جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > القصة القصيرة والرواية

القصة القصيرة والرواية النصوص القصصية ، النقدية، والأنشطة المتعلقة بالسرد.

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 12 - 04 - 2006, 03:47 PM   #1
ماءُ غيابك ...
 
الصورة الرمزية قدح
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2004
المشاركات: 2,075
قرايات



[blur]« قرايات »[/blur]


[shfaf2]http://www.islamiyyat.com/IslamicBook002.jpg[/shfaf2]


هذه النصوص التي سأحاول ما وسعني الجهد إلى مواصلة كتابتها، هي يوميات أكتبها في أوقات وأماكن مختلفة. اصطلحت عليها (قرايات) من أجل أن تتمدّد خارج التجنيسات المعروفة. ولأنها تنحاز في كثيرٍ من صورها إلى الصياغات القصصية، لذا أرى بنشرها في هذه المساحة أمر يعمل على إظهارها بشكلٍ لائق، وكما أريده لها أيضا.


[bdr][/bdr]

قراية «1»

الأثنين 10 أبرل (نيسان) مكتبة دار البلدية في (لاهاي).



باص 45 الذي أنتظره يومي الثلاثاء والجمعة في الجهة المطلة على غابة برنارد عندما أريد الذهاب إلى (فاسينار وليدن)، هو ذاته الذي أستقلّه يومي الاثنين والخميس لأذهب إلى لاهاي عندما أنتظره في الجهة المقابلة لمقبرة فوربورج القديمة. ولأن اليوم هو الاثنين لذا فأنا الآن أكتب من مقهى السيد بور الملحق بمكتبة دار بلدية لاهاي.

- أنت مرّة أخرى؟ مرّت فترة طويلة أليس كذلك؟ بادرني السيد بور وأنا أدخل ردهته.
- نعم، فترة طويلة، يمكنك أن تقول تسعة أسابيع. وكيف أنت؟
- بخير، شكرا لك. بالطبع ستغفر لي نسيان اسمك، فلا شيء يجعلني مشتّتا كتصديقي أن لكم أسماء مختلفة؟
- إنها مختلفة يا سيد بور، عليك أن تصدّق ذلك حتى لا أكون سبباً بتشتيتك طوال الأشهر الثلاث القادمة.
- سأفعل ذلك بالطبع. صمت لبرهة ثمّ استدرك على نحوٍ مباغت: يؤسفني أن أكون أول من يخبرك بوفاة الرجل الصيني الذي فقد نظارته في المرحاض قبل نهاية العام الماضي.
- أوووه، أشعر بالأسف نحو عائلته، ستفتقد إليه حتما.

في الحقيقة لم أكن متأكدا من معرفتي بالصينيّ الميت ولكنني سمعت عن رجل فقد نظارته في مقهى (ستاوت) ومكث على كرسيّه رافضاً مغادرة المكان قبل أن يعثروا عليها. وأخيراً وجدَتها النادلة في المرحاض المخصص للنساء، بعد أن سلخ نهاره هاذياً وناشجاً على كرسيّه. باغتني السيد بور:

-لم تكن للصينيّ عائلة.
شعرت بإحراجٍ طفيفٍ حاولت دفعه عني بسؤال السيد بور:
- ولكن ما اسمه؟
- اسمه؟ لا أظنني أعرف اسمه، إنها تتشابه كما تتشابه جمهرة المنشدين في جوق.
- وهل ما زال (أوجن) التركي يحاول إقناعك بضرورة أن تفكّر جديا بشراء كراسٍ بمساندَ مرتفعة؟
- نعم، نعم. لقد كانت المرة الأخيرة قبل مجيئك بنحو ساعة. أخبرته أن المساند تجعل الزبائن يلتصقون بالكراسي، ولكنه لا يريد أن يصغي. وسكت لبرهة قبل أن يردف: ولكن هل أنت متأكد من اسمه، هل اوجن هو اسمه؟ لم أكن أعرف بذلك، هؤلاء الأتراك تتشابه أسماؤهم كثيراً حتى أنني سمعت من صديق لي أن الأتراك يتجنّبون الإقامة في الخانات والنزل الجماعية، لأنك ما أن تنادي أحدهم حتى تتحلّق حولك قبيلة من النساء والرجال يحملون ذات الاسم.
- يا سيد بور تحتاج إلى ذاكرتك وحسب لنبدو مختلفين.
أجابني وهو يضحك بصوتٍ أجش:

- ولكن هل تعتقد أن الأمر سيكون ممتعاً كما هو الآن عندما تكونوا مختلفين؟ ثم تابع وهو يضيّق فتحتي عينيه ليبدو جديّا وربّما حقيقيا أكثر من أي وقت مضى: هل تعرف كم أنتم محظوظون، محظوظون تماماً لأنكم لن تحتاجوا إلى أكثر من أن تتصالحوا مع حقيقة أنكم تحملون اسماً واحداً، الأمر ليس سيئاً يا صديقي كما هو الحال مع الأفارقة.
- الأفارقة؟ ما شأن الأفارقة بحديثنا يا سيد بور؟
- إنّهم بلا أسماء، بلا أسماء أبداً.


قدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 04 - 2006, 04:04 PM   #2
ماءُ غيابك ...
 
الصورة الرمزية قدح
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2004
المشاركات: 2,075



قراية «2»

الاثنين 10 أبريل، باص 45



فراسةُ ما بعد الخامسة والأربعين..

هكذا أريد أن أسمّيها، النظرة التي لا تصلح إلاّ لهذه السنّ، السنّ التي تدفع الكائن بصرامةٍ كاملةٍ إلى العطب. يفصلني عنها الممشى النحيل في باص 45. ترمق الأشياء من حولها ببطء، تحرّك ذراعيها ببطء أيضاً.. وببطءٍ مرةً أخرى تتفرّس في أظافرها، تبدو وكأنها سمعت للتوّ أخباراً جعلتها تتأبط -على عجلٍ- حقيبَتها القنّب من جنسِ تلك التي يعود بها سائحو جزر المتوسّط الدفيئة وتخرج لتواجه العالم بفراسةِ ما بعد الخامسةِ والأربعين.

هبطت الآن، الآن فقط، حتى من دون أن تخبرني أنها فقدت آخر أجنّتها في الأمس، وأنها قبل يومٍ واحدٍ فقط كان اسمها مارتا، أما الآن فهي بلا اسم تقريباً..
وبلا جنين دائماً..

قدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 04 - 2006, 04:31 PM   #3
عشتار ... كان زمااااااان
 
الصورة الرمزية الرّوح العارفة
 
تاريخ التسجيل: 04 - 2003
المشاركات: 1,766
ننتظر "قرايه" 3بفارغ الصبر يارجل
أنت تعرف أنك جميل ، أليس كذلك؟
الرّوح العارفة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 04 - 2006, 04:43 PM   #4
ماءُ غيابك ...
 
الصورة الرمزية قدح
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2004
المشاركات: 2,075


قراية «3»

الاثنين 10 أبريل، مكتبة دار البلدية في (لاهاي).



هذا الصباح حدّثتها عن مينا.
مينا ابنة العطّار الصيني التي نسيَ (البرت) يدهُ معلّقةً من أجلها أسبوعاً كاملاً!
قبل قليل رأيتها في المكتبة، كانت تجلس على كرسيّ أخضر بلا مساند وتحدّق باتجاه نصب (كارل أبل). وقفت خلفها، وفي البرهة التي أفردت ذراعيّ من أجل أن أغمض عينيها وأباغتها بحضوري، توقّفتُ.

توقّفتُ بلا أسباب واضحة غالباً.
أو لأقل؛ لأسبابَ كثيرةٍ فقدتُ القدرةَ جزئياً على ترتيبها بحسب أهميتها, حدستُ أنني أبدو بهيئتي تلك شبيها برجل يظهر في إحدى المصوّرات القديمة التي كنت أشاهدها يومياً بمقهى (الحاج سكر). كان بثياب إعرابيّ، يعتمر كوفيةً تنسدلُ إلى ما تحت كتفيه. ولطالما كانت الأجنحة التي تبزغ خلف ظهره تشدّني، ليس إلى هيئته وحسب، بل وإلى هيئةِ الأسدِ الذي يربض مع امرأةٍ ورجلين بلحىً كثّة وصبيين في ظلالهما.

- مينا.
قلتُ باقتضابٍ وكأنني أتخلّص من صورة الرجل المجنّح.
- يا إلهي، أنت...
توقَّفَت للحظةٍ ثم قالت بسرعة: بحقيبةِ ظهركَ ذاتها ومن غير صديقكَ الخجول هذه المرّة!
- نعم أنا، وليس سواي معي كما ترين.
عدّلت من جلستها لتواجهني:
- هل يبدو الأمر مسلّيا؟
- أيّ أمر؟
- أسفاركَ المتكرّرة، هل هي مسلّية كثيراً؟
- ليس كثيراً، إنه العمل، لا غير!
قلت مفردة العمل كما لو أنها حكمةٌ عليها تصديقها
- ولكن السفر في ذاته، ألا يجعلكَ تشعر بأنك تترك دائماً شيئاً منكَ في الأمكنة التي تتردّد عليها؟
- أحياناً أشعرُ أنني أصل أخيراً إلى منزلي وكأنني رجلٌ آخر، يتعرّف على حاجيات تركها أحد ما بانتظاره قبل أن يموت فجأة.
قالت مينا التي جعلت يد البرت معلّقةٌ طوالَ أسبوع قبل نهاية الصيف الماضي:
- أنا أيضا أشعر بذات الشيء. أغيّر مقعدي لعشرة مرات في أقل من نصف ساعة، وفي كلّ مرة أترك بعضاً مني على المقعد الذي أهجره. من أجل هذا لم أعد مينا. إنها هناك -وأشارت إلى مقعدٍ أصفر بلا مساند- إنْ أراد أحدهم أن يعثر على مينا فليس عليه سوى أن يذهب إلى حيث كانت تجلس قبل نصف ساعة.

قدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 04 - 2006, 04:45 PM   #5
ماءُ غيابك ...
 
الصورة الرمزية قدح
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2004
المشاركات: 2,075
أهلا عشتار
انتهيت للتو من تدوينها ورفعها
بقي أن اعمل على كتابة قرايات يوم أمس

ممنونك يا حبابة
قدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 04 - 2006, 05:13 PM   #6
ماءُ غيابك ...
 
الصورة الرمزية قدح
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2004
المشاركات: 2,075


قراية «4»

الثلاثاء 11 أبريل، مكتبة دار البلدية في (لاهاي).



إنني هنا..

في مقهى دار البلدية، وتحديداً أمام ملصقٍ يشيرُ إلى مرور مائة عام على تأسيسها. مرّ رجلٌ لا يشبهُ أحداً، وامرأةً لا تشبهه، وآخرَ على درّاجة. سائحةٌ تجلسُ على إفريز نصب كارل أبل، تدخّن بسرعة. ربما انكسرت زجاجة مصباحها القاجاري وهي تعدّ فطورها هذا الصباح.

البرد قارسٌ في الخارج..
أفكّر الآن برجل يقودُ خالد الصامطي إلى معرضٍ هائلٍ بمئاتِ الأجنحة وبممرات لا تُحصى للكتاب المنغولي.

أفكّر بها أيضا.
رأيتها قبل ثلاثة أيّام في منامي وهي ترقص, كانت ترقص من أجل أن تضلّل البياض عن بدنه، ومن أجل أن تضلّلني في معرضٍ بممرّات لا تُحصى للكتابِ المنغولي، لتعودَ إلى حديثِها عن مائدةٍ عليها قدح واحد..

وصقر ميّت!

قدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 04 - 2006, 06:15 PM   #7
Dimn's Traveler
 
الصورة الرمزية Hasan
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2004
المشاركات: 136
اهلا قدح ؛

قرايات .. ممتع هذا العنوان ، بمتعة النص نفسه.

يبدو لي أن التدوين يقرب عالم الكاتب كثيرًا.

في إنتظار قرايتك التالية ..

تحياتي
__________________
"الآخر هو وسيط بيني وبين نفسي، وهو مفتاح لفهم ذاتي والإحساس بوجودي."
جان بول سارتر
Hasan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 04 - 2006, 07:38 PM   #8
Checked Out
 
الصورة الرمزية Erida
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2002
المشاركات: 2,727
أعجبتني فكرة مينا ,
لكن ماذا لو لعبنا مع ( وجودنا ) لعبة الكراسي الموسيقية ,
وبدلا من الجلوس عشر مرات في أماكن مختلفة ( في أقل من نصف ساعة )
سنزيد الرهان بمئة مرة , في مئة مكان , في عشر دقائق
وربما عندها سنختفي ... هكذا ... فجأة !
لأن ( أنانا ) لن تستدل علينا.

جميل يا قدح ,
أتابعك
Erida غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 04 - 2006, 10:21 PM   #9
يا لـون العصفور .
 
الصورة الرمزية غـــصّة
 
تاريخ التسجيل: 04 - 2005
المشاركات: 11,712

.. رائع ياقدح
غـــصّة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13 - 04 - 2006, 02:01 AM   #10
Entfremdung
 
الصورة الرمزية سنديانة
 
تاريخ التسجيل: 02 - 2003
المشاركات: 2,128

فعلا .. هو قدح واحد
او بالاصح سلوان واحد

قالت لي . ان صوتك مازال يدير رأسها في الغرفة ، فتدور حول نفسها لتنفك عنه
وانها صارت تلاحق الـ " آن " في آخر الألفاظ ، لتقبض على نفسها بالآخر
وانها لم تعد تعرف اين هي بالضبط . وبأي منام تتجول ، بتلك التي تخصها ام بمناماتك
سنديانة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:43 PM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor