلا وعزاها لأمتنا، وابتز منها كل مكرمة.. واستغل الطورانيون، أعداء العرب، مؤلفات جرجي، فترجمت إلى اللغة التركية، للاستعانة بما كتبه في تحقير العرب، وانتقاص مدنيتهم، وغمط حضارتهم، وتفضيل الأعاجم، عليهم، فكادوا يولدون بذم العرب عصبية جديدة..

لقد جعل جرجي العرب غرضاً لسهامه، ودربة لنباله.. يرميهم بكل نقيصة، ومعيبة وشر..

9-أثار الأحقاد التي يرجو كل عاقل إطفاء نيرانها بين السنة والشيعة.. وبخاصة في رواياته: عذراء قريش. 17 رمضان. غادة كربلاء. أبو مسلم الخراساني. العباسة أخت الرشيد. الأمين والمأمون. عروس فرغانة . فتاة القيروان..

جاء في "فتاة القيروان" : "إن شيعتنا في ضنك شديد، إن هؤلاء الظالمين يسومونهم سوء العذاب من الإهانة والضرب والحبس بسبب وبلا سبب".

"إن شيعتنا مغلوبون على أمرهم يذوقون العذاب ألواناً من الحبس والقتل.." .

"إنهم يسومون شيعتنا ذلك لأنها تجل أبناء الرسول، لو قصصت عليك بعض الخبر لبكيت على حالنا"..

10-أثار غريزة الشباب، وحرك شهوات المراهقين، مستغلاً ضعف ثقافة الكثيرين منهم، وحاول إيصالهم إلى الغاية التي يرمي إليها في كل رواية، مع لواعج الغرام، اصطكاك الركب، خفقان القلوب، رعشات الحب، سريان الكهرباء عند تلامس الأيدي..

11-كما جعل جرجي تاريخنا العربي (مع الغرام والحب).. دسائس، جواسيس، لصوص، ظالمين، قطاع طرق، ثارات، طاغين، وشايات.. ولقد ذكرنا في كل رواية ما ورد من مثل هذه العبارات..

12-وجعل جرجي وراء سير الأحداث غانيات فاتنات، ملكات جمال ممشوقات القوام، ممتلئات الجسم، مستديرات الوجه كالبدر.. جمعن بين لطف النساء وحزم الرجال وشجاعتهم، يتنقلن بخفة متناهية بين بلد وبلد، وبين فئة وأخرى ليسيرن الأحداث في تاريخنا العربي الإسلامي.

فقطام في "17 رمضان" فتاة الكوفة الفتانة، التي ذاع صيتها في الآفاق، وسمع بجمالها القاصي والداني، حتى أصبحت فتنة الكوفيين ومضرب أمثالهم، وشخصت إليها الأبصار، وحامت حولها القلوب، فباتت معجبة بجمالها.

وسلمى في "غادة كربلاء" عند النظر إليها أعجب الحبيب بها فلم ير جمالاً مثل جمالها في فتاة قبلها، طول عمره الذي قضاه في دمشق وضواحيها، مع كثرة ما شهد من بنات الروم والعرب والنبط والسريان واليهود، فلم تقع عيناه قبل تلك الساعة على فتاة في وجهها من الجمال والهيبة مثل ما في هذا الوجه، وقد أدهشه منها بنوع خاص جمال عينيها..

وجلنار في "أبي مسلم الخراساني" مضرب الأمثال بالجمال والتعقُّل والأنفة.. وهي على جانب عظيم من الجمال، مستديرة الوجه، ممتلئة الجسم، طويلة القامة معتدلتها، بيضاء البشرة مع حمرة تتلألأ تحت البياض، سوداء الشعر مسترسلته، نجلاء العينين كحلاءهما، تفيض جاذبية وحلاوة، وكان لها في مقدم الذقن فحص، وإذا ابتسمت ظهر على جانبي فمها فحصتان هما "الغمازتان" .

وهكذا .. في كل رواية .. كلما أزيح لثام، ظهر وجه كالبدر، ليكون وراء الأحداث بتعقل وحنكة.. وهذا تفسير فرويدي جنسي لتاريخنا العربي الإسلامي!!

13-عود الناس تصديق الخرافة والخيال.. فقصة الحب التي ينسجها بين حبيبين يباعد الفتح أو تباعد الأحداث بينهما، يعودان إلى اللقاء في نهاية القصة.. مع تنجيم، وسحر، وكهان، ورمل، ومندل وودع..

كل هذا في "روايات تاريخ الإسلام" !!

14-عدم استخراج فائدة، أو روح معنوية سامية من هذه الروايات.. مع أن الكاتب الكبير هو الذي يوجه قراءه إلى هدف كبير، وأول خطوة تجاه الهدف الكبير البعد عن الكذب والدس والتشويه والحذلقة والطعن والشعوبية.

الكاتب العظيم.. من يجعل فيما يكتبه مغزى عظيماً رفيعاً، ولن تكون العظمة فيما يُكتب إلا إذا التزم الكاتب الصدق، والأمانة، والموضوعية.. ولن يصل إلى المستوى الرفيع إلا إذا جعل ما يكتب للسمو بالجيل فكراً ونفساً وروحاً ومنهجاً.

15-كما قلد جرجي المستشرقين في شبهاتهم.. الرهبان علموا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، سطو العرب وحبهم للغنيمة، لا يشجع الإسلام حرية الفكر والفلسفة، إدانة الرشيد في نكبة البرامكة..

16-وكان جرجي يختصر في ما ينبغي الإطناب فيه، والإطناب فيما ينبغي الاختصار.. كوصف دير، أو بستان، أو غرفة، أو جارية.. صفحات ذكرناها فيما سبق.. بينما يذكر عين جالوت في سطرين دون ذكر اسمها، ولا يذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً، حتى أنه في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية" خصص اثنتي عشر صفحة لموضع أجنبي بعيد عن آداب اللغة العربية وهو آداب اللغة اليونانية وأطوارها، وتراجم مستقلة بصور كبيرة لفلاسفة اليونان، وآداب اللغة الفارسية وأطوارها، وآداب اللغة السريانية وأطوارها، وآداب اللغة الهندي.. نقل هذه المباحث من دوائر المعارف، نقلها هنا بلا مناسبة وكان الأولى به أن يحل محلها كتاب الدولة العباسية، وهم فحول البلاغة، وقادة الكلام.

ومما يذكر هنا.. التطويل والتكرار في موضوعين أو ثلاثة لغير موجب، مثل: وصف جمال الغانيات والجواري، والتهتك والخلاعة، وإثارة الأحقاد بين المسلمين، ثم إعادة ذلك بعينه في كل رواية!!

17-يتضح من مراجع (جرجي) أنه لم يطلع مطلقاً على "منهج البحث التاريخي".. ويتجلى ذلك في اعتماده على كتب شك المؤرخون بصحتها، بل وعرفوا كذبها ومجونها.. مثل الأغاني الذي جعله مرجعاً رئيساً في معظم رواياته..

18-كما دون جرجي في رواياته: تصورات أبطال هذه الروايات، وما قالوه في أنفسهم، وما سمعوه من هواتف، وما مر على خواطرهم من ذكريات.. حتى أحلامهم سجلها جرجي..

وليس بمثل هذه الخيالات يكتب تاريخ على وجه البسيطة!!) انتهى كلام الدكتور شوقي أبو خليل –وفقه الله-. (ص307-315).

أما الأستاذ أنور الجندي فقد قال عن روايات زيدان: (أما المجال الذي استطاع جرجي زيدان أن ينفث سمومه فيه بحرية؛ فهو مجال القصص، فقد ألف عدداً من القصص تحت اسم "روايات الإسلام"، دس فيها كثيراً من الدسائس والمؤامرات والأهواء، وحاول إفساد مفهوم الشخصية الإسلامية والبطولة الإسلامية، حيث أساء إساءة بالغة إلى أعلام من أمثال صلاح الدين الأيوبي، هارون الرشيد، السلطان عبد الحميد، عبد الرحمن الناصر، أحمد بن طولون، الأمين والمأمون، عبد الرحمن الداخل، شجرة الدر، وقد أقام تصوره على أساس خطير:

أولاً: تصوره للخلفاء والصحابة والتابعين بصورة الوصوليين الذي يريدون الوصول إلى الحكم بأي وسيلة، ولو كان على حساب الدين والخلق القويم مع تجريحهم واتهام بعضهم بالحقد وتدبير المؤامرات.

ثانياً: تزييف النصوص التي نقلها عن المؤرخين القدامى وحولها عن هدفها تحويلاً أراد به السخرية والاستخفاف بالمسلمين وبنى عليها قصصا غرامية باطلة.

ثالثاً: استهدف من حشد القصص الغرامية ذات المواقف المسفة داخل روايات "تاريخ الإسلام" إثارة غريزة الشباب وتحريك شهوة المراهقين، مستغلاً ضعف ثقافة الكثيرين منهم وجهلهم بالغاية التي يرمي إليها في الروايات، مع الاستشهاد بالأبيات الشعرية المكشوفة الساقطة التي تحرك الغرائز الدنيا.

رابعاً: تبين من البحث الذي قدمه عالم أزهري درس باستفاضة روايات جرجي زيدان أن معظم الأحداث التاريخية في رواياته قد حرفت وبنيت على أساس فاسد.

فقد ظل جرجي على حد تعبير الباحث الدكتور… ينقب وينقر ويجهد نفسه في مزج الحق بالباطل، وتقديمه في أسلوب براق جذاب معتمداً على فن أدبي ذي أثر بالغ، وذلك هو فن القصة والرواية، حيث لم يكن حريصاً على تحري الحقائق التاريخية قدر حرصه على الحبكة القصصية وخلق الحوادث المثيرة خلقاً، وقد عمل جاهداً على طمس التاريخ الإسلامي وتشويه معالمه بغية تنفير أبناء العرب والمسلمين من ماضي آبائهم المجيد.

خامساً: من أخطر شبهاته أنه قال ببشرية القرآن وشك في مصادر العربية الأولى، ومدح بني العباس لأنهم أنـزلوا العرب منـزلة الكلب (على حد قوله)، ونسب إحراق مكتبة الإسكندرية إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وقد طبع اللبنانيون روايات جرجي زيدان مزدانة بالصور الملونة والألوان الصارخة بقصد استهواء الشباب وحملهم على قراءة هذه الكتب التي لا تعطيهم إلا صوراً مشوهة لتاريخ أمتهم وأخباراً ملفقة بغية التشكيك في ذلك التاريخ.

سادساً: أعطى نفسه الحرية المطلقة في تفسير أحداث التاريخ في معظم رواياته استناداً إلى موقف الأديب من التاريخ، وكانت تفسيراته متعسفة متكلفة في محاولة لإثارة مشاعر السخط في نفوس المسلمين.

سابعاً: تفسيره لتصرفات هارون الرشيد مع أخته العباسة وجعفر البرمكي بما لا يتفق مع ما عرف عن الرشيد من أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وبما لا يتفق مع أيسر قواعد التفكير والمنطق السليم، وفي رواية أرمانوسة المصرية حاول أن يقول: إن الحب بين أرمانوسة وأركاديوس قائد حصن الروم هو السبب في هزيمة الروم وانتصار المسلمين، واتهم المسلمين بأنهم دخلوا البيوت ينهبون ويسلبون عندما فتحوا بلبيس، وهو مناقض تماماً لما أورده المؤرخون المنصفون.

ثامناً: في رواية "فتاة غسان"؛ أورد شبهة بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم أخذ تعاليمه عن الرهبان، وتأثر بتوجيهات الراهب بحيرا، واتسمت كتابته بالسخرية والاستخفاف بوثائق العهد النبوي، ووصف حادثة شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم بالغرابة، وادعى أن هناك خصومة بين خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح، وأخذ مصادره في هذا من كتب المستشرقين.

تاسعاً: في رواية "عذراء قريش"؛ أقام منطقه على تجريح الصحابة واتهام بعضهم بالحقد وتدبير المؤامرات، واتهم السيدة عائشة بالميل إلى سفك الدماء والنـزوع إلى الشر، ووصف الخليفة عثمان بأنه رجل إمعة وذليل ومستسلم لابن عمه، وافترى على علي بن أبي طالب وفسر الفتنة تفسيراً مغرضاً، واتهم علياً بالتهاون في المطالبة بدم عثمان.

العاشر: وفي رواية "العباسة"؛ اتهم الرشيد بالاستهتار والمجون والاستبداد والظلم، وقدم تفسيراً خاطئاً ومغرضاً لقتل بني برمك، وشوه شخصية العباسة أخت الرشيد.

الحادي عشر: في روايات "شارل" و"عبدالرحمن"؛ زعم بأن القواد وأمراء الجند من المسلمين كانوا مشغولين بحب فتيات النصارى وقد فتنوا بجمالهن، وأن هذا الحب قد صرفهم عن أمر الفتح؛ فتركوا جنودهم في ساحة القتال وادعى أنهم كانوا يهتمون بالغنائم أكثر من اهتمامهم بما عداها، وجرى على تصوير حروب الإسلام على أنها حروب غنائم.

الثاني عشر: أجرى على لسان أبي مسلم الخراساني من الافتراء ما قال من أن العرب كانوا يحتقرون غير العرب ويسومونهم سوء العذاب، ثم يفتخرون عليهم بالنبوة، وطمس معالم التاريخ الإسلامي في هذه الرواية بالدس والافتراء، وقدم صوراً باهرة للكنيسة ورهبانها، وأشاد بالأديرة والرهبان حيث جعلها ملجأ الضعفاء وملاذ التائهين والخائفين.

وفي رواية "الأمين والمأمون"؛ كان واضح التحامل على العرب، واصفاً إياهم بالاستبداد وسوء التصرف مع الأجناس الأخرى التي تربطهم بهم رابطة الإسلام قبل كل شيء.

الثالث عشر: في رواية "فتاة القيروان"؛ حاول التشكيك في أنساب الكثيرين من حكام المسلمين، …، واعتمد في قصصه الغرامية على الخيال؛ إذ لا يوجد ذكر لكل هذه المواقف في جميع كتب التاريخ، وخاصة حاكم سلجماسة الأمير حمدون، بل أن صاحب سلجماسة في كتب التاريخ يختلف تماماً عما جاء في رواية زيدان مما يؤكد ميل زيدان إلى التزوير والتحريف.

بل إن صاحب سلجماسة هو محمد بن داسول وليس الأمير حمدان، ولم يقل ابن الأثير أن له بنتاً شغلت القائد جوهر؛ فخطبها لابنه، وقد أعطى زيدان اليهود في روايته دوراً إيجابياً وجعلهم أصحاب الفضل الأول في إزالة الدولة الإخشيدية وإقامة دولة الفاطميين([2]) مقامها.

الرابع عشر: في رواية "صلاح الدين" تلفيق وتزوير وإفساد للمجتمع؛ فقد ذهب إلى أن الخليفة العاضد لما ضعف أمره استدعى صلاح الدين وأوصاه بأهله خيراً، وأن صلاح الدين نقض هذا العهد بعد سويعات وحاصر قصر الخليفة وأخذ كل ما فيه ومن فيه، ولا ذكر في كتب التاريخ لتلك الوصية، ولا إشارة في كتب التاريخ إلى سيرة الملك هذه، وهذه الوصية التي ذكرها زيدان لم ترد في "الكامل" لابن الأثير ولا غيره؛ فهي ملفقة مزورة، كذلك؛ فقد زيف زيدان النصوص التي نقلها من ابن الأثير وحولها تحويلاً أراد به السخرية والاستخفاف بالمسلمين، وبنى عليها قصصاً غرامية باطلة.

ولم يعن المؤلف بالتصوير الحي لشخصية صلاح الدين ولم يسجل مواقفه الحاسمة، وصرف الشباب عن الحديث عن الدور المهم الذي قام به صلاح الدين بالحديث عن مكائد الحشاشين، وتهديدهم لصلاح الدين، واعتمد على روايات طائفة الحشاشين تلك الجماعة الضالة المنحرفة، وحاول أن ينسب إلى صلاح الدين قصصاً غرامية كاذبة.

الخامس عشر: وفي رواية "شجرة الدر"؛ حاول أن يصور نساء السلطان الصالح نجم الدين أيوب بصورة النساء اللاتي يتاجرن بأعراضهن في سبيل الحصول على ما يتطلعن إليه، وليس معه أي دليل من التاريخ، وهذه الدعاوى التي أوردها حول شجرة الدر تختلف عن الحقائق الواردة في الكتب التي أرخت لهذه الفترة.

السادس عشر: وخلاصة ما يصل إليه البحث حول روايات جرجي زيدان:

1- تحويل مواقف الشخصيات التاريخية .

2- إثارة الشكوك حول البطولات الإسلامية.

3- تعمد إغفال الحوادث التاريخية المهمة.

4- إضفاء هالات مثالية على الأديرة والرهبان.

5- التلاعب بالمصادر والمراجع). انتهى كلام الأستاذ أنور الجندي –رحمه الله- من كتابه (إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص 174-178).


-------------------------------------------------

([1]) الموجز في الأدب العربي وتاريخه، لحنا الفاخوري (4/226 – 232). وانظر : أعلام العرب المبدعين! في القرن العشرين، للدكتور خليل أحمد خليل.

([2]) الصواب أن تسمى دولة العبيديين الرافضة الذين تستروا بمحبة آل البيت زوراً، وسموا دولتهم بالفاطمية.
الدومري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 02 - 2010, 09:08 PM   #2
سائح في دنيا الله
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2008
الدولة: اسكن الظل
المشاركات: 10,622
روايات جورجى زيدان بين الفن والتاريخ

الحمد لله حمداً كثيراً يوافى نعمه، والصلاة والسلام على رسوله الكريم سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، وأزواجه وأحزابه، وأتباعه وأحبابه، ومن اهتدى بهديهم، وسار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن التاريخ هو السجل الخالد الذى يبحث في أعمال الإنسان وعلاقته بأخيه الإنسان في أنحاء الدنيا. وهو النافذة الواسعة التى نطل منها؛ فنرى صور الماضين السابقين وأحوالهم، وما كانوا عليه في مختلف أنحاء حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. وحسب التاريخ أهمية ومكانة أنه فن غزير المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، كما وصفه العلامة ابن خلدون .
فهو يقص أنباء الأنبياء والمرسلين، وأخبار الملوك والدول والشعوب، وسيرة الأفذاذ والأبطال والعلماء والكتاب والشعراء، وأرباب الفنون والصناعات، ومن لف لفهم، ونحا نحوهم. وقد اتفق المؤرخون والنقاد على وجود صلة وثيقة بين التاريخ والأدب، ويكفى أن نذكر – في هذا التقديم – من مظاهر تلك الصلة: أن دارس الأدب بكل أشكاله المعروفة (شعرا ومقالة وقصة .. إلخ) يعتمد على مصادر التاريخ في معرفة العصور التى عاش فيها الأدباء، ليقوم إنتاجهم الأدبى تقويماً صحيحاً متكاملاً. كذلك نذكر من هذه المظاهر: ما اتخذه المنهج التاريخى من مكان مرموق بين بقية المناهج الأدبية والنقدية المعروفة. ونذكر أيضاً: أنه لولا التاريخ ما كان ذلك الجنس الأدبى الروائى الذى اصطلح النقاد على تسميته بـ (الرواية التاريخية)، فهى تستمد من التاريخ موضوعاتها، وتستلهم من أحداثه وشخوصه مادتها.

ولست أرانى مبالغاً إذا قررت أن الرواية التاريخية تسمو – بموضوعاتها وأهدافها – على غيرها من أنواع الروايات؛ إذ هى تعيد بعث الماضى من جديد، وتحيى ذكرى عصور وشخصيات وأحداث ومواقف ذات أهمية بالغة في التاريخ. على أنها تخلو مما نراه في التاريخ المحض من جفاف، وفيها من الفن: إشراقة الأسلوب، وروعة التصوير، وتحليل الشخصيات، وتفسير الأحداث، واستكمال الحلقات المفقودة منها. وفيها من التاريخ: صدق الحقيقة، وتوثيق الصلة بالماضى، وتجميل أحداثه في عيون الناس. وحسب الرواية التاريخية منزلة أنها وإن اتخذت من حوادث التاريخ مادة روائية لها، لا تنقل التاريخ نقلاً حرفياً مباشراً، وإنما تصور رؤية مؤلفها للتاريخ، وسعيه الدائب وراء توظيفه لأحداث مضت من أجل غايات نبيلة تعبر عن تجربة من تجاربه، أو عن موقف من مجتمعه .. وما إلى ذلك من غايات.

وإذا كانت المجتمعات الأوروبية قد عرفت هذا اللون الرفيع من الفن القصصى على أيدى اسكندر دوماس الأب (في الأدب الفرنسى)، والسير وولتر سكوت (في الأدب الانجليزى) وأمثالهما، فإن المجتمعات العربية قد سبقتها إلى ذلك، فقد أبدع الإنسان العربى القصيدة التاريخية منذ العصر الجاهلى، وتغنى الرواة العرب الشعبيون – على امتداد العصور – بكثير من ألوان القصص الشعبى الذى استمد مادته من التاريخ العربى الحافل بالشخوص والأحداث والمحاورات. وما يزال الرواة الشعبيون إلى يومنا هذا يشيعون بين العامة ما ألفه العرب من روايات تاريخية شعبية معروفة لنا جميعا مثل قصة سيف بن زى يزن، وسيرة عنترة بن شداد العبسى، وحكايات ألف ليلة وليلة التى قصتها شهرزاد على شهريار ، وقصة على الزيبق، وقصة الملك الظاهر، وحكاية الزير سالم، وسيرة أبى زيد الهلالى وما شابه ذلك.

وإذا كنا لا نستطيع إدراج هذه السير التاريخية الشعبية ضمن قائمة الرواية الفنية الحديثة لطغيان الخيال فيها على الحقيقة، وافتقادها الكثير من المقومات الفنية للقصة التى يعتد بها النقاد، فإن الرواية التاريخية الفنية قد عرفت طريقها إلى الأدب العربى الحديث، كما سيجئ التفصيل –وظهرت – أول ما ظهرت – على يد سليم البستانى (1848 – 1884) مترجم إلياذة هوميروس، حيث أصدر في هذا المجال ثلاث روايات هى (زنوبيا، وبدور، والهيام في فتوح الشام)، وقد مزج فيها بين الأدب والتاريخ، فكان – بحق – رائد الرواية التاريخية العربية وأباها الذى فتح السبيل أمام غيره ليحاول السير بها خطوات أخرى. فقد واصل الكتاب العرب ما بدأه سليم البستانى، فتعددت الروايات التاريخية، وأخذت في النضج والازدهار يوماً بعد يوم، وكثر مبدعوها وكتابها من أمثال: جميل نخلة المدور، ويعقوب صروف، وفرح أنطون، وأحمد شوقى، وإبراهيم رمزى، وعلي الجارم، ومحمد سعيد العريان، وعلي أحمد باكثير، وعبد الحميد جودة السحار، ونجيب محفوظ، وجمال الغيطانى .. وغيرهم كثيرون. ولن أتخذ من الأسباب التى دفعتنى لكتابة هذا البحث عن روايات جرجى زيدان التاريخية ما شاع في الأوساط الأدبية والنقدية حتى بلغ درجة الإجماع من أن جرجى زيدان هو أبو الرواية التاريخية العربية، ورائدها الذى مهد الطريق لغيره، على شاكلة قول الدكتور سهيل إدريس: "إنه – أى جرجى زيدان – دون منازع خالق الرواية التاريخية عندنا، وألمع وجه بين وجوه الروائيين التاريخيين"،

وقول الأستاذ محمد عبد الغنى حسن: "لجرجى زيدان مكان الرواد في تاريخ العرب، وتاريخ الحضارة الإسلامية، والروايات التاريخية، وهى ميادين كلها أبكار، وروضات كلها أنف، لم يرتدها أحد قبله، فارتادها الرجل .."
"ويكفيه أنه ارتاد الطريق لمن جاءوا بعده. وريادته في هذا البلد تشبه من وجوه كثيرة ريادة الدكتور يعقوب صروف في علوم الطبيعيات والفلسفة، فكل منهما إمام في هذا الميدان وسابق فيه"

وقول الأستاذ عبد الفتاح عبادة – المعاصر لزيدان – : "من مآثر الفقيد العظيمة وخدماته الجليلة للغة العربية وتاريخها إدخاله إلى البلاد الشرقية هذا النوع الجميل من الفنون الإنشائية بعدة روايات مأخوذة من تاريخ الإسلام تفصل حوادثه وتوضح خفاياه بأسلوب يشوق للمطالعة مما لم يسبق له مثيل في عالم الروايات. ولا يختلف اثنان في أنه هو أول من عني بهذا الفن في اللغة العربية. بل هو أول من أقدم على وضع تاريخ أمة أو أمم عظيمة كالتاريخ الإسلامى وهو تاريخ الشرق وأكثر العالم في القرون الوسطى في سلسلة روايات على هذا الشكل. ولا يعرف بين كتبة العالم من أقدم على هذا قبله"
فكل هذا، وما شاكله من ادعاءات ومزاعم في هذا المجال يخالف الحقيقة التى سبق بيانها، وهى أن سليم البستانى هو أبو الرواية التاريخية العربية ورائدها الأول.
نحن لا ننكر أن جرجى زيدان كتب اثنتين وعشرين رواية سمتها دار الهلال التى طبعتها لأول مرة – وما تزال تعيد طباعتها – "روايات تاريخ الإسلام" ! ولكن إقرارنا بهذا لا يجوز أن ينسينا حق الأولية للعلامة سليم البستانى بن العلامة بطرس البستانى الذى سبق زيدان إلى كتابة الرواية التاريخية بأكثر من عشرين عاماً.
وإذا كان مصطلح (الريادة): يعنى السبق تارة، ويعنى: الصدق التاريخى والتفوق الفنى تارة أخرى، فإننى لا أتجاوز الحقيقة، ولا أتجنى على زيدان إذا نفيت عنه الريادة أيضاً بهذين المعنيين، فلا هو سابق غيره لكتابتها كما سبق القول، ولا رواياته التاريخية متمتعة بالتفوق الفنى والصدق التاريخى، كما سيجئ التفصيل.

اللهم إلا إذا كانت الريادة تعنى كثرة الإنتاج للأعمال الأدبية، فإن زيدان حينئذ يتفوق على كل كتاب الرواية التاريخية العربية (سابقاً ولاحقاً)؛ لأنه كان (مؤسسة روائية) أصدرت اثنتين وعشرين رواية ما بين عامى 1891، 1914 م، فهو يتفوق على من عداه من كتاب الرواية التاريخية العربية بالكم الهائل الذى كتبه في هذا المجال كما سيجئ البيان.

وأياً كان الأمر في قضية الريادة والأحق بها للرواية التاريخية الفنية العربية، فإن ادعاء الكثرة الكاثرة من الباحثين بأن زيدان هو الرائد والأب لم يكن من الأسباب التى دفعتنى – كما سبق القول – لكتابة هذا البحث، وإنما هناك أسباب أخرى أكثر أهمية وخطورة، وأقوى دافعاً وحافزاً لدراستها، يأتى في مقدمتها: أن هذه الروايات المستمدة في إطارها العام من التاريخ الإسلامى ما تزال حتى يومنا هذا تصدر وتنشر في طبعات أنيقة بديعة بأغلفة تحمل صوراً ملونة جميلة، وعناوين ذات صبغة نسائية غرامية تستهوى شباب المسلمين، وتباع في السوق الثقافية (مكتبات ومعارض) بأرخص الأثمان ! ولا يدرى أحد من قرائها – وأغلبهم غير متخصصين في التاريخ والعلوم الإسلامية – أن مؤلفها ذو انتماء دينى لا صلة له بتاريخ الإسلام والمسلمين، وأنه قد تعمد فيها – عن سوء قصد، لا عن جهل – التخريب والتجريح، والكذب والتزييف، والمغالطة والتشويه، والدس والتحريف. ولقد تساءلت، وما زلت أتساءل في أمر ذلك الكاتب المسيحى: لماذا كان هذا التوجه منه بالذات نحو التاريخ الإسلامى يستقى منه مادة تلك الروايات ؟!

لقد فسر أحد الباحثين هذا التوجه بقوله: ".. وعندما ترك جرجى زيدان لبنان، واستقر في مصر وجد نفسه في بيئة إسلامية لها معتقداتها الخاصة، وتقاليدها المعروفة، فآثر أن يكيف نفسه وفق ما تتطلبه بيئته الجديدة، وأندمج في أهلها، واستبطن عقلياتهم، واستطاع بآثاره العلمية والأدبية والصحفية أن يرضى الطبقات المختلفة" !

والواقع أنه تفسير خاطئ قاد صاحبه إليه اكتفاؤه بالنظر الفنى لروايات زيدان بعيداً عن البحث التاريخى، ولو أنه عنى بالنظر والتدقيق والتحقيق في المادة التاريخية التى احتوتها هذه الروايات، والتى جاءت في صورة خلط متعمد بين الحقائق والأوهام لكان له تفسير آخر غير هذا التفسير.

فكل الروايات التاريخية لجرجى زيدان قد وضعت قصداً، وألفت عمداً لتشويه التاريخ الإسلامى، وتحريف حوادثه، وهدم رموزه، وقلب أموره كلها رأساً على عقب، والنيل من جلاله وجماله وكماله، وكأنما كانت هذه الروايات تطبيقاً ونتيجة لخطة مرسومة، شارك فيها المستشرقون المتعصبون المعروفون بعدائهم للإسلام وحقدهم على المسلمين، وأريد بها مسخ التاريخ الإسلامى العريق الوضاء في أنظار أهليه، حتى يفقدوا اعتزازهم بما فيه.

ولعل مما يؤكد ذلك: عناية دور النشر في بيروت على وجه الخصوص بإعادة طبع هذه الروايات حتى اليوم، إضافة إلى عناية الأجانب بترجمتها ونقلها إلى مختلف اللغات، فقد ترجمت منذ صدورها لأول مرة، وفى حياة مؤلفها (1861 – 1914) إلى الفارسية والتركية والهندستانية والأذربيجانية، ولغات أوربية عدة، ويكفى أن نمثل لما ترجم منها إلى شعوب الغرب برواية زيدان التى عنونها بـ (العباسة أخت الرشيد أو نكبة البرامكة)، والتى شوه فيها سيرة هارون الرشيد، وجرح فيها بأخته العباسة بنت المهدى، وأفصح فيها عن نزعته الشعوبية، وتعاطفه مع الأقليات، وتفسيره المغرض الخاطئ التافه لنكبة البرامكة في عهد الرشيد، فقد ترجمت هذه الرواية إلى اللغة الفرنسية، وكتب لها الروائى الفرنسى (كلودفارير) تلميذ (بير لوتى) مقدمة ضافية يثنى فيها على الرواية، وعلى مؤلفها، فضلاً عن تسليمه بصحة كل ما احتوته من أحداث !

ولست أرانى بعيداً عن الحقيقة إذا قررت: أن ما تُرجم من تلك الروايات إلى اللغات الأجنبية كان له دور مع أخوات له كثيرات ألفها المستشرقون والمستغربون العرب والملاحدة والعلمانيون في نقل الإسلام وعقائده وتاريخه ورموزه وأبطاله إلى الغرب بصورة تخالف الحقيقة والواقع، فبدا المسلمون في أنظار أهل الغرب إرهابيين سفاكين للدماء، هادمين للحضارات، معادين لغيرهم من الشعوب !

وفى الوقت الذى نشط فيه أعداء الإسلام – كجرجى زيدان وغيره – في كتابة ما يسمونه بالتاريخ الإسلامى، قاصدين تزييف الحقائق، وتشويه الصورة، وانتقاء الفترات الحرجة القلقة دون الفترات المشرقة الوضاءة – وما أكثرها – في التاريخ الإسلامى، وتقديم الإسلام والمسلمين للعالم كله على أنه فكر إرهابى وإرهابيون .. في ذلكم الوقت قعد كثيرون من علماء المسلمين عن كشف الأباطيل التى احتواها ما ترجم إلى الغرب من مؤلفات المتعصبين الحاقدين كروايات جرجى زيدان وأمثالها !

فما نعانيه اليوم من سوء الفكر الأمريكى والأوربى عن الإسلام والمسلمين ما هو إلا نتيجة لتقاعسنا عن بيان حقائق الإسلام، دين الله الحق الخالد، ومبادئه المشرقة السمحة البانية للحضارة، الرافضة للإرهاب، المتسعة للمسلمين وأهل الذمة على حد سواء في حق العيش والحرية والأمن والسلام.

ومن هنا يصبح من حقى أن أذكر ما استولى على مشاعرى من رغبة ملحة في التوغل بالقراءة في هذه الروايات – مجال البحث – لاكتشاف الزيف الذى تضمنته، ووضعه بين أيدى قراء هذه الروايات، ليأخذوا حذرهم منها، وليكف المترجمون عن ترجمتها، وتمتنع دور النشر عن إعادة نشرها، راجياً من وراء ذلك أن أقدم شيئاً – ولو قليلاً – خدمة للإسلام وتاريخه، لأجلو عن الإسلام وتاريخه الوضاء ما أصابه ولحق بصفحاته الناصعة البياض من كذب وافتراءات وأباطيل ومغالطات، لا شك أنها مقصودة من مروجيها الذين جلس معهم جرجى زيدان في خندق واحد، يشنون حرباً شعواء على الإسلام والمسلمين، وإنها لحرب أكثر ضراوة من تلك الحروب المتواليات التى تشن هذه الأيام على المسلمين للهيمنة على بلادهم واستنزاف خيراتهم، تحت شعار القضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه !!

وإذا كان حرصى البالغ على البحث التاريخى في روايات زيدان لاكتشاف ما فيها من زيف قد أرهقنى إلى حد كبير، بحكم أننى غير متخصص – متفرغ في التاريخ، فإن حبى لإخراج الدراسة كاملة من جانبيها التاريخى والفنى جعلنى أتحمل هذا الإرهاق، فمضيت أقرأ كل روايات زيدان، وأجمع ما يمكننى مما قيل عنها في الكتب والرسائل الجامعية، والمقالات القديمة والحديثة التى كتبت عنها، إضافة إلى عرض ما تضمنته الروايات من أحداث على كتب التاريخ الكثيرة المختلفة، حتى أتحقق من مدى صحة ما جاء في هذه الروايات، فكان هذا سبباً لاستغراق البحث مدة طويلة؛ ولكن للبحث "عذوبة وعذاب" كما يقال، مهما امتد الوقت على صاحبه وطال.

ومن الغريب: أن جرجى زيدان – مؤلف هذه الروايات الخطيرة – قد نال من عناية الكتاب والدارسين ما لم ينله كتاب آخرون أبدعوا الرواية التاريخية، وقدموا لنا نماذج خالدة تشهد لهم بطول الباع، ولم يعبثوا فيها بالتاريخ كما عبث. وحسبك أن تقرأ القائمة البيبلوجرافية التى ألحقتها بهذا البحث، ففيها ما يشهد حقاً بأنه كاتب محظوظ، على الرغم من خطورته وتلمذته على أيدى المستشرقين، كما سيجئ البيان.

وهنا أذكر أن الدراسات التى سبق نشرها عن روايات زيدان قد تمثلت – كما ترى في البيبلوجرافيا الملحقة بالبحث – في صورة مقالات، وتقديمات لبعض رواياته، وفصول احتوتها جملة من الكتب . ولم تصدر عنها دراسة مفصلة خاصة سوى رسالة جامعية عنوانها (روايات تاريخ الإسلام) أشرف عليها أستاذنا المرحوم الدكتور عبد السلام سرحان، ونال بها صاحبها الدكتور محمد الحسين عبد القادر (لبناني الجنسية) درجة العالمية (الدكتوراة) في الأدب والنقد عام 1975 من كلية اللغة العربية بالقاهرة وهى رسالة ممتازة لم تطبع حتى اليوم فيما أحسب، وتقع في أربعمائة وسبع وستين صفحة من القطع المعروف للرسائل الجامعية، وعلى الرغم من امتياز هذه الرسالة، ودلالتها على أن الأزهر المعمور دائماً سباق إلى كشف أباطيل الأفاكين.

فإن لى عليها ملاحظات عدة أذكر منها ما يلى:

1- ركزت الرسالة على الجانب الفنى في روايات زيدان، واكتفت من الجانب التاريخى بسرد أمثلة للشبهات الواردة في بعض الروايات.

2- اكتفت الرسالة بلمحات تاريخية سريعة عن فن القصة عموماً، وتكاد تهمل كل ما يتصل بفن الرواية التاريخية.

3- جارى صاحب الرسالة مؤلف الروايات، ودار الهلال التى نشرتها، فعنون رسالته بروايات تاريخ الإسلام، وفات عليه أنها لا تمت إلى تاريخ الإسلام بصلة، على ما يجئ التفصيل، الأمر الذى جعل عنوان الرسالة متناقضاً تماماً مع الشبهات التى أوردها الباحث في الفصل الذى خصصه لها !!

4- اكتفى الباحث بالمنهج الانتقائى، فدرس بعضاً من روايات زيدان، وأهمل البعض الآخر، ومعلوم أن المنهج الانتقائى يقود صاحبه إلى نتائج غير يقينية أو خاطئة، كما سأذكر بعد قليل ! على أن الباحث يكاد يكون ناقلاً لما كتبه غيره من روايات زيدان من أمثال الدكتور محمود شوكت، والدكتور محمد يوسف نجم، والدكتور عبد المحسن طه بدر، فلم يضف إلى ما قالوه من معالم الجدة والابتكار إلا القليل.

لكن الرسالة – على كل حال – رسالة ممتازة، وقد أفدت منها ونقلت عنها ما اقتضاه البحث، ثم أضفت كثيراً وكثيراً مما غفلت عنه، وخالفت صاحبها – بطبيعة الحال – في المنهج والخطة والنتائج.

أما المقالات والتقديمات والفصول التى كتبت عن روايات زيدان فقد أفدت منها، وعقبت على ما لم أرتح إليه فيها، ويقتضى الإنصاف العلمى أن أشيد – هنا - بوقفة الدكتور عبد الرحمن بن صالح العشماوى مع جرجى زيدان في روايته (صلاح الدين الأيوبى) وإن كانت هذه الوقفة جاءت في صورة كتيب صغير، كذلك أشيد بالأستاذ شوقى أبى خليل حين وضع جرجى زيدان في الميزان، وكشف الكثير مما احتوته رواياته من زيف ودجل وأخطاء.
هذا وقد تبين لى من الفحص الدقيق لما كتب عن تلك الروايات أنها ما تزال بحاجة حقاً إلى دراسة جديدة، ولا سيما أن أغلب ما كتب – باستثناء رسالة الدكتوراة المذكورة سلفاً – قد توقف بعضه عند رواية بعينها مثلما فعل الدكتور أحمد إبراهيم الهوارى في دراسة له عن رواية (أرمانوسة المصرية) والدكتور حلمى محمد القاعود في دراسة له عن رواية (فتح الأندلس) والدكتور مسعد الديب في دراسة له عن روايتى (عذراء قريش) و(أرمانوسة المصرية)، ومن الدارسين من نظر إلى روايات زيدان نظرة طائر عابر في ثنايا حديثه عن فن الرواية الحديثة عموماً مثلما فعل الدكتور عبد المحسن طه بدر والدكتور شوكت والدكتور نجم وآخرون.
لكل ما سبق ذكره كان طموحى إلى دراسة تلك الروايات بعنوان جديد مبتكر جامع بين الفن والتاريخ، وبمنهج جديد، وخطة بكر، وذلك لأسد ما رأيته في دراسات السابقين من نقص وثغرات، وأرسل الكلمة الفاصلة التى تزيل ما احتوته هذه الدراسات من تضارب في الأقوال، واختلاف في الآراء، وتباين في الأحكام. يضاف إلى هذا: طموحى إلى تفصيل القول المدعوم بعشرات الأمثلة عما جاء في هذه الروايات من جوانب أهملها الدارسون ولا سيما الجوانب التاريخية التى لم يلتفتوا إليها في غمرة تركيزهم على الجوانب الفنية من أحداث وشخصيات وحوار وغيرها، فخرجوا – بالتالى – عن وجه الحق الذى ينبغى أن يقال في هذه الروايات الخطيرة التى تبث لقرائها السم في العسل على ما يجئ التفصيل، وفات على أولئك الدارسين أن تلك الروايات لا تدرس فنياً فحسب، وإنما يتحتم أن تدرس فنياً وتاريخياً، لنحيط الناس علما بما تحمله من خطورة بالغة فيحذروها.
وقد اقتضى ذلك منى أن أدرس كل روايات جرجى زيدان دراسة فاحصة دقيقة تقوم على المنهج الاستقصائى – لا الانتقائى – واستخلاص الأحكام منها، بغية الوصول إلى أحكام تحمل صفة اليقين، لا صفة الاحتمال والتردد. وهو منهج دعا إليه، وأشاد بنتائجه كبار الباحثين وفحول النقاد من أمثال الأستاذ الدكتور علي جواد الطاهر في كتابه (منهج البحث الأدبى)، والأستاذ الدكتور شوقى ضيف في كتابه (البحث الأدبى).
ومن هنا كانت كثرة الشواهد المستمدة من تلك الروايات للتدليل والتأكيد على تمسكى بهذا المنهج من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد هيمنت عليّ رغبة ملحة في إيقاف القراء على عشرات الأمثلة الدالة على خطورة هذه الروايات حتى يتجنبوا الاطلاع عليها.
الدومري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 02 - 2010, 09:13 PM   #3
سائح في دنيا الله
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2008
الدولة: اسكن الظل
المشاركات: 10,622
كتاب : وقفة مع جرجي زيدان (عبدالرحمن العشماوي

بسم الله الرحمن الرحيم




تلخيص لكتاب

وقفة مع جرجي زيدان

للدكتور عبد الرحمن بن صالح العشماوي


المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
هذا تلخيص لكتاب الدكتور عبد الرحمن بن صالح العشماوي، وعنوانه وقفة مع جرجي زيدان الطبعة الثانية عام 1424هـ ويقع في 121صفحة وهو كتاب نقدي موضوعي يتحدث في نقد رواية جرجي زيدان (صلاح الدين الأيوبي ) ويقف على هذه الرواية بالنقد الموضوعي وتحليل نقدي لهذه الرواية من حيث الشكل والمضمون والفن وقد قسم كتابه إلى موضوعات وهي كالتالي : من هو جرجي زيدان – صلاح الدين الأيوبي – شخصية صلاح الدين في الرواية – ضعف المستوى الفني – وقفة مع التاريخ – لماذا أهمل جرجي زيدان شخوص التاريخ الإسلامي – سيطرة الخيال في الرواية – المصادفات في الرواية – حبكة الرواية وأسلوبها – اللغة والحوار القصصي في الرواية – جرجي زيدان والنصرانية – مناقشة رأي – الملامح الفنية العامة لروايات جرجي زيدان .

وعرض في كتابه لعدد آخر من الروايات لجرجي زيدان وموقف النقاد منه .


والله ولي التوفيق ,,,
مقدمة الكتاب

عرض المؤلف في المقدمه إلى أن ]التاريخ الإسلامي هو المصدرالأول للرواية التاريخية الإسلامية ‘ حيث لجأ إليه عدد من الكتاب‘ واستقو من منبعه قضايا دينية فكرية وسياسية ‘عرضوها على القراء من خلال أعمال قصصية تختلف من حيث الجودة ‘والدقة ‘ والأمانة التاريخية بحسب اختلاف اتجاهات الكتاب وميولهم[1][

ثم تحدث المؤلف عن جورجي زيدان هو من أوائل من كتبوا روايات تاريخية مستمدة في إطارها العام من التاريخ الإسلامي .
وان هناك مقاييس نقدية متفق عليها في هذا المجال ومن أهمها وجوب مراعاة صحة دلالة الحدث التاريخي بحيث تسلم من التحريف وهذا ما دفعه إلى هذه الوقفة مع جرجي زيدان .




من هو جرجي زيدان

بدأ في كتابه بالتعريف بجرجي زيدان واسمه جرجي بن حبيب زيدان ولد في بيروت عام1816م‘وقد اضطر لترك المدرسة صغيرا‘ثم تعلم الإنجليزية ‘ والتحق بالكلية السورية الإنجيلية ((الجامعة الأمريكية)) ودرس بها الطب ‘ ثم نشأت أحداث دفعته إلى الهرب فغادر الشام متجها إلى مصر حيث انصرف فيها إلى الصحافة والتأليف والنشر والترجمة ‘وقد قام بعدة أعمال من أبرزها مصاحبته للحملة الإنجليزية على السودان ترجمانا لها ‘وقد عاد إلى بيروت حيث درس اللغات السامية بها ‘ثم رجع إلى القاهرة بعد زيارة انجلترا ‘وأسس بها مجلة الهلال عام 1892م‘وقد قام برحلات إلى بلدان مختلفة في أنحاء العالم وتوفي سنة 1914م في القاهرة.

ألف في التاريخ الكتب التالية:تاريخ مصر الحديث في جزأين صدر عام1889م‘وتاريخ التمدن الإسلامي في خمسة أجزاء صدر عام 1902م‘وتاريخ العرب قبل الإسلام صدر جزؤه الأول عام 1908م‘وتاريخ الماسونية العام صدر عام 1889م‘وتراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر صدر عام 1902م‘وكتاب رحلة جرجي زيدان إلى أوربة عام 1912م‘والتاريخ العام منذ الخليقة إلى الآن صدر الجزء الأول 1908م ‘ وتاريخ إنجلترا منذ نشأتها إلى هذه الأيام صدر عام 1899م وتاريخ اليونان والرومان (مختصر ) صدر عام 1897م.

كما عرض المؤلف لموقف النقاد وتسائلهم في أمر جرجي زيدان هذا التوجه منه إلى التاريخ الإسلامي يستقي منه مادة رواياته التاريخية ‘وقد فسر بعضهم هذا الأمر بقوله وعندما ترك لبنان واستقر في مصر ‘وجد نفسه في بيئة إسلامية لها معتقداتها الخاصة وتقاليدها ‘فآثر أن يكيف نفسه وفق ما تتطلبه بيئته الجديدة ‘واندمج في أهلها واستبطن عقلياتهم ‘واستطاع بآثاره العلمية والأدبية والصحفية أن يرضي الطبقات المختلفة [2]).

بينما يرى بعض النقاد رأيا آخر فيقول : (وهكذا قدمنا ملاحظاتنا حول روايات جرجي زيدان التي تعمد فيها التخريب والكذب لأجل تحقير العرب ‘عن سوء قصد ‘لاعن جهل؛فلا ينقص جرجي العلم بعد أن أوهم قراءه أنه عاد إلى مصادر ومراجع عربية ،لكنه تعمد فساد الإستنباط مع الطعن المدروس لعملته الأجنبية،ولتعصبه الديني الذي جعله ينضر إلى تاريخنا العربي الإسلامي ،وآداب اللغة العربية بعين السخط والحقد[3]).

ويتناول بعض الكتاب هذا الموضوع بقدر كبير من الهدوء فيقول:

(إن من البديهي ألا نجد تفسيرا إسلاميا للتاريخ في روايات جرجي زيدان ؛ذلك لأن هذا التفسير لا يصدر إلا عن كاتب آمن به ، وجرجي زيدان صاحب عقيدة مختلفة عن العقيدة الإسلامي ،ثم إنه غير متعاطف مع هذا التاريخ الذي يكتب رواياته[4] ).

ثم خلص المؤلف بعد عرض الآراء الثلاثة خلص إلى أن وجدها تتفق على أن جرجي زيدان قد اتجه إلى التاريخ الإسلامي لأهداف شخصية لا علاقة لها بالرغبة في إحياء هذا التاريخ، وترسيخ مكانته في النفوس.




صلاح الدين الأيوبي

روايتة تاريخية لجرجي زيدان تعرض أحداثاكثيرة صغيرة وكبيرة،

خيالية وحقيقية ،تختص بحقبة تاريخية معينة ، والرواية تغطي مساحة ورقية تتجاوز الثلاث مئة وخمسين صفحة من القطع المتوسط ،وتتكون من سبعة وستين مقطعا لكل مقطع منها عنون يدل على ما يجري فيه من أحداث .

يلفت نضر المتابع لروايات تاريخ الإسلام التي كتبها جرجي زيدان تركيزه على اختيار أسما الأشخاص عناوين لها ،وبخاصة أسماء المشاهير من شخوص التأريخ الإسلامي .

وهذا الأمر يوقفنا أما م سؤال طرحه بعض النقاد ) هل الروايات التي قام بكتابتها تعد من قبيل التراجم لهؤلاء الأشخاص أم أريد بها أن تكون مجرد روايات فنية [5]؟)

وأجاب بأنها لا يمكن أن تكون من قبيل التراجم لشخوص التأريخ الإسلامي لأن معنى الترجمة يدل على سرد موثق لحياة المترجم له منذ مولده حتى وفاته دون أن يتدخل الخيال في هذا السرد كما أنها لايمكن أن تعد روايات فنية لما تنطوي عليه من عبارات وصور ،ومواقف تبعدها غالبا عنة دائرة الفن القصصي )

ثم ناقش المؤلف علاقة عنوان الرواية بالمضمون وخلص الى أن :

1- الأحداث والشخصيات المحورية خيالية لاوجود لها في عالم الواقع تشغل مساحة كبيرة من الرواية .

2- اتخذ الكاتب في روايته سبلا أخرى تبعدنا عن الهدف الرئيس الذي يوحي به هذا العنوان وهو أول خطأ فني في الرواية .

وكلمة (هذا الكردي ) الواردة في الرواية توحي بموقف خاص من الكاتب تجاه صلاح الدين .


شخصية صلاح الدين في الرواية

يواجهنا اسم صلاح الدين في عنوان الرواية على الغلاف ولا يرد اسم صلاح الدين إلا بعد صفحات عديدة ولا يذكره الكاتب إلا في مواضع قليلة و وصفه بالكردي ولا ورد اسم صلاح الدين الا في مواقف توحي بطمعه في السلطة ،وتدفع القارئ إلى إدانته.

وأن هذا الدور لا يتناسب مع هذا القائد الكبير ومكانته تاريخيا ،ولا مع الدور المنتضر منه فنيا .

وجرجي زيدان عد من الرواد ، وهذه الريادة إن كانت قابلة للعذر، على الضعف الفني فلا يصح أن تكون عذرا لما حدث في رواياته من خلل تاريخي واضح،وهذه الريادة ليست على إطلاقها فقد سبقه إلى ذلك سليم البساتي بما يقارب عشرين عاما .




ضعف المستوى الفني

ذكر المؤلف نحت هذا العنوان أنه يميل ميلا يؤيده الدليل إلى أن سب العثرات الفنية في روايات جرجي زيدان هو عدم صدقه في التناول التاريخي لأحداث التاريخ الإسلامي ودلل على ذلك بأن جرجي زيدان نصراني وصلاح الدين المسلم الذي حطم جبروت الصليب وحرر بيت المقدس من النصارى ومن ذلك ليس غريبا أن تكون لهذا الكاتب مواقف سلبية من التأريخ الإسلامي ولا يذكر معارك صلاح الدين مع الصليبيين ,ولم يذكر إصلاحات صلاح الدين في أنحاء العالم الإسلامي ،إصلاحات عمرانية ،وتعليمية ،واجتماعية ، وعقدية، ومن هنا جائت شخصية صلاح الدين باهتة لا قيمة لها ،فأدى ذلك إلى ضعف المستوى الفني.

وهناك تناقض مستمر ينتشر في الرواية ويظهر التناقض جليا في شخصية ((عبدالرحيم لإسماعيلي )) ،فهو مخلص متفاني لخدمة فرقته ،ثم نراه فجأة في حوار قصير بينه وبين (عماد الدين) يظهر عدم ميله إلى هذه الفرقة ويعبر عن خوفه منها ويعزم على الهرب ،

فكيف تعلق هذه الأخطاء على مشجب ((لريادة وجيل الرواد)).






وقفة مع التاريخ

يقول ابن كثير عن صلاح الدين لم يترك في خزانته من الذهب سوى جرام واحد...وقيل سبع وأربعين درهما ،ولم يترك دارا ولا عقارا ولا مزرعة ، ولا بستانا ،ولا شيئا من أنواع الأملاك)

أما جرجي زيدان فيصوره بما يلي :

(قال العم حسن:هذا هو ياصاحبي صلاح الدين الوزير، وهذا الثوب الذي عليه هو خلعة السلطة خلعها عليه هذا الخليفة نفسه منذ ثلاث سنوات ،وهي كما ترى عمامة بيضاء من نسج تنيس لها طرف مذهب وتحتها ثوب ديبقي مطرز بالذهب )

ويتسائل الدكتور العشماوي أين الصدق التاريخي والفني في هذه الرواية ؟

وجرجي زيدان قال (وأخذنا نهيئ أذهان القراء على اختلاف طبقاتهم.....لمطالعة هذا التاريخ بما ننشره من الروايات التاريخية الإسلامية )

فهذا النص يدل على أن جرجي زيدان يخطئ خطأ من يعلم لا خطأ من يجهل .




لماذا أهمل جرجي زيدان شخوص التأريخ الإسلامي

فسر الدكتور العشماوي ذلك بأن جرجي زيدان فعل ذلك هربا من حقائق التاريخ الإسلامي الناصعة؛لأن نصرانيته تحول بينه وبين الإنصاف لتأريخ الإسلامي .

وهذا أمر متوقع من الكاتب لأنه يكتب بقلم نصراني ففي روايته فتح الأندلس يتوقف من وقت لآخر يصف لنا كنيسة طليطلة.

وتسائل الدكتور العشماوي هل يعد معلما للتاريخ الإسلامي من يوحي إلينا بأن هدف الجيوش الإسلامية إنما هو الغنائم من الذهب والفضة ، والغلمان والجواري .






سيطرة الخيال في الرواية

سيطرة الخيال في أحداث رواية صلاح الدين الأيوبي أحدثت خللا في بنائها الفني وتدخلت الصدف في سير الأحداث مما رسخ التناقض في الرواية ،وزاد من تهلهل بنائها .

فكتب التاريخ تروي لنا المؤامرة التي دبرها المؤرخ الشاعر عمارة اليمني مع عدد من الشيعة ضد صلاح الدين ،وتذكر كتب التاريخ ان الذي كشف المؤامرة هو زين الدين علي بن نجا ،ويأبى جرجي زيدان إلا أن يجعل شخصيته الخيالية هو من يكشف المؤامرة .




المصادفات في هذه الرواية

المصادفات فهي سمة بارزة في روايات جرجي زيدان يلوي بها أعناق الأحداث ،ويجعل بها المستحيل ممكنا .

فهذه (ست الملك ) تود أن ترى (عماد الدين ) الذي أحبته ولكنها لا تعرف لذلك سبيلا ، وفجأة يوجد لنا الكاتب سردابا من تحت الأرض يمتد من مكان قريب من منزل عماد الدين إلى غرفة قريبة من مخدع (ست الملك ) ويأتي الكاتب بأمور مضحكة .

وهكذا تجني المصادفات على العمل الروائي وتلقي به بعيدا عن دائرة الفن وتصيبه بداء التفكك وعدم القدرة على إقناع القارئ أو الحصول على تقديره إنها تقتل الصدق الفني ، والصدق التأريخيى في العمل الروائي .




حبكة الرواية وأسلوبها

عملية إصفاء الأحداث مهمة في الرواية التاريخية الإسلامية ، والأحداث التاريخية في الفترة التي كتب عنها كفيلة بإغنائه عن الخيال لأنها تحقق عنصر المفاجئة والتشويق في الرواية .

الأسس التي قامة عليها رواية صلاح الدين :

1- اختار فترة تاريخية معينة من زيارة والد صلاح الدين مصر 565هـ وتنتهي بقضاء صلاح الدين على مؤمرة عمارة اليمني عام 569هـ .

2- قصة غرامية نشأة بين( ست الملك)( وعماد الدين) أحد رجال صلاح الدين.

3- مؤامرات متعددة للتخلص من صلاح الدين.

4- مصادفات عديدة يصبح بها المستحيل ممكنا ،امتدت من أول الرواية حتى آخرها .

5- استطرادات كثيرة ،يتدخل بها الكاتب مفسرا أو شارحا أو مبررا لما يسوقه من صور خيالية غريبة .

6- السر الذي تمثل في أحد شخوص الرواية التي لم يكشفه إلا قبل نهايتها .

7- اللغة السهلة الواضحة القريبة من فهم القراء .

8- الحوار القصصي الذي ينتشر في الرواية منذ بدايتها إلى نهايتها .




اللغة والحوار القصصي في الرواية

لغة جرجي زيدان سهلة واضحة ،ولذلك جاء أسلوب الرواية واضحا ،قريب المأخذ ،ولذلك خلت من التكلف والتصنع كما خلت من المحسنات البديعية وغيرها من الصور التي تزين الأسلوب ،

على أن لغته لم تخلو من ركاكة في التركيب تظهر لمن يتذوق جمال العربية ويعرف مواطن القوة والضعف في تركيبها ،كما يؤخذ عليه استخدامه كلمات وجملا ومصطلحات لا تتناسب مع الشخصيات التاريخية مثل قوله : (وخرجت إلى قاعة الإستقبال )

أما الحوار القصصي في الرواية رأينا فيه أثرا من ضعف التركيب اللغوي عند الكاتب ، ومن السهولة والوضوح . كما يضهر أثر التصنع وعدم الواقعية ،حيث نشعر أن الكاتب يملي على الأشخاص المتحاورين ما يريد أن يقوله هو بأسلوب مكشوف كما يعرض مواقفه تجاه صلاح الدين ووصفه على لسان أخو سيدة الملك (رجل أعجمي ) (سلب حقوقنا) (استبد بالأمر ) (نخشى سطوته) وكان الكاتب يتحدث عن قاطع طريق لارحمة له لاعن صلاح الدين الأيوبي الذي اشتهر بالرحمة والعطف حتى مع الأعداء .




جرجي زيدان والنصرانية

فان الإنصاف يدعونا إلى القول إن جرجي زيدان قد بذل جهدا كبيرا فيما يكتب ،وصدق مع نفسه وقلبه فعرض على المسلمين تاريخهم عرضا روائيا يتلائم مع معتقداته النصرانية ومنطلقاته النفسية والفكرية ،وبذل جهد كبيرا أيضا في الربط بين أجزاء رواياته وإن كانت أدواته الفنية واللغوية قد قصرت به عن المستوى الفني المطلوب في مجال الرواية التاريخية ،وقد اتكأ على تاريخ الإسلام فيما رسم من صور مشرقة في بعض رواياته للكنائس والأديرة،زمن أمثلة ذلك وصفه (لدير خالد) القريب من دمشق حيث وصفه وصفا جميلا يبرز مشاعره نحو هذا الدير .

وقد طرح شوقي أبو خليل اقتراحين حول روايات جرجي زيدان وهما: منع هذه الروايات من البيع في الأسوق وإبراز فساده في وسائل الإعلام ،وإما إلزام دور النشر والمطابع بوضع عبارة كعبارة الفراعنة: (هذه الروايات الزيدانية لا تمت إلى حقيقة التاريخ بصلة ) .

نقل ما قاله نضير عبود في جرجي زيدان (مشاهد كثيرة تمر أمامنا ، ونحن نسير عبر هذه الرواية وفي ثناياها ،فترى نجم الدين والد صلاح الدين يتآمر مع ولده صلاح الدين على قلب الحكم و إخراجه من يد الفاطميين وإرجاعه إلى العباسيين ،وصلاح الدين لا يهمه سوى النفوذ والمال، راح صلاح الدين يبث مؤامراته حتى نجح فيها[6])

هذا ما يفهمه القارئ من روايات رجي زيدان من معلومات عن تاريخ الإسلام وعن أولئك الأبطال،أما التأريخ فيروي لنا غير ذلك .

يقول ابن الأثير عن نور الدين الزنكي : (فمن ذلك زهده وعبادته وعلمه ، فإنه كان لا يأكل لا يلبس ولا يتصرف إلا في الذي يخصه من ملك كان قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين ...وكان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة ليس عنده فيه تعصب ،وسمع الحديث وأسمعه طلبا للأجر )[7]




مناقشة رأي

الرأي لأنيس المقدسي : (يمتاز زيدان بأمانته التاريخية حتى أنه يثبت فيها مصادره كأنه يكتب تايخا لارواية أما أسلوبه فسهل يأنس به الجمهور ،ولا تنكره الخاصة ،...فزيدان مؤرخ أكثر منه صاحب فن ،إلا أن ذلك لم يقلل من جاذبية رواياته وفائدتها وتأثيرها، وقد برهن الزمان الذي مر عليها عن حيويتها ، ومهما قيل فانه عمل روائي تاريخي ممتاز ،ويحق لزيدان أن يلقب بإمام هذا الفن في أدبنا الحديث ... ولا شك أن روايات زيدان التي تدور على تاريخ العرب جيلا بعد جيل وعيا قوميا وحركت فيهم الميل إلى دراسة التاريخ العربي [8])

ويرد الدكتور العشماوي على ذلك كالآتي :

في رأي أنيس المقدسي الذي تضمنه كلامه السابق صواب وخطأ ، أما الصواب فإنه يتمثل فيما ذكره من خطوة روايات جرجي زيدان بالانتشار بين الناس حتى أنها بعت بعد وفاته مرات عديدة ولا تزال ، ويتمثل الصواب عند المقدسي أيضا فيما ذكره من سهولة اسلوب زيدان وقربه من فهم عامة الناس ، وهو معروف عند الدارسين لما كتبه .

أما الخطأ فيما ذكره المقدسي ، فإنه يتعلق بطرحه لأمور لا تفوت معرفتها على القارئ المتوسط في فهمه ، فكيف بكاتب صدر له كتاب في النقد والأدب ،ويبرز الخطأ الأول عنده فيما قاله عن القصص الغرامية (المنسوجة خياليا )في روايات زيدان حيث وصفها بالتشويق والإمتاع وعدها ميزة للكاتب ،بينما هي من المآخذ التي تؤخذ على زيدان ، فهي من الناحية الفنية مفككة ضعيفة لا عمق فيها, بل إن فيها من الإهتمام بالأمور التافهة المتعلقة بمظهر لفتاة المعشوقة أو الفتى المعشوق ما لا يمكن أن يقبل من كاتب ناشئ ,غني عن كاتب مؤرخ مثل جرجي زيدان .

أما الخطأ الثاني في كلام المقدسي فهو أفدح من سابقه , إذ أنه يصف زيدان بالأمانة التاريخية ,وهذا ما لم يتحقق في رواياته التاريخية .

والخطأ الثالث : أن عمل زيدان في روايات التاريخ الإسلامي عمل تاريخي ممتاز , كما أخطأ في أنه أحدث وعيا قوميا في نفوس الناشئة إلا إذا كان لوعي القومي المقصود بفهم التاريخ الإسلامي فهما خاطئا لا يتفق مع الحقائق الثابتة .








الملامح الفنية العامة لروايات جرجي زيدان



1- اضطراب البناء الفني العام لكل رواية من رواياته.

2- عدم قدرة الكاتب على التغلغل داخل شخصياته.

3- إخفاق الكاتب في استخدام عناصر التشويق في رواياته.

4- ضعف إسلوب الكاتب واضطراب لغته.

مراجع الكتاب :

[1] الفن القصصي في الأدب المصري ص138 لمحمود شوكت.


[2] القصة في الأدب العربي الحديث لمحمد يوسف نجم.


[3] جرجي زيدان في الميزان لشوقي أبو خليل ص307.


[4] خصائص القصة الإسلامية لمأمون فريز جرار ص179.


[5]جرجي زيدان ،صلاح الدين الأيوبي بقلم د/ثناء الوجود.


[6] نضير عبود ،جرجي زيدان :حياته – أعماله –ماقيل فيه ص 95.


[7] الكامل في التاريخ ج9،ص125.


[8] الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة العربية الحديثة الطبعة الثانية ،بيروت :دار العلم للملايين 1978م ص516-517.
الدومري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 02 - 2010, 01:48 AM   #4
علمني التاريخ
 
الصورة الرمزية هيردوت
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2008
الدولة: أرض النفاق
المشاركات: 34
ايها الدومري

عندما تتجول بالنت لاتكن كالذبابة لاتقع الا على كل نجس، فهذه المقالة بلغت من السخف والتفاهة مبلغا كبير، والا تكن كالحمار الذي يحمل اسفارا، تنقل بدون ان تقرأ هذه النقولات.

فالمقالة سطحية جدا وتفتقد لابسط مقومات البحث العلمي من عنوان المقال حتى نهايته، فعنوان المقال يدل بان كاتب المقال وضع نفسه مكان الله وبدأ يزن اعمال الناس في ميزان الاسلام، واي اسلام يتحدث عنه لانعلم، هل هو اسلام ابن عبدالوهاب ام اسلام ابن لادن ام اسلام الخميني ام اسلام الاخونجية.

وتجنى كاتب المقال على جرجي زيدان في اكثر المقال، ولو وزنا كاتب المقال و اسهاماته بجرجي زيدان لاصبح كاتب المقال من التافهين وهو كذلك، فيكفي جرجي زيدان كتابة التمدن الاسلامي، الذي قدم فيه صورة ناصعة من تراث العرب والمسلمين.
__________________
"إذا سألت ربما سيكون الخجل للحظة، ولكن إذا لم تسأل سيكون الخجل معك طوال الحياة"
هيردوت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22 - 02 - 2010, 12:16 PM   #5
سائح في دنيا الله
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2008
الدولة: اسكن الظل
المشاركات: 10,622
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيردوت مشاهدة المشاركة
ايها الدومري

عندما تتجول بالنت لاتكن كالذبابة لاتقع الا على كل نجس، فهذه المقالة بلغت من السخف والتفاهة مبلغا كبير، والا تكن كالحمار الذي يحمل اسفارا، تنقل بدون ان تقرأ هذه النقولات.

فالمقالة سطحية جدا وتفتقد لابسط مقومات البحث العلمي من عنوان المقال حتى نهايته، فعنوان المقال يدل بان كاتب المقال وضع نفسه مكان الله وبدأ يزن اعمال الناس في ميزان الاسلام، واي اسلام يتحدث عنه لانعلم، هل هو اسلام ابن عبدالوهاب ام اسلام ابن لادن ام اسلام الخميني ام اسلام الاخونجية.

وتجنى كاتب المقال على جرجي زيدان في اكثر المقال، ولو وزنا كاتب المقال و اسهاماته بجرجي زيدان لاصبح كاتب المقال من التافهين وهو كذلك، فيكفي جرجي زيدان كتابة التمدن الاسلامي، الذي قدم فيه صورة ناصعة من تراث العرب والمسلمين.
ذبابه , حمار !!!


هيه انت !
اعتبرني لم اقرأ شيء كهذا لأن مثل هذا الكلام ينطبق عليه قول القائل سلاح الحمق قبح

الكلام !!

مع أن الذباب لا يتواجد ألا عندما يتعفن المكان تظهر هي وحشرات غريبة كأنها أفكار

وتصورات مشبوه وقذره .. هكذا علمني التاريخ !.

ولكن ماأراه شخصياً هو أن هذه المقالات انصفت جرجي زيدان وضعته في حجمه

الطبيعي

واتنمى منك في المرة القادمة عندما تنقد مقالة ما ان توضح لنا إنتقادك !


أو أنك لا تجيد سوى التفنن بــــ استنقاص الغير هذا تافه وهذا سطحي وووو


وفي النهاية لن اقول لك كما قلت لي ( عندما تتجول بالنت لاتكن كالذبابة لاتقع الا على كل نجس)


ولكن ســـ اقول لك ليتك ترى أبعد من أنفك وتصلح نفسك وتطور من تفكيرك ولا تعيش وتموت كذباب

ملتصق بالعسل !
الدومري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22 - 02 - 2010, 12:28 PM   #6
سائح في دنيا الله
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2008
الدولة: اسكن الظل
المشاركات: 10,622
......................
الدومري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:27 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor