جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > القصة القصيرة والرواية

القصة القصيرة والرواية النصوص القصصية ، النقدية، والأنشطة المتعلقة بالسرد.

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 21 - 06 - 2005, 07:58 PM   #1
موحد
 
الصورة الرمزية عبد الواحد الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
المشاركات: 4,510
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى عبد الواحد الأنصاري إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى عبد الواحد الأنصاري
إبراهيم الكوني ونزيف الحجر – تعقيب وتأويل.



إبراهيم الكوني ونزيف الحجر – تعقيب وتأويل.


القسم الأول

تمهيد

كتب الباحث الروسي ديمتري ميكولسكي تعليقا عن رواية نزيف الحجر، لإبراهيم الكوني، ووجدتُ هذا التعليق عندما أنهيتُ قراءة الرواية، وإذا به يحتوي على تناقضاتٍ شديدة النتوء، بشأنِ تناوله لفكرة النصّ الكونيّ، وكلُّ ما استفدته من المقال أنه جعل الروائي إبراهيم الكوني في مصاف ماركيز وتوماس مان، ونجيب محفوظ وإميل حبيبي.
أما فيما يختص بتأويله للسرّ الحبيس في العمل (الكوني) فإنه أخطأ السبيل والجادّة، إذ إنه اعتمد على رمزيّة اسم (قابيل) في الرواية، ليحاول أن يُشرِع قصة ابنيْ آدمَ مظلةً مسيطرةً على جميع أجواء رواية نزيف الحجر، وهي لم تستعمل -في نظري- إلا إشارة إلى تلك القصة فحسب، وليس تكريسا لها على طول خط العمل الروائي: (نزيف الحجر).
________________
وعند هذا الموقف يحق لي، وأنا أقرب إلى المنطقة التي يتحدث عنها إبراهيم الكوني، أن أكشف الستار، ربما لأول مرة، عن علاقة أدب إبراهيم الكوني ببعض خبايا البيئة وأساطير الشعب الطارقيّ، وسيجد أيّ قارئ يطلع على هذا الكشف، أنه لا يحتاج إلى أن يحصر خياله المجنّح في حكاية واحدة، ذلك لأنّ حصر تأويل نص إبراهيم الكوني في قصة (قابيل وهابيل) يجعل الكاتب أعزلَ أمام إشكاليّة التناول البيئي الصادق، وقد يوحي للقارئ بأنّ نصّ (نزيف الحجر) هذا النص العظيم، ليس سوى تحوير لقصة هابيل وقابيل.
الكوني كاتب طارقيّ!

وقبل الاستطراد أحبّ الخوض في مدخل مهم:
هل يعدّ الكوني كاتبا عربيّا؟!
الكونيّ ينزح بسرده عن ليبيا إلى الجنوب، وهو لا يكتب الوجه العربيّ من المنطقة، بل يحرص على الزحف جنوبا إلى حيث تمركز الطوارق، وذلك -في نظري- تبعا لدافعيْن:
الانتماء، والمخزون التراثي الثريّ بخامات الإبداع.
وما عدا ذلك، فإننا نرى الكوني يكتب تيمبكتو ويعبر نهر النيجر إلى كانو، في متواليات ملحميّة تمزج بين غرابة البيئة الطبيعيّة وبين تغذية هذه البيئة الراهنة (التي تكاد تكون مجهولة التاريخ) بأساطير الأمم البائدة.
وقد اطّلعتُ على غلاف للكوني يحكي فيه حل الطوارق لألغاز سومر وغيرها، وأنا أحترم هذا الزعم، ولكنني لا أستبعد أنّ لانتمائه الطارقي الدورَ الأكبرَ في تشذيب هذه المزاعم لتكون صالحةً في نماذج من المقارنات اللغوية المتعمقة.
ولكيلا أشذ عن الفكرة بعيدا، أعود للقول: إننا اعتبرنا الكوني كاتبا طارقيّا للاعتباريْن السابقيْن، وعلى أثر ذلك يجدر بنا تبرير المسلّمة المعقولة لتبنّي المشهد الأدبي العربي لكونه كاتبا عربيّا! ولأن المسألة في نظري لا تحتاج كثير بحث، بل هي عفوية جدا، فالأمر عائد إلى اعتبارين: أنه يكتب باللغة العربيّة، وأنه يُنمى إلى الجنسيّة الليبيّة (وهي دولة عربية)، تماما مثل الكتاب الفرانكفونيين، كالطاهر بن جلون أو أمين معلوف أو غيرهما، وكل أولئك الذين يمكن اعتبارهم كتابا عرباً وفرنسيين في الوقت نفسه. وفي النهاية نخلص من هذا الجدل إلى أنّه لا فوارق مهمة في الأمر، سوى غنيمة أن نسمّي الأشياء بأسمائها!
وفي انزياح إبراهيم الكوني عن الأفق الليبيّ إلى المدى الطارقيّ الأرحب، باتساع مساحة الصحراء الكبرى، تلك الكتلة المحيطيّة الهائلة، التي تعجّ بالأساطير والحكايات الموروثة، في هذا الانزياح قد نجد ما لا يرضي حكومته الليبية ذاتها، وهي التي دأبت على بثّ نظريّة (تعريب الطوارق)، فحاولت عبثا، وفي بحوث وتجمعات علمية شتى، أن تعيد الأفق الصحراوي بجرّة قلم إلى العروبة، بالرغم من ثبوتيّة التأريخ والحضارة والحياة على أنّ هذا المدى الصحراويّ الممتدّ في المفاوز والقفار ما هو إلا مدى بربري، أو طارقي، حقيقته أن العربيّة ضيف عليه، وإن كان ضيفا مؤثرا على كل حال! واستسهال المستصعب في تعريبه ما هو إلا مغالطة للتأريخ.
تحت هذا اللواء نرى في أعمال إبراهيم الكوني ما ينطوي من تحدّ سافر (تأريخيا وفنيا) للتوجه الثقافي المسيّس في ليبيا، ذلك التوجه الذي يحاول دمغ هوية الصحراء الكبرى لتتماهى في الذات العربية، مركّزا على غنائيات (آنهي)، أو ما يسميه في العمل (الكتاب المقدس المفقود)، ليضفيَ عليه الجو الأسطوريّ، فيما هو ليس إلا مجموعة من مستخلصات الحكمة الطارقيّة المنخولة عبر الأجيال، بطريقة لا تسمح لأن يصل منها إلا أنقاها وألزمها بالشخصية الطارقيّة الأصيلة، فكأنما هي في انتظامها ودقّتها وعمقها وإعجازها صيغت من كتاب أسطوريّ! هكذا تتشكل مقاومة طمس الهويّة في سائر توجه أعمال إبراهيم الكوني.
إلا أنّ هذه المقاومة تنقل طرّفاً جليّا في بعض مناحيها، وذلك بتجاهلها للأعراق العربيّة المستوطنة في وسط الكيان الطارقي الهائل، فنجد الكوني يقدم نماذج عن قبائل (إيهجّارن، كل أوللي، إيفوغاس، إيدنان، إيموهاغ) أو (كل تماشق) بوجه عام، لكنه يتجاهل الأقليات العربيّة المجاورة لهذه القبائل في البيئة، ولا يقدم نماذج لها في سرده، يدفعه إلى ذلك التزامه بتقديم البرواز الطارقيّ كتيمة موحّدة للمنطقة، وربّما قلّة معطياته المعلوماتية عن قبائل عربيّة تمثل أقلياتٍ في هذا الكيان، لكنها لا تقل أهميّة في دورها الاجتماعيّ عن أي من القبائل المتأصلة في المنطقة: ولدينا مثلا: (كل الساحل، أو الموريين، أبناء المشظوف، أولاد علّوش، الكناتة، أولاد سيدي عالي، البرابيش، كل انتصر، أو غيرها من القبائل العربيّة التي انزاح بها التنقّل عبر القرون الأخيرة فوجدت نفسها منتظمة في هذا السياق). بيد أنّ الكوني لا يتخذ نفس المنحى مع أولئك العرب الذي يأتون إلى المنطقة زواراً أو تجاراً، ويظهر ذلك جليّا في رواية المجوس، ولكنه يخص بهذا التجاهل قبائل العرب المنبثّة هنا وهناك كقطع سحاب صغيرة عاث فيها الشتات داخل المدى الطارقي. ولا يتخذ هذا الأسلوب منهجا له مع القبائل الزنجيّة، بل يزحف بالتوثيق وتندرج في روح حكاياته أمثلة جلية من قبائل البمبارا والهوسا وغيرها من الأصول الأفريقية السوداء في المنطقة.
هذا المعطى وغيره من الإشارات الموضوعية الأخرى، التي تبدو مجانية في بعض الأحيان، دفعنا إلى اعتبار إبراهيم الكوني كاتبا طارقيا، في إطار هذا التصور على الأقل.
___________
وإذن! فإنّ أيّ إطلالة على أدب إبراهيم الكونيّ لا يجب أن تؤخذ على مأخذ الدهشة الفنية التي تحتويها وحسب، بل يجب أن تؤخذ على أنها توثيق للشخصية الطارقيّة ونقلٌ حثيث مدروسٌ لحيثيّات الحياة الاجتماعية، في تواترها الطبيعي الذي لا يعتريه التغيير بسهولة، الذي تظل إحدى أهم ميزاته: أنّه مجتمع مستمسك بذاته، ببدائيّته، لا يتزحزح عنها ولا يغويه التطور الإنساني من حوله إلا بمزيد من التحوصل، وأهم الأدلة والإثباتات على ذلك هو الروائيّ الكوني نفسه: فقد عجزت كل عوامل التعرية والتحوير، وروافد الحضارة على روحه أن تُحيلها عن كتابة الصحراء مرة ومرة ومرة، وحتى آخر قطرة تبقى في دلوه!
إن طبيعة البيئة الطارقيّة مجتزأة من طبيعة بيئتها ومن طبيعة لغتها: فاللغة أصيلة، وقد تكون إحدى أقدم اللغات المستخدمة حاليّا في معرض الحياة اليوميّة، متجاوزة في ذلك العقبات التي حالت دون استمراريّة اللغة اللاتينيّة الأم وغيرها من اللغات البائدة، وذلك يرجع إلى أسباب كثيرة جدا، تحتاج إلى بحث يعرضها باستقلال، لكنْ من أهمّ عواملها: أنّ الثقافة الطارقيّة في أغلبها ثقافة شفويّة فيما عدا نصوص التيفيناغ، وما سوى ذلك من العلوم والمدارس التي يتلقاها أبناؤها في شؤون الحياة والمعرفة ما هي إلا لغات رافدة لتطوير الذات على المستوى الشخصي، وإن تعثر اللهجات البربريّة عن أن تكون لغات حيّة مكتوبة، تتبادل الخطاب مع الحضارات الأخرى، هو ما في سبيله إلى أن يعمّق أقدميّة اللغة وأقدميّة الشخصيّة الطارقيّة، ما دامت متمركزة في الأفق الصحراوي المنقطع حضاريّا عن العالم الآخر.
__________
البيئة الطارقية أرضيّة مثالية للقص الغرائبيّ:
لا تكاد تجد في العالم مدىً محيطيّا شاسعا كهذا العالم الصحراوي، عالمٌ امتزجت فيه الأسطورة بحكم الأجداد بالشعوذة بتعاليم الشريعة الإسلامية بخرافات التصوف والدروشة بالالتزام الصارم بأحكام الدين الفقهية الفرعية؛ امتزجت فيه كل هذه التعدديّات لتكون شخصيته البدائية في ظاهرها المتفلسفة في باطنها حتى النخاع. وعندها نعلم أنّ الروائي إبراهيم الكوني لا يكتب الرواية للإمتاع، بل يكتب الأفق الطارقيّ المبهر، لينقل جماله إلى اللغة القريبة المجاورة، أو عالم الأصهار أو الجيران: العرب، فإننا يجب أن نستقرئ من جميع مشاهده وحكاياته، مشاهد وحكايات البيئة الطارقية الصحراوية، وبين أيدينا نطرح أنموذجا لهذا التناول المقترح: في رواية نزيف الحجر.
سنعود في القسم الثاني من المقال إن شاء الله للإدلاء بما لدينا في هذا الشأن، وما عندنا فمن الله، هو الذي علم بالقلم، وعلم الإنسان ما لم يعلم، سبحانه له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
___________

__________________

آخر تعديل بواسطة عبد الواحد الأنصاري ، 22 - 06 - 2005 الساعة 09:40 AM
عبد الواحد الأنصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22 - 06 - 2005, 09:37 AM   #2
أيام
 
الصورة الرمزية صلاح القرشي
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2001
الدولة: مكة المكرمة
المشاركات: 7,824
حديث مدهش

عن روائي مدهش

سأنتظر الجزء الآخر بشوق ..
__________________





ياويحه من لم يحب
كل الزمان حول قلبه شتاء
صلاح القرشي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27 - 06 - 2005, 02:42 PM   #3
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2004
الدولة: مصراتة / ليبيا
المشاركات: 12
تحية

العزيز عبدالواحد
أشك مثلك في كل ما كتبه الناقد الروسي الشهير عن العمل
فهو غرق في عالم تصوراته الشخصية عن المنطقة العربية
ليصور كيف أنتقلت قصة قابيل وهابيل لهم بعيدا بالطبع عن أي دور
للمؤسسة الدينية الدينية الأسلامية .
كما انه لم يلامس بنية العمل الحقيقية .
بخصوص أبراهيم الكوني
لا اشك فقي كل ما كتبته ، ولكنني اتمنى ان لا يجرفك التنظير الخارجي
بعيداً عن النص نفسه فنص نزيف الحجر نص ثري فيه بنية داخلية متميزة
لو راجعت أزمنة الحكايات لوجدتها سبعة أزمنة مرتبة بشكل منظم ،تحكي كل منها
قصة محددة ، وكل هذه القصص تمتلك ذات البنية في معناها ، اي ببساطة نحن
أمام مجموعة من السير ،أعيد ترتيبها بواسطة فن السرد ، لتشكل رواية.
السيرة الأولى هي سيرة قابيل واخوه القديمة التي نجدها في المناص الأول.
والسيرة السابعة هي سيرة قابيل واسوف وما حدث بينهما والتي تؤطر العمل
الروائي كله .
تحية لك عبدالواحد واشكرك وأنتظر باقي الدراسة
عبدالحكيم المالكي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27 - 06 - 2005, 04:54 PM   #4
موحد
 
الصورة الرمزية عبد الواحد الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
المشاركات: 4,510
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى عبد الواحد الأنصاري إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى عبد الواحد الأنصاري
صلاح:
إطلالة معتادة، وبها أعتز.

المالكي:
منكم نستفيد، وبكم يُستهطلُ الندى، وعندي في شأن إبراهيم الكوني بقيّةٌ من قول، سأحاول تشذيبها ثم الإدلاء بها، ومن ثَمّ سأستنير بمداخلتك، لأنّك أقرب إلى جوّ النقد مني.
محبة بحجم الأفق.
عبد الواحد الأنصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18 - 12 - 2013, 02:14 PM   #5
ووضعنا عنك وزرك
 
الصورة الرمزية ود
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2001
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 11,556
مضت ثمان أعوامٍ ونيف ينتظر فيها القراء هذا الأنصاري كي يفي بوعده وأنا الآن انضممت لهم فهل من جزء آخر ، الجزء الأول رائع ومنطقي والنقد سلس ومحترم ولطيف وكل ما يليق بقامةٍ مثل ابراهيم

نحن على انتظار يا عبد الواحد
__________________
روح قديمة
ود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2013, 07:12 AM   #6
موحد
 
الصورة الرمزية عبد الواحد الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
المشاركات: 4,510
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى عبد الواحد الأنصاري إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى عبد الواحد الأنصاري
مرحبا بالأستاذة الكريمة ودّ

الجزء الثاني من هذا الرد سبق أنني نشرته في تعقيب لي على خالد عويس، وكان فيه رأي حادّ نوعاً ما ضد الكوني، لذلك فضلت عدم نشره هنا مرة أخرى، حتى تعاودني حياديتي مع الكوني، خصوصاً أنني أرى أن مستوى أداء هذا الروائي هبط كثيرا في آونته الأخيرة، وأحب أن أحافظ على صورته الجميلة في ذاكرتي وذاكرة قرائه الذين تعلموا منه الكثير والكثير.
عبد الواحد الأنصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2013, 02:40 PM   #7
ووضعنا عنك وزرك
 
الصورة الرمزية ود
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2001
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 11,556
امنحني لطفاً الرابط كي أطلع على رأيك لربما وافق رأياً لي أو ازددتُ معرفة ومنك نستفيد دائماً عبدالواحد
ممتنة لك دوماً ، لك بهجة متقدة سيدي

ملاحظة :

أرجوك لا تأستذني لست بأستاذة والله كلنا غرباء في محطات الحياة

ألف مليون شكر على ذوقك
ود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29 - 12 - 2013, 10:56 AM   #8
موحد
 
الصورة الرمزية عبد الواحد الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
المشاركات: 4,510
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى عبد الواحد الأنصاري إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى عبد الواحد الأنصاري
الإشكالية التي أوقعتني يا أخت ودّ في التوقف عن الكتابة عن الكوني هي أنني حينما بدأت الكتابة فوجئت بسيل جارف من رواياته يصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وتفاوت مستواها، ثم فوجئت بأنه يستاء جدا ويسيء أكثر إلى كل من يبدي أي رأي في أي من رواياته غير الاستحسان إذا لم يكن قد قرأ جميع رواياته الأخرى! وهذا شأن صعب وشرط أصعب، لا يستطيع شخص مثلي الالتزام به مع كل كاتب.

وآنئذ تحدثت وأوضحت الرؤية الجديدة التي أصبحت تقتضي من شخصي المتواضع تعاملاً جديداً مع الكوني وأعماله، وذلك أن إبراهيم الكوني كاتب لم يتوفر على الكتابة المستمرة إلا منذ عام 89 /90 م، ومن ثمّ توالتْ له الأعمال، وكان الجزء الأول من مراثي أوليس (المريد) عام 2004، وقبلها خمس روايات على الأقل فقط فيما بعد عام 2000، وكتبه لم تكن متوفّرة، ولعل الضجّة الناتجة عن خبر نيله للجائزة السويسريّة هي التي دفعت بعض الدور لضخّ اعماله في المكتبات، فاستطعنا أن ننال منها بضعة عشر كتابا، كان من آخرها كتاب البحث عن المكان الضائع، وهذه المؤسسة أو دار النشر أصحابها ما صنعوا ذلك خدمة للثقافة ولا تعريفا لها، بل بهدف تحصيل شرائيّ، ولهم الحق في ذلك، لكننا ما أعطينا الفرصة لنعرفه أول مرة إلا من (كتاب في جريدة)! عندما نشرت عمله على ما أذكر عام 97! ونحن المتقوقعين هنا في الداخل لا نعبر الجسر إلى الشرق ولا نمتطي بساط الريح إلى هنا أو هنالك!

وفي ذلك الوقت شعرت بأن الأمر فيه مخايل وبشائر، لكنه ينطوي على أزمة.

الأزمة هي: أن أعمال إبراهيم الكوني عظيمة حقا، ولكنها صارت تُلاقى بوهج إعلامي ونقديّ عاجز إلا عن الإطراء وكيل مثاقيل المديح، أما التعمّق في ذات النصّ الكوني وربطه ببيئته وتكوينه، ثم محاولة قراءة إبراهيم الكوني / الإنسان والتجربة المعرفية والحياتية والأيديولوجية (وأصر على هذه الأخيرة). كل هذا يُخشى أن يُطمر بتموضع كل التقديمات الحاليّة في الانبهار وسيلان الإطراء البحت والتفخيم المحض، وفي اعتقادي أن الانسياق في هذا الخط لا يخدم العمل الإبداعي ولا صاحبه، وهو وجه آخر من أوجه الدجل الثقافي.

أعود وأقول:


وكان مما أوقفني عن مسايرة رؤايَ عن إبراهيم الكوني، هو تعقيبه اللاذع على رأيِ الناقد جابر عصفور في أدبه، واشترط عليه شرطا عجيباً، أنه لا يحق له أن ينتقد أعماله ما لم يقرأها جميعاً، وقبل ذلك كانت لي رغبة في المشاركة بما عندي، تعليقا على البيئة في روايات الكوني، مستظلاّ ببعض ما قرأته له.

والذي عاقني عن إتمام المشوار كما ألمحت إليه آنفاً، أنّ إبراهيم الكوني هاجم الذين لم يقرؤوا كلّ أعماله ومع ذلك تجرؤوا وكتبوا عنه، وعلمت أن له مؤيدين من النقاد والمتذوقين في هذا التوجه، وأنا بصراحة لا أستطيع أن أقرأ جميع اعمال إبراهيم الكوني لكي يقتنع برأيي في عمل وحيد له!

وقد أخذتُ في النظر –ومن حقي هذا الأخذ- أني مستهدف بهذا الخطاب الذي يعتمده الكوني ويشترطه على قرائه ويشترطه قراؤه الخاصون به أيضاً على من يكتب عن أعماله.


وأنا لا أتّبع هذا المنهج إذعانا وتسليما، بل إكراما وتوقيراً، فالله لا يؤاخذنا إذا ذكرنا ما علمناه، ولأنّ التمام غاية غير متحصلَة لعبد من عباد الله.

وابن عمّنا إبراهيم الكوني –وأنا أعرف لمَ أقول هذا وقد يتضح السبب فيما بعد- هو جارٌ لنا ما دام يكتب عن تمبكتو، ولدي من التعقيبات التي استقيتها من بيئتنا المشتركة ما يخوّلني الحكم، وقرأتُ من كتبه ما زادني وأفادني؛ لكن المعضلة التي أصبحت هي الحائلة بيني وبين إتمام المسعى هي أنّ له ستين كتابا، وليست كلها موفورة، وأنا لم أحزْ منها إلا عشرة كتب إلى خمسة عشر كتابا، ولما رأيت اشتراطه الصعب واشتراط معجبيه، توقفنا، ...

وناديناه أنْ يا إبراهيم، أمهلنا حتى نفرغ من الستين.


ومع ذلك، فإن لدينا ما نقوله عن إبراهيم الكوني بصفة عامة بعيداً عن أجواء رواياته، وقريبا من خطابه الغنائي الذي يحوم حوله كتاباً وخطاباً...


فبالعودة إلى بعض لقاءات الكوني فإننا نقتنص خلطه بين المعاني المتقاربة في تعبيراته الفلسفيّة، فهو يفهِمنا أنّ الرحيل هو الديانة الصحراويّة المقدّسة، وأن الاستقرار هو اللعنة الكبرى، وهذه رؤية قد تطربنا للحظة الآنية، لكنها تلعب على الخلط بين ضرورة التنقل في الحياة، وهي الضرورة الثابتة المعروفة، والترحال الذي هو بمفهوم التشتت، وعلى هذه الفرضيّة قامتْ روايته: البحث عن المكان الضائع. على تقديس الرحيل، واعتبار الاستقرار والسكنى خطيئة لا يقف في وجهها منطق ولا قيمة!

ونحن لا نقر بهذا، لأن التنقل مسلّمة من مسلّمات البقاء، وهو تحصيلٌ لجبلّة تنص عليها الكينونة ذاتها. بمعنى: أنّ الموت هو الخمود التام والصمت المطبق، بانقطاع أي نوع من أنواع الحركة، وحتى لو كان علم الأحياء ينقض هذا الفهم إن قال: إن بعض خلايا الإنسان تظل تنمو بعد فقدانه للروح، كخلايا الشعر والأظفار وسواها، فإن هذا يؤوّل بطبيعة القصور الذاتي بالمفهوم الفيزيائي (ولو أنني تطفلت على هذا العلم العظيم ولست من أهله، ولكن ألسنا نفعلها كل يوم في تعبيرات السياسة وعلم الاجتماع، وبهذا الاعتساف نفسه؟!). وما يتبقى من الأحياء بلا حركة (كالنبات والشجر) فهو في الظاهر ثابت ولكن حياته متبدلة ومتغيرة، وتلك سنة الله في خلقه.

أما أن نبثّ في روعنا أن الاستقرار هو الخطيئة الكبرى، فمعنى هذا أن الجنة كانت خطيئتنا الأولى! لأنها كانت استقرارنا الأول، وقد مكثنا فيها ما شاء الله أن نبقى! وعلى هذا التناول يصح أن الترحال كان هو الإنقاذ، على ما فهمناه!

بيد أن سجيّة الاستيطان والمجتمع فينا تنفي هذا! أليس الهبوط من طبقة البرجوازيين لشخص مثلي، إلى طبقة اللاصقين بالتراب، هو من جنس الحرمان الأول الذي حمل آدم على الهبوط، أليس هذه الفجيعة الآنية التي تجمع الصدر في الحلقوم هي نحلة من قاصمة الظهر الأولى؟!

وإذن؛ فالمفهوم المأخوذ من فناء المدن، ليس أنّ الاستكانة إلى الاستقرار هي ما أدى إلى معاقبتها وإفنائها، بل هو الظلم والجهل (بالمفهوم الكبير). وهذا ما أشارت إليه الديانات، وبه ينتقض الاستشهاد الذي جاء به إبراهيم الكوني من العهد القديم، أليس عندنا:

- ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون.

- ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون.

وعن بني إسرائيل الذين سئموا من الاستقرار:

- وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، وضربت عليهم الذلة والمسكنة.

وفي موضع آخر:

- فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا، وظلموا أنفسهم، فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق.
فالتباعد بين المصادر والموارد هاهنا، أو تمنيه، ظلم للنفس.

وفي موضع آخر:

- وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

فالرزق يأتيها رغدا من كل مكان، وهذا لا ينفي أن بعض أفرادها يتنقلون، ولكن التبدد في البيداء لعنة كما يدل عليه النص السماوي، عندما أبى بنو إسرائيل أن يدخلوا القدس على الجبارين، وينعموا فيها بالاطمئنان الذي تباركه اليد الإلهية:

- قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.
وهكذا كان عقابهم بالتبدد في الصحراء على نقيض الرضا باقتحام الأرض المقدّسة والاستقرار فيها.

وفي الدخان عن فرعون:
- كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.

وعن صاحب الجنتين:
- ودخل جنته وهو ظالم لنفسه، قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا.

وإذن فمهوم الترحال الذي يشدد الكوني عليه، هو مفهوم وهميّ، بل هو شعريّ في أحسن أحواله، لأننا لا نعزل الحركة عن العالم وهي من صفاته الأزليّة، ولا نحدّ الاستقرار عن مزيّته فنعدّه الخطيئة الكبرى، ومنه انتزعتنا خطيئتنا الأولى! إن الظلم والاستبداد وانعدام العدل الاجتماعي هو ما يفضي إلى عقوبة الشتات! وعلى هذا لا يمكننا أن نسلّم بأنّ رأس الفضيلة هو من جنس إحدى العقوبات الإلهية!

والمستمتع بالأدب يترقّى في مخايل هذه الأفكار الأدبية على أنّها رؤى نظريّة، غايتها قراءة الإنسان والمجتمع من وجهة مخالفة، مثلما يتناول كازنتزاكيسي رفض البطل (زوربا) للكنيسة، بإحراقها بمن فيها! الأمر الذي يتفهمه الراوي ويمهّد له على أنّه إلفات رمزيّ ودعوة إلى أن تطبق هذه الفكرة بالمنطق المعرفي، وليس بأسلوب الأرض المحروقة، ولو أُحرق بيتُ الكاتب في حياة الواقع استجابةً لغليانٍ شعريّ، فإن الكاتب سيرفع الجاني إلى الجزاء، فهذا من جنس هذا.

أما إكمال الكتابة عن نزيف الحجر للكوني فليس في طاقتي ولا مستطاعي، لأنني لم أقرأ أعماله الستين بعدُ، ولا أزال أقول: أمهلنا يا إبراهيم، حتى نكمل الستين أو نبلغ الستين وتتجاوز أنت التسعين!
عبد الواحد الأنصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29 - 12 - 2013, 11:26 AM   #9
ووضعنا عنك وزرك
 
الصورة الرمزية ود
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2001
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 11,556
نعم هكذا أردتُ الجواب
ورايت ُ ان ما ذهبت أنت اليه أخي الكريم على جانب ٍ لا يُستهان به من الحرفنة والصحة في آن ، أحياناً من فرط الرغبة في المسايرة نتتبع آراء الغير في مرحلةٍ ما عمرية إو قرائية أو ثقافية كلٌ وحسب مداه، ونكاد نقع في الخطيئة القاتلة ان قلنا إن أسلوب فلان لا يستهوينا مثلاً أو أن أغاني فيروز ليست أجمل ما في الأغاني مثلاً ، كأنما نقذف مقدساً وهذا لا يجوز ثقافياً.

لا يجب على الكاتب أن يفرض على الناقد قراءة كل كا كتب حتى وان كان يكتب سلسلة مترابطة فكيف ان لم يفعل؟!

الكوني يدور في مدارٍ واحد والتخصص والكتابة عن المنشأ والبيئة ليس خطأ ولا يمكننا تقنين الكاتب والتحكم به ، لكن أحيانا ً يكفي عشرة كتب متتالية بمعرفة أسلوب الكاتب مثلاً وهناك ماركيز لغته واحدة وتناوله للمواضيع متشابهة لكن الحبكة وبيئة النص مختلفات

اما ان يغضب الكاتب لأن أحداً انتقده ويطرب للمديح وحسب، هذا لم يحدث من أيام الاوديسه حتى

من يستطيع ضمان انفاق الأراء عليه ان استثنينا الأهواء حتى

أنا سعيدة ان استجبت لطلبي لأن لك طريقة شرح تحليلية تعجبني وتدخل الى عقلي الصعب كما أنني أردت ُ أن أرى أن هناك من ( يتجرأ ) على الرموز الثقافية ويفتح الباب لحديثٍ عنهم لا لتبجيلهم وحسب

لو أن لديك من الوقت ما تتحدث فيه عن سليم بركات سأكون ممتنة
كما أنني أظن أن سليم بركات والكوني ورجاء عالم يتقاطعون في نمطٍ ما هل هذا صحيح في رأيك

ان توفر لك الوقت فقط ولا تشعر رجاءً بالإلتزام متى ما استطعت أكن شاكرة

كل الرضا لك سيدي
ود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27 - 01 - 2014, 08:01 PM   #10
موحد
 
الصورة الرمزية عبد الواحد الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
المشاركات: 4,510
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى عبد الواحد الأنصاري إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى عبد الواحد الأنصاري
ما نسيت يا ود، ولكن الوقت أخذني، ولي عودة مع بركات.
عبد الواحد الأنصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:18 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor