جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > مكتبة الجسد

مكتبة الجسد كتب واصدارات

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 21 - 11 - 2005, 12:18 AM   #1
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304
كتاب ( كيف يصنعون أنفسهم ) .. الفاروق, ابن خلدون , الجاحظ , فولتير .. وآخرون ..!!

كتــــاب / كيف يصنعون أنفسهم ..

فـــوزي معـــــــروف
عن منشورات اتحاد الكتاب العرب


إهداء :

إلى.....
سُلاف
و
عمر..
و أبناء جيلهما ..



" مدخل "

صناعة النفس ..!!
ماذا تعني ؟
المعروف في لغتنا العربية، أن صانع نفسه هو " العصامي " وهذه الكلمة منسوبة إلى " عِصام " حاجب النعمان وصارت تعني الشخص الذي يَشرف بنفسه لا بآبائه ولعل ذلك كان أصل القول الشائع " كن عصامياً لا عظامياً " أي - اصنع بنفسك مثل عصام ولا تتكل على مجد الآباء الذين صاروا عظاماً ..
كما أن بيت الشعر العربي الشهير يشير إلى عصام هذا حين يقول :

ونفسُ عصام سّودت ْ عصاما
وعلمّته الكرّ و الإقداما

وكلمة " عصامي " هذه تُقابل في اللغة الانجليزية " صانع نفسه " Selfmade وفي اللغة الفرنسية " ابن عمله".
***

كل عامل جاد في اختصاصه هو صانع لنفسه وكلُّ مَنْ يستطيع التفوق في ناحية ما من النشاط الإبداعي الإنساني الاجتماعي يمكن أن يصير من العظماء إذا اتجه للإبداع في هذا النشاط ورغب فيه .
قد يكون العامل رائداً اجتماعياً إذا أدرك في نفسه ناحية يتميز بها، ويعمل على استغلالها .. كما قد يكون الزارع والطبيب المعلم والفنان وغيرهم .. إذا عرف كلٌّ منهم تلك الميزة وركزّ جهوده لخدمتها، خاصة أنه في العصر الحديث تغيرت الظروف التي تحيط بالفكر الإنساني نتيجة الثورة الشاملة في كل ما يتعلق بحياة الإنسان وفكره .. إذ مال الناس في القرن العشرين إلى الإيمان بالصفات المكتسبة، والتي صارت في الغالب هي التي تحدد لنا منزلتنا أو حظّنا في الحياة بما صنعناه بأيدينا، بعد أن كانوا في القرون الماضية يميلون إلى الإيمان بالوراثة على أنّها القدر، الذي يَعّين لنا حظّنا في الحياة بما ورثناه من كفايات عن الآباء والأجداد ..
****

ليس العظماء في هذا الكتاب من نوع واحد في المعرفة فبعضهم مبدع في الأدب، وبعضهم عالمٌ أنقذ البشرية من بعض آلامها، وبعضهم فيلسوف أنار بأفكاره بعض الزوايا في الفكر .. التقوا جميعاً على هدف نبيل: هو خدمة الإنسان والإنسانية .. والتقوا جميعاً على الطريق للوصول إلى هذا الهدف، وهو " العمل .. ثم العمل " فصاروا عظماء خالدين .
قد يختلف الناس على مستوى الإبداع عند هذا أوذاك كما قد يختلفون حول بروز الفروق الفردية بين هذا المبدع أو ذاك .. والكتاب حاول أن يتجاوز ذلك بقدر ما حاول التركيز على الخيط الجامع بينهم وهو القدرة علىصنع النفس في ظروف قاسية كانت في معظمها غير مؤاتية ..
****

قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أن هذا الكتاب يركز علىدور الفرد - الذاتي - ويغفل دور الواقع الموضوعي إيماناً منه بأن الأعمال الإبداعية هي نتاج مبدعين أفراد، وإن كان الإبداع نفسُه جزءاً من الحياة الاجتماعية .. ومن ثم ليس في مقدور أية عبقرية فردية أن تخلق مثلاً تياراً فنياً أومرحلة فنية، بل قُصارى ما تفعله العبقرية الفردية أن تدمغ بطابعها الفردي مرحلة من المراحل ذات المصدر الاجتماعي، فالمبدع لا يمكن أن يعبر عن مجتمعه وعصره إلاّ إذا كان ثّمة تفاعل وتأثير إيجابي، بين " أنا " المبدع، و " نحن " المجتمع .. لأن الإبداع الحقيقي دائماً يكون من أجل الآخرين ( المجتمع ) يُلاحظ المرءُ أن الكتابات الحديثة، قد بالغ بعضها في إكبار دور الجماعة والبيئة وأضاف كلَّ شيء إليها وأنكر دور الفرد .. وإذا ذكر فعلى أنه أداة من الأدوات ليس له قوة ولا عمل ولا إرادة.
كما يُلاحظ أن بعضها الآخر قد بالغ - بالعكس - في دور الفرد فأعطاه كلَّ شيء،وألغى دور المجتمع والبيئة كما ألغى السابقون دور الفرد .
وهؤلاء مخطئون كماأخطأ أولئك لأن الفرد قوّة قد تكون عظيمة الأثر أو ضئيلة، لكنها تبقى قوة لهاأثرها في تكوين قوةالجماعة .. فليس من الموضوعية أن نجعل الفرد كلَّ شيء ونهمل دور المجتمع ،ولا أن نهمل دور الفرد لنعطي كلَّ شيء للمجتمع .
***

إن الصلة العامة التي تجمع هؤلاء، هي الإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز نفسه دائماً والإيمان بتقدم المجتمع .. وأن عمل الإنسان الخلاق،هو صانع العبقريات الخالدة .. وليس فيهم واحد اعتمد على " الإلهام " فقط في إبداعه و خلوده ..وإنْ اعترف بعضهم بوجود " الإلهام " فهو اعتراف على طريقة " فلوبير" الذي قال: " الإلهام يعني أن تجلس إلى منضدة العمل "الكتابة " كل يوم وفي نفس الساعة "
كما أن القاسم المشترك الذي يجمع هؤلاء، هوتغلّب الإرادة والعزم ،على أي عامل آخر في حياتهم بحيث يُحسُّ القارئ لأعمالهم والدارس لحياتهم ،بأنهم صنعوا عبقرياتهم بأنفسهم، كما يشعر أنّهم لا يكادون يملكون موهبةً من نوع تميزهم عن غيرهم من البشر العاديين، وأن موهبتهم كانت ثمرة إرادتهم واستمرارهم في العمل، وهنا تتجلى عظمتهم الإنسانية .. ففي حياة كل واحد منهم، نجد نافذة ندخل منها إلى نواحي العظمة عنده .. كمانجد في جواب كل واحد فيهم عن سؤال حول حياته، أو قد نجد الجواب في حياته نفسها،أو في بعض أعماله .. نجد أن العظمة كامنة في إرادة الإنسان عندما يعقد العزم على أن يكون عظيم الأثر، ولعل الشاعر العربي قصد إلى هذا المعنى حين قال:

والنفس راغبةُ إذا رغبتها
وإذا تُردُّ إلى قليل تقنعُ

وكان المتنبي غيرَ بعيد عن هذا حين قال:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم

إن الغاية من وضع هذا الكتاب،هي إنعاش شعور أن نعيش الحياة في عملٍ وتعلم، واستقطارٍ كامل للوقت الذي نتقن إهداره ..


هذا في الوقت الذي لا تزعم فيه صفحات الكتاب أنها تقدم "وصْفة لــِ ((كيف يُصبح الإنسان عظيماً ؟ )) وإنما أحد الأهداف المنشودة أن تشير إلى درب العظمة عند هؤلاء الذين ورد ذكرهم، لأن من علامات النضج في الإنسان أن يفيد من تجارب غيره ليختصر الكثيرمن الوقت الذي يمكن أن يهدره وهو يجرب هذا ويُقلع عن ذاك .. وأن الإنسان لا يحتاج أن يكون موهوباً، خارق الذكاء كي يكون عظيماً ،وإنّمايكفيه أن يكون ذا قلبٍ يقظٍ، وضميرٍ حي، وإرادة مصمّمة ،يشعر أن الحياة لا تكون حياته حقاً، إلاّ إذا أُنفقت في عمل مُتصل من أجل الحرية والحق والعدل، وهنا يضيء قول " فيخته ": " .... أما أن تكون حراً فهذا لا شيء وأما أن تصبْح عظيماً فهذا كل شيء " لأن الإنسان الحقيقي هومخلوق العمل والإرادة .
كما يطمح الكتاب ،أن يكون في حياة كل واحد من هؤلاء ضوء للشباب الذي لا يرضى من حياته أن يكون ضيفاً أو مستأجراً في هذه الدنيا .
ولا يُريد الكتاب أن يقول: إن الإرادة والعمل، يحققان المستحيل بل يريد القول انهما يحققان الممكن ولا حدود مرئية لهذا الممكن الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان .
إن أحد طموحات هذا الكتاب أن يحفز القارئ إلى آثار الذين ورد ذكرهم، وآثار غيرهم ،لأن أي كتاب مهما كان لا يستطيع - وإن حاول - قول كل شيء عن واحدٍ من هؤلاء .
اتفق الناس أن تاريخ الرجال العظام، هو خير مدرسة للناس .. وفي سيرهم دروسٌ عظيمة الفائدة تدفعنا دائماً إلى الأمام .
والرجال العظام لا ينحصرون في مجال واحد من مجالات الحياة بل هم كمايقول " فولتير ": " مًنْ وفرّوا السعادة للبشر وهدوا الناس سُبل الحرية، ودعوا إلى ما يحقق المثل الإنسانية العليا " .
لم يتبع الكتاب الطريقة العادية - تعاقب الأزمان- وهو يتحدث عن بعض الذين صنعوا أنفسهم ،لا فيما بينهم كأفراد، ولا في تسلسل أحداث حيواتهم، ولكنه أتخذّ من مجمل حياة كل واحد فيهم المواقف المضيئة التي برز فيها دور الإرادة والقدرة على العمل المتواصل في جعل الحياة أكثر ثراءً وعطاءً .
تلك المواقف التي توضح ملامح الشخصية - موضوع الحديث - بقدر يكفي أن يجعل منها حافزاً نحو الصعود - إن لم ينجح في أن يجعل منها قدوة ومثلاً .
ليس القصد عرض الحياة في تتابعها الزمني، وإنّما القصد،التقاط تلك اللحظات العادية التي تبدو عند الكثيرين انها لحظات نادرة لا يملكها إلاّ الموهوبون من بني البشر .
الكتاب محاولة لأن يرسم لمن ذكرهم صورة فيها: شجاعة في المواقف، شجاعة في الرأي وصلت حدَّ الاستشهاد في سبيله، صلابة على المبدأ، إلى حد التضحية بالحياة من أجله ...
وشجاعة في الصبّر على قسوة الظروف الذاتية والموضوعية المحيطة كما الشجاعة في الإرادة والعمل المتواصل من أجل الوصول إلى الهدف المرسوم .
وإذا كانت الصورة تبدو غير كافية هُنا أوهناك فانها تبقى على أية حال صورة بوسع المرء إذا أراد أن يكملها وأن يسعى لذلك بنفسه .
وأحد الأمور التي يحاولها الكتاب، أن يضع القارئ أمام عدد من الأسئلة: كيف ننتصر علىعوامل التثبيط واليأس في حياتنا ؟ كيف نتجاوز الفشل ؟
كيف نتعلم الهدوء والصبر ونحن نحاول أن نقدّم شيئاً من أجل الآخرين، كيف نعود أنفسنا أن يكون لنا في حياتنا نعمل من أجله كي نبرر وجودنا الفاعل ؟
ولعل ما يريده الكتاب يوجزُ بكلمات .
يبقى النبوغ - أوصُنع النفس - ظاهرة اجتماعية فردية لم تستطع أكثر الظروف ظلاماً وقهراً أن تمحوها أوتحطّ من قدرها، وسوف يبقى النابغون - صانعو أنفسهم - مشعلاً يُضيء الدّرب نحو التقدم في العصور كلِّها .


المؤلف



الشخصيات في الكتـــاب :

- عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه )

- أبو ذر الغفاري ( رضي الله عنه )

- الجــــاحـــــظ

- ابن خلــــدون

- عــــمر فــــاخوري

- جـــــــــبران

- محمد مــــندور

- طـــــه حــــسين

- ســـــــقراط

- فــــولتير

- جـــــان جــــاك روســـــو

- برنارد شــــــو

- هيــــلين كيلـــــر

- لــــويس بــــاستور

- مكــــسيم غــــوركــــي

- كــــــازانتزاكـــــــــي

- غــــابريل غارسيا ماركيـــز




والآن مع الشخــــصيات تبـــاعاً :
__________________
ســألتني أمــي :
إلى متى تــظل مسافــراً يا بني ؟
أطرقت , وأجبت في سري :
مــادمت حيـاً يا أمــي ...
مـــادمت حيــاً ..
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 11 - 2005, 12:19 AM   #2
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304
عمر بن الخطَّاب ( 586 - 644 م )

" متىاستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " ؟


إنصافاً للحقائق وضع الدكتور "مايكل هارت " في كتابه عن " المائة الأوائل " في تاريخ البشرية ،وضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم - على رأس هؤلاء الأوائل - أي أنه أعظم رجل أنجبته البشرية، بينما جاء ترتيب " عمربن الخطاب " الواحد والخمسين أي أنه كان على رأس الخمسين الثانية بين الأوائل، وهما الوحيدان من العرب في هذا الكتاب الذي صدر في نهاية سبعينيات القرن العشرين ..
وإذا كنا نقدر للمؤلف الأمريكي موضوعيته ،ونزاهته التي وضعت النبي صلى الله عليه وسلم في مكانه اللائق .. فإننا نأخذ عليه ترتيبه للخليفة عمر بن الخطاب ،حيث وضعه خلف كثيرين ممّن يجب أن يأتوا بعده في الترتيب
عمر بن الخطاب .... لماذا ؟
لأنه كان رائداً في أكثر من مجال من مجالات الحياة المتجددة ولأنه كان عظيماً أينما كان موقعه ولأنه القوي الذي يحسب حسابه أينما كان .. فحين كان عمر على الوثنية حمل المسلمون وهم قلة - دينهم إلى دار الأرقم، حيث يعبدون الله خفية وحين صار عمر إلى الاسلام ،كان إسلامه عاملاً حاسماً في الجهر بالدعوة، ونبذ التخفي والمداراة .. عندئذ يذهب إلى الرسول فيقول: " بأبي أنت وأمي يارسول الله ألا إننا لا نعبد الله سراً بعد اليوم..، استجاب الرسول ( صلعم ) لدعوته فخرجت الدعوى إلى الاسلام إلى أرض الله الواسعة ومن أجل ذلك أطلق الرسول عليه السلام لقب " الفاروق " بعد أن فرق بإسلامه بين الحق والباطل، بين العلانية والمواجهة، بين السر والعلن .
هذا وقد أرخ عمر يوم ميلاده، الروحي باليوم الذي صافح فيه الرسول ( صلعم ) وقال: " أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله " .. وهو اليوم الذي وجد فيه نفسه والتقى بمصيره العظيم، كما يقول خالد محمد خالد: "

عمر رجل المزايا المتعددة "
لو كان هناك رجل يجب أن يتسلط عليه الغرور لكان عمر بن الخطاب، لكثرة مزاياه ،وروعة أمجاده وانتصاراته ..
فهو يدخل الإسلام في حفاوة بالغة من الرسول وصحبه ..
ويتحول الإسلام إلى دين جهوري الصوت ،صادح الكلمة في اليوم الذي آمن فيه، وصار المسلمون يواجهون أذى المعارضين في شموخ بعد أن كانوا يستخفون من طغاة مكة ..
كثيرة هي المنافذ التي يمكن أن ينفذ منها الغرور .. ومع ذلك لا يكاد يعرف العرب والمسلمون - بعد عمر - نفساً امتنعت عن الغرور وتكسرت أمام حصونها المنيعة كلُّ محاولاته مثل نفس هذا الرجل - عمر بن الخطاب - الذي يعلل سبب ذلك بقوله: " لقد كنا ولسنا شيئاً مذكوراً حتى أعزّنا الله بالإسلام، فإذا ذهبنا نلتمس العزة في غيره ذللنا"(1)
وإذا كان الابتعاد عن الغرور أول مزايا عمر، فإن فهم الطبيعة البشرية ثاني مزاياه العظيمة، وللدلالة على ذلك نسوق بعضاً من أقواله . يقول ذات مرة " الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم " ويقول واضعاً ميزاناً دقيقاً للتعامل مع الناس: : " أحبكم إلينا قبل أن نراكم أحسنكم سيرة ،فإذا تكلمتم ،فأبينكُم منطقاً، فإذا اختبرناكم، فأحسنكم فعلاً " (2)
كما أن عمر هو الذي أعلن: " إن الفضيلة ليست هي الإنسحاب من الحياة خوفاً من الفتنة، بل إن الفضيلة هي مجابهة الحياة ومغالبة الفتنة "
وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو - لأول مرة - الآية الكريمة التي تقول: " أفحسبتم أنناخلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون "، أدرك يومئذ أن سنوات عمره القليلة لن تغني عنه شيئاً وانه بحاجة إلى ألف حياة مثلها كي يستطيع أن يصنع ما يُرضيه، وكي يستطيع أن يعبد ربّه وأن يشكره ..
مدرسة عمر ..
يكاد يكون بحكم المؤكد، أن كلَّ عظيم، اقترب - تعلّم بطريقة مامن مدرسة عظيمة أثرت فيه، والمدرسة التي تربى بهاعمر فترة من حياته هي مدرسة الرسول العربي صلى الله عليه وسلم ،حيث عايش عمر هذه المدرسة ،وتعلّم منها الكثير .. مثلاً :
عرف الناس أن الله سبحانه وتعالى غفر لرسول الله ماتقدم من ذنبه وماتأخر فقال له كثيرون: لِمَ يارسول الله تقضي ليلك متعبداً ونهارك صائماً ومجاهداً " فيجيب عليه الصلاة والسلام:
" أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ "
كان ذلك قدوة لعمر الذي بشره رسول الله بالجنة ومع ذلك استمر دائم الخشية، والحذر والحياء، اقتدىوتعلم كان يخاف وكأنه على وشك أن يقع بالخطأ ..
ومماتعلمه عمر من هذه المدرسة العظيمة حين سمع رسول الله يقول لأحبِّ الناس لابنته فاطمة البتول: " يا فاطمة إن في المسلمين من هم أحوج منك بهذا المال " .. ثم يحرمها ويُعطي سواها ..
وسمع بأذنيه و رأى بعينيه أعرابياً يقول لرسول الله وهو بين أصحابه: ( أعطني فليس المال مالك، ولامال أبيك ) ،ابتسم رسول الله صلىالله عليه وسلم - وهو يقول لرجل: " صدقت إنّه مال الله " .
استفزّ المشهد عمر بن الخطاب، وهم ليبطش بالأعرابي، ردّه رسول الله برفق، وقال: " دعه يا عمر إن لصاحب الحق مقالاً " .
إنها مدرسة الديمقراطية والمساواة بأروع صورها التي وضع أسسها الرسول ( صلعم ) حين قال وهو يحكم على امرأة من بني مخزوم كانت قد سرقت: " إنّما أهَلَكَ الذين من قبلكم إنهم إذاسرق منهم الشريف تركوه، وإذا سرق منهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدّ يدها " ..
مدرسة الجهر بقول الحق، تعلمها الناس من الرسول الكريم حين سمعوه يقول : " قُل الحق ولوكان مُراً "
مدرسة رفض المنكر وتغييره بمختلف الأساليب: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "..
مواقف في حياة عمر ..
عظمة الإنسان بمواقفه أو يمكن القول: العظمة مواقف وإلاّ من أين يمكن أن نتلمس جوانب العظمة ؟
كانت حياة عمر سلسلة من المواقف المجيدة في العدل، في الحكمة، في التواضع، في إبعاد النفس عن كل ما يشينها .. ليس أول المواقف أمنيةُ " ابن الخطاب " أن يظل " عمر " لا غير ،لا هو خليفة، ولا هو أمير..... فحين اقتربت الخلافة منه بعد وفاة رسول الله صلىعليه وسلم بسط إليه أبوبكر الصديق يمينه في اجتماع السقيفة قائلاً: "هات يدك ياعمر نبايع لك " لكن عمرخلص منها ناجياً إذ قال: " إياك نبايع فأنت أفضل مني " .. قال أبو بكر: " أنت أقوى مني ياعمر "
ردَّ عمر: " إن قوتي لك مع فضلك "
وسارع فمّد يمينه وبايع " أبابكر " وبايعه الناس على أثره وحين كان أبوبكر يودع الدنيا ويعهد بالخلافة لعمر تقبلها مكرها وكارهاً إمارة المؤمنين ،ولولا شعوره بالهرب من واجب المسؤولية في ظرف دقيق لرفض السطان وهرب من الإمارة .
كان عمر يُحمّل أهله من المسؤوليات أضعاف مايحمله نظراؤهم من الناس ،حتى صارت القرابة من عمر عبئاً يرغب الأقرباء الفرار منه .. وكان إذا سنّ قانوناً ، أو حظر أمراً جمع أهله أولاً وقال لهم: " إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا إن الناس ينظرون إليكم، كماينظر الطير إلى اللحم، إن وقعْتم وقعوا، وإن هبتم هابوا إني والله لأوتي برجل منكم وقع في مانهيت عنه إلاّ ضاعفت له العذاب لمكانه مني فمن شاء منكم فليتقدم، ومن شاء فليتأخر"..
يدخل عمر يوماً على دارابنه عبد الله فيجده يأكل شرائح اللحم فيغضب ويقول له: " ألأنك ابن أمير المؤمنين تأكل لحماً والناس في خصاصة ! ألا خبزاً وملحاً ألا خبزاً وزيتاً"..
وحين اشترى ابنه عبد الله إبلاً لتْسمينها وبيعها للتجارة عتب عمر بتهكم لاذع: "...ويقول الناس حين يرونها .. ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين ، واسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، وهكذا .. تسمن إبلك ويربو ربحكَ ياابن أمير المؤمنين !! "
ثم صاح به :
" يا عبد الله خُذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل واجعل الربح في بيت مال المسلمين .." .
- يقول الأحنف بن قيس: " كنتُ مع عمر بن الخطاب فلقيه رجل وقال: " ياأمير المؤمنين، انطلق معي ساعدني على فلان فقد ظلمني..رفع عمر " درّته "فضرب بهارأس الرجل وقال: " تتركونني عندما أكون بينكم، وتطلبونني حين أكون مشغولاً بأمور المسلمين؟! "
انصرف الرجل غضبان آسفاً ...
فقال عمر: " عليَّ بالرجل .. " وحين عاد ناوله " درّته " وقال له : " خُذ واقتصّ لنفسك "، وقال الرجل : " لا والله، لكنّي أدعها لله "
وانصرف عمر إلى بيته وجلس يحاسب نفسه، ويقول: " ابن الخطاب كنت وضيعاً فرفعك الله، ثم حملك على رقاب الناس فجاءك رجل يستعين بك فضربته، فماذا تقول لربك غداً ؟؟ " ..
-رآه الناس يعدو وراء بعير أفلت من مكانه .. يلقاه: " علي بن أبي طالب "، فيسأله: إلى أين يا أمير المؤمنين ؟ فيجيب: : بعير ندَّ من إبل الصدقة أطلبه " !!
يقول له عليّ كرّم الله وجهه: لقد أتعبت الذين سيجيئون بعدك ؟ فيجيبه عمر بكلمات هي:
" والذي بعث محمداً بالحق لو أن عنزاً ذهب بشاطئ الفرات لأُخذ عمر بها يوم القيامة " .
- كان عبد الرحمن بن عوف يرافق عمر في تفقّد أمر قافلة تجارية .كان ذلك آخر الليل ،جلسا قرب القافلة النائمة يحرسان ضيوفهما. سمعا صوت بكاء صبي ..انتظر عمر أن يكفَّ الصبي عن البكاء لكنه تمادى .. أسرع صوب الصوت ، قال لأمه: " اتّقي الله واحسني إلىصبيك ، ثم عاد إلى مكانه، عاود الصبي البكاء، هرول عمر نحوه ونادى أمه : " قلتُ لك أحسني إلى صبيك "، وعاد إلى مجلسه، ولكن زلزله مرّة أخرى بكاء الصّبي، فذهب إلى أمه وقال لها: " ويحكك إني لأراكِ أمَّ سوء ما لصبيَّك، لا يقرَّ له قرار ؟، قالت وهي لا تعرف مَن تخاطب: " يا عبد الله أضجرتني إني أحمله علىالفطام فيأبى "!
سألها: ولِمَ تحملينه على الفطام ؟
قالت: لأن عمر لا يفرض إلاّ للفطيم .
قال وأنفاسه تتواثب: وكم له من العمر ؟
قالت: بضعة أشهر .
قال :ويحك لا تعجليه .
قال عبد الرحمن بن عوف: صلى بنا الفجر يومئذٍ وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، فلما سلّم قال: " يابؤس عمر كم قتل من أولاد المسلمين ،ثم أمر مُنادياً يُنادي في المدينة :
((لا تعجلوا صبيانكم علىالفطام فإنا نفرض من بيت المال لكل مولود في الإسلام "(3).
ثم كتب بهذا إلىجميع ولاته بالأمْصار .
- زاره وفد من أهل ( حمص ) فسأله عن الوالي " عبد الله بن قرط " فيقولون " خير ياأمير المؤمنين، لولا أنه قد بنى لنفسه داراً فارهة " ..
تمتم عمر: " داراً فارهة، يتشامخ بها على الناس، ثم بعث إليه رسولاً يأتيه به .. وحين جاء الوالي إلى عمر امتنع عن لقائه ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع التقاه وعنّفه وقال له مُعاتباُ: " هل أرسلتك لتشيد وتبني، ارجع إلى عملك ،ولا تعد لما فعلت أبداً "
- حين تصل شكوى ضد " سعد بن أبي وقاص " أثناء واحدة من أمجد المعارك ضد الفرس في " نهاوند " يستدعيه عمر فوراً دون أن ينتظر إنتهاء المعركة التي توشك أن تبدأ، لأن النصر -كما يؤمن عمر - لا يُحالف قائداً أو جيشاً يجترح السيئات .
وفي مصر لم يشفع ( لعمرو بن العاص ) حاكم مصر وفاتحها حين اشتكى أحد المواطنين على "محمد بن عمروبن العاص " الذي ضربه بالسوط ،لأنه سبقه أثناء السباق،ضربه وهو يقول: " خذها وأنا ابن الأكرمين "، أرسل عمر يدعو ابن العاص وولده محمد ..
وحين دخلا عليه، قال عمر: " أين المصري ؟ "
" أنا ذا يا أمير المؤمنين " أجاب المصري .
قال عمر: " خُذ الدرّة واضرب بهاابن الأكرمين، ضربه حتى أثخنه، قال عمر: أجلها على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك إلاّ بفضل سلطانه ..
قال الرجل: ياأمير المؤمنين، قد استوفيت، واشتفيت وضربتُ من ضربني " .
بعد ذلك التفت الخليفة إلىعمرو ،وقال كلمته الشهيرة: " يا عمرو، متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " ؟
والتفت إلىالمصري وقال له: " انصرف راشداً فإن رابك ريبٌ فاكتب لي ."
* عمر .. والديمقراطية
" .... وأمرهم شورى بينهم "
صدق الله العظيم
كان عهد عمر بن الخطاب تطبيقاً رائعاً لماعنته هذه الآية الكريمة، فقد كان الخليفة يحني رأسه العالي بخشوع واحترام أمام كل معارضة شجاعة صادقة، حتى يمكن القول: بأن الشورى والمعارضة،ركنان تميز بهما عهد عمر،الذي شهد تألق الديمقراطية بصرورة ندر أن شهد التاريخ مثلها، فما من مشكلة أو قضية ليس لها في كتاب الله تفصيل إلاّ عمد عمر فيها إلىالرأي والمشورة ..
ومن لوازم الديمقراطية حرية الكلام،مبدأ طبقه عمرأروع تطبيق قبل الثورة الفرنسية بقرون كثيرة إذا يدّعي كثيرون أن مبدأ حرية الكلام جاء مع الثورةالفرنسية عام 1789 م والشواهد علىتطبيق هذا المبدأ العظيم كثيرة أثناء خلافة " ابن الخطاب " .
من المعروف أن واحداً من الأعراب نهض في المسجد يواجه الخليفة قائلاً له: " لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناك بهذا، ( ويشير إلى سيفه ) .
ومن أخبار عمر أن "حذيفة " دخل عليه فوجده مهموم النفس باكي العين فيسأله: " مابك ياأمير المؤمنين ؟!
فيجيب عمر: " إني أخاف أن أخطئ، فلا يردني أحد منكم تعظيماً لي "
يقول حذيفة، فقلت له: " والله لو رأيناك خرجت عن الحق لرددناك إليه " .
فرح عمر واستبشر وقال: (( الحمد لله ،الذي جعل لي أصحاباً يقومونني إذا اعوججتُ..)) .
يصعد المنبر يوماً فيقول: " يا معشر المسلمين، ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا هكذا ؟! "
يشق الصفوف رجلٌ - وهو يلوح بذراعه كأنه حسام ممشوق: إذن نقول بالسيف هكذا..
فيسأله عمر: إيّاي تعني بقولك ..
فيجيب الرجل: نعم إياك أعني بقولي ..
يقول عمر: " رحمك الله، والحمد لله الذي جعل فيكم من يقوم عوجي " ..
وكان عمر يقول دائماً: " لاخيرَ فيكم إنْ لم تقولوا الحقيقة ولا خير فينا إذا لم نسمعها .."
- يخطب عمر في الناس يوماً فيقول:
" لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال "
فتنهض من صفوف النساء سيدة تقول: ماذاك لك !!!
فيسالها: ولِمَ ؟!
فتُجيبه: لأن الله تعالى يقول: " .. وأتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بُهتاناً وإثماً مبيناً"؟!
يتهلل وجه عمر ويبتسم ويقول عبارته المأثورة: " اصابت امرأة وأخطأ عمر " .
كان عمريجتاز الطريق يوماً ومعه " الجارود العبدي " فإذا امرأة تناديه: " رويدك ياعمر، حتى أكلمك كلمات قليلة ...
يلتفت عمر وراءه، يقف حتى تبلغه السيدة التي تقول وهو مصغ مبتسم: " يا عمر عهدي بك وأنت تسمى " عُميراً " تصارع الفتيان في سوق ( عكاظ ) ثم لم تذهب الأيام حتى سُميت ( عمر ) .. ثم لم تذهب الأيام حتى سميت " أمير المؤمنين " فاتَّقِ الله في الرعية، واعلم أن من خاف الموت خشي الفوت " !!
فقال لها: " الجارود العبدي ": اجترأتِ على أمير المؤمنين . فجذبه عمر من يده، وهو يقول:
" دعها فانك لا تعرفها، هذه "خولة بنت حكيم " التي سمع الله قولهامن فوق سبع سماواته وهي تجادل الرسول في زوجها وتشتكي إلى الله فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها! "
- رأى عمر عجوزاً تحمل حملاً ثقيلاً، تقَّدم منها وحمله عنها بعض الطريق، وصار يضحك من نفسه حين يسمعها تقول شاكرة: أثابكَ الله الخير يابني، إنك لأحقُّ بالخلافة من عمر ؟!!
- لاحظ عمر أن عذاب طغاة مكة يقع علىضعاف المسلمين فقط، وهنا أراد أن يرفع من شأن هذا العذاب بأن يشاركهم فيه حتى يغمرهم شعور أن عمر الجسور العملاق يُضرب كما يضربون، ويُضطهد كما يضطهدون حتى لا يظل اضطهاد قريش وقفاً على بلال، وجناب، وعمار، وصهيب و إخوانهم من الفقراء المستضعفين ،وبهذ لا يصير ضربهم وتعذيبهم ذلة تكسر نفوسهم، وبهذا أيضاً يتم لعمر إسلامه، وتحقق له المساواة مع المسلمين الذين يدفعون ثمن إيمانهم بالله .
جوانب متألقة
ومثلما كان عمر متميزاً بكثير من المواقف المجيدة من مختلف جوانب الحياة فقد تميز خاصة بالتشريع والقضاء بأنه رائد، على سبيل المثال " يكتب لأبي موسى الأشعري موضحاً له منهج القضاء الذي ينبغي أن ينتهجه فيقول له: ( أما بعد فإن القضاء فريضة بحكمة وسُنَة متبعة فأفهم إذا أدلي إليك، وانفذ إذا تبيّن لك، فأنه لا ينفع حق لا نفاذ له، آسِ بين الناس في مجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف في عدلك، البينة على من أدعى واليمين على من أنكر، الصلح جائز بين المسلمين إلاّ صلحاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً ..مراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل ..."
والرسالة طويلة وتعتبر بحق مرجعاً لكثير من قضايا لتشريع .
كما تميز بالتوجيهات العسكرية الفذّة حين يكتب لسعد قائلاً: " إذا وطئت أدنى أرض العدو فاذكُ العيون بينك وبينهم حتى لا يخفى عليك أمرهم، واختر لهذا من تطمئن إلى نصحه وصدقه فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق في بعضه، وهو عين عليك وليس عيناً لك "
- لعل عمر هو أول من وضع مبدأ " من أين لك هذا " في الاقتصاد فلنسمعه كيف يعبر بسخرية العظيم حين يحدث سارقاً استغل منصبه في الحادثة التالية:
- لفتت نظره دار جديدة فيسأل: دارُ من هذه ؟ فيقولون: دار فلان وهو أحد ولاة عمر ،فيقول: " أبت الدراهم إلاّ أن تخرج أعناقها " ومثلما حمل على السّرقة والسراقين، شنّ كذلك حملة على الكذب المكشوف فحين يسمع نائحة تستجيشُ أحزان الناس وتمسح دموعها الكاذبة يناديها ويطردها ،ويقول: " إنها لا تبكي بشجوتكم إنّما تبكي بدراهمكم "
والعظيم في جانب غالباً ما يكون عظيماً في أكثر من جانب فقليلون هم الذين عبَّروا عن خلود الشعر الصادق كما عبر عمر بن الخطاب، الذي سأل يوماً أحد أولاد " هرم بن سنان " الرجل الذي خلّده " زهير " بشعره الذي قاله فيه ..
قال له أنشدني بعض ماقاله زهير في أبيك . أنشده، فقال عمر: " كان ليحسن فيكم القول " فأجابه الرجل ابن هرم: " ونحن والله إن كنا لنحسن له العطاء " فيقول عمر: " قد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم "




هوامش :

1- خالد محمد - خلفاء الرسول - دار الشروق، بيروت ،كانون الثاني، 1971، ص 138 .
2- عباس العقاد - عبقرية عمر - دار الكتب الحديثة ،القاهرة، د/تا، ص 50 .
3- خلفاء رسول الله مصدر سابق . ص 171 .


المراجع والمصادر :

1- عباس محمود العقاد - عبقرية عمر - دار الكتب الحديثة د / تا القاهرة .
2-ابن الأثير - أسد الغابة في تمييز الصحابة - الناشر - المكتبة الإسلامية .
3- السيوطي - تاريخ الخلفاء - المكتبة التجارية الكبرى - الطبعة (2) 1969.
4- خالد محمد خالد ،خلفاء الرسول - دار الشروق - بيروت، كانون الثاني 1971
5- د. مصطفى السباعي .اشتراكية الإسلام، سلسلة اخترنا لك رقم 113، الطبعة الثانية-1960 .
6- جمال الدين بن الجوزي - تاريخ عمر بن الخطاب - ط2، 1985 .
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 11 - 2005, 12:21 AM   #3
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304
أبــو ذر الــغــفــاري

" ما ترك الحقُّ لي صديقاً "



كان عمر " أبي ذر الغفاري " سبعين عاماً عندما استلم " عثمان بن عفان " الخلافة، ومع الشيخوخة في هذا العمر، لم يسكت عندما رأى العدوان على حرية المواطن وعلى ما ندعوه اليوم بالديمقراطية عموماً .
وكانت نفس " أبي ذر " مهيأة للثورة عند أي انحراف يراه، والباحث في التاريخ العربي قبل الإسلام يلمح أن بذور هذه الثورة قد نمت في ظل عذاب الفقراء، من قبيلة (غفار) خاصة والمسحوقين في ذلك المجتمع عامة، وكان هذا العذاب أول الدوافع التي أوقدت شرارة البحث عن طريق لإنقاذ هؤلاء الفقراء من الفراغ في البطون ’ والوهم في العقول والأفكار .
بين استغلال الأغنياء وعذاب الفقراء، بدأ " أبو ذر " يبحث عن طريق ،وكان العدل أحد أهم الأهداف عنده فحين وجده في الإسلام سارع ليكون أول المؤمنين به، ليتحقق العدلُ حلُمه الأكبر على الصعيد الواقعي الإنساني .
هناك أكثر من حادثة شاهد فيها " أبوذر " مهانة الأصنام وفي جوٍّ مشجع من قبيلته ( غفار )(*) * التي اشتهرت بين قبائل " كنانة " بالنشاط الديني الذي عظُمَ قبيل ظهور الإسلام، وعُرف باسم البحث عن الحقيقة .
روي عن أبي ذر أنّه كان أحد الذين تمردوا في الجاهلية، على عبادة الأصنام كي يتحولوا إلى الإيمان بخالق عظيم، لأنه كان يحمل طبيعة فوارة اكتسب معها الوعي الذي جعله يتمرد على الباطل وكان أول باطل ثار عليه هو الأصنام .
وحين صدع الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسلام، كان " أبوذر " من أوائل الذين وجدوا فيه تحقيقاً لما في نفوسهم، وحين آمن بالإسلام، وكان مازال ينتقل همساً، رفض الهمس وجهر بما آمن به، يتحدى كبرياء قريش دون أن يعتمد في مكة على حسب أونسب .. تحمّل العذاب، حاولت قريش أن تنتقم منه ولكن كفّت عن ذلك حرصاُ على مصالحها لأن قوافل قريش لا بد أن تمرَّ بأرض قبيلة " غفار " في طريقها إلى الشام .
إن الصدق الجسور هو جوهر حياة أبي ذر، كان صادقاً مع نفسه حين ثار ضد الأصنام في الجاهلية، وكان صادقاً مع نفسه حين كان أول من رفع الصوت ضد الانحراف واستغلال السلطة بعد ظهور الإسلام .
لم يكن الصدق عنده فضيلة خرساء لأن الصدق إن كان صامتاً ليس بصدق عنده، إن الصدق الحقيقي جهر بالحق، وتحدٍّ للباطل، لذلك احتج وعبر عن احتجاجه بصورة لم يصل إليها واحد من معاصريه، وإن لم ينجح في الوصول إلى ما ناضل من أجله ومات وحيداً لكنه بعمله هذا ترك للآتين بعده أن يكملوا ما بدأ، وأن يتلمسوا جوانب العظمة عند ثائر وقف إلى جانب العدل، والإيمان بخالق عظيم في وقت مبكر من التاريخ العربي، وإن طالبناه بأكثر من ذلك فإننا نحمله ونحمّل عصره أكثر مما يُطيقان .
غالباُ ما انتهت محاولات أخرى مشابهة إلى مثل ما انتهت إليه محاولة أبي ذر ( الرومانسية ) ولعل لهذه الرومانسية في حياة هذا الثائر علىعبادة الأصنام - جذوراً تكمن في الواقع حوله ليس هنا مجال بحثها .... ومع وجود هذه ( الرومانسية ) في حياته، فقد كانت السلطة والأمراء، والمال - مال الشعب - قضاياه الكبرى التي وهبها حياته لتكون مشكلته مع الواقع والمستقبل .. ولن يسكت عن الظلم لأن الساكت عنه شيطان أخرس، وذلك انطلاقاً من فهمه الواعي للآيات الكريمة التي ألزمت المواطن طاعة الحاكم عند العدل والسواء، ولم تمنعه من الإعترض عليه إنْ هو خرج وصار ضد مصلحة عامة الناس ..إن مبدأ الطاعة المشروطة، كان أول من طبقه الخليفة الراشدي الأول " ابو بكر الصديق " حين دعا إلى نقد الحاكم في خطبة الاستخلاف المشهورة بقوله: " وليّتُ عليكم ولستُ بخيركم "
إن من يقرأ الآيات الكريمة التي كانت مُنطلقاً لهذا المبدأ الديمقراطي المجيد، يجدها قد انطوت على بذرة العلاقة النقدية بين الحاكم والمحكوم، ورسمت الأسس المرجعية التي يعود إليها الناس عند الاختلاف ألا وهي الشريعة بوصفها القانون الأعلى للدولة علىحد تعبير " هادي العلوي " .
الحق صديقي :
لا نستطيع إلاّ أن نتذكر المعلم الأول ( أرسطو ) حين قارن بين الصديق وبين الحق وقال كلمته الشهيرة " أحب أفلاطون وأحب الحق ولكني أحب الحق أكثر " ... لا نستطيع إلاّ أن نتذكر ذلك حين نرى أبا ذر يقارن بين الأصدقاء وبين الحق مفضلاً - الحق الذي قاده منفياً إلى الصحراء قائلاً كلمته الشهيرة أيضاً: " ... ما ترك الحق لي صديقاً " .. وفي زمن كالذي عاش فيه أبو ذر أو زمن خلافة " عثمان بن عفان " خاصة أصبح القابض علىعقيدته بصدق كالقابض على الجمر، حين حولت السياسة في زمن الخليفة الراشدي - عثمان بن عفان - الناس إلى ( شوك لا ورق فيه ) بعد أن كانوا في عهدي أبي بكر وعمر بن الخطاب " ورقاً لا شوك فيه " .. إن الذي دفعه إلى هذا التمرد ضد السياسة في زمن عثمان هو ابتعادها عن طريق سلفيه الكبيرين إضافة إلى صدقٍ مع النفس بغير حدود، وإيمان بهدف عظيم هو أن يسود العدل بين الناس .
لم يكن " عثمان بن عفان " محل الثقة التامة عند الخليفة الراشدي العظيم عمر بن الخطاب .. إذ لوكان كذلك لاستخلفه بعده ولكنه لم يفعل وإنما ترك أمر الذي يأتي بعده دائراً بين ستة من الصحابة، وكان عثمان بين الستة في مواجهة ( علي ) . (ر)
لم يتذمر ( أبو ذر ) في عهد أبي بكر الذي دام حوالي عامين من ( 11-13 هـ ) .. ولا في عهد ( عمر بن الخطاب ) الطويل نسبياً حيث دام حوالي عشر سنوات من عام ( 13-23 هــ ) ...
ولكنه في عهد عثمان بحث عن العدل والديمقراطية فلم يجدها وراح يتحسس السيف، ولكن حسه الرومانسي قاده إلى إدراك أنَّ دوره أن يعترض، لا أن يُقاتل فليس السيف وحده أداة التغيير والتقويم بل الكلمة الصادقة أيضاً .
وحين ابتعد عثمان بالسلطة عن نهج سلفيه الكبيرين وآثر ذوي القربى .. ارتفع صوت " أبي ذر " ضد هذا فاستدعاه عثمان ليقول له: " ما هذا الذي بلغني عنك يا أبا ذر أنك تحرض الناس عليَّ، ولا تقرأ في المسجد إلاَّ آياتٍ بعينها ؟ .."فقال " أبو ذر ": " وهل في هذا تحريض ؟ أم تريد منعي من قراءة كتاب الله . لقد عملت بماتعلمت ..." وصاح عثمان: " اخرج إلىالشام " وكان هذا أول نفي سياسي في الإسلام .. ذهب الشيخ الذي تجاوزالسبعين عاماً إلىدمشق ليجد ( معاوية بن أبي سفيان ) والي عثمان على الشام يتصرف باستبداد مطلق ....
بدأت المواجهة بين الشيخ المنفي، وبين الوالي معاوية وتجمع الناس حول المنفي الثائر، واتسعت المواجهة ضد معاوية مع ارتفاع أصوات المسحوقين ... حاول معاوية إغراء الثائر أولاً، ثم التخلص منه ثانياً ولم يفلح في ذلك .. فأعاده إلى الخليفة عثمان تخلصاً منه بعد أن حاول احتقاره ..
وحين التقى مع ( عثمان بن عفان ) سأله الخليفة: " لماذا ألّبت الشام علينا ؟! "، أجاب أبو ذر: " اتبع صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام "، كرّر الخليفة محاولات الإغراء والتدجين، رفض الثائر كما كان في كلِّ مرّة، وبلغت محاولات الإغراء حداً دفع الخليفة إلى أن يُرسل مع أحد عبيده مبلغاً من المال، وقال لعبده: " إذا قبلها أبوذر فأنت حُرٌّ "، فانطلق العبدُ مدفوعاً بكل الشوق إلى الحرية وحاول بكل الطرق إقناع ( أبي ذر) فلم يفلح ودفعه يأسه وأمله معاً إلى أن يصيح: " اقبلها ففي قبولها عتقي !! " وهنا ردَّ " أبو ذر " بهدوء: " يا بني إنْ يكُ فيها عتقك فإن فيها رقّي " .
توالت الإغراءات وتوالى رفض الثائر ليقول: " لاحاجة لي في دنياكم " . حدد الخليفة إقامة الثائر إلى جواره في المدينة .. ولم يسكت بل رفع الصوت عالياً، ضد الاستغلال والاستئثار بالمال عصب حياة الجماعات .. دفع اليأس الخليفة إلى نفي الثائر إلى ( الربذة ) القاحلة التي لا تحيط بها سوى كثبان الرمل ،أصدر أمره بأن لا يودعه أحدٌ، ولكن ( علي بن أبي طالب ) وولديه ودّعوه غير آبهين بأمر الخليفة.
وفي مساء يوم وفاة أبي ذر عام ( 32 هــ، 652 م ) دفنه جماعة من الثائرين، الذين مكثوا قليلاً في المدينة .. ثم عادوا إلىالعراق ونشطوا ضد سياسةعثمان وتفجرت أول حركة عصيان ضد الخليفة .... فتحولت إلى ثورة طردت ( سعيد بن العاص ) والي الخليفة علىالكوفة، ثم مشوا إلى المدينة وحاصروا الخليفة في داره فقتلوه بعد أن قبل بشروطهم في عزل والي الكوفة وتعيينه " لأبي موسى الأشعري " الذي اختاره الثوار .
كان هذا أول تنازل في مجابهة عملية بين الخلافة والعناصر الثائرة ...
مات " ابوذر " وهولا يملك ثوباً تكفنه به زوجه .. فقميصه الوحيد مزقه وكفن به ولده .. ومن الذين حضروا وفاته جماعة منهم الصحابي الجليل ( عبد الله بن مسعود ) الذي رثاه قائلاً: " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تمشي وحدك وتموت وحدك، وتُبعث وحدك ) .." وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال هذه الكلمات في " أبي ذر " أثناء اشتراكه في غزوة تبوك ضد الروم قبل عشرين من وفاته وحيداً في صحراء ( الرّبذة ) ..
صار ( معاوية ) والي الخليفة على الشام - يتصرف وكأنه يملك الأرض والمال والناس فأنزل بالمسحوقين كلَّ صنوف القهر خاصة أولئك الذين رفضوا الرشوة وثاروا ضده .. وجاء نعي أبي ذر إلى الشام واستمع الفقراء إلى صوت الثائر المنفي فتحلقوا حوله، وتحولت مجالس المنفي إلى مظاهرات تضم المحرومين وبدأت المواجهة مع معاوية، تلك التي أذكاها وجود القفراء الجائعين إلى جانب الأغنياء المتخمين .. تجمع الفقراء حوله وهم يتذكرون ويُعيدون صرخته المجيدة ..: " عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لايخرج على الناس شاهراً سيفه ..." وقد كان يوضح للذين يتلقون دروسه، أن العدالة تقضي أن الحاكم يجوع أول القوم إذا جاعوا، وهو آخر من يشبع إذا شبعوا .. وانطلق يسأل معاوية ومن حوله من الذين اغتنوا باستغلال الآخرين : " أين بيتك المتواضع في مكة يا معاوية، لمن هذه القصور اليوم بالشام ؟! " .. حاول معاوية شراءه ولكن الثائر الحقيقي لا يُشترى .. واستمر يؤثر في أتباعه ..
حين أطلق معاوية قوله المشهور: " إنّماالمال مالُنا والفيء فيئنا فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا حرمناه " ...انطلق صوت أحد تلاميذ أبي ذر .. " بل المال مالُنا والفيء فيئنا فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا " ..
هنا أدرك معاوية خطر وجود أبي ذر بالشام، كتب للخليفة: " أنقذني من أبي ذر لأنه أفسد الناس علينا بالشام " ..وجاء فيما قاله معاوية لعثمان .." ....إني أكره أن يكون مثله في الشام أو في مصر أو في العراق لأنهم قوم سراع إلى الفتن وليسوا بأهل طاعة .."، وكان من نتيجة ذلك أن أرسل معاوية الثائر إلى المدينة مخفوراً على راحلة عارية مع مرتزقة المستأجرين لتعذيبه ويترك أبو ذر الشام مودعاً من مناصريه الفقراء بشكل عزَّ نظيرُه ..
مواقف في حياة أبي ذر :
عرض عثمان بن عفان على أبي ذر إمارة العراق، فقال الأخير: " لا والله لن تميلواعلّي بدنياكم أبداً .." ..
سأله الخليفة يوماً بلين: " ألا تكف عما أنت فيه ؟، فقال: أبو ذر: حتى ينتصف الفقراء من الأغنياء .."
حين ذكر أبوذر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينم لأن في بيته أربعة دنانير من الفيء لم يقسّمها على المسلمين ...قال عثمان وقد احتدم غضبُه: " يا أبا ذر إنّك شيخ خرفت وذهبت عقلك ولولا صحبتُك لرسول الله لقتلْتك ... " !
حين أرسل الخليفة عثمان بعض المال لأبي ذر كي يستعين به على دنياه .. قال أبو ذر: " وهل أعطى أحداً من المسلمين ما أعطاني ؟ قال حامل النقود: لا، ردّ أبو ذر: " إنّما أنا من المسلمين يسعني مايسعهم، يوجد تحت هذا الغطاء رغيفا شعير ،قد أتى عليهما أيام فماذا أصنع بهذه الدنانير ؟! ..وأعادها إلى عثمان .
كان معاوية قد سمّى مال المسلمين، مال الله، فقال " أبو ذر " ألا كلُّ شيء لله .. كأن معاوية يُريد امتلاك هذا المال ويمحو اسم المسلمين .. وقال لمعاوية: ما يدعوك إلى أن تسمّى مال المسلمين مال الله ؟؟، فقال معاوية: يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله والمال مالُ الله ؟ .. فقال أبو ذر: " لا تقلها، ولكن قل مال المسلمين لقد خالفت سَنّة من قبلك فأغنيت الغني وأفقرت الفقير يا معاوية ...."
حين بنى معاوية قصر الخضراء أرسل له أبو ذر يقول: " ... يا معاوية إن كان هذا من مال الله فهو الخيانة وأن كان من مالك فهو الإسراف .." ..
لم يقف نقدُ أبي ذر عند الخليفة وواليه علىدمشق معاوية، بل تناول بنقده اللاذع رفاق الأمس فحين بلغه أن ( أبا موسى الأشعري ) صديق الأمس، صار صاحب ثروة ... رفض أن يكون أخاه .
سلّم الأشعري على أبي ذر فقال: مرحباً ياأخي ..
ردّ أبو ذر غاضباً : " كنتُ أخاك قبل أن تكون والياً أو أميراً .. " وكذلك فعل حين احتضنه " أبو هريرة " مُرحباً فنحّاه بيده وقال له: إليك عني ألست الذي استغللت الإمارة فتطاولت في البنْيان واتخذت لك ماشيةً وزرعاً ... ؟! وكان أبو هريرة قد ولي البحرين فحاكمه العادل العظيم ( عمر بن الخطاب )، وقال له: " ... استعملتك علىالبحرين وأنت بلا نعلين، ثم بلغني أنّك اتبعت أفراساً بألف وستمائة دينار .." .
لقد انطلق أبوذر في كل مواقفه تلك من إيمانه بأن الإنسان الحق يعتبر العمل هو مصدر الكسب المشروع لذلك اختار الله كلَّ أنبيائه من العاملين فالنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، راعي غنم ، والنبي داوود يصنع الدروع وآدم كان حراثاً، ونوح نجاراً ، وموسى راعياً ..، ورأى أبو ذر الخلفاء الراشدين يعملون بالتجارة حتى ينفقوا على أنفسهم وبيوتهم إذ كان أبو بكر يعمل بالتجارة حتى خصص له المسلمون راتباً من بيت المال كي يتفرغ لأمورهم ..
وكان عمر بن الخطاب لا يتردد عن حمل الماء والتمر والملح لأهله، وقد وضع " أبو ذر " العمل الإنساني في مكانه اللائق حين وصفه بأنه الذي يحقق إنسانية الإنسان وأنه مصدر الرزق الحلال، وذلك في صرخته ضد المستغلين حين قال: " مالهؤلاء يستأثرون بأموال لم يستحقوها بعملهم وقد جاء في كتابه العزيز: ".. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى..".
هل يمكن القول بعد هذه الملامح عن أبي ذر: " انه كان من الرّواد الأوائل في التاريخ العربي في الاقتراب من معنى الحكم الديمقراطي كما نعرفه اليوم حين تحدث عن علاقة الحاكم بالشعب وجعله خادماً لا مخدوماً؟؟.
هل نقول: إنه بمواقفه التي أتينا على بعضها كان أحد الذين وضعوا بذور الفكرة الاشتراكية، وكان على الذين جاؤوا بعده تنميةُ هذه البذور ؟؟ .. هل نقول: إنه بمواقفه الشجاعة كان أحدّ الأفذاذ الذين حاربوا الاستبداد وإيثار ذوي القربى علىحساب مصالح الآخرين ؟! ..
أم نقول: هو كلُّ هؤلاء ؟!
سلك معاوية مع أبي ذر سبيل التهديد وقال له: " ... ياأبا ذر خيرٌ لك أن تنتهي عمّا أنت فيه ..." ..؟
ولكن الرجل لم يعبأ بهذا التهديد ،وقال لمعاوية: " ,,, والله لا أنتهي حتى توزع الأموال على الناس كافة...".
وعند ذلك لجأ معاوية إلى حيلة أخرى أراد بها أن يفسد مابين أبي ذر وبين أنصاره وحزبه من الفقراء وذلك في محاولة إيهامهم أن الرجل ممن يتلقّون الهدايا والصلات، وبعث في جنح الظلام أحد رسله يحمل ألف دينار لأبي ذر وفي الصباح بعث إليه ثانية الرسول نفسه يخبره أن العطاء لم يكن له وأنه قد أخطأ الطريق إليه ويقول له: " يا أبا ذر انقذ جسدي من عذاب معاوية فإنه أرسلني إلى غيرك وإني أخطأت بك " ... لكن أبا ذر كان قد أنفق الدنانير الألف على الفقراء قبل أن يطلع عليها عنده الصباح ..
أيقن معاوية أن الرجل عصيّ على أن تنال منه هذه الأساليب وذلك ،لأن " فعله يصدق قوله " في قضايا الأموال والثروات، وعندئذٍ قرر قراره بضرورة إخراجه من الشام فكتب إلى أمير المؤمنين يصور له حال أبي ذر مع الفقراء .
قال عثمان لأبي ذر: " ... يا أبا ذر عليَّ أن أقضي ما علّي وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد، وما عليّ أن أجبرهم على الزهد ..."
ولم يرضَ أبو ذر " بهذا القول إذ الأمر لم يكن في نظره أمر ( زهد ) لا يستطيع أن يُجبر الناس عليه وإنما كان أمر أغنياء يزدادون غنىً وفقراء يتسبب هؤلاء الأغنياء في فقرهم ... وأمر حقوق لهؤلاء الفقراء في أموال الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ويصلوا القرابات .."
أبو ذر الغفاري لم يكن زاهداً زهد الإنسان الذي لا يرى لنفسه علاقة بالدّنيا ومباهجها، وإنما كان زاهداً زهد المناضل ضد احتواء هذه المباهج لقدراته ومزاياه الثورية تلك التي اكتسبها قبل بعثة الرسول ( عليه الصلاة والسلام ) وبعدها ..
كان زهده يدعوه للعيش في ( الربذه ) بالصحراء وكانت ثوريته تقتضي أن يبقى على اتصال بالثورة الاجتماعية التي أوجدها الإسلام في عقول الناس وحياتهم، وذلك من خلال تردّده على المدينة حتى يظل على صلة بحضارتها ويعبر " ابن الأثير " في كتابه ( الكامل في التاريخ ) عن هذا الموقف بقوله " كان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابياً " ولأبي ذر مواقف رائده في فهم النصوص ..
يقول مكسيم رودنسون في حديث له بعنوان " الماركسية ودراسة العالم الإسلامي"(1):".... ولقد عثرت مؤخراً على حديث ربما لا يعرفه كثير من المسلمين فبهرني عندما قرأته لأني أرى فيه شيئاً مفيداً للغاية سأحاول قراءته عليكم، بلغتي التي تدعو للرثاء.
" العصبية أن يعين رجلٌ قومه في ظلم "
هذه الكلمة جميلة جداً، ولكن أجمل كلمات الإسلام في نظري هي كلمة لأبي ذر الغفاري .. كانت المسألة تتعلق بنصٍّ قرآني فيه نقدٌ للقساوسة المسيحيين والربانّيين اليهود على أساس أنهم يستغلون وضعهم الأكليركي، ولقد قال أبو ذر: إن هذا النقد ليس لهم وحدهم بل ولنا أيضاً ...
ولقد نُفي لهذا السبب وعانى من مضايقات كثيرة في عصر معاوية، وجاء علي بن أبي طالب، يُحيّيه عندما نُفي من المدينة، وكانت هذه من مظاهر المعارضة التي ظهرت من قبل في وقت عثمان .."




مراجع
1- دكتور محمد عمارة، مسلمون ثوار - المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت، ط2 إيلول ( سبتمبر) 1979 .
2- جمال الدين الإفغاني - الأعمال الكاملة - دراسة وتحقيق دكتور محمد عمارة، طبعة القاهرة، 1986 .
3-دكتور حسين مروة، ( النزعات المادية في الفلسفةالعربيةالإسلامية ) ط1، دار الفارابي 1981 / بيروت.
4-دكتور حسين مروة - دراسات في الإسلام - ط1 دارالفارابي - كانون الأول - 1985 .
5- د. محمد عمارة - التراث في ضوء العقل - دار الوحدة ط1 1980 .
6- أبوالحسن المسعودي - مروج الذهب، دار الأندلس للطباعة والنشر - بيروت ط1 - 1965،ج (3) (مارس ) آذار 1970

هوامش

(1) الطليعة ( مجلة ) القاهرة ،عدد 3 ( مارس ) آذار 1970 .
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 11 - 2005, 12:22 AM   #4
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304
الجاحظ: فارس العقل والحرية775 - 868 م
159 - 255 هـ


الجاحظ .. روسو .. غوركي .. جميعهم تشابهوا في طفولة شقية مُتعبه، ويفاعة لا تقل شقاءً وتعباً، كانوا مرشحين لأن يكونوا - حسب معطيات الواقع حولهم - شاذين أو فاشلين في الحياة، ولكنهم تمردوا على وحل الواقع فصاروا أبرز أعلام الإنسانية ،كلٌّ في زمانه أولاً ثم في ذاكرة الإنسانية ثانياً .
وفيمايخصُّ الجاحظ لا نعرف بين أدباء العربية من مزج بين التجربة الحياتية والتجربة الإبداعية، مثل ما فعل، إذ آمن أن لا قيمة للإبداع دون المعاناة الحياتية، وطبّق هذا الإيمان عملياً فكان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها ليلاً، وقد ثابر على ذلك طوال حياته حتى انتهى أحد الشهداء الأفذاذ لعطش المعرفة الذي لا يرتوي .
إن الكتب لم تحجب الجاحظ عن الناس بجميع فئاتهم، فكان يُخالط ويسأل، يأخذ ما لا يعرفه ويُصّحح ما قد يكون عند بعضهم من أخطاء لا يقبلها العقل، إنه لا يقبل المسموع من تجارب الآخرين كما هو، بل يعمد إلى التجربة بنفسه _ إذا أمكن ذلك .. حدث أن قال له أحدهم إن نوعاً من العشب يقتل الأفعى برائحته إذا ألقيته عليها فاستحضر الجاحظ ذلك العشب ، وألقاه على الأفعى وتبين له أن ماسمعه كان كذباً .
لم يكن هناك خطّة واضحة في تعليم الجاحظ وتربيته لكنه مشى إلى خلوده من خلال جهاد مرير في سبيل لقمة العيش وفي سبيل الكلمة الإبداعية يرتزق من بيع السمك والخبز في النهار ويكتري دكاكين الوراقين ليقرأ ليلاً .
تحرير العقل :
كما التقى الجاحظ بـ ( روسو ) و " غوركي " من حيث اليتم والتشرد ومزاولة كل أنواع العمل حتى يعيش مُذ كان طفلاً .. التقى كذلك الأفذاذ الذين مجدوا العقل في تاريخ البشرية ... وفي تراثنا العربي التقى الجاحظ مع ابن سينا ( 980 - 1037 م ) في نقطة هي ( احترام العقل ) وجاء ذلك عندهما انطلاقاً من ( احترام الحياة ) .. إختلفا بعد ذلك في أن الجاحظ حاول أن يطبّب العقل و يحرّره فكان بذلك أول مَن دعا إلى اقتحام ( باب الإيمان ) بالعقل والفكر الحر، انطلاقاً من إيمانه بقيمة العقل والتجربة في تصحيح ما يصل إلينا ... بينما حاول تلميذه ابن سينا الاهتمام بمعالجة أمراض الجسم .
ولا نبتعدُ عن الحق إذا قُلنا إن الجاحظ من رواد الشك وإعمال العقل في تراثنا العربي الإسلامي، وفتح بذلك الباب لمن جاء بعده من أمثال الفارابي وابن سينا والمتنبي والمعري ..وغيرهم ...
والعقل عند الجاحظ هو " وكيل الله عند الإنسان " وقد سَمّي بهذا الاسم ( العقل ) لأنه يلزم الإنسان ويعصمه عن أن يمضي في سبيل الجهل والخطأ والمضرة كمايفعل البعير ..
تحرير الأسلوب :
لم يقف الجاحظ عند الدعوة لتحرير العقل، بل دعا من خلال ما كتب لتحرير الأسلوب من الجمود والصنعة السائدين قبله .. فقرّب النثر من الحياة وحملّه همومها، فأصبحت اللغة مع الجاحظ تحمل نبض الحياة والناس وتعيش قضاياهم .. وكشف الجاحظ عورة هؤلاء الذين كانوا يخفون أنفسهم وراء أقنعة اللغة العربية العويصة..
وكما حرّر الجاحظُ اللغة من قيود الصنعة التي رأها تعطل حرية الإبداع وتلقائيته .. كذلك رفع الجاحظ القيود عن أمور الحياة العادية وجعلها تدخلُ عالم الكلمة العنّية وهذا مالم يكن معروفاً قبله .
وصل الجاحظ إلى ذلك لأنه فكر بعقله هو لا بعقول سابقيه ونطق بلسان الناس حوله، ولم ينطق من خلال الموروث .. أبى أن يتكلم كالأقدمين علىالرغم أنه تتلمذ عليهم، فكان يقول للناس: " أنا أبو عثمان أناالجاحظ، ولستُ " قساً " ولا " سحبان وائل " ولا " أكثم بن صيفي "
لقد أسهم الجاحظ في نقل ثقافة العرب من الشعر إلىالنثر تعبيراً عن انتقالها من بداوةٍ يلائمها الشعر، إلىحضارة يلائمها النثر ، رغم إيمانه بأن ثقافة العرب أميل إلى الشعر " لأن العرب وجهوا قواهم إلى قول الشعر " .. وعلى يد الجاحظ اندفع الأدب العربي صوب النثر الذي يمتلك إمكانات أكبر بما لا يُقاس في التعبير عن جوانب الحياة بشمولها، كما يملك التأثير الأوسع على جمهور عريض من القراء فيكون إسهامه أكبر في التطور الروحي للإنسان.
وحين نزل النثر إلى مسرح الحياة صار كلُّ شيء موضوعاً للأدب، وإذا كان ( ماركس ) قد أشار إلى أن الواقعية ارتسمت منذ القرن الثامن عشر مع اندفاع الأدب صوب النثر، فإن الجاحظ أسهم في إيجاد هذه الواقعية في الأدب العربي منذ القرن التاسع الميلادي وفعل تماماً في الأدب العربي مثل الذي فعله ( بوشكين ) في الأدب الروسي في القرن الثامن عشر حين أبدع مانسميه الآن ( الأدب للشعب ) .. وكان الجاحظ في الأدب العربي القديم مثل ( برنارد شو ) في الأدب الانجليزي الحديث كان الجاحظ جاداً وهو يضحك مُتفلسفاً وهو يسخر، حيث عالج أخطر المشكلات بأسلوبه الساخر وخفة ظلّه المعروفة وتحتاج السخرية عند الجاحظ وقفة خاصة .
بقي الجاحظ فقيراً رغم شهرته الواسعة فحين سُئل " هل لك ضيعة بالبصرة ؟! " أجاب ضيعتي معي، لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد ولعله يشير بذلك إلى أنّه لا يملك سوى علمه وكتبه وشوقه إلىالمعرفة، ولا عجب - مع هذا الواقع - أن نجد أن الجاحظ خير مَن تحدث عن الكتاب وقيمته في الحياة خاصةً في بداية كتابه الشهير ( الحيوان ) .
وإذا كان بعض المبدعين قد جاء إلى الحياة من الأدب، فإن الجاحظ قد جاء إلى الأدب من الحياة، كانت الحياة عنده أولاً وجاء الأدب ليعبر عن حقائق هذه الحياة، وجعل للأدب غايةً لا يفترق فيها الجانب الجمالي عن الجانب الاجتماعي فأسهم بأن جعل الثقافة للجماهير حين قصدها وتوّجه إليها فيمايكتب، وكان كما يقول الشاعر: ( بدر شاكر السياب): أول أديب عربي نزل إلى السوق فصور لنا أحوال الشعب تصويراً ينبض بالصدق والحياة بأسلوب حسبنا أن نقول فيه: أنه أسلوب الجاحظ، والذي كان بحق مدرسة في الأسلوب تخرج منها أدباء شباب وامتاز بأنه الأسلوب البسيط الذي يخفي تحته أفكاراً في تجدّدٍ دائم، أو تحفزُ علىالتجديد وفي كثير من النقاط يمكن مقارنةالجاحظ مع ( فولتير ) .
إن إباء الجاحظ واعتزازه بإبداعه قاداه إلى أن يكون أميراً بين كتبه وأوراقه على أن يكون رئيساً في ديوان الخليفة ( المأمون ) فحين أسند المأمون رئاسة الديوان للجاحظ قبله على كره منه ليتركه بعد أيام ثلاثة حين رأى في الديوان موظفين ( صقلت ثيابهم ) فقال كلمته المشهورة: " ظواهر نظيفة ومواطن سخيفة " .
إن إيمان الجاحظ بالحرية، قاده إلىكثير من هذه المواقف التي كانت تعبيراً بالسلوك العملي عن الحرية، وأما عن إيمانه بالعلاقة بين الإبداع والحرية، فقد قال في كتابه الحيوان " أقول شيئاً ليس يُخرجه مني إلاّ الشكر والحرية .." .
ويتحدث الجاحظ عن حرية الإرادة حين رأى أنّ الذين حول الخلفاء يسلبون الإنسان إرادته ليجعلوه كالريشة في مهب الريح .
كان إخلاص الجاحظ للثقافة أعظم من إخلاصه لأي شيء آخر، وجعله هذا الإخلاص محوراً للثقافة في عصره ولعله من أوائل الذين آمنوا بأثر الثقافة في المجتمع حين رأى أنّها تقوّم يد الإنسان ولسانه وأن يد الإنسان لا تكون إلاّ خرقاء ولا تصير صناعاً ما لم تكن المعرفة ثقافاً لها واللسان لايكون أبداً ذاهباً في طريق البيان متصرفاً في الألفاظ إلاّ بعد أن تكون المعرفة متخللة به واضعة له في مواضع حقوقه .." .
لم يتتلمذ الجاحظ على أستاذ بل كانت الحياة أستاذه الأكبر وكانت دكاكين الوراقين بما فيها من كتب مدرسته الواسعة .
ألف الجاحظ كتاب ( الحيوان ) وعمره اثنان وثمانون عاماً ولم ينقطع عن الكتابة والتأليف طوال حياته التي امتدت حوالي قرن . تروي الكتب أنه مات في عام 250 هــ بينما كان قد ولد عام 155 هــ وصار يعيش في كنف أمه - إذ توفي والده وهو صغير - في أسرة من سواد فقراء البصرة واندفع إلى العلم بطموح كبير إلى مستقبل يعوضه اليتم الذي أهاض جناحه .. أخذ يتردد علىحلقات العلم، يذهب إلى المربد يتلقىالفصاحة شفاهاً ويستمع ويناقش وأمدّه طموحه وفقره بالمثابرة و الصبر والقوة في التحصيل وكان بعد أن ينتهي من عمله اليومي في التعلم - علىطريقته الخاصة - يذهب ليعيش من كسب يده فيبيعُ الخبز " والسمك جانب نهر البصرة، وكانت والدته التي تعتني به قد ضايقها انصرافه إلى العلم والمعرفة أكثر من انصرافه إلى العمل وقد قدمت له في إحدى المرات حين طلب الطعام طبقاً عليه كراريس من الأوراق ؟ فقال : ما هذا ؟! قالت هذا الذي تجيء به ؟!
الجاحظ والمرأة
من لوازم الإيمان بالعقل والحرية - كما عند الجاحظ - الإيمان بإنسانية المرأة بحيث لا يخلو تراث كاتب عظيم من رأيٍ في المرأة سلباً كان أم إيجاباً ..
هذاالجاحظ البعيد عنَّا زمانا القريب منا فكراً ووجداناً يحدثناعن المرأة مناقشاً بعض معاصريه . وبالطبع لا يمكننا أن نفصل الشكل الذي اتخذه الحوار في هذا الأمر ولا مضمونه عن الزمان والمكان اللذين يدور فيهما.
طرح الجاحظ قضية المرأة في فترة من تطور المجتمع العربي القرن الثالث الهجري، ولم يكن من الممكن أن تطرح قبل الوصول إلى هذه الدرجة من التطور ...
وأعاد قاسم أمين 1865 - 1908 طرح القضية ذاتها وإن بأسلوب آخر ومضمون آخر أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين .
إن طرح الجاحظ لقضية المرأة كان فيه جرأة كاملة نسبة إلى مقاييس عصره السائدة، وكان حسب مانعْلم أول من طرح هذه القضية وحاول إنصاف المرأة في أدبه ولعله أول من دافع عن شرعية وجود الحب بين الناس .
ولعل الذي دفع الجاحظ كي يطرح هذه القضية - ماوصل إلى علمه - وهو المطلع على تراث العرب - من أخبار النساء العربيات اللواتي جابهن الرجال، بعد سلسلة طويلة من الاعتداء على الأنثى بدءاً من رفض وجودها ودفنها حية تجنياً كماكان يحدث في الجاهلية، إلى رفض الاعتراف بوجودها المستقل لأنها كائن ناقص العقل والدين!!
كما قرأ الجاحظ - ولا شك - إن نساء عربيات مشهورات قد رثين الأخ أو الأب، ولم يسمع أن رجلاً رثى أختاً أو أمّاً أو زوجة - إذ كان رثاء جرير لزوجته استثناء في أدبنا العربي القديم .
لهذا كلّه علىما نرجح أخذ الجاحظ يتحدث عن المرأة حديثاً موضوعياَ واعتبر حديثه إنصافاً للمرأة في زمن عزّ الحديث فيه عن المرأة ويلمس القارئ شذرات الجاحظ عمقاً يحسب له بمقاييس عصر بحيث نظلمه إذا طبقنا عليه مقاييس عصرنا التي عمقها: علم النفس وعلم الاجتماع ،وتقدم العلوم الإنسانية والحضارة البشرية بشكل عام ..
فقد لمس أن المرأة تخلص للحب أكثر من الرجل ففي كثير من الأعمال الأدبيةالكبرى نجد الرجال يسقطون لأنهم تخلوا عن الحب بعكس النساء اللواتي يخلصْن للحياة والحب ورأى الجاحظ أن المرأة لا تقل عن الرجل في إمكاناتها فهي مثله تنشغل - إذا سمحت لها ظروفها الاجتماعية والاقتصادية - بقضايا المجتمع وقضايا الحياة والوجود، التي يعتبرها بعضهم حكراً على عقول الرجال، والمرأة عند الجاحظ مثل الرجل أوحسب تعبير " المثل الشعبي " الذي يصف الذكر والأنثى بأنهما " الفولة وانقسمت نصفين "
وحديث الجاحظ عن المرأة، موضوعي بحيث تحدث عن نماذج مختلفة من النساء كما أن هناك نماذج مختلفة من الرجال يدافع الجاحظ عن المرأة بمثل قوله: " .. ولسنانقول ولا يقول أحد ان النساء فوق الرجال أو دونهم بطبقة أو طبقتين أو أكثر، ولكننا رأينا ناساً يزرون عليهن أشد الزراية ويحتقرونهن أشد الاحتقار ويبخسونهن أكثر حقوقهن .."ويتابع الجاحظ قائلاً: ...." ونحن إذارأينا أن فضل الرجل علىالمرأة في جملة القول في الرجال والنساء - أكثر وأظهر فليس ينبغي لنا أن نقصر في حقوق المرأة، وليس ينبغي لمن عظم حقوق الآباء أن يُصغر حقوق الأمهات وكذلك إن الرجل عامة قد يكون أقوى ولكن المرأة عامة قد تكون أرحم، ويرى الجاحظ ان من عجز الرجل " أن لا يستطيع توفير حقوق الآباء والأعمام إلاّ بأن ينكر حقوق الأمهات والأخوال " ..
المرأة أجمل مافي الوجود
تحدث الجاحظ عن مزايا المرأة التي تجعلها موضوعاً للحب و مركزاً للجمال، المرأة التي يراها أجمل ما في الوجود، ولا شيء يبلغ في الجمال مبلغها، لذلك يعيب على الشعراء التشبيهات التي يشبهون بها المرأة ويرى أن هذا النوع من التشبيه، إنّما هومن الضرورات الشعرية الكلامية التي لا تعبر عن الحقيقة يقول: " .. وقد علم الشاعر والواصف أن الجارية الفائقة الحسن أحسنُ من الظبية وأحسن من البقرة وأحسن من كل شيء تشبّه به، ولكنهم إذا أرادوا القول شبهوها بأحسن ما يجدون كأنها الشمس وكأنها القمر ... والشمس وإن كانت بهية فإنما هي شيء واحد وفي وجه الحسناء وخلقهاضروب من الحسن الغريب والتركيب العجيب، ومن يشَّك أن عين المرأة الحسناء أحسن من عين البقرة ؟! وأن جيدها أحسن من جيد الظبية ؟! والأمر فيما بينهما متفاوت،ولكن الشعراء والكتاب فعلوا ذلك عن إيمان منهم بأنه الواقع ولكنهم عمدوا إلى ذلك، ولو لم يفعلوا هذا وشبهه لم تظهر فطنتهم وبلاغتهم ... (1)
جمال المرأة عند الجاحظ
إن جمال المرأة - عنده - صنفان: جمال ظاهر، وجمال باطن، فالأول هو جمال الأعضاء، والثاني ذلك الجمال الذي يدركه الرجل فقط من المرأة لأن النساء " لا يبصرن من جمال النساء إلا قليلاً " ولأن الرجال بالنساء أبصر ولأن المرأة تعرف من المرأة ظاهرالصفة....
أما الجمال الداخلي الذي يوافق الرجال ، فأن المرأة لا تدركه فقد تحسُن المرأة أن تقول: كأن أنفها السيف، وكأن عينها عين الغزال، وكأن عنقهاإبريق فضة، وكأن ساقها حجارة مرمر، وكأن شعرها العناقيد، وكأن أطرافها المداري وما اشبه ذلك .... " (2)
ويتحدث الجاحظ عن الحب وأثره في حياة الناس وسلوكهم، وهو يعني حين يتحدث في هذا المجال، حب الرجل للمرأة إذ يعتبر أن الحب شيء من طبيعةالإنسان لا يمكن أن يتخلص منه، وإن كان هذا الحب يختلف عنده قوة وضعفاً، وحدةً وفتوراً،باختلاف مزاج الرجل وملابسات حياته، ولكنه في كل الأحوال يرىضرورة الحب الذي يتحدث من خلاله عن أثر المرأة في حياة الرجل، وكأنه أراد أن يصل إلى ما نُعبّر عنه في زماننا حين نقول : " وراء كل عظيم امرأة " وكأنه أيضاً يلّمح إلى أنه لولا الحب لماكانت أعظم الإبداعات البشرية التي جاءت في معظمها، كي يُقدمها المبدع هدية لتلك التي يُحبّها، والأمثلة كثيرة من تراثنا العربي وغيره ولعل المثال البارز هو " دانتي " الذي أبدع " الكوميديا الإلهية " كي يقدمها لحبيبته " بياتريس " .
ويرىالجاحظ أن تعيير النساء من أكبر نقائص الرجال ويضعه مع أحط الصفَّات في كفّة واحدة. يقول في كتابه "البيان والتبيين : " ... شاتم أعرابي أعرابياً، قال: إنكم لتقصرون عن العطاء وتعيرون النساء وتبيعون الماء " ..!! (3)




المراجع والمصادر :
1- ياقوت الحموي ،معجم الأدباء، ح16، ص 106
2- دكتور طه الحاجري، الجاحظ حياته وأثاره، طبعة دار المعارف بمصر -1962
3- الجاحظ، كتاب الحيوان، طبعة مصر 1938 .
4- الجاحظ ، البيان والتبيين، لجنة التأليف والترجمة القاهرة، 1948
6- هادي العلوي، المستطرف الحديد، دار الطليعة بيروت، طبعة أولى1980 ص 182.
7- شفيق جبري - الجاحظ - معلم العقل والأدب - القاهرة 1948


هوامش
1- الدكتور طه الحاجري - الجاحظ حياته وأثاره - مصدر سابق ص 441 .
2- المصدر نفسه ص 442 .
3- البيان والتبيين، لجنة التأليف والترجمة - القاهرة 1948 ص 270 .
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 11 - 2005, 12:22 AM   #5
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304
ابن خلدون ( 1332 - 1406 م )

قضايا معاصرة في مقدمته

ابن خلدون أحد العباقرة الأفذاذ الذين فتحوا الطريق الجديدة في عالم الفكر، في علم الاجتماع واتباع المنهج العقلاني في البحث .. وكانت موضوعيته في البحث أحد أسباب خلوده حيث لاحظ قلة الأحداث الصحيحة التي تحتويها غالبية المؤلفات التاريخية وخلص إلى القول: بعد هذا الذي لاحظه بأن أسباب الانحلال والتردي تنشأ عن: " التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال من الإعتدال في قبول الخبر أعطته حقّه من التمحيص والنظر حتى يتبين صدقه من كذبه وإذا خامرها تشيّعٌ لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة وكان ذلك الميل والتشيّع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص ...))

ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً: الثقة بالناقلين ومنها توهم الصدق وهو كثير ... ومنهاالذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لايعرف القصد بماعاين أو سمع، وينقل الخبر على مافي ظنّه وتخمينه،فيقع في الكذب .. ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الواقع .. ومنها تقرّب الناس في الأكثر لأصحاب التجلّة والمراتب بالثناء والمديح وتحسين الأحوال وإشاعةالذكر (1) "
ابن خلدون والمنهج العقلاني
من عناصر الموضوعية في تفكير ابن خلدون ،اعتماده العقل وابتعاده عن الخرافات والأساطير ،يقول: " لأن الأخبار إذا اعتد فيها مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب ،فرّبما لم يؤمن فيها من العثور، وزلة القدم والحيد عن جادة الصدق (2).
كما نراه يعبر عن حركة التاريخ لأن العناصر المكونّه للحياة الاجتماعية عنده ليست ساكنة بل هي في حركة دائمة يقول في المقدمة جـ1 ص 44 :الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل العصور ومرور الأيام ومن الغلط الخفي في التاريخ " وهوداء دوي وشديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلايكاد يتفطّن له إلاّ الآحاد من أهل الخليقة ... وذلك لأن أحوال العالم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، وإنما هو اختلاف علىالأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال " (3)
وقد كان ابن خلدون أحد هؤلاء القلائل الذي أشاروا إلى هذه الحركة للتاريخ في وقت مبكر .
النزعة العلمية عند ابن خلدون:
نلمح أسس الجدلية عند ابن خلدون حين يتحدث عن أعمارالدول فيرى أن عمر الدولة يشبه عمر الشخص فهو ينتقل من سنّ التزيد الى سن الرجوع وهذه الحوادث طبيعية ولا شيء يمكنه منعها.
وحين يُبين أثر وسائل الإنتاج في النواحي الإنسانية في الأفراد يقول: " إن خلق الإنسان يرجع إلى العُرف والعادات لا إلى المناخ والمزاج وأن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش (4) .
في هذا النصّ نرى أن تكوين الانسان الاجتماعي لا يخلق معه بل تكوَّنه العادات الاجتماعية والعُرف القائم .. كما يقرر أن اختلاف أحوال الناس يعود إلى طريقتهم في الإنتاج.
وبذلك سبق ابن خلدون غيره حين ربط بين علم الاجتماع والاقتصاد في كتابه ( المبتدأ والخبر ) أثناء الحديث عن علم الاجتماع الذي سمَّاه بـ ( علم العمران ) معتمداً أسس الشرح والتحليل وتعليل الحوادث مدركاً ارتباط علم الاجتماع بعلم الاقتصاد وذلك في القرن الرابع عشر في الوقت الذي أشار فيه بعض العلماء إلى هذه الحقيقة في القرن الثامن عشر، وقد أقام ابن خلدون في مقدمته وزناً للضرورة الاقتصادية حين عبر عنها بأن المكسب والمعاش والصنائع دعامة من دعائم المجتمع، وحين عبر أن الظواهر الاجتماعية في العالم لا تسير حسب الأهواء والمصادفات ولا وفق إرادة الأفراد، بل وفق قوانين مطردة ثابتة لا تقل في ثباتها عن قوانين الظواهر الأخرى ... وانطلق يدرس هذه الظواهر في حال ثباتها أي في الحالة التي تكون عليها في زمان ومكان معينين ويدرسها في الوقت نفسه من حيث تطورها، والنواميس التي تخضع لها في هذاالتطور واستخدم في أبحاثه القواعد التالية: الملاحظة والتجربة ،التفسير والتحليل ، المقارنة والقياس - ودراسة الظواهر وعلم العمران ولقد استخدم ابن خلدون علم العمران بمعنى علم الاجتماع قال: " إن الكلام في هذا العلم مستحدث الصنّعة غزير الفائدة أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص (5) .. ولعمري لم أقف علىالكلام في منحاه لأحد من الخليقة ولعل من يأتي بعدنا يغوص في مسائله أكثر والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئاً فشيئاً إلى أن يكمل ... (6)

ابن خلدون .. والتقدم :
يتجدد اهتمامنا بابن خلدون بقدر حاجتنا إلىالحرية بمعناها الاجتماعي الواسع، وبقدر حاجتنا إلىالتقدم .. لما في كتاباته من دفاع مجيد عن التقدم والحرية لأن الظلم عنده .." مؤذن بانقطاع النوع وهذا يؤدي إلى تخريب العمران " (7)
كذلك حارب ابن خلدون العرقية التي تفرّق فتجعل الشرق شرقاً بفكره وحضارته، وتجعل الغرب غرباً بفكره وحضارته أيضاً وذلك حين يكتب أن الإنسان يتغير بتغير الظروف حوله وليس هناك تخلف دائم أو تقدم دائم، وإذا تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحوَّل العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث..
وحين تحدث عن الاضطهاد نفى أن يكون نتيجة لطبيعة ثابتة في البشر وإنما الظروف الاجتماعية هي التي تؤدي إليه تراه يقول: " إن الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشرّ بأصل فطرته وقوته الناطقة العاقلة " المقدمة جـ ص 259 " .
وفي رأيه أن الظلم نتيجة استبداد أهل القدرة والسلطان ج1 ص 97 والجهل غير بعيد عن الظلم عند ابن خلدون، لأن مرمى الجهل بين الأنام وبيل، والحق لا يُقاوم سلطانه، والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه " (8)
وقد أعجب ابن خلدون بالتاريخ لأنه علم من العلوم وليس من أهدافه أن يهز المشاعر أو يسحر الألباب أو يعظ أو يقنع الحكومات أو يخدمها .. ولم يكن التاريخ عنده لوناً أدبياً كما يقول ( أيف لاكوست ) لذلك التزم الصراحة في أحكامه والإعراض عن قبول توسلات الأعيان وكبار رجال البلاط الذين كانوا قريبين منه، ومن المؤكد أنه فعل ذلك شغفاً بالعدالة لا رغبةً في التظاهر بالطرافة كما يعبّر الدكتور طه حسين في ص (18) من كتابه ( فلسفة ابن خلدون الاجتماعية ) .
إن إعجابه بالتاريخ كعلم جعله واقعياً بعيداً عن الأسلوب الرومانسي أي أن عواطفه لم تتحكم بكتاباته، ولم يشغله أن يكون أديباً مُنشئاَ بقدر ما كان يشغله أن يكتب ليثبت وقائع .

ابن خلدون والاقتصاد:
تحدث ابن خلدون عن الزراعة وقد سماها ( الفلاحة ) واعتبرها مهنة المعذبين حين قال: " الفلاحة من معاش المستضعفين .." ولعله لمس الظلم الاجتماعي الواقع على الفلاحين حيث لم يجد فلاحاً واحداً من المترفين أو من أهل الحضر ..
وتحدث كذلك عن التجارة وعرّفها بأنها (محاولة الكسب بتنميةالمال بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء....) كما اشار إلى الاحتكار والاستغلال حين قال: " إن البعض يختزن السلعة ويتحيّن بها حوالة السوق من الرخص إلى الغلاء فيعظم ربحه ..." .
كما تحدث ببصيرته النافذة عن تراكم رأس المال وإن كان الربح قليلاً لأن المال كما يقول ابن خلدون " إن كان كثيراً عظم الربح لأن القليل في الكثير كثيرٌ ..." وعن علاقة المال بالسلطة أشار إلى أنّه لابد للمال من جاهٍ يتدرّع به فيوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكام على إنصافه من غرمائه .
وعن قانون العرض والطلب يقول: " إن التاجر البصير لاينقل من السلّع إلا ما تعّم الحاجة إليه ... " .
ويتحدث عن الغلاء قائلاً: " إذا قلّت السلعة أو عزّت غلت أثمانها وإذا كثرت رخصت أثمانها .." .
وحين يتحدث عن الصناعة يرى " أنها ملكة في أمر علمي فكري ولأنها عملية فهي محسوسة، ونقلها بالعمل أوجب لها وأكمل، لأن المباشرة كما يقول ابن خلدون أو الخبرة العملية كما نقول اليوم في الصناعة أتم فائدة " ... وقد عـرّف الصناعة بأنها ملكة، ويقول عن الملكة أنها صنعة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكراره مرّة بعد مرّة حتى ترسخ صورته.."، نلمح إيمانه بأهمية الصناعة كما نلمح أهمية فضل التعليم الفني في الصناعة كذلك، كما يوضح لنا أن تقدم الصناعة يكون بتكرار العمل فيها ويرى كذلك أن الصناعة ترسخ في البلد برسوخ الحضارة فيه، وطول أمدها، وتحول الصناعة إلى عادة ترسخ بكثرة التكرار كما يقرر أن الاستقرار ضمان لتقدم الصناعة، وأن البلدان إذا قاربت الخراب انتقصت فيها البضائع وتكبر أهمية الصناعة بقدر أهمية السلعة التي تنتجها ....
ضد العنصرية
فندّ ابن خلدون بأسلوبه العلمي الخرافات حول سواد اللون عند بعض الناس، محاربا من خلال ذلك العنصرية التي تقوم على أساس اللون حين يقول: " توهم بعض النسابين ان السودان (جمع أسود) هم ولد حام بن نوح اختصوا بلون السواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه وجعل الله الرق في عقبه .. وينقلون في ذلك حكاية من خرافات القصاص..." .
إن هذه الخرافات يقول ابن خلدون وردت في " التوراة " حيث جاء فيها .." إن دعاء نوح على ابنه حام بأن يكون ولده عبيداً لولد إخوته لا غير " ولم تذكر التوراة لون السواد .
دحض هذه الخرافات بأسلوبه العلمي الذي قام على التجربة والملاحظة والاستقراء، يقول: " إن القول بنسبة السواد إلى حام غفلة عن طبيعة الحر والبرد، وأثرهما في الهواء وفيما يتكون فيه من الحيوان ..." ... جاء كلامه هذا في معرض حديثه في مقدمته عن أثر البيئة والمناخ في السكان وتوزعهم ونمط حياتهم جاء في بعض ماقال : " اعلم أنه يتبين في كتب الحكماء الناظرين في أحوال العالم، أن شكل الأرض كروي، وأنها محفوفة بعنصر الماء كأنها طافيه عليه، فانحسر الماء عن بعض جوانبها لماأراد الله تكوين الحيوانات ،وعمرانها بالنوع البشري الذي له الخلافة على سائرها، ثم إن هذا المُنكشف من الأرض فيه القفار والخلاء أكثر من عمرانه، والخالي من جهة الجنوب أكثر من جهة الشمال .
وكان " الجاحظ " قد اشار إلى أثر البيئة في الكائنات التي تعيش فيها منذ القرن الثالث الهجري - قبل ابن خلدون بحوالي خمسة قرون في كتابه الشهير " الحيوان " - فعلى سبيل المثال نراه يقول:
" وقد نرى ( حرّة بني سليم ) وما اشتملت عليه من إنسان وسبع وبهيمة وطائر وحشرة كلها سوداء، ونرى جراد البقول والرياحين خضراً وديدانها خضراً ..."
" قيمة العمل " تحدث عنها ابن خلدون في وقت مبكر وانتقد بشكل واضح تسخير الإنسان لأن " العمل مصدر معاشه الوحيد "، يقول: " ومن أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران تسخير الرعايا بغير حق ..."
ويوضح هذه القضية - اغتصاب العمل والاستغلال - أكثر حين يقول: " فإذا كلفّوا العمل في غير شأنهم واتخذوا سخرياً في معاشهم، بطل كسبهم واغتصبوا قيمة أعمالهم، فدخل عليهم الضرر " ،لأن العمل - كما يرى ابن خلدون بحق - هو مصدر رزق الإنسان وتغّيره، يقول " وأعمالهم كلّها متحولاّت ومكاسب لهم بل لامكاسب لهم سواها " .
اكتشف الغرب ابن خلدون بدهشة وإعجاب لأنه سبق كل المنظرين السياسيين الغربيين ،سبق ميكافيلي، وميكو، ومونتسكيو، وسميث،وأوغست كنت بعدة قرون .
ومن الدراسات الهامة في هذا المجال دراسة المستشرق الإيطالي " استيفانو كلوزيو " المقارنة التي كتبها أواخر القرن التاسع عشر، قارن فيها بين شخصين: ابن خلدون - وميكافيلي ،تحت عنوان: " مقدمة لدراسة ابن خلدون " تحدث فيها عن أوجه الشبه والاختلاف بين الفيلسوفين ،ووصل إلى اعتبار ابن خلدون رائد علم جديد هو " علم النقد التاريخي " الذي سبق فيه بقرون عديدة أشهر فلاسفة الأوربيين، الذين شغلهم التاريخ ونقده والسياسة وعلومها .
ويرى هذا المستشرق أن ابن خلدون تحدث في قضايا كثيرة سبق بها الغربيين مثل حديثه عن مذهب الجبر الاجتماعي وحديثه عن " وظيفة الدولة ومفاسدها " والسلطات السياسية وطبقات الاجتماع وكذلك وجد عند ابن خلدون نظرية في "الملاكة وتقسيم الأموال " كما سبق الغربيين في حديثه عن المبدأ الجديد، " لكل بقدر حاجته " ويخلص هذا المستشرق إلى أن آراء ابن خلدون في كيان الجماعات الإنسانية في كيانها المركب - تجعله في أسمى مراتب الفلاسفة المؤرخين وأن ما يعزوه من شأن كبير إلى العمل والملاكة والأجرة يجعله سلفاً وإماماً لاقتصادّيي هذا العصر .
ظهرت دراسة المستشرق الايطالي ( مقدمة لدراسة ابن خلدون ) في اللغة العربية في / 5 (مايو) أيار عام 1925 / على صفحات اسبوعية ( الميزان ) الثقافية التي أسسها في دمشق الناقد المترجم الفلسطيني " أحمد شاكر الكرمي " الأخ الأكبر للشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى ) والأبن البكر للشيخ سعيد الكرمي رئيس المجمع العلمي في دمشق .
ترجم الدراسة الأديب والكاتب "عمر فاخوري " .............لتكون في متناول القارئ العربي والباحث المتتبع للفكر الخلدوني (9) .
ابن خلدون : معالم حياة
ولد عام 1332 في تونس وتوفي في القاهرة عام 1406 - يكون قد عاش (74) أربعة وسبعين عاماً تقلب خلالها بين المناصب الأدبية والسياسية والقضائية . بدأ كاتباً عند سلطان تونس ..وانتهىإلى منصب قاضي قضاة المالكية في مصر ..
امتدت حياته الفاعلة لأكثر من خمسين عاماً ،إذ دخل معترك الحياة قبل العشرين،وقام بمهمة سياسية خطيرة عند السبعين ....
أربعة أعوام امتدت من 1375- 1378، اعتزل فيها الحياة العامة وانزوى في " قلعة ابن سلامة " ليبدع أثره الخالد - المقدمة التي ضمنت له الخلود بين أعظم رجال الفكر في العالم، كتب مقدمته هذه عام 1377 بعد أن وصل منتصف العقد الخامس من عمره .. وقد شاهد وعاش تجارب كانت من العوامل التي وجهته ليكتب هذه المقدمة .
بعد أن كتب كتابه الخالد - المقدمة في التاريخ، رحل إلى مصر وبقي فيها إلى آخر حياته ...
تولى سفارة مصر إلى سورية - دمشق - وحصل اللقاء الشهير بين الفيلسوف العربي، والفاتح المغولي تيمورلنك عام 1401م .
لم ينحصر نشاط هذا العلاّمة في ( تونس ) مسقط رأسه ومصر مثوى رفاته،بل شمل معظم أقطار الوطن العربي ذهب إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وزار المقدسات في القدس العربية واشترك في الدّفاع عن دمشق عندما غزاها " تيمورلنك " عام 1401م .
ولعل هذاما دعا " فيليب حتّي " إلى القول في كتابه " مختصر تاريخ العرب ": لقد كان ابن خلدون أكبر فيلسوف ومؤرخ أخرجه الإسلام كما كان أحد أعاظم الفلاسفة والمؤرخين في كل العصور " ..
تميز ابن خلدون بأسلوبه العلمي، لم يكتب كأديب وإنما كتب ليثبت وقائع أو معلومات أو فشاهدات .. إضافة إلى أن كتاباته في موضوع لم يسبق إليه،فرضت عليه أن يوجد كلمات جديدة وأن يستعمل كلماتٍ في معانٍ ليست معروفة أو متداولة وعلمية الأسلوب والاتجاه لم تمنع ابن خلدون من الاشارة يقدمها على شكل نصيحة حول أهم الكتب في التراث العربي حين يقول: " .... سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فنّ الأدب وأركانه أربعة دواوين هي: أدب الكاتب لابن قتيبة ،وكتاب " الكامل " للمبرد، وكتاب " البيان والتيين " للجاحظ، وكتاب " النوادر " لأبي علي القالي وماسوى هذه الأربعة، فتبع لها وفروع عنها " المقدمة ص 353، طبعة بيروت .
هذا قليلٌ مماقدمه ابن خلدون للحضارة الإنسانية وقد اعترف بفضله هذا كثيرون يقول (إيف لاكوست)، إن ابن خلدون لو وضع مع معاصره (فروسار) في كفتي ميزان لشالت كفة الأخير ولجاءت الموازنة في غير صالح الفكر الغربي على كل حال .
وقال (جان مارسيه): " إن مقدمة ابن خلدون هي أحد المؤلفات الأكثر ضرورة والأكثر إثارة من بين المؤلفات التي قيّض للعقل البشري إنتاجها ".
وقال (توينبي) في كتابه (دراسة التاريخ): إن فلسفة التاريخ التي تخيلّها (ابن خلدون) ثم بسطها في كتبه بدون شك أعظم إنتاج أبدعه أي ذهن في أي عصر وفي أي زمن .."
هذا بعض ما قدمه ابن خلدون الذي أثار بمقدمته الشهيرة اهتمام عدد كبير من العلماء والمفكرين العرب والأجانب، والذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي قرن التحول والانتقال إذا عاش من عام 1332 إلى عام -1406م.
وإذا وصلنا إلى مرحلة تؤهلنا لاستيعاب هذا المؤرخ الفيلسوف العظيم فسوف نجد في مقدمته الكثير من القضايا التي تشغلنا في وقتنا هذا، وتعمل علىتحرير العقول وإيقاظ بذور الإبداع.




هوامش:
1- مقدمة ابن خلدون - اختيار وتحقيق سهيل عثمان ومحمد درويش - وزارة الثقافة، دمشق 1978 ج1 :ص56-57.

2- المصدر نفسه ج1: ص 80-90
3- المصدر نفسه ج1: ص 44.
4- المصدر نفسه ج1:ص 220
5- المصدر نفسه ج1: ص 538.
6- المصدر نفسه ج1: ص 588.
7-المصدر نفسه ج1: ص 217.
8-المصدر نفسه ج1: ص 352.

9- جريدة "الحياة " اللبنانية، عدد 22 تشرين الثاني لعام 1995 .

المراجع والمصادر :
1- من " مقدمة ابن خلدون " في السياسة والاقتصاد - اختيار وتحقيق: سهيل عثمان - محمد درويش - دمشق 1978.
2- دكتور طه حسين، كتاب ( فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، ترجمة عبد الله عنان - القاهرة 1952 .
3- ساطع الحصري - دراسات في مقدمة ابن خلدون، الناشر - مكتبة الخانجي بمصر 1961 - طبعة موسّعة.
4- إيف لاكوست، كتابه ( ابن خلدون واضع علم ومقرر استقلال - ترجمة زهير فتح الله - منشورات مكتبة المعارف، بيروت ط1 1958.
5- دكتور محمد أحمد الزعبي - مجلة دراسات عربية عدد(9)تموز 1983ص77 وما بعدها.
6- مجلة التراث العربي عدد (23) نيسان 1986.
7- جريدة ( الحياة) لبنان - الأربعاء، 22 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1995، ابن خلدون وميكافيلي (دراسة مترجمة).
8-( المجلة) القاهرة عدد(60) 1962 كانون الثاني ،بعض وقائع مهرجان ابن خلدون - أول كانون الثاني لعام 1962.
9- أحمد العناني - مجلة " الدوحة"، عدد (110) شباط 1985، مقال بعنوان تاريخ علم التاريخ ص 118.
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 11 - 2005, 12:24 AM   #6
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304


الفصل الثاني

أعلام محدثون







عـــمـر فــاخـــوري (1895-1946)
من أدب الكتب إلى أدب الواقع

عمر فاخوري
في حياته أكبر منه في أدبه

كان مع رفاق له تلتهب صدورهم لصوت فتى يؤنسهم بين الحين والآخر بشعر يستحث العزائم .... كان الصوت للشاعر " عمر حمد " أحد الشهداء العرب عام 1916 الذي كان مع رفيقه عمر فاخوري أصغر الثوار الذين شغلهم " نهوض العرب ".
وبينما كان " عمر حمد " يشعل الدّم بالشعر كان عمرفاخوري يجيب بكلمات واعية عن سؤال جعله عنوان دفترٍ صغيرٍ له: " كيف ينهض العرب ؟ ".
طبع دفتره الصغير هذا ،وصل الأمر إلى الوالي الذي أمربنفي الكاتب ،ثم عفا عنه لصغر سنّه بعد وساطة قريب له بشرط أن يُتلف الكتاب !!
خبّأعمر نسخاً قليلة من الكتاب في دكان والده، يقول رئيف خوري " ... شدّ ماكان يأسف عمر كلما ذكر هذا الكتاب لأن أهله أتلفوه كي لا يظفر الأتراك بجملة منه فكان عمر يقول بأسلوبه الظريف: " أراد الأتراك إعدامي فافتداني المرحوم أبو عمر (يعني والده) بأن أعدم الكتاب ".
حين علق " السفاح" الشهداء العرب على أعواد المشانق ومنهم رفيقه، الشهيد (عمر حمد) سارع عمر فاخوري إلى دكان أبيه وحمل إلى الجماهير، ما كان قد خبأه من نسخ كتابه " كيف ينهض العرب ؟ ".
***
لم يعد عمر فاخوري بعد أن حمل شهادة الحقوق من فرنسا رومانسياً، كما عاد محمد حسين هيكل ليكتب روايته ( زينب) ولا عاد - كما عاد توفيق الحكيم ليعيش في برجه العاجي ويكتب مسرحياته الذهنية .. ولا كما عاد (طه حسين) ليعيد النظر في تاريخنا الأدبي على ضوء المناهج الغربية.
لا بل عاد عمرفاخوري واقعياً ،يرفض (أدب الكتب) ليدعو إلى ( أدب الحياة)، ويرفض أدباء الأبراج، أدباء الورق، ويطالب بأديب الواقع أديب من لحم ودم .. وبذلك كان من أوائل الذين أطلقوا الصيحة ضد الرومانسية الهروبية في الأدب العربي ،كان ذلك في نهاية الاربعينيات وهو وقت مبكر لإطلاق هذه الصيحة ،ورأى أن علىالكاتب أن يعمّد الناس بالغبطة والحماسة والاندفاع في سبيل الآخرين وأن يجعلهم يلقون نظرة على الواقع ويفكرون .." لا كيف يعيشون بل كيف يصحّ أن يعيشوا " .. وكانت كتبه دعوة للناس كيف يصح أن يعيشوا .. فقد عمّده كتاباه ( الباب الموصود) و(الفصول الأربعة) أديباً ناقداً .. كما عمدته كتبه الأخرى ( أديب في السوق) و( الحقيقة اللبنانية) و(لا هوادة) كاتب نضال كما يقول (مارون عبود) (1) .. وقد انطلق عمر فاخوري من أن الأدب الشعبي هوالجذرُ لكل الإبداعات .
الكون والحياة ينبوعان لا يشحُّ سيلُّهما عنده، كونٌ لا تنفدُّ روائعه، وحياة لا تزال متطورة متحولة فكأنهابعث مستمر في خلق جديد والحياة والناس لهما وجود حقيقي ولهما قيمة فلا تعتبر العناية بهما عبثاً ولهواً وإنفاقاً للعمر من غير طائل .. وبأن الحياة جديرة بأن نحياها حتى لا نتحول إلى كائنات ممسوخة ... وهذا ماجعل " عمر فاخوري " ابن زمانه حسب مقولة الرسام الفرنسي ( دومه ) يقول: " يجب أن نكون من زماننا وفي زماننا ولزماننا " ثم صار كماشاء وظلَّ أديباً مناضلاً كبيراً ،وصار عظيماً حين جعل حياته مثلاً حيا واقعياً لما يدعو إليه، من مبادئ وأفكار واختلف عن المتعاظمين الذين وصفهم السيد المسيح " بأنهم يشبهون الطيور التي يزين ظاهرها الرخام بينما باطنها يعجُّ بالديدان .." .
إن ارتباط عمر فاخوري بزمنه جعله يحارب الغموض وإرسال الجمل المجردة والتعابير المطلقة التي لا تعني شيئاً يخص الواقع لأنها غيرُ مرتبطة بظروف معّينة من زمان أو مكان كما حارب المفكرين الذين يتخبطون علىتخوم النظريات الغيبية ،ووقف مع هؤلاء الذين يمتحون من الواقع وحين تحدّث عن الواقعيين قال: " إنَّ ذلك الذي يُدعى شكسبير أو بلزالك القادر بعد الله على خلق عالم جديد عن طريق القلم - عالم يقوم على تخوم الواقع والأبجدية ..".
ضد الأدب الجاهز:
حمل عمر فاخوري علىالأدب المداجي وأدب القوالب المستعارة والتشابيه الجاهزة لأنه أدب مقلد، أدب مقولات مكررة ،يتزاحم أصحابه بالمناكب في طريق قد سلكهاغيرهم كثيرون....
كمايهاجم الشعراء الذين هم حفظة نصوص بحيث لوقطعت شرايينهم لما أخرجت إلاّ حبراً، ولو مزقّت لحومهم لماأخذت إلاّ ورقاً !! إنه يسخر من الأدب الذي ينهمك في تلفيق المعاني وتزويق المباني ...
انطلق يكتب وينقد بأسلوبه الساخر بحيث صارت السخرية هي الطابع العام لأدبه وكم كانت مقالاته السياسية زاخرة بالنكته وقوة التعبير إلىجانب انطباقهاعلىالواقع الذي يصوره وقد تحدث بعضهم عن التصوير الكاريكاتوري في اسلوبه لكنه يمتازبأنه يحمل قيماً جمالية وشعريةوفكريةلايتسع لهامجال الكاريكاتور .
إنَّ عمر فاخوري الذي آمن بالشعب واكتشف أن في المجتمع حياةً زاخرة، لا تعدُّ حياة أي فرد مهما يكن عظيماً أزاءها شيئاً مذكوراً وأن الجماهير التي تتعب وتكدح لتحقق مطامح وأمالاً وأن لها مُثلاً عليا تتوق إليها وتتطلع نحوها.
وكما آمن بالشعب،آمن كذلك بالأدب الذي يصدر عنه واعتبر أن كنوز الفقراء من الأدب الشعبي هي الجذر لكل الإبداعات وحذر ضعاف النفوس الذي يسوقون بعض الأمثال الشعبية داعين الناس إلى الاستسلام لأن " العين لا تقاوم المخرز" حذرهم قائلاً إن التاريخ قد عرف حواراً يدور بين تلك العين وذلك المخرز ودائماً كان ينبت للعين ظفر وناب.
إن للمبالغة وظيفة فنّية يجب أن تؤديها والأديب الحق هو الذي يتخلّى عن المبالغة إذا كانت تحمل الغرور والصلف والادعاء ولذلك كان من رأيه أن الواقعية هي الحل، والمقصود بالواقعية عنده الواقعية الاشتراكية التي تأخذ الأمور من الواقع في مجرى التطور الدائم والواقعية هذه لا تجافي الرمزية ولا الرومانسية وإن كانت لا تنساق وراء شطحاتها كما لا تذعن فقط للطبيعة ومافيها من جمال ....وقد حدد عناصر الواقعية الاشتراكية بأنها وضع عام واقع يُقدم للأديب المعطيات الخام، وثقافة إيجابية متفتحة على الواقع الحي النامي المتطور، حيث الواقعية الأصلية عنده هي تفاؤل وإيمان بالتقدم الحتمي للجنس البشري ..
ولعل صواب نظرات كاتبنا إلى الواقع ينبع من عمق استيعابه للنظرية العلمية في الطبيعة والفكر والمجتمع التي جعلته يرفض كلَّ نظرة سكونية ،حيث لا ثبات لشيء، وكلُّ شيء يتغير وهذاما طبّقه في تعامله مع القيم والتراث وكلَّ شيء .
إن إيمانه هذاجعله يثبت في المواقف الحرجة التي يئس فيهاالآخرون وارتفع صوته حين خُفضت أكثر الأصوات وتحت عنوان - كلُّ شيء يتغير قال:" حتى النازية التي كان لها لبدة الأسد تغيرت هاقد نبت لها في الصقيع الروسي صوفُ حمل للدفء وفي القيظ الإفريقي، ساقا نعامة للهرب
إن إيمان (عمر فاخوري) بالواقعية، لم يجعله يهمل ذاتية المبدع بل كانت كتاباته كلُّها تنبض بالذات الإبداعية عنده، وأن هذه الكتابات ملكه الشخصي وعليهاماركته المسجلة كما يقول (مارون عبود)(2).
والذاتية هذه عنده لا تعني إهمال الجهد والعمل الدائمين لأن الإبداع عنده حصيلة جهد ومعاناة وإذا فقدهما العمل الفني انقلب إلى حبرٍ وورق لا قيمة له، لأن الأدب استعداد وجهد والاستعداد وحدْه لا يكفي، فلا بُدَّ من جهد دؤوب وصبر طويل ،ذهب عمر فاخوري إلىباريس يدرس الحقوق علىنفقةعمّه في الوقت الذي كان مولعاً بالأدب فاضطر إلىتقسيم وقته كي يرضى نفسه ،ويرضى عمّه يلتهم في النهار الآثار الأدبية وفي المساء يدرس الحقوق حتى نال الشهادة ..وفي هذه الأثناء درس معظم الآثار العالمية الأدبية المعروفة ونال ( أناتول فرانس) (1844-1924) محبّة كاتبنا .
كان من المولعين بشراء الكتب فإذا وجد سعر الكتاب أكثر مماكان يظن هزّ رأسه وقال: لا بأس استعيض عن عشاء الليلة بهذا الكتاب وللدلالة على أهمية الكتاب في حياته نسوق قوله الشهير: " إن الكتب التي طالعتهاهي أعظم حوادث حياتي ".
عمر فاخوري ... رائد تحديث
فتح الباب للتجديد في الفنون عامة والشعر خاصةً حين قال: " ... إن العرب لم تستعمل في نظمها جميع الأوزان وأن الباب مفتوح لموازين أخرى " وقد وجد في تراث العرب مايؤيد نظرته هذه فحين رجع إلىمقدمة ابن خلدون بشأن الموازين وجد قوله: " ليس كل وزن يتفق مع الطبع استعملته العرب ... وحين قارن عمر فاخوري هذا القول مع قوله عن - الموازين الطبيعية - وجد أن ابن خلدون قد فتح الباب على مصراعيه لأوزان غير مستخدمة في الشعرالعربي ويتابع قائلاً " لعل العرب سموها أبحراً لأنها مترامية الأطراف يتصل أحدها بالآخر ويتولد بعضها من بعض إلى مالا يكاد ينتهي .." .
وفي سبيل هذه الحداثة التي يراهالا تقف عن التجديد كان نقده الأدبي الذي لم يوارب ولم يدارِ، فحين يقارن بين جبران وشوقي يرى أنَّ ما يفيض عن جبران يروي بطاح المستقبل، بينماسفح شوقي عبقريته علىهضاب الماضي .
وينقد ( الزهاوي) بأسلوبه التهكمي الساخر مسلطاً الضوء على كتاب للشاعر الزهاوي عنوانه ( أشراكُ الدّاما) اخترع فيه مئة لعبة استنبط لتصويرها طريقةً بالأرقام، وألف الزهاوي (رباعية في الشعر ) واصاب من الشهرة في عصره ما أصاب ولكن هذا لم يمنع من النقد اللاذع، " وإذا كان كثير الاختراع في الداما فهو قليل التوليد في الرباعيات وإذا كان للداما أن تخلد إسماً فهي التي ستخلد اسمه: صاحب المئة اختراع بعد الخمسمئة وسيقال في ترجمته في ذلك الموضع: كان أيضاً ينظم الشعر " .
كان عمر فاخوري أول من ترجم إلى العربية الدراسة الهامة للمستشرق الإيطالي "استيفانو كلوزيو" التي كتبها أواخر القرن التاسع عشر يقارن فيها بين شخصيتي: ابن خلدون وميكافيلي، تحت عنوان "مقدمة لدراسة ابن خلدون "، ساق فيها أوجه الشبه والاختلاف بين الفيلسوفين متوصلاً إلى اعتبار الأول رائداً لعلم جديد كان له قصب السبق في ارتياده ووضع أسسه والمقصود به " علم النقد التاريخي " ويأتي في ذلك قبل قرون من ظهور كل من ميكافيلي ومونتسكيو وفيكو وثلاثتهم فلاسفة أوربيّون اشتغلوا في التاريخ وفي السياسة وعلومها وكانوا رؤساء مدارس في هذه الميادين .
نشرعمر فاخوري ترجمته لهذه الدراسة علىصفحات اسبوعية " الميزان" الثقافية الجامعة في دمشق في أيار عام 1925 كما سبق .
والذي دفع كاتبنا إلى ترجمته هذه الدراسة (3).، القضاياالحيّةالمعاصرة التي اكتشفها هذا المستشرق عند العالم العربي الفذ " ابن خلدون".
وظيفة الأدب
إذا كان العلم لتمكين الإنسان من السيطرة على قوى الطبيعة والاقتصاد لأموره المعاشية والسياسية لأموره الاجتماعية فإن الأدب يختص بهندسةالنفوس البشرية وينطلق لحماية القيم الروحية والضميرالإنساني..فإذا تضافر النضال الروحي مع النضال المادّي أصبحت لقمة العيش قادرة على الارتقاء بالنفس والروح بدل أن تشوههما، يستشهد عمر فاخوري بكلمة للكاتب الفرنسي ( لاسين) جاء فيها: " لا نكتم أن مانجاهد من أجله ليس أسباب معيشتناالمادية فقط، بل اسباب حياتنا الروحية أيضاً ..))
وهُنا يطلب (عمر) من الأدباء أن يقللوا من التبجج برسالاتهم ويكثروامن الحديث عن وظائفهم لأن الأديب كائن اجتماعي له وظيفة تجعله لا يترفع عن الوقائع البسيطة التي تتألف منهاحياة الناس اليومية لأن الأدب الحقيقي يتناول أي موضوع ويبدع فيه فناً رفيعاً .. الجاحظ كان عظيماً في إبداعه من خلال تصوير الشحاذين والبخلاء في عصره ... وإذا كانت حياتنا ذميمة فليكن أدبنا من شهود الاتهام لأن السكوت عن الرذيلة كتمان لها وإغراء بها ..
الفنُّ .. موقف إنساني
هذا ماانطلق منه عمر فاخوري مُستلهماً مقولة " ماركس ": " إن الفن أسمى درجة من درجات الفرح يمكن أن يهبها الإنسان لنفسه " .
وموقفه من إنسانية الفن جعله يعترف بفضل السابقين له، لأن العبقري في رأيه مدين للذّين تقدموه، وأنه بذلك أكثر الناس ديْناً كما أنه أكثرهم غنى ولعله يعبر عن إيمانه هذاحين يقول معترفاً بفضل السابقين: " إن الكتب التي قرأتها هي أعظم حوادث حياتي"، نعم صار أكثر الناس غنى بالأفكار التي تحوّلت عنده إلى عمل لإيمانه بأنه ليس بكافٍ أن نقول بل يجب أن نعمل مانقول، وفي سبيل تحقيق هذا الشعار، قضى حياته معلمّاً ومتعلماً، ولم يقل يوماً - أنني ختمت أووصلتُ - ومن أجل ذلك هجر البرج ونزل إلى الساحة ورأينا من خلال نزوله هذا كيف يسمن الأدب على الواقع وكيف يصبح الأديب رجل فكرٍ ورجل عمل دون أن يتخلى عن فنّية الأسلوب وانطلاق الخيال .. وحطم بذلك الحواجزالوهمية بين المفكر ( المبدع) والجماهير ... إن إيمانه بعظمة من سبقوه جعله سليل الكبار المؤثرين في تاريخنا: ( الجاحظ ،المعري، المتنبي ) كما كان سليل الكبار في الأدب العالمي أمثال فولتير وأناتول فرانس تدور الدعابة الساخرة علىلسانه،ويُعالج أعقد المسائل بأمتع اسلوب وأخطر الموضوعات بابتسامة محَبَّبة .. كما أن روحه المنفتحة جعلته يولع بالجديد دون أن يتنكر للقديم .
الفن موقف، يعني ذلك أن ادّعاء الحياد أمر باطل وكي نحصل على فنان حيادي علينا أن نجرده من العاطفة والإنفعال والشعور ومن يزعم أنه يستطيع الوقوف على الحياد فإنما يقف بالحقيقة.إلى جانب القوى المضادة التي تُعيق التقدم ..وعندما ترفض الحياد فأنت في خضم قضاياالناس .. ومن له مثل إيمان عمر فاخوري فلا يمكن إلاّ أن يكون مع التقدم مع الحياة في تطورها الدائم إلى الأمام وتحملّ في سبيل ذلك الكثير ،قال (مارون عبود) حول هذه النقطة :" لقد وطدت كتب عمر فاخوري إيماني بأن الأديب الأصيل لا يتخلى عن خاصياته حتى في قاع جهّنم .... "
وبسببٍ من حرارة إيمانه بالمبادئ التي وقف عليها حياته، فإن الكثير من آرائه مازال ينبض حيوية وثراءً وكأنها تصّور أحوالنا في يومناهذا . فحين يتحدث عن الطائفية في لبنان يقول بأسلوبه اللاذع: " لقد أتى علينا زمن في لبنان وبين الطائفة والأخرى أو بين أبناء دين وأبناء دين آخر،كالحدود التي تفصل وطناً عن وطن .. كدنا نحتاج إلىجوازات سفر بين الطوائف والأديان ".
وحين يطالب باستقلال لبنان- بدا وكأنه يتحدث عن كثيرٍ من أقطار الوطن العربي الكبير: " لا نريد استقلال لبنان فحسب بل نريد استقلال الشعب اللبناني أيضاً، واستقلال الشعب يعني تحرير جماهيره من كافة ألوان الضغوط .."
وهو الذي كتب منذ عام 1942م بأن الوطن لا يكون سليماً مُعافى إلاّ إذا كان وطن الجماهير، يشعر الناس فيه أنّهم " مواطنون لارعايا "
في ختام هذه الأسطر القليلة عن كاتب مناضل كبير نقول: " ماأحوجنا إلى أمثال - هذا الرجل - الذي عاش بما آمن به، وآمن بما عاش من أجله، الذي عاش ماكتب وكتب ماعاش فصدق مع نفسه وصدق مع الناس وبذلك تكمن روعة نتاجه وعظمة مواقفه واستحق الخلود عند الذين يؤمنون بالفن موقفاً من أجل حياة أجمل.






مراجع
1-عمر فاخوري كتابه الباب المرصود طبع عام 1938.
2-عمر فاخوري كتابه لاهوادة، طبع عام 1942.
3-عمر فاخوري كتابه أديب في السوق 1944
4-عمر فاخوري كتابه الفصول الأربعة.
5-عمر فاخوري كتابه الحقيقة اللبنانية 1945.
6- مجلة الثقافة الوطنية عدد خاص في ذكرى عمر فاخوري العاشرة، تموز - آب، 1956.
7-جوزيف حرب - عمر فاخوري سر الشعب إلى الأدب - بيت الحكمة - بيروت ط 1 تشرين الثاني 1969
8-حنا عبود - المدرسةالواقعية في النقد الأدبي الحديث،طبع وزارة الثقافة 1978.بحث بعنوان عمر فاخوري زعيم الواقعية الجديدة من ص 115 إلى ص 154

هوامش :

1- مارون عبود، جُدد و قدماء - دار الثقافة، بيروت 1954، ص 71.
2- في كتابه جُدد وقدماء ص 187.
3- أعادت صحيفة ( الحياة) في لبنان نشر هذه الدراسة في 22تشرين الثاني 1995 .
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 11 - 2005, 12:25 AM   #7
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304
جــبـــران مـــن روّاد الـــحـــداثـــة

جاء في مقال الدكتور مُحيي الدين صُبحي في تحية للشاعر القروي المنشورة في مجلة (الوحدة) العدد الثاني لشهر تشرين الثاني لعام 1984 ص 106- أن جبران نقل إلى الأدب العربي مرض العصر فابتلى أدبنا بالسوداوية والركاكة وسقط جبران في وحل الطائفية الأقليمية وأساء إلى الأدب من حيث كونه لم يتقيد بقواعد الأجناس الأدبية: الشعر المنثور، قصيدة النثر، القصة الشعرية ..."
والسطور التالية لا تمثل ردّاً على دكتور محيي الدين صبحي بقدر ماتكشف دور جبران في كونه أحد روّاد الحداثة في حياتنا الأدبية الفكرية: لم يكن لجبران خليل جبران الذي امتدت حياته حوالي ثمانية وأربعين عاماً من 1883 إلى 1931م لم يكن له فلسفة محددة الخطوط واضحة المعالم بقدر ماكانت الحياة عنده ثوره وتمرداً كما هي عند الفيلسوف الالماني ( نيتشه) لأن اضطراب الحياة العربية آنذاك من كافة النواحي لم يترك المجال أمام المبدعين ليرسموا معالم فلسفة واضحة أو كي يبدعوا فنّاً يحتاج إلى الاستقرارا ... ولعل وجود هذا السبب هو الذي لم يمكن جبران من أن يصب أشواق روحه في روايات أو قصص قصيرة أو شعر .. وكأنه شعر أن أيّاً من فنون الأدب لا يستطيع استيعاب ثورته وتمرده .. لذلك مارس كتابة القصة القصيرة كما استطاع أن يفهمها في كتابين هما ( عرائس المروج ) و (الأرواح المتمردة) ضمنّهما حملته على الإقطاع والتقاليد البالية، واستغلال بعض رجال الدين، وكشف استغلال اصحاب الأموال لفقراء الفلاحين الأمر الذي جعل جميع المستغلين يناصبون جبران العداء المرير... وكتب جبران الشعر في (المواكب) الذي كان حواراً شعرياً حول أهم مايؤرق الإنسان في حياته مثل: العدل والسعادة والحق والحرية والخير والشر ..كذلك كتب المقال كما عرفه من الغربيين في أيامه في الثلث الأول من القرن العشرين .. وكأن نفس جبران الثائرة رفضت أن تُسجن ضمن خطوط - ولو كانت عريضه لفن أدبي، له ضوابط وتقاليد .. ورّبما لهذا السبب كان أغلب الأدب الجبراني خواطر متناثرة، ومقالات كما في كتابه ( البدائع والطرائف) الذي تحدث فيه عن مفكرين لامعين مثل: ابن سينا والغزالي وابن الفارض وجرجي زيدان ... وغيرهم.
إن نظرة محايدة إلى ما ترك جبران من آثار، تشير إلى أن مرور أكثر من ستين عاماً على وفاته وحوالي أكثر من مئة عام على ولادته لم تغيركثيراً من موقعه كرائد من روّاد الحداثة في حياتناالمعاصرة ..
مثلاً حين يقول: " الحق، الحق أقول لكم: إن حبة الحنطة التي تقع على الأرض إن لم تمت تبقى وحدها وإن ماتت أتت بثمر كثير ..."ولا أعرف نقطة أكثر وضوحاً وثورية- في زمنها- من هذه النقطة تتمحور حولها كلُّ نضالات الثوار الذين يعملون من أجل هذا الوطن العربي في التحرير والتقدّم .. إنّها تشكل محوراً هاماً في حركات المقاومة فوق الأرض العربية المحتلة ..إنها لا تغيب عن وجدان هؤلاء الذين يرون الموت العالي - موت الشهداء - هو بداية الحياة الكريمة المجيدة للشعوب .
جبران ضد الاغتراب ..
نشعر في كثير من الأحيان كأن جبران يعيش بيننا الآن يحذّرنا من الاغتراب الذي يعيشه الكثيرون منا فيتحولون مع هذاالاغتراب إلى صف الأعداء، يقول (جبران): " إن المغترب ليس عدواً واضحاً لمجتمعه ولكنه يقف في صف الأعداء "، ويقول كذلك :" أنت صالح يا صاحبي إذا كنت تشعر بإنسانيتك وكرامتك، وإذا كنت تشعر بأن في حياتك ما تعمله لأن الإنسان الذي يؤمن بهدف ما، يريد الوصول إليه، لا يتطرق اليأس إلى روحه رغم توافه الحياة اليومية التي تقربنا في كثير من الأحيان من حافة اليأس ..".
يحذر جبران من الاغتراب السلبي الذي هو إهدار لقدرات الإنسان الخلاّقة والقضاء علىهذا الاغتراب يكون بالعمل الذي يحقق وجود الإنسان وحريته . إن جبران هوالقائل: " ((لا تصّدق أن الدهر يرفعك أويخفضك فمصيرك بين يديك، لا تتكل على الأماني فهي بضاعة الموتى..".
الحياة: أخذ وعطاء
إن جبران الذي رحل عن دنيانا منذ أكثر من ستين عاماً مازال يعلمنا أن روعة الحياة تكمن في الأخذ والعطاء، هكذا تعلمنا الحقول: " إن لذة النحلة قائمة على امتصاص العسل من الزهرة ولذة الزهرة تكون بتقديم عسلها للنحلة .. النحلة تعتقد أن الزهرة تؤمن أنّها رسول المحبة، كلتاهما تؤمنان أن العطاء والأخذ حاجتان لا غنى عنهما لمن يُريد أن يعيش سعيداً ولذة العطاء لا تقل إسعاداً عن لذة الأخذ، إن لم تتفوق عليها ...".
إن القراءة المحايدة تظهر أن جبران مرتبط بأرضه وأن افتتانه بالغرب وما فيه من أفكار وخاصة نيتشه في كتابه " هكذا تكلم زرادشت" لم ينسه حُبَّه لوطنه فعلى سبيل المثال كان النبي الذي اختاره كي ينطق باسمه، ويحمل أفكاره عربياً سمّاه (المصطفى) وكذلك إخلاصه لوطنه يتجلى من خلال حديثه عن الريف الذي ولد فيه، يقول جبران: " سرنا مع تيار المدنية حتى نسيناأو تناسينا فلسفة الحياةالجميلة البسيطة المملوءة طهراً ونقاوة، تلك الحياة التي إذا ما تأملناها صيرناها مبتسمة في الربيع مُثقلة في الصّيف مستقلة في الخريف مرتاحة في الشتاء، نحن أكثر من القرويين مالاً وهم أشرف منا نفوساً، نحن نشرب كأس الحياة ممزوجة بمرارة الخوف واليأس والملل وهم يرشفونها صافيةً ..، قال جبران ذلك على الرغم من أنه كان مجبراً على الرحيل من وطنه كي يعيش .. ومع ذلك يرى أن البُعد عن الأرض يقود إلى الموت المعنوي إن لم يكن الموت المادي وهذا مفهوم مبكر نفذت إليه بصيرة جبران ليصبح بعد نصف قرن من رحيله عن هذا العالم، أحد الهموم التي تؤرق كبار المبدعين في وطننا العربي .. كان الارتباط بالأرض هوالحرية .. والابتعاد عنها هوالموت - محور رائعة غسان كنفاني الروائية (رجال في الشمس) كما كانت الفكرة نفسُها هي محور عمل جبرا ابرهيم جبرا الروائي(السفينة) وهي كذلك محور المسرحية الغنائية(غربة) التي شارك في كتابتها محمد الماغوط، وعبارة جبران التي تلخص موقفه من هذه القضية الهامة تقول: "ولهذا أنا غريب وسأبقى غريباً حتى تخطفني المنايا وتحملني إلى وطني".
في كثير من الأحيان نشعر كأن جبران يعيش بيننا وكأن هذاالفكر القادر على السفر نحوالمستقبل ليضيء لناالدرب نحن الذين نعيش الآن نقول: وكأن هذا الفكر ليس لأنسان نتذكره بعد حوالي ستين عاماً من وفاته .. وإذا صادف أن احتفلنا بمرور ستين عاماً على ولادة أحد المفكرين ممّن يعيشون بيننا فهل نجد عنده من الأفكار المضيئة مثل ما يمكن أن نجده عند جبران؟!.
جبران يدافع عن الفكر العربي:
إن أحد الهموم التي تشغل بال المفكرين العرب التقدميين اليوم - أواخر القرن العشرين- هو رفض النظرية الاستشراقية التي نشأت في ظل الاستعمار والتي تحرم العرب أوتستكثر عليهم الإسهام ولو قليلاً بالحضارة الإنسانية ..وكأن بصيرة جبران تأبى إلاّ أن تُسهم في الردّ على هذه الافتراءات حين يؤكد أن الحضارة العربية جزء مهم وإسهام فعّال في الحضارة الإنسانية، وحين يؤكد أن الفكر العربي مكمّل للفكر اليوناني وهو في الوقت نفسه حلقة ذهبية ربطت بين فلسفات الشرق المثالية وفلسفات الغرب المادية ويرى أن(ابن سينا) يجمع في قصيدة واحدة عن( النفس)ماقاله شكسبير، وتشلى، وغوته وغيرهم..
وإذاكانت بعض الكتب الهامة اليوم مثل كتاب " النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية " للدكتور حسين مروة"، تحاول إثبات أن الشرق ومنه الوطن العربي ليس متخلفاً بطبيعة تكوينه العقلي والنفسي وإنما يعود ذلك إلى ظروف اجتماعية اقتصادية لها اسبابهاالمختلفة ..فإن جبران قد قال ذلك منذ مطلع هذا القرن " ليس الشرقي أرقى من الغربي ولا الشرقي أحطّ من الغربي ".. وإنما رُقي الإنسان وانحطاطه رهنٌ بالظروف الاجتماعية والاقتصادية حوله، وإذا كان العبد الذي يعلم حالة استعباده ويناضل ضدها هو إنسان ثوري كما يقول ( لينين ) فإن جبران غير بعيد عن هذا الثوري حين شعر أن أبالسة الخمول تقود مواطنيه وقيود العبودية تتمسك بأقدامهم .. فحاول أن يُضيء درب التمرد والثورة.
جبران .. الواقعي:
حين يقول جبران عن ( ابن سينا) - تلميذ أرسطو- إنه أدنى إلى مُعتقدي وأقرب إلىميولي، فإنه بذلك يحدد موقعه إلىجانب الفكر المرتبط بالواقع والذي يتعامل مع الواقع تعاملاً علمياً. وهذا - حسب ظنّي - هو ماقاد جبران إلى أن يرتضي الفقر قناعةً، ويتمرد عليه ظلماً لأن الفقر والظلم ليسا قدرين من السماء.
كما كان علمياً واقعياً عندما آمن بقدرة الإنسان علىالمواجهة مهما اشتدّ الظلام حوله، وعليه ألاّ يبقى في مواقفه السلبية مهما اشتدّ ضغط الظروف يقول: " كنا نشكو الدهر وصرنا نواجهه، كنا نخاف العواصف وصرنا نقصدها.. كنا نخضع للملوك والأصنام وصرنا لا نعبد إلاّ الحب، كنا فكراً صامتاً وصرنا صوتاً...".
وحين ينهي كتابه " يسوع بن الإنسان " بصوت ( يوحنا) الذي امتزجت فيه المعرفة بالعزم.. ينهي هذا الكتاب بكلمة " إنه النضال لاغير" يكون جبران قد جدد لنا مُنذ بداية هذا القرن الطريق نحو التقدم الحقيقي .
هذا بعض مما قدّمه جبران الذي بقي حائراً بين التصوير (الرسم) والكتابة إلى أن التقى في باريس المثال العظيم (رودان) في مرسمه وقد تحدث إلى جبران عن الفنان الشاعر ( وليم بليك) الذي أخذ الشعروسيلةً يُعبّر فيها عن رسومه ... وخرج جبران بعد هذا اللقاء والدنيا تتسع أمامه، يهتف :" لا تردّدَ بعد اليوم.."!.
وقد جعل من ( وليم بليك) قدوة له، وبدءاً من هذا اللقاء سوف يكتب ويرسم حتى صار جبران الذي نعرفه، جاء الدرس إلى من يحب العمل حتى العبادة .." أحب العمل .. ولا أدع دقيقة من وقتي تمر بلا عمل، إن الأيام التي تكون فيها نفسي راقدة وفكرتي خاملة، هي عندي أمرُّ من العلقم واشد قسوة من أنياب الذئاب..".
إن العمل عند جبران مقياس لإنسانية الإنسان ومن أجل العمل قدّس العزيمة الجبارة التي تقهرمصاعب الحياة لتصل إلىالهدف الذي يعيش من أجله .."، يقول :" أنا فرح بوجود المصاعب في حياتي لأني أريد أن أتغلّب عليها،إذ لولا المصاعب لماوجد الجهاد والعمل ولكانت الحياة باردة قفراء ممّلة .. وقد كتب ذات يوم إلى (مي زيادة)، " أنابركان صغير، سُدّت فوهته، فلو تمكنت من كتابة شيء جميل أو كبير لشفيت تماماً .. إن ما فعلته لاشيء..."
هذا ما يقوله جبران عن نفسه شأن الكبار الذين يصيرون كباراً وهم يصنعون أنفسهم بالإرادة والعزم .. ولا يرضون عما قدّموه لأنهم دائماً ينظرون إلى الأسمى والأرفع.
يمكن القول إن كتاب (النبي‎) هو عصارة حياة(جبران خليل جبران)، كما هو عصارة فكره إذ قد أعاد كتابته خمس مرات في خمس سنوات متواليات قبل أن يوضع في يد النشر كما تقول (بربارة نييبح) عن تاريخ الكتاب.
إن جبران كان من القلة النادرة التي تسبق زمانها ،لتأخذ علىعاتقهاكشف الحقيقة وتعريتها من كل زيف ،ولذلك يجوز لنا أن نقول: إن جبران كان أول العرب المعاصرين الذين اخترقوا بإبداعهم المحلية إلى نطاق عالمي رحب،حتى غدت شهرة جبران العالمية تفوق شهرته في وطنه العربي الكبير ..
و( نبيُّ ) جبران مثال رائع في الحنين إلى الوطن، لأن محبة الذين حوله في بلاد الإغتراب -وتأثرهم به لم تخفف عنده عزم العودة إلى وطنه وكان لابد لهذه المحبة أن تبوح أمام عزم العودة إلى الوطن قائلة:" إن محبّتنا لا تقيدك وحاجتنا إليك لا تمسك بك، ولكنَّا نطلب إليك أن تعطينا من الحق الذي عندك لنعطيه لأولادنا، وأولادنا لأحفادهم... ".
وعندئذ بدأ المعلم يلقن حكمه الشرق كما استوعبتها ذاته إلى أبناء الغرب ،وكان الدرس الأول عن المحبة ذات المسالك الصّعبة، لأن المحبة تطهرنا بنيرانها، وتستأصل الفاسد من ذواتنا المحبة تغربلنا كي نتحرر من القشور وتطحننا كي تجعلنا أنقياء كالثلج، ويقود الحديث عن المحبة إلى الحديث عن الأبناء الذين من وحي محبّته لهم قال يخاطب الآباء:"...إنكم تستطيعون أن تمنحوا أولادكم المحبة ولكن لا تستطيعون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم، لأن لهم أفكاراً خاصة بهم،إن في طاقتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادهم ولكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم، لأنها تقطن في مساكن الغد ولكم أن تجاهدوا كي تصيروامثلهم ولكن عبثاً تحاولون أن تجعلوهم مثلكم، لأن الحياة لا ترجع إلى الوراء ،ولا تلذّ لها الإقامة في منازل الأمس.." إن جبران بهذا المفهوم المبكر لعلاقة الأجيال - أوصراع الأجيال - كما يحلو لبعضهم أن يقول- يضعُ الأولوية للمستقبل ،ولم يكُن كبعض الذين عاصروه أو جاؤوا بعده يمشي إلى الأمام ووجهه - فكره- إلى الخلف .. إنه كان يعيش حاضره لينطلق منه إلىالمستقبل ذلك المستقبل الذي هوالشّغل الشاغل للمفكرين منذ القرن التاسع عشر.
كان كتاب ( النبي) صرخة احتجاج ضد عالم يملؤه الشروكانت الكلمة فيه إحدى رسائل جبران لتخليص البشرية من الشر المتجذر في حاضرها .. كان (النبي) رسالةإلىالإنسانية جمعاء قبل أن يكون عاصفة تجتاح الغرب كما يقول ( روزفلت) وليس غريباً أن يكون هذا الكتاب من أروع ماترك (جبران) لأنه تحدث فيه عن علاقة الإنسان بالإنسان وهو الأمر الذي كان ومازال يشغل بال عباقرة البشرية منذ أول الزمان، وإذا كان كمايقال قد تأثر بكتاب ( هكذا تكلم زرادشت) للفيلسوف الألماني (نيتشه)، فإن تأثره لا يعدو أن يكون اقتباساً لطريقته في مُخاطبة الآخرين،فكما أن (نيتشه) جعل من (زرادشت) وهو نبي ينطق بافكاره ،فإن جبران جعل من المصطفى لساناً ينطق من خلاله ليحدّث الآخرين، وفيما عدا ذلك كان كتاب ( النبي ) نتيجة معاناة طويلة وفلسفة اعتمدت على الحب الطاهر، بخلاف فلسفة نيتشه المبنية على العُنف، والتي كانت أساساً لكثير من الأفكار العنصرية وكان يعيبُ جبران لوأنه وقع تحت سطوة أفكار نيتشه مثلما وقع تحت سطوة بعض أساليبه ويمكن القول بعبارة أخرى، إن جبران في ( النبي) معلِّم يستخدم قالب نيتشه على طريقته الخاصة وبأسلوبه الخاص كمايقول دكتور ( ثروت عكاشة) مُترجم كتاب ( النبي) عن الإنجليزية إلى العربية، وأراد جبران لمضمون كتابه أن يتوافق مع اسمه (النبي) فحرص على أن يرتفع بأسلوبه، ليكون التأثر أبلغ واسرع فانتقى التشابيه وأبدع الإستعارات فجاء أسلوبه قريباً من الحكم المسبوكة لمعرفته أنها أعمق أثراً من الجمل الطويلة التي تأتي عفو الخاطر ،بحيث يمكن اعتبار ( نبي) جبران خطوة رائدة انطلقت منها الحداثة في العديد من المجالات وخاصة ( قصيدة النثر) النامية في أدبنا العربي الحديث ،وفي هذا الكتاب تحدث جبران عن كثير من الأمور التي تهم الإنسان في علاقته بأخيه الإنسان - كماسبق أن قلنا- قال المصطفى يخاطب البحر: " سيدور هذا الجدول دورة ومن بعدها سآتيك قطرة لاتحدّ إلىمحيط لا يحدّ "، وفي كلمته الأخيرة لأهل ( أورفليس) يقول: " عما قليل بعد هجعة قصيرة على أجنحة الريح ستحبل بي امرأة أخرى " ولعله يريد أن يقول في هذا الكلام، انه سيكون بداية لمن سوف يأتي بعده ويكمل رسالته وأنه سوف يبعث في فكر كلِّ ثائر متمرد يقول: " الحق .. الحقّ أقول لكم أن حبة الحنطة التي تقع علىالأرض إن لم تمت فإنها تبقى وحدها وإن ماتت أتت بثمر كثير " ألا يريد أن يقول " إنَّك إذا أفنيت نفسك في المجتمع تحولت إلى قوة هائلة تماماً مثل حبة القمح التي تفنى في الأرض لتعود سنابل فيها الحب الكثير .. وما أروع بصيرة جبران التي نفذت إلى المستقبل في الربع الأول من هذا القرن العشرين- فرأت الناس " يتحولون في المدن الكبيرة مع الأيام إلى فاقدي الإرادة ،إنهم يحترقون في أتون الحياة الضاري "، لأنه في المدينة تتباعد قلوب الناس رغم قصر المسافات بينهم ...."
وعندما يتحدث جبران عن اللذة أومايمكن أن نسميه السعادة يجدها في أن نعمل ونفتش ونتعب لأننا نجد في ذلك العمل اللذة المنشودة ،ونجد معها سبع شقيقات أحقرهن أوفر جمالاً من اللذة .. أي أن جبران يدعونا إلىالعمل والبحث لأنه يشبع فيناالشوق إلى السعادة والطموح إلى المعرفةكما يعلمناأن السعادة في الحياة قائمة على الأخذ والعطاء ...
ومن الحقول نتعلم أن لذة النحلة قائمة علىامتصاص العسل من الزهرة ولكن لذّة الزهرة أيضاً تكون بتقديم عسلها ... والنحلة تعتقد أن الزهرة ينبوع الحياة والزهرة تؤمن أن النحلة رسول المحبة، والزهرة والنحلة كلتاهما تعتقد أن الأخذ والعطاء حاجتان لابدّ منهما في الحياة وسعادة لا غنى للحياة عنهما ..
وهنا نلمس واقعية جبران التي كانت السبب في بقائه حيّاً نابضاً بالجديد، بينما أكل الزمن مُعْظم معاصريه، تلك الواقعية التي ترى أن الحياة عمل دائم نحو التقدم وأن السعادة فيها قائمة علىتبادل المنفعة فمثلما تحتاج الحياة للزهرة تحتاج كذلك للنّحلة، وأن عمل الإسكافي الذي يصنع الأحذية لا يقل شأناً عن عمل الفنان الذي ينحتُ الرخام ليجعل منه النماذج الفنّية وأن الريح لا تخاطب السنديانه الجبارة بغير اللهجة التي تخاطب بها أقصر أعشاب الأرض .. هذه حكمة الطبيعة التي هي عند جبران المعلم الأكبر، وتجلت روعة جبران عندما تحدث عن الجمال على أنه شيء نسبي وليس شيئاً مُطلقاً فالجمال عند الحزين رقّة ولطف وعند الغضوب قوّة وبطش وعند الحارس بزوغ الفجر وعند العامل يطل من نوافذ الغروب وهو في ذلك يختلف عن ( نيتشه) الذي يريد في كتابه الآنف الذكر خلق الإنسان المتفوق جباراً كشمشون وشاعراً كداود.وحكيماً كسليمان - الإنسان السوبرمان - فهو بذلك يكلّف الطبيعة ما لا طاقة لها عليه - كما قيل.
وعندما يحدثنا جبران عن العطاء يلمس حقيقةً إنسانية رافقت البشر منذ بداية الحياة يسأل: أليس الخوف من الحاجة هو الحاجة بعينها؟ أليس الظمأ الشديد للماء عندما تكون البئر مليئة هو الظمأ الذي لا يرتوي؟... إنه يرى أن رغبة الكثيرين في الشهرة تضيع الفائدة من عطاياهم ؟ ومن الناس الذي يُعطي كما يُعطي الريحان عبيره في الوادي،وهؤلاء هم الذين يؤمنون بالحياة وسخاء الحياة، وهم الذين لاتفرغ صناديقهم وخزائنهم ملأى دائماً ..
وإذا كنا لا بدّ أن نستخدم في المأكل والمشرب لبن الحيوانات ولحومها فليكن ذلك أكثر نقاوة ونبلاً في الأعماق، وكأنه في كتابه ( النبي) يسأل السؤال الذي طرحه (زوربا اليوناني) وهو يتحدث بعفوية: " قل لي ماذا تفعل بالطعام الذي تأكله أقل لك من أنت ؟
ولا تختلف نظرة جبران إلى العمل عن نظرة أكثر أبناء الإنسانيةعطفاً عليها وذلك حين يرى أن الكسول غريب عن فصول الأرض وطبيعة الحياة، فالعمل يجعل الإنسان مزماراً تنطلق منه موسيقى الحياة .. يقول: " العمل .. أقول لكم يفتح قلوبكم بالحقيقة - لمحّبة الحياة لأن من أحب الحياة بالعمل تفتح له الحياة أعماقها وتدنيه من أبعد اسرارها ولا شيء يغسل كآبة الحياة ويطهر النفس سوى السعي .. إن الحياة حالكة سوداء إذا لم ترافقهاالحركة، والحركة عمياء إذا لم ترافقهاالمعرفة والمعرفةعقيمة إذا لم يرافقها العمل وهذا يكون باطلاً إذا لم يقترن بالمحبة .. وحب العمل يعني أن تبني وكأنك أنت الذي سوف تسكن فيما تبني وكذلك حين تنسج، الحب هو أن تودع كل عمل من أعمالك نسمة من روحك وإذا خلا عملك من المحبة فإنه لا يُشبع سوى نصف مجاعة الإنسان ".
وتتجلى واقعية جبران كذلك عندمايرى أن الفرح والحزن لازمان للحياة ،لزوم النور للشمس ،والعطر للورد وأنه لولا تغلغل وحش الحزن في قلوبنا لما تضاعف الفرح في أعماقها " لأن الكأس الي تحفظ خمرتكم هي نفس الكأس التي احترقت في أتون الخزّاف ..".
وحين يتحدث عن البيوت يطلب من الناس أن يخبروه بماذايحتفظون في بيوتهم هذه؟ هل عندهم الجمال الذي يرقى بالقلب الإنساني ؟ هل عندهم الرفاهية فقط الممزوجة بالطمع؟ الرفاهية التي تدخل البيت ضيفاً ثم لا تلبث أن تصير مُضيفاً فسيّداً عاتياً عنيفاً ؟! ثم تتحول إلى رائض جياد يتقلد السوط بيمينه، والكلاب بيساره متخذاً رغباته المفضّلة ألعوبة يتلهى بها ... وإن كان بنان الرفاهية حريري فإن قلبها حديدي صلب، إن التحرق للرفاهية ينحر أهواء النفس في كيدهافيرديها قتيلة ..
ولا أعرف إن كان غيرُ جبران يستطيع أن يعبّرعما نعانية اليوم من رفاهية مستوردة نمارسها تقليداً بحيث قضت علىما يمكن أن يكون في دواخلنا من إمكانات قادرة علىالعطاء والإبداع، لإن هدف الكثيرين منا في حياته أصبح تأمين أكبر قدر من الرفاهية على حساب ذلك الجانب الذي افتقدناه.
ويبدو أن جبران في كتابه ( النبي) يريد أن يقطر حكمة الحياة في سطور قليلة وهذا من طبع الكبار الذين تنفُذ بصيرتهم إلىالمستقبل البعيد، حيث تبقى كلماتهم جديدة الطعم تنبض بالحياة، تتحدى طوفان الزمن ،تبقى كلماتهم طازجة وكأن قائلهافرغ لتوّه من كتابتها ... ولقد صدق مًنْ قال: " إذا كنت تخاف أن تفكر فأجدر بك ألاّ تقرأ جبران الذي أثبتت الأيام أنه وإن كان حدثاً في العمر فإنه شيخ في تقطير حكم الحياة في كلمات.



المراجع والمصادر:

1-المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران، قدّم لها وأشرف على تنسيقها ميخائيل نعيمة - مكتبة صادر - بيروت 1955.
2- النبي - ترجمة ميخائيل نعيمة - مطبعة المناهل - بيروت - 1956.
3- ميخائيل نعيمة - جبران خليل جبران: حياته، أدبه، فنه، دار بيروت ودار صادر، الطبعة الأولى، بيروت1934.
4- جبران خليل جبران وآخرون - بلاغة العرب في المهجر، مكتبة صادر، بيروت 1949.
5- " الوحدة " مجلة - العدد الثاني - تشرين الثاني عام 1984 - مقال الدكتور محيي الدين صبحي، تحية للشاعر القروي .
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 11 - 2005, 12:28 AM   #8
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304
الدكتور مـــحــمـد مـنـدور (1907 - 1965)

" معارك من أجل: الأدب للحياة!! "


إن المتابع لحركة الثقافة العربيةعامة والنقد الأدبي خاصة لابدّ سمع عن الدكتور محمد مندور أو قرأ عنه أو قرأ له ،فهو منذ بداية أربعينيات القرن العشرين وحتى منتصف الستينيات منه كان دائم الحضور في معظم جوانب الثقافة العربية، ويختلف الأمر بين أن نعرف ( مندور) من كتبه وكتاباته وبين أن نتعرّف عليه مشاركاً فاعلاً إذ كان لا يغيب عن مسرحية تعرض أو فيلم جاد أومناقشة لعمل إبداعي ظهر حديثاً في الشعر أو الرواية أو القصة القصيرة أو النقد ... كان دائم الحضور كما كان دائم الكتابة والتواصل مع الناس بحيث كان القُراء المتابعون ينتظرون صباح كل يوم الصحف التي كان ( مندور) يكتب فيهاإذ تعوّد منه الناس أن يكتب عن المسرحية التي تعرض أوالكتاب الذي يصدر أو عن موهبة جديدة واعية تحاول أن تبدأ .. وإذا لم يكن الأمر كذلك فالدكتور مندور يشترك في معركة ثقافية أو سياسية تحت غطاء ثقافي لأنه أحد المؤمنين بأن الشعوب في بداية نهضتها كما في الوطن العربي - تتعلم من الفن ونقده أضعاف ماتتعلمه بتعميق من السياسة والفلسفة كما كان أيضاً أحد الذين يؤمنون- المعرفة العلمية وتأصيل المنهج العلمي ،عن طريق الفنون والآداب ومن أجل هذاوذاك خاض ( مندور) معارك متعددة الجوانب إلى آخر حياته، ومن المعروف عنه أنه قال لأحد أصدقائه قبل موته بساعات: " ياأخي إلبس دروعك وتأهب لنخرج سوّياً في غزوة جديدة عظيمة ،ولنطلب هذه المرة الملك (ميداس) نفسه ذا الجعارين الذهبية الكثيرة ..." فقال صاحبه: عوفيت لكل شيء أوان اصبر حتى تسترد قواك ..".
حين غاب الرجال وشجاعتهم انتشرت أسراب الخفافيش وجيوش الهوام وخسيس الحشرات بقيادة الملك (ميداس)، تخرب المجتمع العربي توضع نقطة هذا العدو الذي يدعو ( مندور) لقتاله، هو الرجعية التي قضى أنفاسه الأخيرة في 19 أيار ( مايو) عام 1965.، وهو يحاربها. كان أهمُّ ما في حياته محاربة الرجعية: رجعية الفكر - رجعية السياسة، ورجعية السلوك .. وبذلك كانت حياة هذا الرجل فصلاً من كتاب الحرية العظيم في مصر الشقيقة خاصة والوطن العربي الكبير عامة، ذلك الكتاب الذي بدأ فصوله الأولى أمثال محمد عبده، قاسم أمين، طه حسين، علي عبد الرازق .. وغيرهم من هذه الكوكبة الرائدة من أنصار التقدم والحياة ..
إن معارك( مندور) اليوميةالساخنةتدعوك لمتابعته فيما يكتب وهذه تدعوك لمتابعة ماكتب في السابق، فمقالات الرجل تقود إلى كتبه وكتبه تقودك إلى الرجل فيه، وترحل مع أفكاره لتجد أنه حين ينظر إلى الجيل السابق لجيله، يجد أن هذاالجيل نجح في شيء وأخفق في اشياء، وأكبر ظواهر الإخفاق في نظره خضوع ذلك الجيل لضغظ الهيئة الاجتماعية ويعترف أن امتداد الزمن بحياة المرء كثيراً ما ينتهي به إلى الصلح مع الحياة، يقول: إن طول العمر كثيراً ماينتهي بنا إلىالصلح مع الحياة لأن الشيوخ عادة أكثر رضىً وتفاؤلاً من الشبان الساخطين المتشائمين..
لهذا يدعو ( مندور ) أبناء جيله إلى التقاط الأسلحة التي ألقاها " سابقونا وأن نناضل لحرية الرأي وكرامة الفكر البشري وتقديس حقوقه غير باغين ولا معتدين ...".
وكان يرى أن نجاح أبناء جيله كان أوضح ما يكون في المجال الفني حين انتقلوا بالنثر العربي الحديث بل وبالشعر في السنوات الأخيرة من اللفظ العقيم إلى التعبير المباشر، من الصنّعة إلى الحياة من ( حديث عيسى بن هشام ) إلى " دعاء الكروان " ( ص 9الميزان الجديد)....وهذا ماجعل ( مندور) يواصل دعوته إلى أن نستبدل بقوةاللفظة قوة الروح ونفوذه .. والابتعاد عن الصنعة بأشكالها المختلفة، صنعة اللفظ وصنعة التركيب، ويدعو إلى الإهتمام بتفاصيل الحياة العادية أو كماسماه هو ( فُتات الحياة) والاحتفال بالتفاصيل الحيّة(2).
ومن أجل ذلك كانت كتب ( مندور) بدءاً من كتابه النقدي الرائد ( في الميزان الجديد) الذي وضع فيه أفكاره النقدية حول الهمس في الشعر ووقوفه إلى جانب " أدب المهجر " وذلك محاولة منه إدخال الأدب العربي الحديث في تيارات الأدب العالمية، من حيث موضوعاته ووسائله ومناهج دراسته ،كماحاول في هذا الكتاب أن يبين أن الذوق ليس معناه النزوات التحكمية وأن جانباً كبيراً منه ماهو إلاّ رواسب عقلية وشعورية نستطيع إبرازها إلىالضوء وتعليلها( كمايقول ص5 من مقدمة الكتاب المذكور).
وبذلك يصبح الذوق وسيلة مشروعة من وسائل المعرفةالتي تصح لدى الغير ،كما يعرّفنا أن بعض النّقاد العرب القُدامى من أمثال ( الآمدي) و(الجرجاني) قد سبقه إلى هذه الحقيقة الأمر الذي حاول إثباته في كتابه الممتاز "النقد المنهجي عند العرب " الذي درس فيه التراث النقدي العربي على ضوء نظرته النقدية،
وتابع مندور إصدار الكتب فصدر له كتاب ( في الأدب و النقد )، (النقد والنقاد المعاصرون) - ( مسرح شوقي) ،( مسرح الحكيم) ..
ولد (محمد مندور) عام 1907 في محافظة الشرقية - جمهورية مصر العربية لوالد يقرأ ولا يستطيع الكتابة من أتباع المذهب الصوفي النقشبندي الذي يعني النقش على القلب ).
تعلم في مدرسة ابتدائية تبعد عن قريته ستة كيلومترات يقطعها يومياً سيراً على الأقدام، وكانت المدرسة أشبه بالسجن لأن المدير يضرب طلابه بمنتهى القسوة التي شلت من شدة الخوف ملكات طلابه .
قامت ثورة 1919 و( مندور) طالب في ( منيا القمح) وشاهد ذات خميس مظاهرة يقودها ( البيطار) الذي يْصنع حدوات الخيول .. كانت جموع الفلاّحين تسير وراء ( البيطار) هاتفة ضد الإنجليز .. وفجأة خرج من مركز هناك إثناعشر جندياً بريطانياً، حموا ظهورهم بالحائط ونصبوا مدافعهم الرشاشة واستقبلوا المتظاهرين العزّل برصاص استشهد معه (150) عاملاً وفلاحاً وفي طليعتهم ( البيطار) قائد المظاهرة الذي يتذكر مندور، أنه رآه يركض نحو تُرعة الماء ليبرد النار التي أحرقت جسدّه حين أخترقه الرصاص ،وكثيرون فعلوا مثله وحملت مياه الترعة الجثث إلى قناطر الزقازيق.
إن ( مندور) من أوائل الذي أخذوا من الديمقراطية فكرة الحرية ومن الاشتراكية فكرة تدخل الدولة في وسائل الإنتاج كي يتحقق ما نادى به الديمقراطية الاشتراكية أوالديمقراطية الاجتماعية كما كان يُسّميها رافضاً الديمقراطية الحرة - الغربية- لأنها صورة مفرغة من كل مضمون اجتماعي، ولأن هذه الديمقراطية الفارغة لا تتحدث عن الفقر حين تتحدث عن الحرية - وهو أكبر عوامل العبودية.
هاجم مندورثقافة النّخبةالتي ترى أن الثقافة( ترف) والعقل عنده لا يعرف الترف، بل هو جهد مثل كل جهد آخر يبذله الإنسان،ولا يقل أثره نفعاً ولا ضرراً عن إي إنتاج مادي .
ومنذ عام 1944 طالب مندور بتوحيد القوانين في مصر كما طالب بتوحيد القضاء مستنكراً أن يمتد التشريع إلى ضمير الإنسان وعقيدته الفردية ،كما طالب بأن تبنى القوانين على أساس وضعي اجتماعي.
وكان من أجهر الناس صوتاً في هذه الدعوات التي كان حافزه لتطبيقها، إيمانه بكرامة الإنسان .
أثمرت هذه الدعوات - بعد عشرين عاماً - أي في ستينيات القرن العشرين، مبدأ توحيد القضاء في مصر العربية .
ماذا تعلَّمت من طه جسين؟؟:
يقول (مندور)،" يخيل إلي أنني تعلمت من الكتب أكثر مما تعلمت من أشخاص و أنني استفدت من عدد من الموتى القدماء أكثر مما استفدت من الأحياء الذين عاصرتهم وتتلمذت عليهم ومع ذلك فقد أفادني هؤلاء الأساتذة الفائدة الكبرى بأن وجهني كلٌّ منهم إلىناحية من نواحي الثقافة ودّلني على منابعها ،ومكنني من تذوق ثمارها وكان أداة الوصل بيني وبين أولئك الكبار القدماء الذين اغترف من معينهم..".
أنا شديد الغيرة على كبريائي أرفض دائماً أن تمسّ أو أن تفنى في كبرياء غيري، ومع ذلك فأنني اعتقد أن الدكتور طه حسين قد كان له أعظم الأثر في توجيهي وذلك لأنني كنتُ عندئذٍ لا أزال متردداً تردداً شديداً بين وحي البيئة وهوى النفس واستعدادها فبيئتي كانت توحي إليّ بأن أدرس القانون لكي أتخرج وكيلاً للنائب العام يهرول أمامه، الخفراء وجند البوليس بل والعمدة نفسه.
بينما كان السباعي وهاشم ( مدرسا اللغة العربيةفي المرحلة الثانوية) غرسا في نفسي حب الأدب وتذوقه وجاء طه حسين فحل هذا الصراع الكامن في نفسي بأن أتاح لي الالتحاق بالكليتين معاً بعد أن أحسَّ باستعدادي الأدبي وعنادي الريفي.. وانّني أحمد اليوم هذا الاستعداد وهذا العناد الريفي معاً وذلك لأنه إذا كانت دراسة الأدب والتخصص فيه قد نمت استعدادي وصقلت ذوقي ووسعّت من ثقافتي الأدبية فأن دراسة القانون قد وقتني شرّ البوهيمية العقلية في الأدب ونقده وعودتني الدقة والوضوح والتنظيم والنظام العقلي فيما أعالج من شؤون الأدب والثقافة الأدبية...
ولم يقف تأثير طه حسين في حياتي عند هذا التوجيه الحاسم في مستهل تكويني الثقافي، بل ظل يُلاحقني تأثيرهُ سنين طويلة في اتجاهات ثلاثة بالغة الخطورة:
الاتجاه الأول: فقد كان نحو التحرر الفكري والثقة بالنفس وكان هذا أول وأهم درس أخلاقي تعلّمته من " طه حسين".
أما الدرس الثاني الذي تلقيته عن هذا الأستاذ الكبير فقد كان التوجيه نحو الآداب الأجنبية الكبيرة وبخاصة الأدبين اليوناني القديم، والفرنسي..
وما من شك أنه لولا توجيه طه حسين لما استطعت أن أكتب بعد عودتي عند بدء الحرب العالمية الثانية رسالتي عن النقد العربي القديم وتاريخه وهي الرسالة التي نشرتها بعدئذٍ بعنوان ( النقد المنهجي عند العرب) واعتبرها من أمهات كتبي.. بل لولا هذا التوجيه لما استطعت أن أؤدي الرسالة العامة التي أديتها في مجال النقد العربي.
أما الدرس الثالث الذي تعلمته من طه حسين، فهو قدرته على شرح النصوص العربية القديمة وحسن تذوقّها...
النقد عند (مندور) .. إبداع :
كان إبداع مندور في النقد نابعاً من نظرته إلى أن النقد الحقيقي هو إبداع، لأننا " سيّان أن نحسّ ونفكرونعبّر بمناسبة كتاب أو بمناسبة حادثة أومشهد إنساني ..وكل تفكير لابّد له من مثير"(4).وهدف النقد عند(مندور)يتركز في أمرين أولهما:
أن يكون الناقد هادياً لجمهور القراء يسبقهم إلى قراءة ما يقع تحت يده من الكتب، فأن وجد فيها خيراً أظهره ودعا غيره إلى مشاطرته إيّاه، وإن لم يجد فيه شيئاً حدّث القراء عن تجربته لعلّها تفيد.
ثانيهما: أن يكون الناقد عوناً للكاتب الجديد على أن يؤدي رسالته لدى الجمهور سواء، أكان هذا الكاتب ناشئاً، ينبعث منه الأمل أم منتهياً قد وفق إلى أمر يخلف على رمال الزمن وقع أقدامه(3).
يقول ( مندور) :" أفعل ذلك وفي يقيني دائماً أن التفكير أمر شاق والتعبيرعنه أشق.. والتفكير والكتابة وسيلتنا إلى المساهمة في تجميل الحياة، حياة مواطنينا والدفاع عنها وسبيل ذلك هو الإخلاص لأنفسنا ومجتمعنا...".
لا ينسى الدكتور( محمد مندور) وصية أستاذه (.ديهاميل.‎) لفتاه: " لاتنس أن تعيش .. عش أولاً، عش بكل قواك ثلاثة أشهر لتكتب ثلاثة أيام واكتب ثلاثة أيام لتكتب ثلاث صفحات...."(4).
يقول (مندور):" إلى هذا النوع من الأدب الذي تشيع فيه الحياة يتجه إيماني،بحيث لا أطمئن إلى الأدب المجرد، أدب الفكرة الذي يصدرعنه الأستاذ( توفيق الحكيم) فهو أدب سهل لأنه من السهل أن نتخذّ من اشخاص الأساطير رموزاً نحرّكها للتدليل على فكرة ما...
هذا الموقف قاد( مندور) لأن يكون ضد أدب(توفيق الحكيم)الذي لم ينهض منه شيء علىالملاحظة المباشرة..وحين يقارنه مع( بلزالك)يرى أن الأخير يفكر بحواسه بينما (الحكيم) يفكر بعقله وأنه -أي الحكيم-حين يبني نصوصه ومسرحياته يتجه إلى عالم الفكر المجرد... والحياة- لسوء الحظ- أشدَّ نفوراً من أن تنطوي تحت خط من خطوط العقل...
ومن دواعي هجومه على أدب توفيق- إضافة إلى ماسبق- هو أننا بحاجة إلى ثورة مشروعة علىأدب اللفظ الذي أفسد حياتنا الروحية قروناً طويلة..
ومن أجل هذه القضايا ذاتها، خاض معركة ضارية مع " سيّد قطب " إذ حين دعا مندور إلى الشعر المهموس، من خلال حديثه عن قصيدة (أخي)( لميخائيل نعيمة) خاصة وأدب المهجر عامة عارضه( سيد قطب) قائلاً: " إن آراء مندور هذه تصدر عن شخصية مريضة، ويصفُه كذلك بأنه في الأدب يصدر عن إحساس خاص بالنّساء، عندما يؤيد الميل إلى الهمس في الشعر!!.
ويردّ (محمد مندور) على ذلك بأن المفكر الفرنسي( رينان) قد شعر بأنه عظيم الصفات عندما قالوا عنه" بأنه يفكر كرجل ويُحسَّ كامرأة ويتصرف كطفل..".
وخاض كذلك معارك عنيفة ضد (عباس محمود العقاد) الذي وصف الدكتور مندور في واحدة منها، أنه ( جاويش في بوليس النجدة) واغتبط (مندور) لهذه الصفة حين قال أناأقبل هذه الصفة مُغتبطاً فليس أحب إلىنفسي من نجدة الحق ضد الباطل والاعتدال ضد التطرف".
ولكن مندور ختم معاركه الطويلة مع ( سيد قطب والعقاد) بقوله:" يعصمني أن استمر في المعركة جهل نفضتُه عن نفسي وبربرّيةٌ لا يزال يصدر عنها الفطريون من الناس..."(5).
وخاض (مندور) معركة عنيفة ضد الشيخ ( أمين الخولي) صاحب مجلة ( الأمناء) - نسبةً إلى أمين !!- الذي كان أبرز الداعين إلى فرعونية مصر وعزلها عن الوطن العربي إبان كان المدّ القومي العربي في ذروته في خمسينيات وستينيات القرن العشرين .
وشنّ (مندور) كذلك معركة قاسية ضد شاعر الملوك(صالح جودت) الذي لم ينشغل يوماً بغير" سيقان الحسناوات) والذي حول مجلة " الهلال" الشهيرة في ظل رئاسته إلىمجلة البحث في السحر والوسطاء الروحانيين والخرافات كما يقول"رجاء النّقاش"(6):" ولعل أشهر معارك ( مندور) الفكرية كانت مع الدكتور( رشاد رشدي)صاحب مسرحية(لعبة الحب)التي حين عُرضت على المسرح فجّرت الخلاف بين(مندور) الناقد الواقعي -المعروف بصيحته الشهيرة:" ياويل الأدب إذا حدّه شيء غيرُ الحياة "..وبين (رشاد رشدي) الناقد البورجوازي الذي يتعامل مع الأدب باعتباره ترفاً فكرياً من منظور أن ( الفنّ للفن) ولا علاقة له بالحياة كماخاض ( مندور) معركة شهيرة ضد " يوسف السباعي" الكاتب الروائي المصري المعروف..
ولعل نظرة بسيطة إلى الأسماء التي خاض (مندور) معاركه ضدها تكشف أكثر موقف هذا الرجل، فكل الذين خاض معهم معاركه كانوا في صف الرجعية بهذا الشكل أو ذاك.
مندور.. من الجامعة إلى الحياة :
أُجبر ( مندور) على ترك عمله كأستاذ في الجامعة حين شعر بالقيود تحد من حريته.. وخسرت الجامعة استاذاّ كبيراّ، لتكسب الحياة الأدبية ناقداً تقدمياًكان القلب النابض بالحيوية الفكرية في الحركة الفكريةالعربية بعد جيل الرّواد ...إذ أسهم بإخراج الأدب من دائرته الأكاديمية، وقرّبه من المجتمع وهاجم أولئك الذين يقولون بأن الثقافة ترف بقوله: " إن العقل لا يعرف الترف، العقل جهدٌ...وكل جهد لا يقل نفعاً عن أي إنتاج مادي.. وإنما يظلمه الظالمون لأنه غير مرئي النتاج وهذا الجهد يعمل في النفوس، وليس من شك أن العمل في النفس لا يقل قدراً عن العمل في المادة.." وعمل العقل لا يقف عند تهذيب النفس والسمو بها، بل يزيد من قدرة العطاء عندها في كافة أنواع الإنتاج.
ومندور من أوائل النّقاد العرب الذين عملوا على تأصيل المذهب الواقعي الاشتراكي في الواقع العربي .. إبداعاً ونقداً - وقد ترسخت هذه القيم عنده بعد جولة له فيما كان يُسمّى (الاتحاد السوفيتي وبلدان أوربا الشرقية ) حيث تحدّث بصراحة الرجال عن لقائه بالواقعية الاشتراكية وتحوّله في مجال النقد من النقد التأثري الانطباعي إلى النقد الايديولوجي الذي تحدث عنه في آخر كتبه ( النقد والنقاد المعاصرون) كما اعترف بأن النقد تخطّى النظريات النقدية التي تلقاها عن أساتذته الفرنسيين ولكن هذاالتطور لم يلغِ عند (مندور) العناصر التي يحتاجها النقد بشكل دائم ".. فقد احتفظ من مرحلته النقدية الأولى بحاسة(الذوق المدّرب)واحتفظ من المرحلة الوسطى( بالمعرفة العقلية) كأداة للتحليل، ثم أضاف إليهما في مرحلته الجديدة الالتزام الايديولوجي إزاء المجتمع "(7).
وقد هاجم الكثيرون (مندور) لأنه كان أول مشرف على مجلة (الشرق) التي كان لها بعضُ التأثير في تشكيل الثقافة السائدة..
هذه إشارات سريعة إلى مندور الناقد الانسان الذي لم ييأس ولم ينهزم رغم الأمراض الكثيرة ومنها ضعف البصر، ورغم المعارك الضاريةالتي شنتّها رموز الرجعيّة على اصحاب الأقلام الجريئة والمواقف النبيلة في الوطنية والقومية .. رفض الرجل أن يستريح حتى يتغيّر المجتمع إلى مجتمع تسود فيه قيم العدالة والحرية والديمقراطية..
وكان آخر مقال كتبه قبل رحيله عام 1965 حول مسرحية ( الحصار) لـ(ميخائيل رومان) الكاتب المصري حذّر من الطبقة الجديدة التي يتعاظم ننفوذهاكل يوم.
وإذا كان ( نيرودا) شاعر (تشيلي) العظيم قد قال: " ..... السلام عبر الشعر".. فإن( مندور) الناقد الكبير قد آمن بمايمكن أن نقوله: " نحو التقدم عبر الفن والثقافة..".

هوامش:
1- دكتور لويس عوض- الثورة والأدب- دار الكاتب العربي للطباعة والنشر القاهرة1967.ص7.
2- دكتور محمد مندور- في الميزان الجديد - مكتبة نهضة مصر- القاهرة - الطبعة الثالثة 1944، ص 94.
3-المصدر نفسه ص10.
4- المصدر نفسه، الصفحة ذاتها.
5- المصدر نفسه ص18.
6- المصدر نفسه ص97.
7- رجاء النقاش، كتاب العربي الثالث - ص 136.
8- دكتور غالي شكري- الناقد المنهج. ص42
9- دكتور محمد مندور- معارك أدبية -دار نهضة مصر للطباعة والنشر القاهرة. د/تا.

المراجع والمصادر:
-
• دكتور محمد مندور - النقد والنّقاد المعاصرون- مكتبة نهضة مصر- القاهرة -دون تاريخ.
• -دكتور غالي شكري - سوسيولوجيا النقد العربي الحديث- دار الطليعة بيروت، الطبعة الأولى، كانون الأول 1981.
• - دكتور محمد مندور- النقد المنهجي عند العرب- مطبعة نهضة مصر،القاهرة، ط1،1948.
• - دكتور محمد مندور - في الأدب والنقد- مكتبة نهضة مصر، القاهرة، د/تا.
• -دكتور محمد مندور، الأدب ومذاهبه، مكتبة نهضة مصر، الطبعة الثانية، 1957.
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 11 - 2005, 12:30 AM   #9
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304





طـــه حـــــسين: ( 1889-1973)

" حقُّ الإنسان في العلم والحرّية "

ضوء من " الأيام"..
"...وكذلك قضي على الفتى أن يستقبل طَلَبه العلم في الأزهر، والجامعة المصرية،والجامعة الفرنسية بكلمة عن آفته تلك، توذي نفسه، وتفرض عليه ليلةً ساهرة،ثم يعرض عنها بعد ذلك لأنه لم يكن بدّاً ممّا ليس منه بُدّ وما أكثر ماذكر بيت أبي العلاء.
وهل.يأبق الإنسان من مُلك ربّه فيخرجَ من أرضٍ له وسماء؟!.
وما أسرع ماكان الفتى ينسى هذه الكلمات المؤذية بعد أن يشتري هذا النسيان بليلةٍ ينفقها مُسّهداً محزوناً! ثم يُقبل بعد ذلك على مالم يكن بدٌّ من الإقبال عليه من العلم في الأزهر، وفي الجامعة المصرية وفي جامعات فرنسا "..(1).
***
لا نعرف إذا كان هناك اثنان يختلفان حول الأهمية الاستثنائية للدكتور طه حسين في فكرنا العربي الحديث سواء كان المرءُ معه أم ضدّه . طه حسين الرجل الذي ولد عام 1889، وتوفي في تشرين الأول (اكتوبر)من عام 1973عن أربعة وثمانين عاماً.
تجلى نضجُ الفتى طه حسين منذ الطفولة قبل أن يفقد بصره في حوالي السنة الرابعة من عمره.. تجلّى هذا النضج أكثر عندما دخل الأزهر عام 1902م،إذ ضاق عقل الفتى بطرق الأزهر في التلقين آنذاك فراح يسأل ويلح في السؤال،وتحول السؤال إلى تمرّد، وجعله يخرج من الأزهر لأنه طالب بإصلاحه والعودة به إلى ايامه الزاهرة.
ترك الأزهر ليلتحق بالجامعة المصرية التي افتتحت لتوها عام 1908م، وتقّبلته طالباً منتسباً.. صار يسمع في الجامعة غير ماتعود أن يسمع في الأزهر، علوماً عصريّة،وتفتحّت مواهبه..
وبعد فترة شعر أن الجامعة الوليدة ضاقت عن تطلعه وطموحه وابتعد به الخيال إلى (باريس)في بعثةٍ عن طريق الجامعة وماأكثر العقبات التي وُضعت في وجهه، ولكنه صمد لكل التحديات واستطاع أن يكون أول طالب يتخرج من الجامعة بحصوله علىشهادة علمية -دكتوراه- حضّرها وقدّمها دون إشراف من أستاذ عام 1914، تحت عنوان " تجديد ذكرى أبي العلاء".
تحقق حلمه ليسافر إلى باريس مع أخيه واشتدت عليه الصعوبات، واختلف مع أخيه وافترقا،ولكنه أحسَّ بأنه حقَّق شيئاً عظيماً بوصوله إلى فرنسا، لتبدأ هناك المرحلة الأهم من حياة الفتى الذي وجد في باريس العلم والثقافة والتفتح، والتقى إضافة إلى ذلك الزميلة والمدرسةالفرنسية( سوزان)عام1917،الفتاة التي كان لهامن عمق الفكر وسعة الثقافة وما أهلّهالإدراك المهمة التي شعرت أن الرجل يضعها أمامه في المستقبل مهمة إيقاظ العقول - كما ظهرت بعدئذٍ في معظم كتاباته.
طه حسين لم يكن قد أنهى مرحلة اليفاعة حين شرع يكتب في الصحف ضد الرجعيين، واساليب التلقين البالية في التعليم وكان أول ما هدف إلى تحطيمه هو التقاليد،وليس صُدفة أن نجد ( السياج) رمز التقاليد في الصفحات الأولى من كتابه الشهير [ الأيام] (1) الذي كان مع كتابه الآخرعن الشعر (الجاهلي) تعبيراً عن مرحلة التحدّي التي عاشها طه حسين منذ أول الشباب . لقد تبّدى القلق والتحدي عنده عندماارتحل من الصعيد إلى الأزهر ثم تركه ليلتحق بالجامعة المصريةدارساً آنذاك ،ثم يتركها كي يعود إليها، بعد رحلته إلىباريس محاضراً فعميداً فرئيساً بعد أن قضى ثلاثين عاماً من حياته تلميذاً طالباً للعلم ليقضي بعدها ثلاثة وثلاثين عاماً بين أستاذ في الجامعة أو عميد لكليَّة الآداب، أو وزير معارف أو رئيس تحرير لصحيفة مشهورة وبعدها عاش حوالي عشرين عاماً فيمايشبه العزلة ليكتب بقية [الأيام].
قال ( جان جاك روسو): " أحسستُ قبل أن أفكر" وجاء طه حسين ليقول: " تألمت قبل أن أفكر " .. في البدء كان الألم عند طه حسين وجاء الفكرعنده ليقهر الألم لأنه آمن منذ بداية حياته أن الفكريبدّد الألم، ويذلل العقبات، وكان يقول علىغرار أستاذه ( ديكارت):" أنا أتألم إذن أنا موجود" لكن ثقته العميقة بنفسه قادته إلى قهر الألم، كما قادته إلى أن يُقارن نفسه بشواطئ النيل الرطبة التي حين يُضغط عليها تنبع ماءً.. ولم يكن الألم عنده وليد ثقافة تأثر بهاوإنّما كان حياة يعيشها، ابتداءً من فقد البصر المبكر والصراع ضد التقاليد (السياج) ثم الصراع مع الأزهر ثم ألمه -وهوالريفي البسيط فاقد البصر - في التأقلم مع أجواء جامعةالسوربون في باريس،وقاده هذاالصراع مع الألم والانتصار عليه إلى موقع لا يبلغه إلاّ القليلون،موقع الرجل الذي يفكر ويطبق ما يفكر به، يأتي بنظرية ثم يُبدع في تطبيقها.
لقد كان شعوره بالألم الناتج عن ظلم القدر، وظلم المجتمع حاداً، ولكنه أدرك أن قدرته على العطاء مرهونة بسلامة الإدراك لذلك مارس على نفسه ضبطاًعظيماً فرّوضها وانتصر عليها، لأنه كان يعرف أن الانتصار في الحياة لايتم إلاّ عن طريق الانتصار على النفس.
إن كتابه الرائد(الأيام) يُعطيناصورة عن صراعه مع الألم، لأنه يلخص لنا سيرة حياة إنسان غالبَ مافي ذاته من عوائق وانتصر عليها، وصارع ما حوله من شروط مُعيقة وانتصر، ونتعلم منه أن الظروف قابلة لأن تتبدّل لصالح الإنسان بالعمل والدأب والصدق مع الذات.
إن طه حسين صارعظيماً رغم فقدان البصر بالإرادة والعمل والتصميم، ولم يهدر حياته بتأفف ويندب حظّه العاثرلأنه " كان مع نفسه حين يشقى في سبيل مايرى أنه الحق وكان ضدها إذا شعر أنّها صانعت أوداجت أو جهرت بغير ما تؤمن به ،أو آثرت رضى السلطان على رضى الضمّير"(3).
طه حسين الرائد:
كان طه حسين أول من حصل على إجازة علمية من جامعة عربيةحضرها ليقدمها بنفسه دون إشراف من أستاذ ونوقشت بين يدي الجمهور عام 1914 وأوفدته الجامعة المصرية إلى باريس في العام نفسه مكافأة له علىاجتهاده في تحضير رسالته عن أبي العلاء المعري،" تجديد ذكرى أبي العلاء ".
وكان في باريس أول من اكتشف من العرب جوانب العظمة عند العلامة العربي- ابن خلدون- عندما حضّر رسالة للدكتوراه باللغة الفرنسية عن " الفلسفة الاجتماعيةعند ابن خلدون" تحت إشراف عالم الاجتماع الفرنسي الشهير: دوركهايم.
وكان أول من ناقش قضية الشعر الجاهلي عام 1926م مُطبقاً منهج (ديكارت)القائم على الشك والذي أثر كثيراً على طه حسين وأثار كتابه عن الشعر الجاهلي ضجةُ هائلة انتقلت إلى مجلس النواب ورُفعت ضده القضايا في المحاكم ومُنع الكتاب من البيع!!
وكان أول المفكرين الذين وقفوا ضد رئيس الوزراء الطاغي - صدقي- الذي أحال طه حسين ظلما علىالتقاعد ولكن ذلك لم يقعده فمارس العمل كاتباً في الصحف.
وكان أول من طبق شعاره المشهور الذي طرحه عندما تولى وزارة المعارف: " التعليم ضروري للناس ضرورة الماء والهواء"، حين قرّر مجانية التعليم ،وحاول تطبيق مجانية التعليم الجامعي لكن الملك رفض ذلك ... -وحول الكثير من الكتاتيب -وهي المدارس الديّنية -إلى مدارس ابتدائية،وافتتح آلافاً من الصّفوف لينشر التعليم بين أبناء الشعب الكادح.. وماكان أصدق مجلة " الطليعة" المصرية حين تحدثت عن أثر طه حسين في المثقفين من الشعب العربي في مصر فقالت: " إنَّ في أعناق المثقفين المصريين ديناً ثقيلاً لطه حسين فمامنهم إلاّ واستمد من نور عقله قبساً، بل إن أجيالاً بكاملها كان يمكن أن تنفق حياتها من غيرجدوى لولا إيمان هذا الرجل العظيم بحق الإنسان في العلم والحرية.))
كان طه حسين أول من كتب في السيرة الذاتية كتاب [ الأيام] الذي يمثل ظاهرة غيرمألوفة في الأدب العربي الحديث الأمر الذي جعل الدكتور " حُسام الخطيب " يعتبر كتاب الأيام" ثمرة مبكرة نضجت قبل موسمها المتوقع" إذ حين صدر كتاب -الأيام- عام 1926 كان الطارق الأول لهذا الفن في أدبنا العربي وتنبع أهمية هذا الكتاب من أنه يقّدم لنا الإنسان- التجربة الإنسانية في مواجهة الشرط الاجتماعي، ومحاولة تغييره لصالحها،فخرج بذلك عن كونه تجربة شخصية ليأخذ بعداً إنسانياً شاملاً.
وكان طه حسين من أوائل المفكرين العرب الذين ربطوا بين حرية الأدب وحريّة الأديب، وقالوا: إنّ الأدب ظاهرة اجتماعية كما أن الإنسان نفسه ظاهرة اجتماعية وان الأديب لا يُحسّ ولا يشعر ولا يفكر لنفسه فقط، وأنّما يحس ويشعر ويفكر للناس... وهومن الذين آمنوا بالعلاقة الوثيقة بين الثورات والآداب لأن الفنان عنده يتحسّس القهر والظلم قبل غيره.
وتحدث كذلك عن الظلم باعتباره مصدر التفاوت بين الناس إن رُفع عنهم، سادت المساواة ،ذلك لأن الخيرات التي تنتجها الأرض وتنتجها الحضارة لا يمكن أن تتفاوت حظوظ الناس فيها إلاّ إذا كان الظلم مصدر هذا التفاوت فإذا ظفر -زيد- بالغنى فلا بدَّ أن يضطر - عمرو- إلى الفقر.. والسبيل إلى المساواة أن يُؤخذ من الغني وأن يُرد على الفقير حتى لاتكون بينهما هذه الفروق
وفي تقييم هذه الأعمال الرائدة لطه حسين نستعين برأي طرحه عام 1950وهو يستقبل ( محمود تيمور) عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة،ونرى أن هذاالذي قاله في محمود تيمور ينطبق عليه أكثر مما ينطبق على المعني به،قال طه حسين:" وسبقت إلى شيء لاأعرف أن أحداً شاركك فيه في الشرق العربي إلى الآن ،وإذا ذهب أحد مذهبك أو جاء أحدٌ فيما بعدُ بخير مماجئت به فلن يستطيع أن يتفوق عليك لأنك فتحت له الباب، ومهدت له الطريق وأتحت له أن ينتج وأن يمتاز وأن يتفوق".
كما كان - مكسيم غوركي- أول مسؤول عن تنظيم دار الأدب العالمي للنشر في الاتحاد السوفييتي - حين كان اتحاداً - حيث جمع فيه البارزين لترجمة النتاجات الأدبية العالمية القيمة ....كذلك فعل " طه حسين"عندما كان المشرف علىترجمة إبداعات الفكر الإنساني ،إلى اللغة العربيةلوضعها بين يدي القراء العرب،وإذا كان مكسيم غوركي لم يتحول إلى قيمةْ تاريخية فقط بل استمر قيمةًسارية المفعول تؤثر إلى الآن بماطرحه في أبداعه.فإن طه حسين كذلك مازال قيمة سارية المفعول من خلال مواقفه التي نشعر بحاجتنا إليها في كثير من شؤون حياتنا في الوطن العربي ،وربّماأصبح طه حسين الفكر قيمة تنتمي إلى التاريخ ،ولكن طه حسين المواقف مازال قيمة مستمرة العطاء نتّعلم منها الكثير لأن مواقفه عبر حياته كانت في مجموعها دعوة تمرد على ألوان العبوديات التي صاغتها قيم المجتمع سواء على مستوى حياة الفرد أو الجماعة .. وقد يخالفه المرءُ أو يتفّق معه لكنه يظل يرى نبتة الثورة على قلمه، ووقفه الخروج علىالتحنيط ومحاولة تجاوزه كماتقول( الدكتورة) نجاح العطار في مجلة المعرفة في العدد (155) كانون الثاني لعام 1975.... ثم علينا أن نتذكر أن مثل هذه المواقف الآن لم تعد تحتاج ماكانت تحتاجه في مرحلة طه حسين.
قال طه حسين يوماً: " ما أبعدني عن هذا الاطمئنان الذي يُتيح لي تذكر الماضي أنا ذلك الرجل المقذوف باستمرار إلى أبعد، ولا يمكنني التّوقف ولا الاستقرار..".
ولعل هذا القول يمثل أحد المفاتيح الهامة في دراسة هذا الرجل والمفتاح هو: العلاقة السيئة مع كل شيء جامد بدءاً بأسلوب التلقين في التعليم وانتهاءاً بالسلطة المستبدة.
هذا المنفي خلف جدار فقدان البصر الرهيب، يصرُّ على التحدي والمجابهة حتى تتجاوز دعوته إلى التحرر مصر وتنتشر في الوطن العربي دعوة يتصل فيها العلم بالعمل لأن صاحبها رجل ثقافة مُقاتل كان العلم عنده هو الشجرة والعمل هو الثمرة...ولأن موقفه من الحياة كما لخصّه في إيجاز بالغ في أحد مقالاته هو- حبٌّ للمعرفة وصبر علىالمكروه- ظل يغذي هذا الموقف بسلوكه ومواقفه ،فحب المعرفة هذا لا يطفئه اكتساب العلم وإنمايزيده قوّة وشدةً ،وإذا كانت حاجةً مًن عاش لا تنقضي، فحاجة من ذاق المعرفة للمعرفة أشدّ الحاجات إغراءً بالاستزادة، وهذا الظمأ الشديد للمعرفة وإدراك قيمتها في تقدم الشعوب،جعل طه حسين بطل تحديث التعليم في مصر العربية ثم في الوطن العربي بعد ذلك.
العلم من أجل كل الناس:
اقترن اسم طه حسين في تاريخ مصربأنه أبو مجانّية التعليم وبأنه أبو الجامعات فهو الذي أنشأ جامعةالإسكندرية عام 1944 وأنشأ جامعة عين شمس أثناء توليه الوزارة عام 1950ووضع نواة جامعة ( أسيوط) وهو الذي وحدّ التعليم في مرحلته الابتدائية فحوّل كتاتيب القرون الوسطى إلى مدارس ابتدائية تُعلّم فيها مبادئ العلوم الحديثة،وخلال عامين من توليه وزارة المعارف 1950-1952بلور اتجاهه بإنصاف - المعذبين في الأرض- في سلسلة من التشريعات الديمقراطيةكان أهمها:مجانية التعليم،وتقرير تغذية التلاميذ في المدارس على نفقة الدولة، كماكان منذ ثلاثينات هذا القرن وراء تحويل المدارس العليا للزراعة والتجارة والطب البيطري إلى كلّيات جامعية. وإدماجها في جامعة القاهرة - الجامعة المصرية يومئذٍ فاستحدث ثورة ونسف لغماً ضد الرجعية التعليمية التي ربطت التعليم باحتياجات الرجعية والتي يسوؤها أن يتعلم المواطنون وأن يفكروا تفكيراً حراً...!
وإذا كان طه حسين من أوائل الذين فجروا الصراع بين ديمقراطية التعليم ورأسمالية التعليم فإن ذلك في الحقيقة كان صراعاً سياسياً بين الذين يريدون التعليم من أجل الجماهير سلاحاً بيدها لتغيير واقعها ،وبين أولئك الذين يريدون لأبناء الشعب أن يكونوا مجرد آلات جاهلة تخدم الإنتاج العائد للرأسماليين والاقطاعيين.
مواقف في حياة طه حسين :
احتج على أساليب التلقين في الأزهر فخرج منه لأنه طالب بإصلاحه وحرم من النجاح علىأثر ذلك كما حرم من الحصول علىالشهادة . في عام 1928انتخب عميداً لكلية الآداب ثم أعيد إليهاعام 1930وطلب إليه رئيس الوزراء آنذاك أن يكون رئيس تحرير جريدته فرفض وأحاله إلى وزارة المعارف... وامتنع طه حسين عن العمل وشنَّ حملة صحفية وقفت فيها الجامعة إلىجانبه واستمر طغيان رئيس الوزراء " اسماعيل صدقي " -وأحاله علىالتقاعد !!.
بينما كان طه حسين أستاذا في الجامعة - كان أستاذه وصديقه " أحمد لطفي السيد " مديراً لها،نشأ بينهما خلاف حول مجّانية التعليم الجامعي لأبناء الأساتذة فقال مدير الجامعة: عندمايدخل " مؤنس بن طه حسين " الجامعة سنمنحه المجانية ؟! ردّ طه حسين علىالفور: أنالا أقصد نفسي وإنماأريده مَبدأ عاماً ... ثم أعلن استقالته من الجامعة.
رفض طه حسين عميد كلية الآداب منح درجة الدكتوراة الفخرية لبعض الساسة مجاملةً لهم ممن حولهم ولم يذعن لتعليمات وزير المعارف -عيسى حلمي - الذي وصفه العميد بأقذع الأوصاف وصدر قرار الجامعة بنقله منها، واحتج أستاذه لطفي السيد واستقال من إدارة الجامعة تضامناً مع طه حسين.
حين كان طه حسين عميداً لكليةالآداب زار الملك ( فؤاد) الجامعة ومعه رئيس وزرائه ( اسماعيل صدقي ) ووزير المعارف ( عيسى حلمي) وكان من عادة الملك أن يستمع إلىبعض المحاضرات وقد نبّه طه حسين الأساتذة ألاّ يغيروا شيئاً من البرنامج وصادف أن كان موضوع إحدى المحاضرات( تطور الدستور الانجليزي) ففهم الملك أن هذا تعريضٌ به، لأنه كان قد عطل الدستور ،ولمّا سأل قال له وزير معارفه: " هذا من تدبير طه حسين " ؟! ... كان ذلك يوم السبت ويوم الخميس صدر قانون وزاري بنقله من الجامعة - ولمّا رفض تنفيذ القرار - يقول طه حسين: فقلتُ له: " طلبني رئيس الوزراء وقال لي: لماذا لا تنفذ قرار الوزير ؟ فقلت له: إنه (...) ولا أحب أن أتعامل معه ... ثم صدر قرار إحالتي على المعاش حدث ذلك في عهد الملك ( فؤاد) الذي أشيع عنه أنه كان يؤمن بالعلم والتطور لأنه قال لطه حسين حين استقبله في الثلاثينات: أرجو ألا تصبح شهادة الليسانس شهادة طلاق بين طلاب الجامعة وبين العلم .
أما الملك( فاروق) فحين استقبل طه حسين على مضض في أوائل الخمسينات قال له: أرجو أن تكون قد تخليت عن يساريتك بعد أن أصبحت وزيراً !! أنا لا أريد منك يا دكتور طه الكلام الفارغ الذي تحدث به الناس وتكتبه في الجرائد!!. يقول طه حسين: لزمت الصمت.. وكان ردّي عليه بعد ذلك بيوم واحد أن أعلنت مجانية التعليم الابتدائي والثانوي،ولما أردت إعلان مجانية التعليم الجامعي رفض الملك وقال لرئيس وزرائه ( النحاس) إن طه حسين يريد أن يجعل البلد اشتراكية؟!.
طه حسين الذي استطاع أن يكون عصارة طيبة لمعهدين مختلفين: الأزهر والسوربون أو الحضارة العربيةالاسلامية والحضارة الغربية وامتدت حياته من أواخر القرن التاسع عشر عام 1889م حتى أوائل الربع الرابع من القرن العشرين 1973م.. لكن الحلقةالمشرقة في هذه الحياة امتدت لأكثر من ثلاثين عاماًكانت بين ثورتي 1919 و1952 وبعد هذا الاشراق وقف في أواخر عمره ضد تجديد طلابه الذين ربّاهم على قيم احترام العقل ،وتدريب الفكر وتنمية الشك في كل قديم حتى تثبت صحته، وذلك حين وصف الأدب الجديد بأنه " يوناني لا يقرأ " الأمر الذي قاده إلى صراع مع طلابه وقف فيه المجدد القديم طه حسين ضد التجديد وليس هذا غريباً في كثير من الحالات ولعل الرجل على أهميته لم يرتفع إلىمستوى أعظم الممتازين الذين عناهم ( برناردشو) حين قال: إن جميع الممتازين بدؤوا حياتهم ثائرين وأعظم هؤلاء الممتازين يزدادون ثورة كلما تقدموا في السن "... ويمكن القول هنا: إن استمرار القدرة على التجديد حتى آخر العمر صفة لا يتمتع بها إلاّ القلة القليلة من بني البشر .. ولكن هل موقف طه حسين ضد التجديد في بداية الستينيات من هذا القرن يُلغي القيمة التاريخية له ؟ هذه القيمة التي نرى أنها سوف تظل ساريةً ،رغم موقفه هذا إذ من المؤكد أن الكثير من نواحي التجديد، ماكانت لتحدث في الوقت الذي حدثت فيه لولا وجود طه حسين هذا الرائد العظيم، حين عمّم التعليم ونشّط الترجمة ودعا للأخذ بالمناهج العلمية الحديثة في الدراسة ،وبذلك كان حلقةً مشرقةً في الدعوة للإيمان بقيمة العلم في حياةالشعوب، وتقديس حق الشعوب في الحرية،بحيث كان معلماً للأجيال التي جاءت بعده.
ولعل وقوف طه حسين ضد التجديد يمثل سلوكاً اجتماعياً دون أن يمثل سلوكاً فكريا،والسلوك الاجتماعي يتأخر صفاؤه دائماً عن السلوك الفكري المجرد كما يقول ( حنا مينة) في كتابه ( هواجس في التجربة الروائية،ص 27).
إذ منذ المعركة الضارية ضد كتابه عن ( الشعر الجاهلي) صار طه حسين يميل إلى أن يكون ( ثائراً ) في الفكر ( عاقلاً) في قضايا السياسة والمجتمع!.
هذه المواقف من طه حسين ضد التجديد لا تمنع الرؤية العلمية الموضوعية له من تلاميذه فهذا أحد المجددين الشاعر ( صلاح عبد الصبور ) يقول في كتاب له بعنوان ( ماذا يبقى منهم للتاريخ؟!) ص 31-: لست أغالي إذا قلت إن من عاشوا بين عامي 1920و1950يستطيعون أن يقولوا انهم عاشوا في عصر طه حسين كما يقول الناس أنهم عاشوا في عصر شكسبير أو في أيام فولتير .. وهذا أحد تلاميذ طه حسين الذي أصبح فيما بعد من الكتاب المشهورين ( الدكتور عبد الكريم الأشتر) يقول: كنا نعشق في كل أستاذ صفة" في أحمد أمين الوضوح والعمق ،وفي أمين الخولي القدرة علىالإثارة والآراء المتجددة، وفي عبد الرحمن عزام نقاء عروبته ورعايته للطلبة العرب ولكننا كنا نلتقي جميعاً هذا اللقاء العفوي في ظلال هذه الشخصية الآسرة لا يكاد يفلت من أسرها أحد ( طه حسين ) شخصيةتمثل في عقولناوقلوبنا هذاالحضور الدائم الذي لا يغيب والمكانة الرفيعة التي لا تتأخر، والعطاء الخصب الذي لا يدانيه عطاء إن وجوده المعنوي كان يسبق حضوره المادي...."(4).
إن طه حسين رجل المجابهة والتحدي مستمر في الذاكرة ،لأن العقبات حتى ولو كانت كفّ البصر، لم تقف أمام إرادته في صنع نفسه ليُصبح مثلاً رائعاً للظامئ الذي لايرتوي من المعرفة المقرونة بالعمل.
وإذا جئناإلى طه حسين لنرى ما نريد أن نراه فأننا بذلك نظلمه وإذا جئنا إليه وفي أنفسنامواقف مسبقة جاهزة نبحث عنها فإننانتجنى عليه لأنه عمل وناضل في زمن غير زمننا الحاضر .




هوامش :
1- دكتور طه حسين (الأيام) طبع دار المعارف بمصر ج(3) ص32.
2- دكتور طه حسين (الأيام) ج1، ص4.
3-الأيام، ج3- طبعة دار المعارف بمصر،ص 164- 165.
4- دكتور عبد الكريم الأشتر - رجال رأيتهم يعبرون حياة الجيل، مقال في جريدة البعث، 22/11/1983.

المراجع والمصادر:
*دكتور لويس عوض - الحرية ونقد الحرية- الهيئة العامة للتأليف والنشر عام 1971.
* فتحي العشري - الإنسان كلمة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1988.
* دكتور لويس عوض - دراسات في أدبنا الحديث - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1961.
*مئوية طه حسين، عدد خاص من مجلة أدب ونقد رقم ( 53) كانون الأول عام 1989.
* قضايا وشهادات رقم (1) كتاب دوري ثقافي بعنوان طه حسين.
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 11 - 2005, 12:32 AM   #10
Bibliophile
 
الصورة الرمزية كرنفال
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
المشاركات: 304






الباب الثاني: من أعلام الغرب

الفصل الأول
أعلام قدماء




سقراط أول شهداء حرية الفكر( 478 - 399 ق.م)

" اعرف نفسك بنفسك " حكمة قديمة نقشهاالقدماء علىباب معبد دلفي اليوناني .. من هذه الحكمة انطلق سقراط الذي نشأ بينما كانت أثيناتعيش أسوأ أحوالها .. لم يكن من أسرة متوسطة وإنماكان من الطبقة الدنياكان أبوه حفاراً وكانت أمّه قابلة.. لم يكن جميل الطلعة بل كان قبيح المنظر ممقوت الشكل ولكنه ذكي القلب نافذ البصيرة شديد الفطنة، درس الناس حوله .. ولكن ماإن بلغ سن الرجولة حتى أحس أن مافي نفسه يخالف مافي أنفس الاثينيين وأن له ميولاً تخالف ميولهم وأخذ يحاور من حوله ولكن ذلك لم يصرفه عن واجباته الوطنية يشترك في الانتخابات ويجلس في جماعة الشعب وعندما انتخب في مجلس الشورى رأس جماعة الشعب ،واشترك في الحرب غير مرّة، وأظهر فيها شجاعة وتضحية بالنفس .
إن طريقة سقراط في الحوار جعلت الشبان يميلون إليه، لم يكن له مدرسة وإنماكان هو نفسه مدرسة مُنتقلة يحاور في الميادين العامة في الملاعب الرياضية. كان حسن الدعابة حيث لم يكن حواره إلاّ دعابة متصلة وهزلاً مستمراً يخفيان تحتهما الحق والجد ولم يكن له موضوع بعينه يدرسه ويحاور فيه، كما لم يحاول أن يلتمس من محاوراته مجداً ولا كسباً ،بل كان يفر منهما كأنهما وباء.
رسالة سقراط :
" إن الحياة بغير بحث ليست جديرة بالإنسان ،هكذا جعل سقراط شعار حياته لأنه كمايصف نفسه مُحباً للحكمة وليس حكيماً .. وحين تمكن من نفسه طلع إلى الاثنينيين يعلمهم بارتياد الأسواق يتحدث مع كل الناس لا يكترث بحال محدّثه غنيّاً كان أم فقيراً شاباً أم شيخاً وخصص وقته لتحقيق الرسالة التي كان يعتقد أنه وجد من أجلهاوهي أن يكون حافزاً للشعب الأثيني يحمله علىالخير ،ويدفعه إلى التمسك بالعدالة.. ومن أجل هذه الرسالة أهمل سقراط شؤون منزله وأغفل أعماله الخاصة وازدرى المناصب وخصص وقته لإيقاظ الناس من نومهم وإبعادهم عن التقاليد البالية، وخاصة إن إيمان اليونانيين أخذ يضعف تدريجياً بالآلهة كلما ارتقى تفكيرهم واستنارت عقولهم نتيجة لتغيّر نظرة المفكرين والأدباء نحو هذه الآلهة، بدءاً من القرن السادس قبل الميلاد فبعدهجوم دام طويلاً على الآلهة نادى ( جوراس) بأن ( العقل سيد كل شيء) فلا يجب احترام غيره،وتبعه سقراط زعيم الفكر الفلسفي في حملةعنيفة علىالآلهة المتعددة ،وأخذ يُعلم الأثينيين فكرة الإله الواحد، واعتبروه لذلك خارجاً على آلهة المدينة وكانت هذه واحدة من التهم التي أعدم من أجلها ولكن إعدامه لم يمنع المفكرين والأدباء من بعده أن يُتابعوا مابدأه.
الفلسفة .. من أجل الإنسان:
قال ( شيشرون) .."إن سقراط أول من أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض لأنه يؤمن أن لا خير في معرفة تهمل الإنسان لتُعنى بالطبيعة "(1).
ولا قيمة لأي علم مالم يتمحور حول الإنسان وقضاياه .. فعل ذلك في الوقت الذي كان الفلاسفة قبله يبحثون في أمور الطبيعة الخارجية في قوانين العالم القابلة للقياس .. وجاء سقراط لينادي بأن الفلسفة الحقيقية هي البحث عن ذات الإنسان وعن كنُه نفسه، ولقد علق على نظريات الذين سبقوه بقوله: هذا الأمر حسنٌ جداً ولكن هناك بالنسبة للفلاسفة موضوعاً أهم من البحث في ماهيّة الأشجار والكواكب والنجوم .. وهوالراهن البشري .. ومن هو الإنسان؟ ومالذي يستطيع أن يؤول إليه..؟؟ من هذا الموقع الفكري الواقعي انطلق سقراط لسبر أغوار النفس البشرية.
منهج سقراط ألّب الحاقدين عليه:
لقد بهر سقراط مستمعيه بحديثه البسيط البليغ في الوقت ذاته، وقدرته على كشف أخطاء الخصم، لأنه عاصر السوفسطائيين وأخذ بعض أسالبيهم فعرض أراءه على شكل محاورات ليقول: ان مهّمة الفلسفة ليست النظر إلى الطبيعة... بل تعليمناكيف نعيش، لأن المعرفةالحقّة عنده تنطلق من معرفة الانسان، وقد طابق سقراط بين الفضيلة والمعرفةوعنده أن جميع الأعمال السيئة تعود إلى الجهل وأما الفضيلة فتعود إلى المعرفة، وقد كانت نظرته العقلانية الواقعية هذه حول المعرفة مثار دهشة معاصريه لأنهم اعتادوا غيرها..
اتبع سقراط في حديثه مع الناس منهجاً جديداً في البحث كان يتصنع الجهل، ويتظاهر بأنه يُسّلم بكلام محدثه، ثم يُلقي عليه الأسئلة ويشككه فيما يقول، ومن ثم يوقعه في التناقض وحين يصل بمحدثه إلى أن يشعر بجهله، يولد لديه، الاستعداد للمعرفة وهنا يأتي دور سقراط ( المعلم ) في توصيل تلميذه إلى المعرفة التي يبتغيها له .. وقد أثار منهجه هذا الإعجاب البالغ والعداوة الشديدة في آن واحد أقبل عليه الشباب وكرهه الخطباء والشعراء والسياسيون لأنه كشف أمرهم وجعل البعض منهم سخرية للناس وكان أول الذين هاجموه الشاعر الهزلي (أرستو فانس) الذي كان رجعياً يمقت حريةالفكر وينفر من كلّ تجديد واعتبر سقراط من السفسطائيين وشنّ عليه هجوماً في مسرحيته ( السّحب) حيث صوره تصويراً مضحكاً،ونادى في آخر مسرحيته بأن العدالة تتطلب حرق سقراط وتلاميذه ومدرسته ... كلّ هذا يُضاف إليه منهج سقراط في البحث وعداوته للحروب الظالمة عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ ... قد ألّب عليه رجال السياسة والرأسماليين الذي أثروامن تجارة السلاح..لقد هاجم هذه الفئات بقوله: " يدهشني تماماً راعي الغنم الذي لا يعترف بجرمه عندما يذبح جزءاً من قطيعه ويترك الجزء الباقي للموت جوعاً، كما يدهشني أكثر الحاكم الذي يُلقي بنصف شعبه إلىالهلالك ويستغل النصف الآخر ثم لا يخجل من نفسه ولا يعترف بذنبه ..." (2).
هذا الموقف الشجاع جعل كبار الحاقدين يطالبون بالانتقام من سقراط حين زعم أحدهم أنه أفسد له ابنه عندما كان تلميذاً عنده، ونجح هؤلاء الأعداء جميعاً في تقديم سقراط للمحاكمة عام 399ق.م .... وبعد محاكمة صورية صدر الحكم بإعدام سقراط في فترة الحج عند اليونانيين وكانت العادة أن لا يُنفذ حكم الموت أثناء هذا العيد ولذلك كان علىسقراط أن ينتظر في السجن حتى تنتهي فترة الحج،وكان أصحابه وتلاميذه يختلفون عليه بالسجن كلَّ يوم وكانوا يزينون له الفرار من سجنه ولكنه رفض لأسباب سيذكرها عند مرافعته ضد أعدائه حين طالبت المحكمة سقراط أن يُدافع عن نفسه بعد الحكم عليه بالإعدام بدأ بالاعتذار عن أسلوبه الذي لا زخرف فيه، وقال انه لايحب البلاغة ،ولا يعرف أبلغ من الحق ،وأخذ يُفند مزاعم ( أرستوفانس) في أنه يتقاضى أجراً عن التّعليم، وأنه يُفسد الشباب....
أما عن إفساد الشباب فإنهم يأتون بمحض إرادتهم.... وعن أجر التعليم فهو كلام باطل لا يحتاج إلىردّ .. وكان يمكن لسقراط أن يتجنّب التهم والمحاكمة لأنه بريء ولكنه إيماناً منه برسالته أراد لنفسه أن يبقىمثلاً للتضحية من أجل الواجب الذي يؤمن به ورمزاً للثبات على المبدأ ومن أجل تأكيد ذلك سنورد بعض أقوال سقراط نفسه لقضاة محكمته: "....يارجال أثينا إن حكمتم ببرائتي فلن أغير من سيرتي لكني أستمرفي أداء رسالتي لأن هذا هو واجبي ،ولا ينبغي أن أتخلى عنه ولو أدّى ذلك إلى الموت فالرجل لا ينبغي أن يتدبر أمرحياته أو موته ولا يجوز أن يهتم إلاّ بما يقدمه من خير للناس،ومع أنّي كسائر البشر خلقت من لحم ودم،ولي زوجة وأولاد فلن أحضرهم أمامكم كما يفعل غيري ليتوسلوا إليكم ويطلبوا براءتي، وأنا لا أفعل ذلك اعتداداً بنفسي، أواحتقاراً لكم بل لاعتقادي أن مثل هذه التصرفات تقلل من قدري وتحطُّ من شأنكم وتجلب العار على أثينا هذا إلى أنني اعتبر أنَّ من الحماقة استجداء القاضي بدل إقناعه فليس على القاضي أن يمنح العدالة ولكن عليه أن يكون عادلاً لا يتبع هواه...." (3).
هكذا أنهى سقراط دفاعه المجيد وتمسّك بمواقفه وأصرّ علىرأيه فحكم عليه القضاة بأغلبية ضئيلة وقبل الحكم رابط الجأش وعندما طلب إليه التعقيب على الحكم قال: " .. ((أيّها الأثينيّون لقد حكمتم عليّ بالإعدام وهذا لا يحزنني بل يُسعدني لأنني انتصرت على أعدائي . أفضل أن أموت حراً على أن أعيش عبداً..."(4).
كان بين الحكم بالإعدام وبين تنفيذه ثلاثون يوماً أغراه خلالها تلاميذه ومحبّوه بالفرار من السجن وكان يقول: " إن صوتاً في داخلي يطلب منّي أن احترم قانون بلادي قبل احترام حياتي ،وحياة أبنائي ،وأنا لا أردّ الشرّ بمثله..."
بعد زمن قصير أدرك الشعب شناعة الجرم الذي ارتكبه محلفو أثينا فنادى الشعب بمعاقبه خصوم سقراط وأقام التماثيل لفيلسوفه الشهيد ومجدّ ذكره بشتى الطرق وخلّده المؤرخون في كتبهم والفلاسفة في محاوراتهم، ليبقى في ذاكرة الإنسانية ووجدانها أول شهداء حرية الفكر في تاريخ البشريةالمعروف إذ كان قد عاش ما بين 478و 399، ق.م.




المراجع والمصادر:
1- دكتور محمد صقر خفاجه تاريخ الأدب اليوناني - نشرمكتبه نهضة مصرعام 1956.
2- دكتور عبد الرحمن بدوي - إفلاطون - مكتبة النهضة المصرية عام 1954( مقدمة هامةعن سقراط).
3- دكتور طه حسين - قادة الفكر ،دار المعارف بمصر 1956.
4- أحمد أمين - زكي نجيب محمود - قصة الفلسفة الحديثة - لجنة التأليف والترجمة والنشر 1949.
5- جماعة من الأساتذة السوفييت - موجز تاريخ الفلسفة - دار الجماهير الشعبية دمشق 1979 ،تعريب: توفيق ابراهيم سلوم.
6- الدكتور علي حافظ بهنسي - سقراط - سلسلة إقرأ، عدد ( 78) دار المعارف بمصر 1949.

هوامش
1- موجز تاريخ الفلسفة جماعة من المؤلفين السوفييت، تعريب توفيق سلوم- دار الجماهير الشعبية 1979، ص 86.
2-دكتور محمد صقر خفاجة ،تاريخ الأدب اليوناني - مكتبة نهضة مصر، عام 1956، ص 166.
3- المصدر نفسه ص 70.
4- الدكتور عبد الرحمن بدوي - افلاطون مكتبة النهضة المصرية 1954، ص61.
كرنفال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:52 PM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor