جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > القصة القصيرة والرواية

القصة القصيرة والرواية النصوص القصصية ، النقدية، والأنشطة المتعلقة بالسرد.

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 29 - 04 - 2005, 07:42 PM   #1
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2004
الدولة: مصراتة / ليبيا
المشاركات: 12
قراءة في رواية إبراهيم الكوني " واو الصغرى "

قراءة في رواية إبراهيم الكوني " واو الصغرى "

"هذا هو العمل الأول لي في نقد الرواية "
مقدمة عن الأسطورة

" تعد الأسطورة " السلالية - الدينية " قصة تأسيسية ، مجهولة ، وجماعية ، وتؤخذ على أنها حقيقة ، لكن عند تحليلها تظهر تناقضات بنيوية صارخة . وعندما تنتقل هذه الأسطورة إلى الأدب ، فإنها تحتفظ " بالطابع الرمزي " والتنظيم الصارم ، والإضاءة الميتافيزيقية ، لكنها تفقد طابعها التأسيسي والحقيقي ويظهر اسم الكاتب عليها ". (1)

وتشكل الأسطورة حسب بول ريكور ، " كشفا لعوالم غير مسبوقة ، وانفتاحا على عوالم أخرى تسمو على حدود عالمنا الفعلي والمستقر " مما يؤدي إلى إحياء اللغة وتجديدها ، فتبدو في نسق رمزي يؤسسه الخيال والحلم " . (2)

كما تعتبر الأسطورة خارج الأصناف الأدبية الطبيعية عادة ، رافد مهم للأدب ، لمسنا فاعليتها منذ الأدب اليوناني ، فقد اعتمد عليها أدباء المآسي (أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس) والملاحم فـ (هوميروس) مثلا استطاع أن يتناولها بحرية ، مما مهد الطريق أمام الآخرين الذين أتوا بعده واستطاعوا أن يقدّموها من خلال قناعتهم وأهدافهم ، لأنها لم تحط بها هالة من القداسة ، وقد امتد هذا التناول الحر للأسطورة في الأدب الروماني ‏(3) إننا نستطيع القول بأن الأسطورة قد شكلت فضاء الأدب الحديث بأجناسه المختلفة (شعر ، قصة ، مسرح) بل امتد أثرها إلى العلم (كعلم النفس) وكذلك نجد كثيرا من النقاد المحدثين يرون أن من جماليات الرواية الحديثة أن تبنى بناء أسطوريا (4) . ‏ولقد وظفت الأسطورة في أدبنا العربي الحديث عبر الشعر انطلاقا من الانفتاح الحاصل علي الثقافات الغربية واليونانية القديمة ووظفت في أعمال أبو القاسم الشابي وهو عن رموزه بروميثيوس ? أفروديت وفينوس في قصائده المختلفة ثم مع السياب في قصائده الجيكورية مثل قصيدة أنشودة المطر (عشتار) وسيزيف وتموز (5) إلخ . ولقد أستخدمت الأسطورة في الرواية الأدبية فاختلفت تلك الاستخدامات وإن كانت في معظمها لا تخرج عن ثلاثة أنواع سيتم التفصيل فيها في نهاية هذا المبحث .

مع إبراهيم الكوني وروايته " واو الصغرى" (6) نجد ونحن نتلمس عبر بحثنا عن بؤرة ضوء في نسيجه المعقد اختلافا جذريا بين أعمال إبراهيم الكوني وكافة الأعمال الروائية السابقة ? اختلاف في المنهج والأسلوب والبني واللغة والثقافة المطروحة ، الأمر الذي يجعل لدينا الرغبة في تفكيك أبعاد هذه البنية السيميائية الدالة بغية الولوج لصوامت النص إضافة إلى أن إبراهيم الكوني لا يقدم رموزا أسطورية تحيل لعوالم رمزية أو مقدسة ، إنه يقدم الأسطورة في حال تفاعلها وانتهاكها للمعقول وهي تحدث .

يجنح الفعل السردي في حالته التواصلية بين كاتب النص ومبدعه لخلق حالة من التواصل عبر لغة مدركة وانطلاقا من خلفية إجتماعية ومعارفية مشترطة (7) تفترض إدراك القارئ للغة النص وإحاطته بشكل من الأشكال لتلك العوالم عبر إدراكه لعوالم مرجعية مشابهة أو مناقضة بشكل من الأشكال لعوالم النص الذي يقرأه ، ونظرا لأهمية ذلك نجد الروائي إبراهيم الكوني في سيره المعنونة بـ "واو الصغرى" وهو يؤطر لهواجسه أو هواجس شخوصه الضاربة في الصوفية الوثنية أو في التجسيمية يسعى لخلق ذلك الفضاء المرجعي الذي يمكن تلك الشخوص من استثمار طاقتها الأمثل فيه ، وفي الوقت ذاته نتمكن نحن من إدراك وبناء المرجعية الاجتماعية والثقافية الخاصة بنا نحو تلك العوالم ، فقام برسم فضاءات سيميائية جديدة ، يكون رسمها متكاملا وتتحرك فيها فواعله بين الاتفاق والتناقض لتعطي فعله الإبداعي فضاءات التشكل . وبالنظر لطبيعة الاختلاف بين الروائي (الكاتب) والراوي، وإدراك المسافة بينهما (8) نقسم بناء الفضاء الأسطوري الذي قدم من خلاله إبراهيم الكوني فعله الروائي العنيد نجده يتشكل من قسمين رئيسيين ، قسم قام به الروائي وقسم قام به الراوي ، وإن كان بالطبع كله لا يخرج عن عمل الروائي في العمق الخفي، ويتظافر جهدهما معا بغية الوصول بنا ضمن الخطاب ومراحله التواصلية لخلق الإدراك المناسب لدينا وتوجيهنا إلي بؤر الرؤى المقصودة عبر صياغات سردية فنية محددة .

أولا :- أسس البناء الماورائي أو الأسطوري ضمن الفضاء النصي : وهي تشمل كافة الخطي المعتادة أو الجديدة التي مورست من قبل الكاتب لصبغ الفضاء النصي بالشكل المطلوب، وتشتمل علي ما يلي

1- الغلاف ومكوناته الكلية ، طريقة كتابة العنوان باستخدام الخط الكوفي والرسم التشكيلي الذي أخد من أحد النقوش القديمة بأحد المغارات بالجنوب الليبي (مكان القصة) إضافة إلي صورة الكاتب المرتدي للثامه الصحراوي والكتابات الخلفية المنتقاة والتي تشكل في مجملها بغض النظر عن دوره النقدي توجيها مباشرا لرؤية القارئ .

2- اسم الكاتب إبراهيم الكوني المعروف ومن خلال أعمال سابقة كروائي يجوس هذه العوالم الماورائية .

3- العنوان والذي يعتبره (ج .جينيت ) الوسيط بين أنثوية النص وذكورة القراءة (9) ، والذي يجنح بنا إلي تلك الواحة المفقودة في سماء تلك المجتمعات المشكلة للتفاعلات التالية في النص، ولقد كان هذا العنوان وهو يعنون النص الكلي وكذلك السيرة الأخيرة رقم (14) ليشكل حالة من التوجيه نحو المقاصد الخفية ، وذلك انطلاقا من هواجس الإنسان الطامح للوصول للأرض المفقودة ، أو الجنة المنتظرة . قاعدة العناوين هذه تطبق علي عناوين السير أيضا وهي تماثل في مجموعها كلمات ذات بعد قابل للأسطرة مثل القربان ، واو الصغرى ، أهل السماء ، النبوءة ، الخروج ، الإكليل ، الغراب .

4- تصنيف الرواية (كرواية من سير) مما يوحي بالانفصال بينها ظاهريا واجتماعها كليا تحت مظلة النص . إضافة إلي أن السيرة تعني عادة تأريخ عبر استنطاق واع لذاكرة شعب ما أو قبيلة ما أو مجموعة الأشخاص عبر نص مكتوب أو منطوق ، وتترابط في لا وعينا بسير أجيال أخري مثل أبو زيد الهلالي مثلا .

5- العلاقات الخفية والظاهرة بين عناوين السير والسير ذاتها من جهة وتلك النصيصات المكتوبة في مقدمة كل سيرة والتي ليس فقط تبث فينا توجيهها المقصود للحدث والتشكل التالي ولكن أيضا تدفعنا للعوالم التي ينهل منها الكاتب ذاته والتي يرغب بقصدية معينة أن يجعلها منفتحة وعالمية .

6- الترجمة العربية لبعض الجمل أو الإستشهادات المكتوبة باللغة القديمة ، وذلك بغية إيصال القاري إلي تواصل مستمر لحاجة طرفي التواصل للغة محددة للتواصل ، إضافة إلي دورها انطلاقا من مجهوليتها في أقامه حالة من الانفتاح علي عوالم ما ورائية تخدم حالة الشد التي يرغبها مبدع النص .

ثانيا:- أسس البناء الأسطوري المرجعي عبر الراوي بواسطة الخطاب المسرود وسيتم عبره دراسة الذات الأسطورية لفواعل النص (10) وقيمها ومرجعياتها الثقافية وعاداتها وطقوسها وتركيبتها الإجماعية وسنقوم إضافة إلي التفصيل فيها عرض عينة من بحثنا الذي مارسناه علي التكوين الأسطوري داخل البناء السردي للخطاب مع كل مكون من المكونات الثقافية والإجماعية ثم بعد أن نميز ونعين الفواعل الأسطورية سنضع الجدول موضوع بحثنا والذي رصدنا فيه بطريقة عددية كم الضخ للتشكيل الثقافي والاجتماعي علي طول الأربعة عشر سيرة المقصودة وسيتجلي لنا من طبيعة ذلك التوزيع المقاصد التي من أجلها سعي القاص لتوظيف كلا من تلك المكونات .

المرجعيات الثقافية الأسطورية : وهي تشكل مجمل البعد الثقافي المطروح وتتكون حسب تصنيفنا لها مما يلي :

1- قيم وأفكار أسطورية : تشكل القيم والأفكار الأسطورية الموزعة هنا وهناك لدي القاري والتي أخذت من شفاه مختلفة وشخوص متناقضين عبر مسيرة الرواية والتي تمثل مجمل الثقافة السائدة لدي تلك المجتمعات إدراكا لطبيعة تلك العوالم وفي الوقت ذاته يتمكن المبدع من خلال راويه من تسريب كل ما يريد تسريبه من أفكار تعجبنا أو تصدمنا .

2- مرجعيات أسطورية : وتشتمل علي نوعين من المرجعيات كانت هاجس ومحرك تلك الفواعل في اتفاقاتها وتناقضاتها:

أ- مقولات الناموس المفقود ، وهو الكتاب القديم الذي أختلف شخوص النص في أصله (سيرة ، 8) .

ب- مقولات الأسلاف ، وهي مجمل التجارب والمثل التي تركها الأجداد واتي جاءت مع الناموس إما مفسرة له وأما مغطية لمساحات لم تطأها سطوته .

جـ - أساطير سائدة ، وهي تلك المجموعة من الأساطير التي اختيرت ضمن مادة القص لتشكل عبر سرد الراوي المشكل للعمل البنية التحتية لحركة الحدث وما يميز حقيقة تقديم الأساطير في هذه الرواية أنها لم تقدم كمادة فردية مثل ما قدمت داخل الأعمال الروائية الأخرى ولم تقدم أيضا كجزئية يتشكل منها بناء النص وإنما كانت حاضرة في أنفاس الراوي والشخوص متتالية وضاربة في الجذور وللعمق الأمر الذي يجعل منها غير قابلة للبحث الأسطوري المقارن وذلك لعدم التزام المبدع عبر الرواية بالتقديم المعتاد للأسطورة كإحالة متن النص لشيئية محددة تفسر أو تساهم في رفع وتيرة الحدث وإنما قدمت علي أنها هي الحدث ، بعبارة أخري إبراهيم الكوني لم ينثر أساطيره في النص كرموز تحيل عبر كلمات بسيطة إلي أساطير محددة كما أعتيد في الأعمال الأدبية أو الشعرية وإنما قام بفعل الأسطرة ذاته (11) مما جعل الأسطورة هنا أمامنا تحدث وتتفاعل من جديد ، إنها ليست الرمز الذي يرجع علي عوالم أخري ماضية أنها هنا العوالم الماضية التي يشار إليها بالرمز، حاضرة وتعاش وتتشكل أمام ناظرينا ، إن ما يقوم به الكوني هو إعادة صياغة أساطير قد تكون وجدت أو لم توجد مع ضخها بكافة المصطلحات الباثة للتوثين (12) والقدسية مما يجعلها ذاتها تشكيلا أسطوريا يؤخذ منه وليس مجرد رمز حاضر أو قيمة أسطورية محدودة مما أعطي العمل الروائي مدار البحث بعدا أسطوريا متكاملا .

3- البني لإجتماعية الأسطورية :

وهي تمثل مجمل الطرح السوسيولوجي الأسطوري الذي سيقدمه النص عبر التضافر مع المرجعيات الثقافية بغية تشكيل مجتمع النص أو المجتمع المزمع اتخاذه مادة للتفاعل السردي ، وسنلاحظ من خلال الجدول والدراسة التي تمت كيف كان تواجد هذه البني يبدأ في التناقص تدريجيا مع الاستمرار في عجلة النص لدرجة انه ينتهي نهائيا من السيرة (10) ، وذلك يوضح لنا الدور المناط بالبنية الاجتماعية الأسطورية وهو عمل الخلفية المناسبة لنا غير البني الثقافية التي كانت وستستمر تستوعب تفاعل الشخصيات وكافة الفواعل المصاحبة الأخرى في النص بغية إخراج المكنونات التي يرغب الراوي والروائي إنتاجها .

أ- التركيبة الاجتماعية الأسطورية لفواعل الرواية : وهي كافة التركيبات الاجتماعية التي شكلت النظام الاجتماعي لمجتمعات النص كالقبيلة الإنسية أو القبائل الأخرى الفاعلة في النص مثل قبيلة الطير المهاجر .

ب- طقوس ومراسم أسطورية : وهي تمثل كافة التصرفات التي يتم فعلها في لحظات محددة بناء علي مرجعية معتقدة أو (توجيه ناموسي) ، وتمثل في منظور أصحابها حالة من الفعل الروحي التواصلي مع عوالم قدسية أو وثنية مجهولة تتشكل بها لديها قيمة روحية محددة .

جـ - عادات وتقاليد أسطورية : وتمثل كافة العادات والتقاليد المنتهجة والتي ليس لها في لحظة فعلها لدي ممارسيها ارتباطات روحية أو معتقديه ، وقد تم ضخها في النص شأنها شأن كل فواعل النص المختلفة الأخرى بطاقة توثينية ( ) تجعل منها قابلة للانفتاح علي كل ما هو أسطوري .

د - الأهازيج والأشعار: والتي تمثل مجمل النشاط الفني لدي تلك المجتمعات وتنبث في بعض مواضع النص لتخلق عبر معانيها القريبة والبعيدة إحالات للمواضع التي يرغب الراوي في وضعنا فيها .

ومن خلال الدراسة المستقصية والمستفيضة للمكونات المذكورة سابقا وجدنا مادة الجدول التالي والتي سيسبقها أمثلة لماهية واحدة من السير وهي السيرة رقم واحد لكي يفهم من خلالها الآلية الإجرائية التي من خلالها سيتم جني تلك القراءات وسنكتفي سيرة واحدة وذلك لعدم الرغبة في إطالة حجم النص دون مبرر .

تقطيع السيرة رقم (1) سيرة أهل السماء

1- قيم وأفكار أسطورية : نزول الأسراب علامة سماوية (ص،9) ، العرافون يطاردون الطير للحصول علي أنباء سماوية ( ص،9) ، الأمهات يعلمن أن شرع الصحراء هو الذي سن الناموس الذي يحيل الوليد من يديها لطير (ص،10) ، وإدراكها أن الخروج ليس للحياة ولكن للتيه الذي لم يعد منه أحد (ص،11) ، من لا ينتمي إلي قبيلة معتزل والمعتزل في شرع الخلاء كائن بائس ووحيد (ص،13) ، العرافين يعودون بالنبؤة للزعيم والقبيلة (ص،16)

2- مرجعيات أسطورية : تنقسم المرجعيات الأسطورية إلي أثنين كما شرحنا سابقا الناموس ووصية الأسلاف .

ناموس لعاب طلب ما أخفاه الخلاء (ص،8) ، ناموس الصحراء أحال الوليد لطائر (ص،10) .

3- أساطير سائدة : وهي تلك الأساطير المعاشة داخل النص وتمثل حقيقة الفعل الحكائي المؤسس للفعل السردي .

أسطورة الطير وعلاقة العبور بين الطير والأنسان (سيرة ،1) ، أسطورة مس الجن للإنس وأمتزاجه معه عند حفلات أستقبال الطير (ص،11) ، أسطورة نزول الطير وتداخل الأصوات وأختلاف القبائل (ص،13) ، أسطورة كلمة السر وسفر الطير أسطورة العلامة (ص،12)

4- التركيبة الاجتماعية الأسطورية لفواعل الرواية : عرضت التركيبة الأسطورية لفواعل الرواية في منتصف الرواية الأول بصورة تصنيف واحد وذلك لأن المناط بها قد أنتهي عند منتصف الرواية الثاني .

الترتيبة المذكورة في (ص،9) وهي (يتقدمهم الزعيم خلفه الأكابر ثم الرجال ثم النساء والصغار) .

الطقوس والأساطير : وهي مايتم من أفعال ذات بعد روحي بشكل محدد وزمن معين . خروج أهل الصحراء بشكل وطقس محدد لاستقبال ملة الطير (ص،9)? طقوس اجتماعية تشمل الفرح والزغردة من النساء في آذان الأولاد ورقص فتيان القبيلة (ص،10) ، طقوس أستقبال الطير من قبل العرافين (ص،14) ، طقوس ما بعد سفر الطير والدخول لخباء الزعيم (ص،15) .

5- عادات وتقاليد أسطورية : وتمثل تلك العادات والتقاليد التي تنتهجها القبيلة وليست ذات بعد روحي بالرغم من أن الراوي لا ينفك عن ضخها من خلال المصطلحات المنتقاة بالفعل التوثيني .

خروج الصبايا للعراء والتحلق حول الطبل وتغني الشاعرات (ص،16) ، زغردة الحسان فرحة بنبوءة قدوم المطر (ص،16)، قرع الطبول عند نبوءة قرب الحرب (ص،16) ? إستدعاء النذير عند قدوم نبوءة الجدب (ص،16) .

6- الأهازيج والأشعار : تمثل الأهازيج والأشعار جزء من الثقافة الشعبية للمجتمعات وتعتبر تعبيرا عن الثقافة الجمعية السائدة في المجتمعات .

أهزوجة النساء لأولادهن عند نزول الطير (ص،10) "هاهو الطير الذي وهبك (...) وتهاجر مع الطير إلي بلاد الطير" ، أهزوجة العراف للطير عند النزول " لست طيرا أيها الطير ، أنتم نحن معشر الطير (...) برغم أننا لا نقول ذلك لأحد " (ص،14).

وبعد طرح أمثلة من كيفية التقسيم هذا الجدول التالي فيه أحصاء رقمي لكمية الموضوع من كل نوع من أنواع المؤثرات الفاعلة أسطوريا والمذكورة سابقا .



وقبل الدخول في الأستنتاجات المبنية علي قراءة التصنيف والجدول السابق نصنف الفواعل الأسطورية الأخري بكافة تنويعاتها بغية الوصول إلي رصد سيميائي متكامل لكافة أمكانيات وأشكال الدائرة الفاعلة لنحصل من كل ذلك علي إجابة للأسئلة التي تراودنا منذ بداية فعل القراءة للنص المذكور .

الفواعل الأسطورية الموثنة من خلال مادة النص وهي تنقسم لثلاثة أقسام :

1- فواعل أسطورية شخصية .

2- فواعل أسطورية لا شخصية .

3- محيطات جامدة أسطورية موثنة .

وقد كانت هذه الفواعل حاضرة علي طول مادة النص وأن أختفت أحداها أو أنتهي دورها ظهرت أخري غيرها وخاصة تلك الأسطوريات الجامدة , والتي كانت تظهر بتتابع عبر محيط النص راسمة مع المكونين لا مندرجين تحت دور الفعل للراوي مباشرة وهي الفواعل الثقافية والأسطورية .

الفواعل الأسطورية الشخصية :

الثلاثة قرابين الأنسية (الزعيم) ، (العراف) ، ( الحفار): والتي كانت علي طول مدي النص المحرك الأساسي لفعل الأسطرة ومن خلالهما وحولهما وخاصة (العراف والزعيم) اللذان كان فعل الأسطرة يتم من خلالهما وكان كنتاج لفكرهما وتحركاتهما الفرصة للراوي لينسج عبرهما نسيج أساطيره المشتبك والمتداخل .

المعمرين الثلاثة : (إيجابارن وأساروف وأماما) ولقد كان فعل السرد يتم ويتحرك عبر أماما الوحيد منهم الذي بقي حتي نهاية الرواية أما بالنسبة لإيجابارن والذي كان القوة الضاغطة علي الزعيم عند تكليفه بالزعامة وصاحبة الكلمة الفصل توفي بعد التنصيب . أساروف نفسه والذي شكل القوة الظاغطة علي الزعيم عند حدوث مسألة العشق بينه وبين الشاعرة وهو ذاته مات مباشرة بعد ذلك ولم يبقي إلا أماما الذي حضر عند حضور الضغط الثالث علي الزعيم مع المجموعة وصرح له وهو معه لوحده بأنه حضر خوفا من فأل التخلف السيئ وليس لثنيه عن أمر ما ? أماما الذ ي كان رافضا بصمت ما يحصل للزعيم حصل علي طول العمر وكأن ذلك الزعيم هو الذي ينسق معيش ما حوله أو كأن لعنة معينة أصابت كل من وقف في طريقه ولأن العراف كأن هو المحرك الأساسي لفعل المواجهة لثني الزعيم عن الترك فتابعه فأل معاندة الزعيم السيئ ومات هو أيضأ .

المعشوقات الثلاثة : معشوقة الزعيم والتي هجرت الحياة وذهبت لأرض مجهولة بالخلاء وتركت حياة الأنس(ص،50) ، معشوقة الغامض التي أودي العشق بعمرها وتاهت نتاج نثار زهر الرتم القاتل(ص،67) ، معشوقة صاحب (بئر هركات) والتي ماتت من العطش وهي تتحرك لملاقاته فحفر ذلك البئر أكراما لها (ص.200) .

الفواعل الذكورية الغامضة الثلاثة : العاشق الذي أختفي بعد أن أودي بحياة معشوقته ثم حضر حسب أسطورة العراف وسرق قبرها وهو يعلم بأخبار الخفاء حسب الحوار بين العراف والزعيم (سيرة 4) ثم غاص في الخفاء ولم يعد . باني الضريح عاشق الأستدارة والذي خالف العراف في كثير من المناقشات وأظهرت حواراته عبر المعروض الغير مباشر مدي علمه بقيم وحكمة الخفاء كذلك وهو يصف النبوءة بالأستدارة جعل العراف وهو يتوجس منه ثم عند أنتهائه من بناء الضريح هاجر وترك المجموعة وأختفي . الغامض الذي حضر لعلاج العراف ثم قام آخر الأمر بقتله بعد رفضه إرجاع دينه له من خلال معرفته بخفايا الخفاء وعلمه بأن ما أهلك العراف ليس من أمراض الخلاء ولكن من أمراض الخفاء ، وإظهاره العلم بامراض الخفاء (سيرة 10/ الغراب) .

الفواعل العلاجية الثلاثة الساحرات والعطار والحكيم : ورد ذكرهم علي طول النص بأنتظام وتناوب وكان زمن الأزمات هو زمنهم .

الفواعل التاريخية الثلاثة : وقد ورد تصنيف أثنين منها تحت المرجعيات الأسطورية أما الثالث (وانتهيط) والذي يشبه إلي حد كبير (إبليس) الشيطان في الثقافة الأسلامية في كذبه وقدرته علي المكر والإلتواء(سيرة 8) .

أساسيات الحركة التواصلية الأسطورية بين الخفاء والخلاء الموثنة الثلاثة : وهي ليست كلها فواعل شخصية ، وإنما فاعل شخصي أنسي وهو العذراء وفاعل لاشخصي مادي وهو الضريح الموثن عبر فعل السرد وفاعل قيمي وهو قيمة النبوءة (سيرة 5) .

أساسات الطقس (القرباني ) المعتاد : العنزة السوداء ، الدم ، المدية (سيرة 5)

فواعل أسطورية محيطة أخري : كانت هذه الفواعل الأسطورية تتناوب في الظهور علي طول خط النص خالقة لفعل السرد الفرصة للحركة والألتواء ، ومنها الحي ومنها الجامد : الطير المهاجر، طير الخفاء المزدوج ، التميمة ، وتر أمزاد ، عدد الساحرات من روائح كريهة وغيرها ، حبال المسد ، جدائل زهور الرتم ، القربان ، السيول ، الماء ، الترفاس والكثير من الأشياء الأخري التي ملأت جوانب النص وأثخنته بحيث أصبح له القدرة علي الدوران في كافة الزوايا سيميائيا .

قيم ومعاني روحية كثيرة حفل بها النص كانت لها القدرة علي الإستجابة لتأدية فعل الأسطرة المطلوب منه مثل الأيماء ، الحزن ، الهذيان ، اللحن ، الفضاء ، الخلاء ، الخفاء .

النتائج البحثية :

وأنطلاقا من الجدول المرصود والتقسيم المشروح فيما سبق نجد ما يلي :

1- القيم الأجتماعية الأسطورية ظهرت في بداية الرواية ، خاصة في السيرة رقم (1) ، ثم أخد ظهورها في التقلص مع الاستمرار في سرد السير وأختفت نهائيا في السير الأربعة الأخيرة وهو ما أوحى بالفكرة الموحودة لدينا وهي أن دور القيم الأجتماعية في هذا النص كان لرسم الصورة الأجتماعية لفضاء النص وذلك لجعله مقبولا ومفهوما وقابلا للتخلل بواسطة الخرق السردي وليس لتقديم طرح أجتماعي يمثل طرح لقيم أهل الصحراء في حد ذاتهم .

2- القيم الثقافية الأسطورية والتي ظهرت منذ بداية النص وأستمرت هي الفواعل الأسطورية في الظهور والتي شكلت الرصيد القيمي لتلك الفئات الأسطورية والتي من خلال ترتيبها هي والتركيبة الثلاثية الأسطورية المحكمة الترابط والفاعلة حققت للنص أكبر الفوائد السيميائية المطلوبة وجعلت في تشابكها وأختلافها وأرتطامها تؤسس لحركة النص فعله المراوغ الشهي القادر علي الأنزواء والأنفلات والعصيان .

3- الدراسة المقارنة السريعة لفعل الأسطرة الحاصل تجعلنا لا نتحرك مع ما أعتيد من أفعال الأسطرة العادية والتي صنفها بعض الدارسين (13) إلي :

أ- التجلي مع وهو عندما يكون حضور الأسطورة في شكل حكاية نرويها ضمن حدود الرواية ولكن لا تشكل تعالقا مباشرا مع أحداث الرواية وتحافظ علي إستقلالية كل من الحدثين .

ب- التجلي في : وهوعندما يقدم حالة من حالات التمازج بين الأسطوري والمعهود مما يكسب الأسطوري بعدا يوميا ويكسب أشياء المحيط الكثير من الفعل الأسطري واللامعهود . ويحدث في مثل هذا النوع أمتزاج بين الحاضر والماضي قصد ميلاد الأسطورة ? ومن الأمثلة علي ذلك رواية الطيب صالح (موسم الهجرة للشمال) ، ورواية صبري موسي فساد الأمكنة .

جـ- التجلي من : وفيه يتم أنبجاس أو تلمس الأسطورة من وسيط آخر ليس له علاقة مباشرة بها وإنما عبرها يتم ذلك كما في رواية الزقاق عندما يشير إلي (صينية الفريك) والتي لم تقصد بذاتها وإنما يقصد من وراءها ما لها من فعل جنسي أسطوري مثلا علي متناولها يختلط فيه الطب بالشعودة .

فأسطورة الأدب دائما كما ذكرنا في البداية تهدف إلي أختراق الواقع بالنقل نحو القدسي ? وإن كان مجرد انتقال الأسطورة من السلالي أو الديني ينفي عنها القدسية إلا أن أفعال الرواية المعاندة تظل تحاول صبغها بأفعال التوثين لغويا وسيميائيا .

وتعتبر الأسطورة في كافة الأعمال الورائية المعتادة مجرد وصلة نقل بين فعل النص إلي الرمزي والأسطوري بينما مع إبراهيم الكوني وحسب ذلك الكم من الضخ الأسطوري وتلك البؤر اللامتناهية والمتفاعلة نجد أمامنا الأسطورة في حال تكونها ، الأسطورة في لحظات النشوء , صحيح أن الهواجس التي تدور في ذوات تلك الكائنات هي هواجس أسطورية تعود وترتبط مع الكثير من الهواجس الأسطورية الإنسانية ولكن هناك نقطة الأختلاف الرئيسية أننا هنا أمام الأسطورة وهي في حال التحقق كموت الزعيم مثلا وكموت العراف وكلقاء الزعيم والعراف في أرض الحمادة رغم أن أحدهما ميت والأخر حي والكثير من الأحداث والأفعال والمثل والقيم الأسطورية التي ساهمت بشكل جماعي لخلق ما أجازف بتسميته هنا معتبرا إياه نوعا رابعا من أنواع الأسطرة الثلاثة السابقة التجلي الكلي ، أي أننا هنا لسنا بصدد ترميز لأسطورة ما مثل أي من الأساطير المستخدمة والموظفة ، إننا هنا بصدد الأسطورة وهي تحدث وتتشكل ومن هنا وفي المستقبل بإمكاننا الأستفادة من الزعيم كرمز للشاعر العاشق الخالد الرافض لوهم الزعامة وننظر للحفار كأسطورة لعشق الأرض لحب الماء وننظر للعراف كأسطورة للشخصية التوثينية القادرة علي بث القدسية والسمو في كل المحيطات أبتداء من دحرجة الحصى بالرجل وحتي أمور نبوءته المزعومة .

4- من خلال رقم (1) ، (2) نستطيع القول بأن مراد إبراهيم الكوني الكاتب الأول هو رسم تلك الهالة الصوفية الوثنية المتكاملة بغية الخروج من أزمة التعامل مع الأديان ( وخاصة الإسلام ) ، ذات البعد القدسي والتي سيتحول تصرفه من خلالها غير قادرا علي الاكتمال إنطلاقا من ذاتية محددة ومن مجتمع وأمة محيطة ولم يكن الرسم الأجتماعي الأسطوري يعنيه لأمة الطوارق التي تتصف بنفس الصفات التي يتصف بها مجتمع النص من استخدام للثام وموقع جغرافي وتشكيل قبلي أن ما يعنيه تسريب تلك القيم بغض النظر عن ما يظنه بعض النقاد من أنه يمثل روائي عالم الصحراء ، إني أعتقد أن إبراهيم الكوني روائي يتحرك من خلال أيدلوجية يؤمن بها وأفكار وقيم يتحرك من خلالها فالرواية بالنسبة له كما يقول " هي اللعنة والأثم والجنة المفقودة التي أفدناها بالخروج من الجنة ، واذا كانت الخطيئة هي قدر المبدع فإن الحرية لن تكون غنيمة تراجيدية " (14)

في البناء التقني للرواية :

من خلال النص نري ظاهرة جمالية تمثل خرق للسردي المألوف وذلك بتحول النص عبر المسرود الخارجي من التبئير الصفر حسب ج . جينيت (15) ظاهريا أو ما يعرف بالبراني الخارجي حسب تصنيف سعيد يقطين (16) للتبئير ، تحوله إلي ما أجازف بتسميته (التبئير المركب) (مع التذكير بالاختلاف الجذري بين هذا هنا والتبئير البراني الداخلي الذي يقصده سعيد يقطين ) ، ويتم ذلك عبر أستبطان الراوي لشخصية معينة من خلال ذاتيتها يرسم شكل وبعد الخطاب المسرود ويظهر تأثيرها علي نظرته الكلية أو المحددة للأشياء الخارجية ، ولقد ظهر لنا من خلال تفحص النص وجود ثلاثة أصوات رئيسية أستبطنت مع تدخل لأصوات أخري من الحين للأخر ولكن لأن دورها كان محدودا فلن يكون ألتفاتنا إليها كبيرا وسننتبه إلي تلك الثلاثة أصوات الرئيسية والتي لم تكن إلي شهداء النص الثلاثة أو القرابين الثلاثة ، وهم الزعيم الذي مات بسبب الطير مع معشوقه الطير والذي كانت السيرتين (1،2) وقفا عليه هو وتغزل الراوي المستبطن له في الطير ، وكذلك العراف الذي يتحرك من خلال وهم نبوءته المزعومة والتي أودت بحياته في الآخر وهي تصفه كغراب وجعل في المرحلة بعد موت الزعيم هو مالك الصوت ، إضافة إلى الحفار الذي دخل إلى بؤرة السرد مع السيرة 13 وتحول هو كنتاج لعشقه للماء والأرض وتغزله فيها إلى القربان الثالث المقدم للأرض لكي تهب للماء فعل الأنبجاس عبر البئر حسب أسطير القربان ، وجعل صوته وهو يستبطن صوت الراوي في أسطير القربان يعبر عن التعشق والتغزل والتوله في الماء وحركته .

من الجماليات الأخري التي نراها في النص ورود بعض الأصوات الأخرى وأن كانت مرحلية ، من تلك الأصوات صوت عاشق الشاعرة في السيرة رقم 4 الإكليل ، حيث نري التوله والرسم التوثيني لتلك الحزمة السخية والجديلة الجليلة من زهور الرتم ، مما يوحي بقدر التوله ، كذلك الغامض الذي يريد دينه من العراف ، صبغ السارد عبر خطابه المسرود في تبئير مرض العراف بكراهية مقيته وهو يصفه بقرف غير معتاد ضمن بنية النص (أنظر سيرة 9) النسيان (ص 150،151) كان رأس العراف حاسرا تتوج شعفته صلعة نحاسية صارمة ، علي الصدغين نبتت شعيرات هزيلة ، مفلفلة ، غزاها البياض . نلاحظ هنا أن الراوي يتخد موقفا عدائيا من العراف وهو يصف قدر بشاعة منظره بلغة منفرة وهو ما يؤكد انحياز الراوي ( علي غير عادته مع العراف) ، إنحيازه لذاتية الغامض الكاره للعراف والذي سيتضح من مسير النص مدي أستحقاره له وهو يصرح بأنه عالجه من أجل دين يريد استرداده منه .

تلك التركيبة الدلالية الرابطة التي شرحناها عبر تصنيف الفواعل السابقة مع مجموعة من الترابطات الأخري خلقت حالة من التخلخل مستمرة لدي القارئ :

أ- من تلك الترابطات الترابط بين الطير والإنسان والنسج السردي عبر الخطاب المتناوب بين العابر والطير (سيرة 1) ، ثم بناء عليه التناسب بين الطير الكسير والزعيم في الفصل الثاني ونظرا لأن الطير هو مدار وعي الزعيم الذي كان صوته هو الصوت المسيطر علي ذاتية الراوي في المرحلة الأولي من النص وهي تلك التي سبقت موته وجعلت كافة النصوص السردية المصاغة بالخطاب المسرود ، تصاغ عبر ذاتيته فخلقت عبر روائه قطعا روحية سردية غاية في الجمال وكذلك نتاجا لتدخله في المعروض (الحوار) الغير مباشر (17) كان يرسم الحوار بمؤثراته المختاره وانتقاءته المؤدلجة لخدمة النص وذلك بالرغم من أن النص يقدم عبر التبئير البراني الخارجي حسب تصنيف سعيد يقطين أو عبر التبئير الصفر حسب ج . جينيت ومن أمثلة المسرود (ص،8) ،(سيرة 1 /1) " ولكن العابر يمضي ، العابر يمضي ويبقي إيماء الوعد المستحيل (…) لأن قبسا شق ظلمات الأفق الأبدي الشاحب ، فلاح ، لغمضة قصيرة ، كومض البرق ، إيماء تاق العابر لنيله طويلا ،(...) فكيف لا يتزعزع الجسد الهزيل برعش الوجد وكيف لا يفز من المقلة دمع الحنين ؟ ".

ب- التغيير الحاصل لدي العراف بعد موت الزعيم مما جعله لا يختلف فكريا عنه وأستلم بذلك موقع المستبطن لذات الراوي الفاعل لفعل السرد ، وصار الكثير من أفكاره عن النبوءة والإيماء والغموض هي المسيطرة علي السرد والمنظمة للمعروض وللمنقول . أنظر اللقاء المزعوم بينه وبين الزعيم في الحمادة والذي من غير المؤكد تحققه وهو يصف بعد انتقال الراوي من تبئير ذات العراف وهو يسير مع زعيمه وهو ينتقل ليصف الأشياء من حولهما وهو بانتقاله هنا قد نقل بؤرة النظر أي التبئير (ظاهريا) منه هو الراوي ليصف (يبئر) الأشياء المحيطة بهما وهو التبئير الصفر والبراني الخارجي كما وضحنا سابقا ولكن لأنه يتحرك من خلال ذاتية العراف فلقد جاءت مصبوغة بالنبوءة والغموض (ص 128) " اكتشف الإيماء الذي تخلفه دحرجة الحجارة بالنعلين . أدرك سر اللغة التي لا تعترف باللسان ، وتستهجن (...) عبر أدغال اليبس ". ثم يتم الأنتقال إلي ما وصفناه بالتبئير البراني الخارجي أو الصفر عبر : " فوق عمامتيهما تدلي قمر ملفوف في قماط شاحب راح يغدق علي الخلاء بضياء شحيح ، في الضياء الباهت تمدد عراء صامت ، مفروش بحجارة رمادية زادها بخل الضوء كآبة وعتمة ". الخطاب المسرود التالي يتم عن طريق راو علوي ولكن نظرا للتداخل بينه كما أسلفنا وبين ذاتية العراف حصل فعل السرد عبر أفكار العراف ووعيه .

جـ- الحفار نفسه وبعد موت العراف دخل وأصبح هو المسيطر عبر عشقه الأسطوري للأرض وإيمانه بكون الماء رسولا دخل إلي الراوي وأصبح الراوي يتحدث عبر ذاتيته وأفكاره منذ موت العراف وخاصة في السيرتين (12 ، 13) مما جعل فعل السرد يأتي مصبوغا في مرات عديدة بعشق الماء وحب الأرض وكانت السيرة (12) سيرة السيول تؤصل وتمهد لدخول فكر الحفار في السيرة (12) القربان ، وأنظر إلي هذه المقطوعة التوثينية التي ظاهرها علي لسان الراوي عبرالخطاب المسرود صيغيا وعبر البراني الخارجي تبئيريا وباطنها الحقيقي عبر ذاتية عاشق الماء الحفار في لحظات موته وهو يري انبجاس الماء من البئر الذي كان حفره آخر أعمال حياته : " ألمت بايقاع الغمر عجالة ، فأنهمر السائل من صلب الشق ، وأفرزت مسامات الصخور المزيد ، فتلوى الكائن في سيره وعبر ، في سفره الخالد ، إلي القيعان ، فأبصر المريد في عبوره ، سر المولي ، وميلاد الحياة الأولي ".

كل التبدلات الصوتية المذكورة مع الترابطات السيميائية الأسطورية الخفية بين التزاوجات المؤطرة للعمل الأسطري أو بين مجموعات الثلاثي المذكورة المكونة لفواعل النص جعلت من العمل وهو يمتلئ بفيض من اللغة القوية والشاعرية العذبة وأنساق التوازي المنبثة في أماكن مختلفة من النص لغويا نرى مدى تاثير الأسلوبية المستخدمة(17) والتقنيات العالية التفاعل مع البنى الجمالية الأسطورية لخلق نص فعال وشاد ورائع إضافة إلى تبدل الراوي من الثبوت الظاهري في صيغة الخطاب المسرود والتي شكلت أكثر من نصف تمفصلات النص إلي الخفي المستبطن في كل مرحلة وخاصة تلك المراحل الثلاثة الرئيسية للنص وهي قبل موت الزعيم وقبل موت العراف وقبل موت الحفار والتي أستبطن فيها الراوي ضحاياه كل قبل موته وهو يقدمهم للموت عبر مضي تشكيله لمعيشهم الوهمي المكتوب.

الهوامش
(1) دانييل - هنري باجو (الأدب العام والمقارن ) ترجمة . غسان السـيد ، من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1997 (فصل ، 6ما لأساطير )
(2) مجموعة من الباحثين ، "الوجود والزمان والسرد ، فلسفة بول ريكور" ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط 1،1999، ص 101‏
(3) ماجدة حمود ، مقاربات تطبيقية فـي الأدب المقارن الفصل الأول (تأثير أسطورة بجماليون في الأدب العربي) - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000 ).
(4) المرجع السابق .
(5) الطاهر الهمامي (الأسطورة في الشعر العربي الحديث) مجلة الفصول الأربعة عدد(38) (12/1987) ، ص(35،39).
(6) إبراهيم الكوني (واو الصغرى/ رواية في سير) صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (الطبعة، 1) سنة 1997م.
(7) " إن النص هو بنية دالة تنتجها ذات ضمن بنية نصية منتجة في إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة " سعيد يقطين ، إنفتاح النص الروائي (النص ، السياق) ص32 ، المركز الثقافي العربي ط.1،1989بيروت/الدار البيضاء.
(8) سعيد بقطين (الكلام والخبر ، مقدمة في السرد العربي) ص،33،34 عن المركز الثقافي العربي ( ط.1 ) 1997الدار البيضاء.
(9) أنظر / صلاح الدين بوجاه (مقالة في الروائية ) ص،106، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر (ط،1/1994م)
(10) " يعتمد تشكيل البنية الدلالية للخطاب السردي من نسيج الرؤي التي تصدر عن الشخصيات بوصفها فواعل في بنية الخطاب " عبدالله أبراهيم ،خطاب السرد القصصي التدليل والتأويل، (مجلة الأديب المعاصر ،بغداد عدد44، سنة 1992م ، ص12)
(11) (الأَسْطَرَة جعل الشيء أسطورياً). تذكّر هذه الفكرة بفكرة " الموضعة " تحويل الشيء إلى موضوع )، وتعني تطور دخول مادة معينة في أدب ثم في نص معين. ( نفس المرجع رقم /1) وهو ما يقوم به إبراهيم الكوني عبر فواعله وعوالمه الدجالة التي تقوم بإنتاج فعل ثوثين أسطري لكل المحيطات بها تمهيدا لبناء ذاتها وأنسجاما مع طرق تحركها وتفكيرها .
(12) "إن الكتابة في حد ذاتها تعد توثينا للأشياء في حال نقلها من العالم الحسي اليومي المعيش لعوالم فنية وسحرية غامضة "، (صلاح الدين بوجاه) في الواقعية الروائية (الشيء بين الجوهر والعرض) المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر (بيروت،ط.1/1993 م )
(13) أنظر المرجع السابق (الباب الرابع ،فصل الأسطورة والسحر).
(14) أنظر تغطية فاطمة الحاجي لمؤتمر الرواية العربي سنة 1998 مجلة الفصول الأربعة.
(15) أنظر سعيد يقطين ، تحليل الخطاب الروائي (الزمن ،السرد ،التبئير ) الصادر عن المركز الثقافي العربي سنة 1989م حيث قسم الدكتور سعيد يقطين الصيغة السردية إلي (7)أنواع منها الثلاثة المستخدمة في هذا النص وهي الخطاب المسرود والذي يمثل الراوي وهو يقدم الخطاب السردي عبر الصوت الغائب وليس من خلال ذاتيتة ( والتي تسمي بالمسرود الذاتي وهي غير موجودة في النص مدار البحث) سواء كان هناك مروي له مباشرا أو غير مباسر والنوع الثاني وهو الخطاب المعروض الغير مباشر وهو الخطاب الذي يبني علي حوار الشخصيات مع تدخل الراوي منظما لعملية الحوار وهو يختلف عن (المعروض المباشر والمعروض الذاتي ) والنوع الثالث هو المنقول الغير مباشر والذي يمثل كافة الحوارات المنقولة مع تنظيم للناقل وتختلف عن المنقول المباشر أن المنقول المباشر( عبارة عن نقل تام لحوار أو خطاب الغير دون تدخل) كما قسم الدكتور سعيد يقطين التبئير إلي أربعة أنواع وهو البراني الخارجي والداخلي ، والجواني الخارجي والداخلي ويقصد بالتبئير هو موضع ووضعية المبئر وفي صيغة الخطاب المسرود يوجد عادة نوعين من التبئير وهو التبئير (البراني الخارجي والبراني الداخلي) والبراني الخارجي الذي يوازي ما صنفه جينيت بالتبئير الصفر يفترض فيه انعدام التداخل الداخلي ، نحن هنا في نص إبراهيم الكوني نستشف هذا التداخل من طريقة تقديم الراوي الذي ظاهره واحد وحقيقته متعدد.
(16) أنظر جيرار جينيت ، خطاب الحكي الجديد 1983م.
(17) " إن قيمة الأبداع الروائي لا ينبغي أن تقاس بشمولية الرؤية ولكن أيضا بمدى تأثير الوسائل الأسلوبية المستخدمة للتعبير عن مضمون الرؤية لدي المتلقي " فاطمة سالم الحاجي / الزمن في الرواية الليبية (ص.289) ،الدارالجماهيرية للنشر (ط1،سنة2000م)
عبدالحكيم المالكي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18 - 05 - 2005, 07:48 PM   #2
Registered User
 
الصورة الرمزية الاحمر
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2002
المشاركات: 9,776
قراءة واعية عرفتنا بعوالم الكوني
__________________
من ذاق.. عرف
الاحمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18 - 05 - 2005, 11:10 PM   #3
مشوار جينا عَ الدني . .
 
الصورة الرمزية قصة منسية
 
تاريخ التسجيل: 11 - 2003
الدولة: نبض يارا
المشاركات: 6,711
ابراهيم الكوني
ســـاحر هذا المبدع
يأخذنا لسحر الصحراء , لفتنتها ,لعاداتها , لقوانينها , لروح الأسطورة الآخاذة ,للعادات القبلية ,لكل ماهو خارج عن المألوف والمعقول ,والمدهش ,لعمق الصوفية ,للخيال ,للغة الحية ..
قرأت له روايات ( الخسوف ) الأربع منذ مدة طويلة ومازالت الأسطورة عالقة بذهني ..
وقبل اسبوعين قرأت له رواية (نزيف الحجر) ..
وبعد قرأتك لهذه الرواية سأحرص كذلك على قرأتها
دمت بخير
__________________



‹ قالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ۞ ›

Oh Lord, Thy Sea is Great, My Boat So Small
قصة منسية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19 - 05 - 2005, 11:55 AM   #4
أيام
 
الصورة الرمزية صلاح القرشي
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2001
الدولة: مكة المكرمة
المشاركات: 7,824
مطالعة جميلة

من ناقد متمكن كعبد الحكيم المالكي

الف شكر .
__________________





ياويحه من لم يحب
كل الزمان حول قلبه شتاء
صلاح القرشي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 05 - 2005, 02:33 AM   #5
هدووووووووء
 
الصورة الرمزية أسماء الزهراني
 
تاريخ التسجيل: 11 - 2004
المشاركات: 1,142
أستاذ المالكي

بعد التحية الوافرة لهذا الإبحار الماتع في تشكل أسطورة الكوني في ذهن قاريء محترف

كان المنهج الأسطوري في قراءة الشعر والقصة والرواية أحد شواغلي الأثيرة
وقد اطلعت على / ومارست عددا ليس بالقليل من الدراسات والمعابثات الأسطورية للنصوص
مثل هذا البناء المحكم لأنطولوجيا الأسطورة في رواية الكوني لم أقرأ الا النادر

أهنئك على هذه الإنجاز المفرح / ليس بذاته ، إنما بوجود العقلية القادرة على تكرار إنجاز من هذا النوع

وأتمنى أن تحين لي عودة تليق بهذا الحضور الباذخ
أسماء الزهراني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:21 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor