جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > القصة القصيرة والرواية

القصة القصيرة والرواية النصوص القصصية ، النقدية، والأنشطة المتعلقة بالسرد.

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 13 - 10 - 2006, 04:26 AM   #1
Registered User
 
الصورة الرمزية الاحمر
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2002
المشاركات: 9,776
سـيــرة نــص

سيرة نص
«قارب الميدوز» للقاصة هديل الحضيف




للنصوص حكايات.. وتبدأ حكاية النص من حضور الفكرة كهاجس يلح على الكاتب في تدوينها والاشتغال على تفاصيلها لتنتهي في نص إبداعي. هذه المراحل التي لها ملامح السرية في ذهن المبدع.. لا أحد يعرف تفاصيلها ولا أحد يسأل عن ما وراء كواليس الكتابة. انها سيرة نص.. المبدع هو وحده من يستطيع أن يسردها. ويبدو نص «قارب الميدوز» للقاصة هديل الحضيف بنكهته الايطالية هو النص الأهم في مسيرتها القصصية هنا تسرد القاصة هديل حكايتها مع نص قارب الميدوز: انبثقت فكرة النص من أمنية لأختي أروى، في كتابة فيلم يتناول أحداث الحرب العالمية الثانية من جانبها الإنساني، وخصوصاً قضية المهاجرين الطليان. ولأن معلوماتي عن ايطاليا شحيحة، ولا تتجاوز اسمها وعاصمتها، فقد تقاسمت معها مهمة كتابة النص، بحيث تزودني بالمعلومات، والحقائق، وأنا أتفرغ لكتابتها.
استمتعت كثيراً بكتابتي لهذا النص، كما أني أعتبره نصي (الجاد) الأول، إذ أن اطلاعي على الثقافة الايطالية، وتعرفي على أهم ملامحها.. أنديتها الكروية، مدنها الصغيرة، وموانئها.. وحتى أماكن صنع المكرونة فيها.. أيضاً ساهم هذا النص في فهمي جوانب كثيرة في الحرب العالمية الثانية - التي كنت أجهل كل شيء عنها تقريباً.. الحلفاء.. هتلر وموسيليني.. الغواصات الألمانية في المحيط الأطلسي، والتي فجرتها القوات البريطانية، متسببة في موت آلاف المهاجرين الذين كانوا يعبرون البحر آنذاك.

كل هذه القراءات، والتي كان أغلبها مزوداً بصور أو أفلام عن تلك الفترة، صنعت لي خيالاً خاصاً بالأماكن، والملامح، والأمنيات.. البنات الصغيرات، اللواتي استنزفن في المصانع، طائرات تمخر السماء محملة بالموت.. موانئ مكرسة للحرب فقط.

التفاصيل التي ساعدتني أختي بها، لم تكن مقتصرة على الأحداث التاريخية، بل على أشياء صغيرة، أظن أنها منحت نصي جانباً واقعياً إلى حد ما، مثل طريقة توقيع البطلة لرسالتها، والتي ابتدأت فيها بالاسم الأخير أولاً.

خلال كتابتي لنص (قارب الميدوز)، انحزت للحدث على حساب اللغة، لأول مرة، حاولت أن أفسح للحدث الحيز الأكبر، وأن أترك للسرد حرية التحرك بين الأماكن، كما الكاميرا، حتى حين أكتب على لسان أحدهم، حاولت نقل شعور الشخصيات فقط. دون توغل كبير في دواخل الأبطال، وحرصت أن يكون نصاً بصرياً، لا يقرأ القارئ أحداثه، بل يشاهدها.

كانت أكثر الأحداث التي ألهمتني في العمل، هي فكرة الهجرة الجماعية إلى (أمريكا)، أرض الذين نفتهم أوطانهم، صور السفن التي ملأت الموانئ الأمريكية مكدسة بآلاف الوجوه المنهكة والتي سلبتها الحرب كل الآمال. سماسرة الهجرات، الذين يبيعون أولئك اليائسين أوطاناً مزيفة، فتح الباب الأكبر للكتابة، ومنحني القدر الفسيح للتحرك في أرجاء النص.

وسألت هل ذاكرة متخيلة قادرة على صنع نص سردي؟ لا أظن أن الخيال قادر على صناعة نص، الكتابة تعتمد على جرعة كبيرة منه، لكنها لا تقوم به.

أعترف أن في النص حلقة مفقودة، تربك القارئ، إذ أني لم أتمكن من تصوير حدث انتقال المهاجرين الطليان من القوارب الصغيرة في البحر الأبيض المتوسط، إلى السفينة الاسبانية التي عبرت لهم المحيط الأطلسي نحو شواطئ أوروبا. ورغم أني أجزم أن الحس الايطالي غائب في هذا النص، وسيقرأه القارئ الايطالي كما أقرأ نصاً عن الصحراء كتب بواسطة سويسري، إلا أن الكثير اعتبر أن هذا النص مترجم.. وهذا ما حدث لي في مسابقة منتدى جسد الثقافة بحجة أن النص مترجم. لكن تجربتي الجادة في الاشتغال على هذا النص اشعرتني بالمتعة والارتياح. جميل أن تكتب بهذه الجدية.







النص:
قارب الميدوز



صوت أخير :

هنا التاريخ يتكوّن من جديد ..
يرسم للبدايات .. نهاياتٍ غائمة ..
و يبعثر الأحلام في جيوب الزمن ..
الطرق لم تعد تفضي إلى روما ..
و هدير الجماهير هجر المدرّج الكبير ، تاركا له الصمت ، و ريحا تعوي في أروقته ..

في عمق هذا (الأطلسي) ، تستقر أوديسة محفوظة بالملح و الظلمة ، لا أحد غير هذا الماء .. و الشمس التي تشتعل على وجهه يذكر الحكاية ..
و أنا المدجج بتفاصيل لم تبرح أماكنها الأمامية في مقاعد الذاكرة ..

منذ ستون عاما ، و البواخر لا تعبر هذا الشاطئ ..
تطلّ بأشرعتها من الأفق البعيد ، ثم تغيب في ضباب كثيف ..
و منذ ستون سنة ، و أنا أنتظر الرجوع ..
و (جَنَوى) .. لا تعود ..
تحاصرني برائحة بحرها ، بمينائها القذر .. بصناديق تستقر على ظهور مراكبها و تغادر إلى أراض بعيدة .. و بلدان تصنع الموت ..

(كرستيان) يغني بصوته الأجش ، و ما حولي سوى مساحة زرقاء كالمستحيل ، تتكسر على أقدام الصخر ..
يصرخ بي القبطان لأن أربط الأمتعة و أحملها إلى السفن ، رغم غرقها ..
و نسوة كثيرات يلوّحن بمناديلهن ، و المسافرون ليسوا إلا نوارس تملأ الفضاء بالصخب ..

ما من أحد هنا سواي يا (مانويلا) .. في الأرض الموعودة .. أرض الأحلام .. أنتِ التي أوصلتِني ، ثم تركتيني نهبا للشوارع الخلفية الحقيرة ، و للغربة ..

كل الذين تبقوا ، تلقفتهم الحياة .. مبقية لي فتاتهم لأقتات عليه ..
بالأمس ذهبتُ إلى (فيلبو) ، صديقنا الذي أعطيتِه كسرة الخبز خاصتك ، رغم الجوع و الموت الذيْن كانا يتربصان بكِ .. - بالمناسبة ، أصبح اسمه (فيلب) بعد أن امتلك نصيبا كبيرا من أسهم شركة لتأجير اليخوت - كان لطيفا معي ، لكن يبدو أني ساهمت في تعطل بعض مصالحه ، فآثرتُ أن أخرج أثناء مخابرة كان يجريها بواسطة هاتفه الذي لم يهدأ ..

سمعتُ أيضا أن (ماسيمو غوستيني) قد قام ببطولة فيلم جديد ، و دور السينما ما فتئت تعرض فيلمه السابق باستمرار ؛ مازال يحتفظ بوسامته .. و يكتبون كثيرا عن قفشاته ، رغم ذلك تبدو لي باهتة ليست كالتي كان يقولها و نحن في بحر الظلمات ..

لا أذكر أسماء الثلاثة الباقين .. و ما أظنكِ تأبهين ..


* * *



صوت محايد :

أخذ الليل يقتحم الأكواخ بالبرد القارس .. و المواقد لم تعد تبث الدفء ..
ظل شاحب وحيد ، يعبر الطريق ، و يتلمس الجدران المنهكة ..
ثم يختفي وراء زاوية بعيدة ..

- مانويلا ؟! عدتِ مبكرا ..
- تسللتُ من الباب الخلفي على حين غفلة من الحارس .. كيف هي الأخبار القادمة من روما ؟
- " أيها الشعب الإيطالي العظيم .. إن تاريخ إيطاليا يتوقف عليكم الآن .. أنتم الذين ستعيدون مجد روما " ..
قالها ساخرا ، و مقلدا صوت المذيع الذي سمعه من مذياع معلق في حانة الميناء .. و أردف :
- فليذهب مجد روما ، و ليبق مجد اليوفي !
- تجنيد إجباري ؟!!
- سيجندون الذين يعنيهم مجد روما ..!
- و أنت ؟
- أنا أشجع اليوفنتوس !


المدينة الغافية على حافة البحر ، استيقظت فجأة ؛ لتمتلئ مصانعها بعاملات صغيرات مكرّسات للموت ؛ و تتكدس السفن بالأسلحة ، بأوهام النصر ، بأحلام الصغار ، و صلوات الأمهات ، بمجرمين فاضت السجون بهم ، فألفوا أنفسهم جنودا يحمون الوطن .. ثم تمخر الماء باتجاه ثقب أسود يستوطن الأفق ..

غدا الميناء محطة لمسافرين يغادرونه ثم لا يعودون أبدا !

وحده (فرانشيسكو) الذي لم يقف بعد في الميناء ليودع أحدا ، أو لتحمله أحد المراكب إلى أرض مجهولة .. و أعداء لم يقررهم هو ..

- هيه مانويلا ..! قلتِ بأنكِ لم تجدي فحما إذن؟ ربما أخذوه إلى برلين .. سيحتاجه هتلر ليعيد لهم أمجاد روما .. أما شعب روما فيمكنهم أن يفركوا أيديهم قليلا ، و يناموا بمعاطفهم .. و أن يغلقوا نوافذهم جيدا .. ليحصلوا على الدفء .. و على أحلام لا تكلفهم كثيرا من التحسر ! .. نامي مانويلا .. نامي يا ابنتي ، سنقضي ليلة أخرى في بطن الوحش . نسيت ! .. دانيال أخبرني عن شاب يعمل في الميناء ، قدِم من نابولي الشهر الماضي .. يدّعي أنه أفضل من يطبخ المكرونة ! أخيرا سأتذوق الاسبغاتي ..!


* * *



الشمس الواهنة ، غمرت الطرق بغبش من نور خفيف .. و الضباب ما غادر المرافئ بعد ..
لم ينم الميناء منذ أن رست الباخرة الضخمة بـ حذاء الجرف ..
أوامر القباطنة ، القصيرة و الحادة ، استنفرت جميع الموجودين ، عدا عاملا انتبذ مكانا قصيا ، متسليا بتقليم عصا خشبية بنصل صغير ..
- انطونيو !
سقط النصل من يده ، على أثر الصوت الأجش الذي ناداه ..
- أوه ! .. كرستيان ! .. كنتُ أنتظر من يساعدني في حمل الصندوق ، يبدو أن السماء أرسلتك !
شيء من دفء ، سربته الخيوط الواهية التي أفلتت من قبضة السحاب المركوم ، فارتفع صوت كرستيان مغنيا ..
- هيه كرستيان ! .. صوتك سيتسبب في فصلنا !!
- لِم لا يتسبب في ترقيتك ؟!
- لأن القيادة ستظن أنها مروحية للحلفاء .. !

ثلاث سنوات ، و ثمة حلم تنهش من أطرافه ، الحرب ..
في كل يوم ، يذوي أمل في قلب ما .. بينما يشي الأفق بسواد حالك ..
وهج يخفت .. و طيورا تغادر باتجاه اللاعودة ..

في المساء ..امتصت الدروب العمال المنهوكين بالسهر و الأمنيات المبتورة ، بعد أن توارت الباخرة في الحجاب ؛ فخوى الميناء إلا قليلا ..


* * *



صوت محفوف بالتيه :

الساعة التي احتوت رحيله ، كانت تحمل العدد صفرا ..
أيامي التي قبلها .. تُحسب بالموجب ، و ما بعد سفره .. تحمل الإشارة السالبة ..
كل الذين رحل بعدهم ، لم يجدهم ساعي البريد ليحمل إليهم أمنيات الأبناء ، و أشواق الزوجات .. لذا أعلنتُ الحداد عليه مذ تلاشت النفثة الأخيرة لمدخنة القطار ..
فجأة وجدتُ نفسي في التيه .. على شفا ضياع .. و بلا أبي !
كل الشوارع حملت ذات العلامات ، و كل الوجوه لبست نفس الملامح ..

بعد استدعائه للتجنيد ، باع كل شيء يخصه ، و سلمني الثمن ..
- ستساعدك .. يا مانويلا ..
ما عدا قميص اليوفنتوس ..
- ثمة أشياء تستحق البقاء يا أبي .. اتركه لي ..

في محطة القطار ، كان يضحك بصوت عال ، ليكتم بكاءً تفجر داخله ..
- هيه مانويلا .. في الوقت متسع للضحك .. و الحياة ما زالت تكفي للغناء .. و الرقص أيضا ! .. أخبري انطونيو أن يجهز الاسبغاتي لي ، لأني سأعود قريبا ..

بعد الصافرة الثالثة للقطار ، ماجت في عينيّ الصور.. لم أعد أرى إلا أطياف هلامية .. و ما عدت أسمع إلا أصوات عويل .. و نشيج بعيد ..

لا أذكر كم من العمر مضى ، لكن يبدو أن زمنا طويلا اجتازني قبل أن ينبهني عامل صغير إلى أن وقت إغلاق المحطة قد أزِف ..
برد ديسمبر ، و كتلة السديم الهائلة الذيْن اعترضا خروجي من المحطة ، أخطراني بأن عليّ أن أبحث عن أفق جديد أعتمده مشرقا لشمسي المُنهكة ..


* * *



احتفظت بالرسائل التي شرعت بكتابتها لأبي كل فجر ، في كيس قماشيّ ، لم أكن أعلم كم عددها ، كنتُ أتحاشى الزمن و التاريخ .. و أنام دون أن أنتظر الغد المفرغ من الآمال ..
- مائتين و ثلاثون رسالة ؟!! من سيحملها إلى فرانشيسكو يا مانويلا ؟!!
- لا أحد ..
- إذن لِم تحتفظين بها ؟
- قد يعود يوما .. فيجدها ..
كنتُ موقنة أنه لن يعود ، رغم أن انطونيو يحاول منحي قليلا من شمس في ظلمتي المستعرة ، برواية قصص عن سفن رست بالميناء مؤخرا ، محمّلة بآلاف الجنود الذين عادوا ، كنت أعلم أنه يختلقها .. و أن ما من سفن في الميناء ، سوى تلك المغادِرَة .. أما السفن القادمة ، فلم تكن تأتي أبدا ..

- مانويلا .. سيأتي .. أنا متأكد من ذلك .. ستنتهي الحرب قريبا ، هكذا سمعتُ اليوم .. فرانشيسكو يحب الحياة ، و يحبك .. و حتى لو لم يكن يحبك .. فهو لن يموت .. لأن اليوفي يتصدر فرق الدوري .. صلّي من أجل بقائه .. و لا تبكي .. أرجوكِ لا تفعلي ذلك ..! و بمناسبة ربحي خمس سنتات إضافية اليوم ، سأشتري لحما ، لأطبخ (لازانيا) .. سنعيش إحساس المترفين اليوم ..!

ابتسمتُ دون أن أدرك تماما ما الذي يقوله .


* * *



شاهد عيان :

الطرق مكسوة بالجوع ، بمستنقعات موبوءة ، و بأطفال لفظتهم الأكواخ الفقيرة ..
في الصحاري الأفريقية البعيدة ، تتبخر أمنيات العودة ..
و محطات القطار ، و الموانئ امتلأت بأوهام اللقاء ..

- انطونيو .. ابحث لي عن أرض أخف قسوة من هذه ! .. لم تعد إيطاليا وطنا ..!
- الأرض أضيق من أن نجد وطنا جديدا ..
- دعنا نحلم بأن ثمة مكان سيحتوينا، بأن ثمة زمن ملون .. أن " في الوقت متسع للضحك .. و الحياة ما زالت تكفي للغناء .. و الرقص أيضا " ..
- مانويلا .. الأحلام غدت ترفا ينبغي لنا أن لا نمارسه !
- أمريكا .. ستكون أبعد من أن تلحقنا آلامنا إلى هناك ..

الهجرات التي توارت في بطون السفن ، أخذت تمخر عباب الأطلسي ، محفوفة بالموت .. و بالرجاءات الواهية بالخلاص ..

- خمسون ليرة ، و نحملك إلى خارج المتوسط ..
- و بعد (المتوسط) ؟
- ثلاثمائة ليرة إضافية للوصول إلى سواحل أمريكا ..


* * *



باعت الكوخ بما فيه ، و أشياؤها الصغيرة .. لم تبقِ سوى القميص ، و الكيس المملوء بالرسائل التي خذلها ساعي البريد ..
كتبت رسالة أخيرة :
" أبي ..
هاهو العمر يتركني في المهب .. نهبا لليباب .. و للأراضي البور ..
أعدك بأني لن أهرب بعيدا ، سأبحث عن وطن للضوء .. و كفى ..
فرانشيسكو مانويلا ، زمن المنفى .. "
و رمتها في الكيس بلا تأريخ ..

خُيّل إليها أنها سمعت بكاءً لا يشبه سوى فرانشيسكو ، أطرَقَت .. ثم امتطت طريقا إلى الميناء ..

الهواء كان ساكنا ، و الليل تعرّى من نوره ، مجموعة تصل إلى العشرين ، كلهم يبحثون عن مرفأ لأعمارهم المخذولة .. لم تستطع أن تتبيّن ملامحهم ، لكن بدا لها أنّ لا امرأة سواها ..

- سنتنكر أولا بلباس الصيادين ..

لوهلة ، امتلأ جوفها بالفراغ .. شعرت بأنها على سلم ، لم تدر ما نهايته ، و ما كانت بدايته واضحة ، كانت معلقة بالهواء ، و تحتها هاوية من سواد دامس ..
- مانويلا ..
أتى صوت انطونيو ليثبت الأفكار التي بعثرتها الريح .. و ليمنحها قلبا مطمئنا ، و لو إلى حين ..

على مقربة من القوارب الأربعة التي رست على شاطئ بعيد عن الميناء ، وقف رجل طويل ، بملامح غامضة ، و عينين حادتين ، بدا و كأنه قائداً للفرقة التي ستتولى القيادة :
- سيستقل كل خمسة منكم قاربا .. و سننطلق قبل أن يطلع علينا الفجر .. يجب أن تدركوا بأن السلطات لن تسمح لنا بتجاوز المياه الإقليمية إن وجدتنا، و قد نتعرض للمساءلة و السجن ..

أخذ الخوف يبني حجراته في القلب ، استعدادا لإقامة طويلة بها ..

- .. إن سارت الأمور كما نحب ، فسنصل مضيق جبل طارق في أسبوعين .. و أرجو أن لا يعترض طريقنا عارض .. اركبوا .. و ليباركنا الرب ..


* * *



خمسون يوما مضت ، منذ أن وجدوا من ينقذ أحلامهم التي تُركت بمواجهة مع الموت على ساحل أسباني ناء ، ليودعها عمق مفازة الماء تلك ..!
تكدس القبو الرطب للسفينة الضخمة بمئات المهاجرين الأسبان و البرتغاليين .. و الضوء يضمر شيئا فشيئا ، حتى يتلاشى ..

أحد القوارب الأربعة التي غادرت جنوى، وقعت في مصيدة خفر السواحل ، لتتابع الثلاثة الباقية طريقها غرباً ..
شهراً إلا قليلا ، و مضيق جبل طارق لا يظهر ..
طيور الماء تقلصت أجنحتها ، فما عادت السماء تحويها ..
و (المتوسط) بدا بحرا أبديا بلا نهاية ..
- انطونيو .. أشعر بغضب أبي ..

عادت النوارس للتحليق بعد لأي ، و ظهرت أطراف لأرض بعيدة ..
صرخ ذو العينين الحادتين :
- ها قد أذعن لنا المضيق !
في عنق (طارق) .. ثمة قلق اجتاح العينين الحادتين :
- جوزيف .. أكانت البواخر الإنجليزية موجودة في رحلتك السابقة ؟
و غمز بعينه ..
- لا يا سيدي .. كان المضيق خاليا تماما ..!
اختفت النوارس ، و نأت أطراف الأرض البعيدة !!
- انطونيو .. أبي يبكي !!


* * *



أصوات لانفجارات تأتي من فوقهم ، و من أسفل منهم ، و القبو أبعد من أن يصله خبر ..
سكون أشبه بالموت ، اختلط برائحة العرق .. البول .. و جثث متعفنة ..
المكان لا ينبئ بالوقت ، و الزمن غدا سرمدا لا مخرج منه ..
ساعة .. ساعتان .. أكثر .. و السفينة ترتج في مكانها .. مشعلة مواقد للفزع في الصدور المتعبة ..
على الطرف الآخر للقبو ، ثمة بكاء خافت .. حيث أبوين أسبانيين صغيرين .. و رضيع ما جاوز عمره الأيام ..
أصوات ابتهالات متصلة .. و نشيج متقطع .. ثم صرخ الأب :
- لقد ماااااااااات !!!
و هدأت السفينة !


* * *



في نقطة غائبة في المحيط ، رُميت الأجساد التي ملأت القبو برائحة اللحم المتفسخ ، و بقيت عشرات قليلة من المئات الذين غادروا أسبانيا أول مرة ..
انطفأ الضوء في الأعين .. و فقد الجميع اللغة التي اخترعوها للاتصال فيما بينهم ..

الموت يمر .. ببطء..
الاحتضار .. أبدي .. و الجوع يفترس البقية بوحشية ..

تسلل خيط نور من الباب الصغير الذي فُتِح :
- يقول لكم القبطان بأننا سنصل ميامي الليلة .. فاستعدوا ..
ثم عادت الظلمة تطبق على المكان ..
- مانويلا .. مانويلا .. استيقظي .. الحلم يغادر باتجاه الحقيقة .. مانويلاااااا .. مانويلا !!


* * *


صوت أخير .. قد يبدو مكررا :

فعلتُ ما وصيتني به ، دفنتُ قميص (اليوفي) في قبر يجاور قبرك .. و أودعت الرسائل في قوارير تركتها للموج يحملها إلى (فرانشيسكو) ..
أضفتُ رسالة من عندي ، و لتغفري لي .. أخبرتُه فيها أن اليوفينتوس مازال عظيما كما كان ، لقد حصل على الكالشيو ست و عشرين مرة .. و قابل الميلان في العام الماضي على نهائي الشامبيونز ليغ ، بيْد أنه خسر ، كنتُ سأكتب له أنه ربما خسر لغياب ندفيد ، لكني خشيتُ أن لا يعرفه ..
لم أكتب له عن الحرب و لا عن إيطاليا بعدها ، كل ما قلته :
" لقد قتل الإيطاليون موسوليني ، فرانشسكو .. أعتذر لأني لم أكن منهم .."

مانويلا .. المكان موحش

أفتقدك !!




هديل
نوفمبر-2003


* قارب الميدوز : سفينة فرنسية غرفت تجاه شواطئ أفريقيا ، في طريقها للسنغال ، و احتشد على إحدى القوارب الصغيرة 149 من الناجين و دامت محنتهم 12 يوما ، بقي منهم على قيد الحياة 15 راكبا ، أما الآخرون فقد طرحوا في البحر ، أو افترسهم رفاقهم .


http://www.alriyadh.com/2005/10/20/article101941.html
__________________
من ذاق.. عرف
الاحمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13 - 10 - 2006, 04:28 AM   #2
Registered User
 
الصورة الرمزية الاحمر
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2002
المشاركات: 9,776
سيرة نص: شمس الصبح محمد .. للقاصة حنان الرشيد

سيرة النص:






عندما سألت القاصة حنان الرشيد عن سيرة نص شمس الصبح محمد وهو يحكي عن شخصية عامل البلدية قالت : لا أعرف كيف تستعاد التفاصيل القديمة، ومن المسؤول عن بعثها من مرقدها المغمور في الذاكرة. إنما انا اكيدة من أنني صافحت عامل البلدية مرتين. الأولى، هل كانت في صباح يوم عيد؟ أم عصر يوم عادي؟ حقيقة، ذاكرة الطفولة تخذلني عندما اشحذها التفاصيل الدقيقة. لكنه كان نهاراً في كل الأحوال، يوم أن تقدم رجل أسمر يلبس بزة برتقالية اللون، يبتسم لطفلة تقف بباب بيت جدها الكبير، وهو يخلع قفازه المتسخ عن كفه اليمنى، ليمدها بإتجاه الطفلة ويصافحها. وبالرغم من انه لم يكن ملكاً او فارساً وسيماً، ولم تكن الكف غنية بالسكاكر والحلوى، إلا أن الطفلة فرحت بالإبتسامة والمصافحة كثيراً. أما المرة الثانية، حين كتبت هذا النص. وبين المرتين امتدت صباحات تتقدم يوماً دراسياً شاقاً فيما مضى، ويوم عمل مضجر في الحاضر، تزرع رجالاً سمراً في شارع منزلي، يكنسون تحت الأشجار، ويحيون الخارجين من منازلهم. مبتسمون رغم تجهم النهار. وعن اختيار الاسم هل كان يحمل دلالة معينة تقول القاصة حنان: الاسم نقطة ارتكاز النص، ووصلة بين ماضي الشخصية وحاضرها. جاء مركباً. حاولت أن يكون الاسم إشارة واضحة إلى أن الشخصية أجنبية، وما أعرفه مسبقاً أنهم في دول إسلامية تجيء منها العمالة الوافدة، يمنحون أبناءهم أسماء مركبة تنتهي ب محمد. وفي الوقت نفسه حاولت ان يكون رابطاً حقيقياً وواضحاً بين الشخصية والنص وفكرته، أعني أن يساهم في جعل النص ذا بعد أعمق من مجرد تقديم حكاية إنسانية. لهذا اصبح كل جزء من الاسم عبارة عن مفصل في جسد النص، ولا أود الخوض في الدلالة أكثر، فأنا أترك أموراً مماثلة للقارىء نفسه. وهل هناك اتكاء على معلومات او شخصية محددة حتى تمت صناعته في النص تضيف الرشيد: بإستثناء ما تضمنه كلامي السابق، اعتمدت على الخيال في الكتابة. وعندما نعتبر ان هذا النص تجاوز لمأزق القاصة المتهمة بكتابة كل ماهو أنثوي في إنتاجها القصصي تقول حنان الرشيد: في هذا النص لم يكن مثل هذا الاتهام هاجسي. حين أقرر أن اكتب، أحاول أن أحرر نفسي من المخاوف والأحكام المسبقة، وإلا فلن أستطيع التماسك حتى الانتهاء من النص. الأفكار الأجمل هي التي تأتي دون ان نفتش عنها، او نجاوزبها معابر تفتيشية. المأزق الحقيقي هو الحاجز- النفسي- الذي يجسده اتهام مماثل. ومادمت قد تخطيته، فإن كل نصوصي ستتجاوزه مهما تطاول المدى الأنثوي فيها. وعن سطوة الشخصيات المهمشة والتي غالباً ما تجد التعاطف الإنساني من المتلقي. وعن الخشية من أن يكون هذا التعاطف مع شخصية شمس الصبح محمد يغيب الجانب الفني في النص تؤكد حنان الرشيد على أن: العين التي دربت على تحسس جميع جوانب النص، لن تستأثر بها إنسانية النص. على العكس تماماً، يهمني ان يشمل النص جميع الجوانب، فهناك من يقرأ ليتأثر فقط، ومن يقرأ ليستمتع بالقصة بوصفها فن.

الكناس يعتبر من الشخصيات الراصدة والكاشفة لرتم حياة الشارع والمنازل إلى أي حد جعلت شمس الصبح محمد يقوم بعملية رصد الآخرين في النص؟
إلى الحد الذي يخدم النص. حاولت استخدام شركاء «شمس الصبح محمد» في الغرفة، وسكان المنازل في وعلى طريق المنطقة التي يعمل فيها كتوقيت يحقق البعد الزمني في النص. بالإضافة إلى مبررات تجر خلفها بوحاً ذاتياً للشخصية. كما أنه لم يكن المراد من النص إلقاء الضوء على حياة الشارع بمنازله، إنما كانت شخصية الكناس هي المحور، لهذا منحتها الاسم ونسبت لها ماضياً وحادثة تخصها وحدها. اختيار ضمير المتكلم في السرد، هل كانت مقصودة وهل تشعر بأنها أجادت تقمص شخصيته كرجل وكعامل أجنبي تقول حنان: لأنني اخترت أن تكون الشخصية هي المحور- كما ذكرت سابقاً- وهي التي تغري بالبوح عن مكنونها، كان ضمير المتكلم هو الأنسب، إذا أن أي بوح سيأتي على لسان الراوي الخارجي أو ضمير الغائب سيكتسب مظهر الوصاية.

أما بالنسبة لتقمص شخصية الرجل، لا أظن أنني تعرضت في النص لمظاهر تخص الرجل وحده، إنما كانت حالة إنسانية عامة، قد لا تصادف بوحاً مماثلاً إلا مكتوباً، أعني بالأسلوب والطريقة التي جاء بها النص. وما يفتقده النص في هذا الجانب هو مبرر السرد، والذي بدأت التفت إلى ضرورته، وهو كان سيجعل اللغة التي كتب بها لائقة به تماماً. أما بالنسبة إلى تقمص الشخصية كعامل أجنبي،أعتقد أن غواية اللغة لم تسعفني في هذا.



النص:

شمس الصبح محمد

لم أعد- كما كنت- متعباً من الصباحات الدافئة التي تعودني متأخرة في كل يوم. بالرغم من أن أيامي تتعاقب كما كانت، لا تحمل لي سوى الغبار ما بين طائر مع الريح أو مستريح على الأرض، قراطيس ومناديل ورقية تحيي عرساً لا أفقهه، رجاجاً مهشماً لا تحوجني الفراسة لأن أحدد بالضبط هل هو لنافذة سيارة حطمت ذات ليل، أم قنينة مشروب القاها احد الصبية الذين لا ينسجمون مع منظر متسكع يتمخطر مع مكنسته في شارعهم نهاراً. الأحلام نفسها لازالت هي أيضاً تتخلل سباتي بصورة شبه يومية. أرى فيها أمي تروي قصة «شمس الصبح محمد»- بالمناسبة هذا الاسم هو نصيبي الوافر في هذه الحياة، الاسم الذي كان سيكفي لشخصين آخرين معي، اسمي وحدي. وأمي التي تأتي متلفعة رداءً احمرا، تخلف اختي قاعدة تمسد شعرها بالزيت، وهي تحكي عن رجل عاش فقيراً قبل أن يخرج بحثاً عما يطعمه صغاره، ثم لم يعد. سكن بيتاً حقيراً عرفته الشمس بمداخله وأسراره، واستأنس بها. يومه لا يبدأ قبل أن تدلي الغزالة حبالها من بين فجوات العريش الكثيرة، ثم يصحو لتتلقفه طرقات لا يكلم عنها احداً، ولا يعود قبل أن تغوص الشمس في كنف السحاب. أمي التي لا تجهل أي أمر يخص هذا الرجل قبل اختفائه- كما أخبرتني، تذكر أنه لم يكن يخاف سوى الليل، والظلام حين لا يكف عن الصرصرة والعواء، وإلقاء عباءته على ذوي الأعين الحمر، والأجساد المتأرجحة بخطى تترنح، تهفو إلى السماء بأشداق ممتلئة. هذا الرجل الذي وشمني ب «شمس الصبح محمد»، هو أبي الذي لم أره. الرجل الذي قايض الشمس برحيله، فغدت تغدق الضوء باكراً، أكثر من ذي قبل، فاته أن الزوجة التي هجر ستطبق الصفيح على بيتنا من كل جانب، ولن تعود حبال الذهب المتدلية لتوقظنا كما تعودنا، وأن أحداً منا لن يمكنه فرز الطرقات الكثيرة بأقدامه العاجزة عن كل الأبواب الموصدة.

من هناك تركت عمود الليل- بيتنا- وسافرت إلى حيث أنا، ليرن منبه ساعتي قبل الصبح بساعة، وقبل أن القمه حركة سريعة جراء رنينه اللحوح، يحدث أن يتململ شركائي الأربعة في الغرفة الحقيرة. ولا أخرج إلا وهم يغطون في نومهم، وعندما أعود إليهم، أجدهم يفترشون سفرة عشاء وتيح في انتظاري.

قبل اليوم وفي مثل هذا الطقس البارد، كان يشق علي فعل مغادرة الغرفة الدافئة بكثافة الأنفاس فيها، خاصة وأنا أعلم أن الدفء لا يبدأ بالتسري حتى ترتفع الشمس بعزم رام بارع، وما يمكنني إزاء هذا غير أن اراكم ما أملك من ملابس تحت بزة العمل، الف رأسي ورقبتي بوشاح صوفي، وأدس يدي وقدمي في قفازين وجوربين صوفية، ثم أحمل مكنستي وجرافتي الصغيرة وأتجه إلى منطقتي كما أبدو الآن.

الطريق الذي لا يتبدل أو يتغير، يشارف على الوصول عندما تقابلني او تسايرني أجساد تخرج من المساجد وهي تتدثر بالصوف والنعاس، ويصل عندما أبدأ بمراقصة مكنستي بدءاً من مفرق شارع طويل يفرق المنازل المتقابلة. لم يكن لشيء أن يتغير، للمنازل ابوابها التي لا تفتح إلا مواربة. وخلف النوافذ ستائر لا تزاح إلا على ظلام تغص به النوافذ. حتى غدت الأرض ممتدة تحت أنظاري، أرقب كل ما يمكن أن يقشه شعث مكنستي الجاف.

أقطع ما أقدره بربع الشارع عندما تؤازر المنازل سكانها بالتثاؤب، وتبدأ بدفعهم إلى سياراتهم. يصدف أحياناً أن تقع عيني على طفل يعترض على كل شيء وأي شيء بالبكاء والصياح، فكنت أشتهي أن أفعل مثله. أو أجنبي متجهم يدفعني إلى التساؤل: أله زوجة عرف أخيراً أن سبب انقطاع رسائلها، تركها منزلها وأطفالها لأمه المريضة. لكن أمراً لم يكن يستجب لأي شعور أضمر، حتى جاء اليوم الذي عادتني فيه الشمس باكراً على غير عادتها، وشرع باب انساب منه ثلاثة، طفلتان تبعهما شاب. كانت الصغيرة ترتدي معطفاً وردياً، تحمل في يدها رغيفاً محشواً بشيء لم أميزه. كنت أتأمل بياض تلك الصغيرة وشعرها الأسود الطويل، كانت ملاكاً يلعق اصابع لطخها شبع ما. عندما افقت على قامة تنتصب خلف الصغيرة، ارتبكت كثيراً وانصرفت اجمع شتاتي، وأبحث عن مكنستي التي لازالت عصاها في يدي، لكن الشاب اختفى. ترك الصغيرتين قبل أن يعود وبيديه رغيف وكأس دافىء، وضعهما على الرصيف ومضى.

اغتنيت في ذلك اليوم جداً. تبعه يومان آخران كنت فيهما أحث مكنستي على المضي حتى نصل إلى الباب الذي سيشرع، وأبقى هناك اتلكك في المسير حتى يخرج علي الشاب بالرغيف والدفء.

وكأن ما حصل لمدة ثلاثة أيام لم يكن إلا كالعصافير الملونة التي زينت شجرة الصبية الفقراء. جاء اليوم الرابع بهذا الباب يفتح لتخرج منه الصغيرتان مع قامة تتلفع بالسواد، تبتلعهم سيارة سبقهم إليها وجه أجنبي متجهم.

http://www.alriyadh.com/2005/11/24/article110022.html
الاحمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13 - 10 - 2006, 04:30 AM   #3
Registered User
 
الصورة الرمزية الاحمر
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2002
المشاركات: 9,776
سيرة نص:
«التمثال».. للقاص سعود السويدا






السيرة:
يقول القاص سعود السويدا عن سيرة نصه التمثال: مادمنا نحكي سيرة نص، سأحاول التذكر. أظن أن بداية النص كانت تأملاً أو يوميات تأملية، اغرتني الفكرة وتابعتها.. كثيراً ما يشبه الفن (اللغوي وغير اللغوي) بالسيرينا، وهي مخلوق خرافي في الاوديسة تغني للبحارة بصوت ساحر فيتجهون ناحيتها لتتحطم مراكبهم على الصخور. يوليسيس احتال على السيرينا بأن ملأ آذان بحارته بالشمع بينما طلب منهم أن يربطوه إلى الصاري وان لا يفكوا وثاقه ابداً. ونجا يوليسيس من السيرينا بعد أن اشبع فضوله .. نص «تمثال» هو محاولة لتصور ردة فعل السيرينا تجاه من يتجاهلها. مثل ان يذهب إلى السيرينا شخص أصم. هو ايضاً محاولة لتنبيه القارئ عن فخ الفن. ومضخته النرجسية. هذه ليست نرجسية الفنان، بل نرجسية الفن. لاحظ أن النص ليس عن تمثال، النص هو التمثال، اخشى أن يشبه هذا الكلام فزورات «الزن» لكن لنقل إن طموحي في هذا النص كان محاولة إرباك سكونية العلاقة بين الفن والمتلقي.


النص تمثال



أنا تمثال وأعرف انه ليس من المفروض ان أتحدث لكنني رُميت في بيت أعمى قرفتُ يده المتحسسة، واضطررت للكلام. منذ النص الاول الذي سرقني ولم افهم. كنت صغيراً وقتها اقوم بدوري كما يجب. اقف ثابتا وجميلاً كأي تمثال. لكنه بدل أن يقف هادئاً ويتأملني وضعني بيدين خشنتين في صندوق وانطلق. منذ ذلك الحين عرفت الكثير من الأيدي، الكثير من اللصوص. في واجهات المحلات، في المدن التي سكنتها، عرفت كل العيون.

عرفت عيون العابر الغريب تتأملك لحظة بإعجاب وتختفي فلا تعود تراها. وعيون الذي يأتي كل يوم يريدك ان تبادله الاعجاب وحين لا تفعل يشتمك ويمضي. وحتى عيون الذي يراك ولا يدري ما انت، فيمد يديه إن كنت شيئاً يؤكل..

صرت أعرف منذ الصباح، وبمجرد ان يتجمع بعض المارة امام زجاج المحل. من منهم سيدخل المحل ويخرج وقد حملني ملفوفاً في كيس. هذا ليس صعباً، يمكن معرفة اللص من عينيه.

تعلمت ما تتعلمه جميع التماثيل بمرور الوقت. انه ليس من المفيد دائماً ان تبدو جميلاً. تعلمت ان ابدو قدر الامكان عادياً وغير ملفت لللنظر ويبدو انني نجحت في هذا لانني ظللت على الرف سنوات لا أكشف سري الا للعابرين سريعاً وظننت انني ارتحت. إلى ان جاء اليوم الذي دخل فيه هذا الاعمى العجوز (شعرت بالوجل إذ رأيت عينيه الصامتتين). لوّح بعصاه في الهواء وقال هذا. بعد لحظات كنت في بيته.

لم يكن هناك بدُّ من الكلام. ليس هناك شيء اكثر فزعاً من اعمى عجوز يتحسسك بإعجاب وهو لا يعرف رأسك من رجليك. مع انني كنت اعرف، دون ان أبالي، بانه لن يصدق اذنيه وسيضعني على الارجح في ركن مظلم أو يغلق عليّ في خزانة ثم يطقطق بعصاه مبتعداً، وهو يحاول أن ينساني.. تماماً كما ستفعل انت الآن.
الاحمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13 - 10 - 2006, 04:31 AM   #4
Registered User
 
الصورة الرمزية الاحمر
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2002
المشاركات: 9,776
سيرة نص: سكوتها علامة للقاصة فاطمة الرومي





السيرة:
عن المحرض لكتابة نص سكوتها علامة تقول القاصة فاطمة الرومي: قرأت ذات مرة في إحدى الصحف قصة وفاء امرأة.. وكان الكاتب يمجد تلك المرأة بل يعدها رمزاً خالداً للوفاء. وربما يعدها مثالاً يجب أن يحتذى من قبل بقية النساء. إذ جاء في ثنايا تلك الحكاية، أن رجلاً طلب من زوجته فيما يشبه الوصية (لا أتذكر هل كان ينازع كما في نص سكوتها علامة أم أنه كان في وضعه الطبيعي) وما جاء في تلك الحكاية أن الزوج طلب من زوجته بأن لا تتزوج من بعده، فيما لو سبقها إلى الموت. فما كان من تلك الزوجة إلا أن بادرت بإعطائه الوعد بأن تعيش على ذكره مهما طال بها العمر من بعده. وبعد أن توفي ذلك الزوج ظلت بالفعل تلك الزوجة وحيدة إلا من همها، تتذكر وعدها للمرحوم زوجها كلما طرق بابها طالب للزواج، ولكن بعد عدة سنوات سلت تلك الزوجة كما يقولون دائماً، فخلعت رداء حزنها، وتعطرت وتزينت ووافقت على من جاء يطلبها للزواج، وزُفت إلى حياة جديدة ونامت تلك الليلة حالمة بغد سعيد. لكن ذلك اللئيم (زوجها السابق) زارها في المنام ينفض أردية الموت في وجهها غاضباً ومتهماً إياها بالخيانة، فاستيقظت المسكينة من نومها مرعوبة ومأسورة بمشاعر الذنب وتأنيب الضمير. ومن فورها هرعت إلى المطبخ وتناولت سكيناً حادة وطعنت نفسها طعنة نافذة ففارقت الحياة. فعلت ذلك لتطهر نفسها من جُرم الخيانة الذي لم ترتكبه سوى في عُرف زوج ومجتمع ينضح أنانيته.

وتضيف القاصة فاطمة الرومي أن نص سكوتها علامة هو ردة فعل لما قرأته عن تلك الحكاية. وتعلق أن نصها يعتبر من باب الشجب والاستنكار وهي الشيء الوحيد الذي من الممكن أن تفعله تجاه وفاء ساذج كالذي فعلته الزوجة. وشجب لأنانية الزوج، فلا فرق بين من يطلب زوجته أن تشاركه قبره وقلبها لا يزال ينبض بالحياة وبين من يريد أن يدفنها بالحياة كما يقول الأعزاء في مصر. عندما يطلبها بأن تزهد في الدنيا ومباهجها التي أباحها لها الله. كما أنه لا فرق في نظري بين هذا الرجل ومن هم على شاكلته وبين بعض القبائل الهندية حيث تُؤمر كل امرأة يموت زوجها أن تتحلى بأجمل لباس ثم تُزف من قبل أهلها وقبيلتها إلى الجحيم، حيث يتم حرقها علناً لعيش ذووها بقية حياتهم مفاخرين بوفاء ابنتهم. ولا تعتقد القاصة الرومي أن هذا النص يُكرس خضوع المرأة واستبداد الرجل: لا أعتقد وإنما النص يرسم صورة مع شديد الأسف موجودة رغم اننا نعيش في القرن الحادي والعشرين. فثمة نساء اعتدن الخضوع لسيطرة الرجل لدرجة أنهن يرين في ذلك حقاً من حقوقه التي لا تقبل النقاش. وعن سطوة الحكاية التي قرأتها على نص سكوتها علامة أثناء الكتابة تقول: بصراحة لا أدري، الذي اعرفه أنه ما انتهيت من القراءة حتى انهال أو انثال هذا النص.


النص:




بدا في أيام مرضه الأخيرة كطفل عنيد يصعب إرضاؤه، إذ كان يود من زوجته أن تبقى إلى جواره غير عابئ بما تبديه له من أسباب تجعلها تغيب عنه بعض الوقت. ولا تلبث أن تعود علِى عجل حتى لا تثير حنقه.

شعوره بدنو أجله لم يصرفه عن التفكير بشكل متواصل بشأنها. تراوده أمنيات لا يجرؤ على الإسرار بها لأحد. فحيناً يتمنى أن يعمر طويلاً حتى تهرم هي، وحيناً يتمنى أن تسبقه هي إلى العالم الآخر. هذه الأمنية الأخيرة تبعث الطمأنينة في قلبه الهرم. يخجله شعوره هذا أحياناً، لكنه سرعان ما يجد المبرر الكافي.

راودته فكرة شيطانية حينما كانت غرفته تغص بزائريه، لم يتردد لحظة أن يعرضها على زوجته الشابة، إذ استدعاها في الحال، بدا في حالة من الترقب والقلق، سرت العدوى فيما يبدو إلى من حضر لزيارته في هذا الوقت. كانت عيونهم مفتوحة عن آخرها بانتظار ما سيحدث. جاءت هي في خطوات متعثرة، تزيدها نظراتهم المترقبة خوفاً وفضولاً لمعرفة السبب الذي من أجله استدعاها.

اقتربت منه، مد إليها كفّين مرتجفتين لتحضنا كفها الصغير. مظهره يوحي لها بأنه يريد وداعها. حدست في ذاتها: ربما يريد أن يوصيني بأمر أولادي بعده. ربما يجول كل ذلك بعقلها وكفها لا تزال تسترخي بين كفيه المعروقتين.

ينتشلها صوته الواهن من أفكارها قائلاً، ونظراته ما تزال تحاصرها: لدي مطلب أخير سأموت مرتاحاً إن أنت وعدتني بتحقيقه.

انبثقت لحظتها في زوايا ذاكرتها صورة أمها وهي تتلو عليها وصايا الجدات. كانت تقول لها شيئاً تعيه تماماً دفعها للقول: سأفعل كل ما من شأنه أن يجعلك ترقد بسلام. وأضافت: أنا لم ارفض لك أمراً قط.

جوابها شجعه على التصريح بما يريد قائلاً: وهو يحاول أن يضغط على كفها بتودد: أنت تعرفين مدى حبي لك.

هزت رأسها مجيبة فيما أكمل هو حديثه: لا أريد أن اتركك من بعدي، أريد أن تُدفني معي في قبر واحد، فأنت لي وحدي ولن يمسك بشر بعدي.

صعقت لهول المفاجأة. تسمع لحظتها بوضوح تام عقلها يرفرف بجناحيه وهو يبتعد. تعود لتبحث عن صوتها، لكنه وكعادته يمارس هروبه في مثل هذه المواقف، فتلوذ مرغمة بصمتها الصارخ، تعزي ذاتها المهزومة بكلمات طالما سمعتها وقرأتها مراراً بأن السكوت يكون أبلغ في مواقف كهذه. فيما ابتلع العجوز لعابه بارتياح مظهراً امتنانه العظيم متمتماً: «السكوت علامة الرضى» تهللت وجوه من حولهما فرحاً. يصيح أحدهم مكبراً فيها هذا الوفاء: يالها من امرأة ستتغنى الدنيا بسيرة وفائها قروناً قادمة.

فيما هي تستجدي دمع عينيها كدليل على رفضها الصامت لكنها لا تمنحها سوى غشاوة رقيقة تحجب عنها رؤية وجهه الآخذ في الذبول. وجوه الجدات تظهر سابحة في فضاء الغرفة، يتطاير من أفواهن رذاذ الكلمات، فيما يبدو بينهن وجه أمها أكثر إشراقاً. جئن حتماً ليباركن فعلها الذي سيجعل حواء أعلى شأناً بلا شك.

تشعر بقلبها يحاول التنصل من القيام بمهامه المعتادة. تساورها مشاعر النقمة على كل من حولها، حتى أعضاء جسدها هي الأخرى تمارس تضامناً مع هذا العجوز، بتخليها عنها عضواً بعد آخر.

تدعك قلبها برفق، تستحثه على الصمود، لكنه هو الآخر يخذلها فتتهاوِى إلى جوار العجوز الذي مات بينما لا تزال على فمه آثار ابتسامة غاربة.
الاحمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13 - 10 - 2006, 04:33 AM   #5
Registered User
 
الصورة الرمزية الاحمر
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2002
المشاركات: 9,776
سيرة نص
«محمدين» للقاص طارق الجارد






السيرة:
القاص طارق الجارد مولع بالابتكار على مستوى الفكرة، لذا نجد نصوصه تتجه إلى عوالم بكر. وهي تحظى بالعناية التأملية التي يبرع فيها القاص. ونص «محمدين» من النصوص التي تلامس هذا الجانب. وهي تحكي قصة التوأم السيامية،، يقول طارق عن المحرض لكتابة هذا النص: هناك دائماً موقف من الحياة، موقف قبلي يسبق الخوص في كتابة القصة، هذا الموقف يعتمل في ذاتي بحثاً عن المخرج، فإن وجد الفكرة الجميلة أو الحدث الجميل، ظهر في صورة قصة، وإلا فسيخرج على هيئة مقالة أو خاطرة وربما حديث عابر. مع (محمدين) كان لدي موقفان من الحياة، أحدهما رأي والآخر تأمل. كان لي رأي بأن المجتمع - أي مجتمع - يسعى دائماً لقولبة أفراده، وجعلهم نسخاً متشابهة، أو بالأحرى توائم .من هنا أتت فكرة النص الأساسية، كانت في الأصل عن توائم غير سيامية. لكني لم أجدها فكرة حادة كفاية. فاختلاف التوائم غير السيامية يسهل نسبته إلى اختلاف الخبرات، أما اختلاف التوائم السيامية - حيث تتوحد الهيئة وتتوحد الخبرات بحكم القيد السيامي - فيوحي بأن الاختلاف أبعد من ذلك، إنه جزء لا يتجزأ من كينونتنا البشرية.

أما التأمل فهو عن طبيعة الذات ورغباتها المتناقضة. نحن دوماً نخوض صراعاً داخلياً يسبق آفعالنا، وكثيراً ما يكون الصراع عل هيئة رغبتين متناقضتين. الانتحار - مثلاً - صراع بين رغبتين: رغبة الحياة، ورغبة الموت. من هنا أتت نهاية النص الرمزية، هذا التناقض في الذات ساعدني في تقمص شخصيتي التوأمين، وساعدني في رسم نهايتهما، لقد فصمت ذينك الرغبتين اللتين تجتاحان المنتحر على شخصين، توأمين سياميين.

ولأن طارق يدرس الطب فقد تجاوز اشكالية المعرفية بعوالم التوائم السيامية ويقول: عن المعرفة العلمية، فلقد اختصرت دراستي الطب تلك الطريق. والحق يقال، لا أعتقد أن تلك المعرفة قد ساعدتني في التقاط الفكرة أو حتى في تطويرها ، ففضولي تجاه التوائم السيامية قد جاء من برنامج وثائقي رأيته في الطفولة، كما أن معظم تصوراتي الإنسانية عن التوائم السيامية قد أتت من ذاك البرنامج ومن مؤتمر صحفي للتوأمين الإيرانيتين الشهيرتين. فالتوائم السيامية حالة طبية نادرة، واحدة من كل مليون ولادة، لم ألتقها في دراستي، ولا أتوقع أن التقيها في ممارستي للطب.

ويبرر طارق الخطابية في صياغة في الحوار بقوله: المباشرة، أو الخطابية إن احببت، مبررة وموظفة في النص. للتوأمين خبرات في البحث عن التفرد، ومقاومة ضغط المجتمع المعاكس. تبدأ من اللقب الظريف الذي يختزلهما، تمر باستهجان الآخرين للتباين في تخصصاتهما الجامعية، وتنتهي بتعجب البائع من ذائقتيهما المختلفتين. تراكم هذه الخبرات، ووعي التوأمين بها، يستدعي تكون رأي واضح، مباشر، وناقم بعض الشيء تجاه المجتمع. وأعتقد أنه من الممكن الافتراض أن التوأم السائل كان يعلم الإجابة، ولكنه يبحث عن التعزية والمواساة عند أخيه. لذلك أجد أن هذه المباشرة كانت ذات وجهين لا يخلوان من عمق، أحدهما باتجاه المجتمع، والآخر باتجاه التوأمين وطبيعة خبراتهما.

وعن اتخاذ حالة التوأمين السياميين كغطاء لنقد المجتمع. ولم يكن الأمر هو الدخول إلى معاناة تلك الحالة. يقول طارق: كنت حريصاً على الخوض في حياة التوأمين، قدر حرصي على اسقاطاتهما على المجتمع. تعاطيت مع بحثهما عن الرومانسية، رغبتهما في الزواج، موقفهما مع الفتاة، شعورهما بالوحدة. بل لقد كانت القصة كلها جلسة (فضفضة). كانت غايتي جعل القصة أكثر إنسانية وأكثر واقعية. والنهاية المأساوية والحزينة للتوأمين تطلبت حرثاً ذهنياً لا بأس به، كي يكون لها أكثر من بعد رمزي. هذا الحرث لا يسمح لي باغتيال رمزيتها، ويدفعني للاعتقاد بأن للقاص بطناً كما للشاعر، يجيد تخبئة المعنى فيها.


النص

محمدين

يسيران بثقة رغم العيون التي تلاحقهما. لا يباليان بنظرات الأطفال وهما يشتريان من سيارة الآيسكريم. يعلمان أنهما - بالنسبة للآخرين - مسخ برأسين ، ثمانية أطراف، وجذع عريض يبدو مثل نواة التمر لم يكتمل انفلاقها!

إنهما أحمد ومحمد، التوأمان السياميان. أو (محمدين) كما يناديهما أصدقاؤهما تندراً. وهذه هي خلوتهما الأسبوعية، حيث يجلسان فيصفيان قلبيهما من الكدر والغضب الذي يحملانه تجاه بعضهما، تجاه الناس، وتجاه الشرايين والعظام التي تلصقهما ببعض، فتقيد حريتهما.

وقد انتخبا (وادي لبن) لخلوة هذا الأسبوع، وافترشا قريباً من جرف الوادي العميق سجادتهما، ثم تناوب لساناهما على الحديث ولعق الآيسكريم.

نظر أحمد إلى توأمه:

- (لماذا يتعجبون عندما نختلف؟! أقصد لِمَ يتعجب الناس من اختلافنا، ولم يتوقعوا أننا سنتشابه في كل شيء، حتى العقل والذائقة؟ لماذا يدهشون حينما يعرفون أنني أدرس الرياضيات في الجامعة، بينما تدرس أنت اللغة العربية؟! ولم صدم أصدقاؤنا عندما لبست أنا قميصاً، بينما لبست أنت ثوبا؟! بل لم تفاجأ بائع الآيسكريم إذا طلبت أنا نكهة الفانيليا وطلبت أنت نكهة الشوكولاته؟!)

- (هوّن عليك يا أخي، فالناس تكره الاختلاف، ليس فقط بيننا نحن التوائم السيامية، بل حتى بين بعضهم البعض. الاختلاف يعقد خياراتهم، يصب عليهم التكهن بردود فعل الآخرين. من السهل عليك أن ترضخ لرغبة الناس في أن تكون مثلهم، ولكن الأصعب أن تقنعهم بحقك في الاختلاف أو التفرد.

دعني أقول لك أننا أحسن بكثير من غيرنا، وأننا نقاوم - بجلد لا بأس به - أن نكون مثل بعضنا، أو حتى مثل الآخرين. انظر إلى صديقنا عبدالله، ألم يختر (العسكرية) لأن جميع إخوته فيها؟ بل ألم يختاروها لأن أباهم اختارها؟ أليسوا توائم سيامية وإن فصل بينهم الفراغ؟! ألم يقبلوا أن يصبّهم والدهم في قالب واحد من صنعه؟!

حسناً، انظر إلى الرجال من حولنا، انظر لهم يجلسون معنا في الوادي وكلهم لابس نفس الزي، نفس الثياب، نفس الأشمغة. ألم يرضوا بأن يكونوا توائم في اللباس؟! إن كانوا توائم في هذا المستوى، فأي اختلاف ترجوه على مستوى الأفكار والآراء؟! يا أخي التوأم - الذي لا يريد أن يشبهني إلا في الشكل - هكذا الناس، تكره الاختلاف. هكذا المجتمع، تمقت التفرد. فمن السهل على القطيع أن يقود نفسه إن كان مكوناً من توائم سيامية، ملتصقة ببعضها، متشابهة مع بعضها.)

صمت أحمد، كان صمته يوحي بالاقتناع، وإن لم يوحِ بالرضا.

نظر محمد إلى توأمه ضاحكاً:

- (أتذكر تلك الفتاة التي ابتسمت نحونا، أتذكر كيف تلفتنا تجاه بعضنا متسائلين أينا تقصد، أتذكر إجابتها حينما تجرأنا فسألناها لمن تبتسم؟)

- (لا تذكرني: الساذجة! أرادت أن ترضينا جميعاً ولا تحرج أحدنا فقالت: ابتسمت لكليكما.

ما علمت أنها قد جرحتنا جميعاً. وأنها لو قصدت بابتسامتها أحدنا، لزرعت الأمل في الآخر.

حسنا، هل تعتقد أننا قد نحب؟!

لا تجب، إنه سؤال بديهي. طبعاً نستطيع أن نحب، ولكن هل هناك من تستطيع أن تحب أحدنا؟!

قبل أن تجيبني، قم بنا. فقد مللت الجلوس، دعنا نسير قليلاً على أقدامنا).

قام التوأمان وبدآ يسيران على ضفة الوادي العميق. استغل محمد لحظات المسير الصامت في التفكير بإجابة ترضي أخاه أحمد، فلقد بدا محتقنا. أو لعلها إجابة ترضي ذاته قبلاً:

- (الحب - يا أحمد - قيمة مبالغ في حجمها. الناس تتوهم الحب، أو تتصنعه أكثر مما تعشق فعلاً)

- (ولكنه وهم يغذيه الأمل. أما أنا وأنت فهل لنا أمل بالحب؟ أو حتى بالزواج؟ هل تصدق ما تقوله أمنا: أنها ستزوجنا توأمتين أو على الأقل أختين؟)

- (ولم لا؟!)

ارتسمت علامات الاستنكار على وجه أحمد:

- (أين ذهبت عقلانيتك يا محمد؟!

كن واقعياً، إنها كذبة بيضاء نطق بها لسان أمي اليائس. لا تصدق رغباتك يا محمد. ليس من أمل بأن نتزوج، وليس من أمل بأن ننفصل)

- (حسناً، وما المشكلة في ذلك؟ فلنحاول التكيف مع هذا الوضع)

- (لا استطيع التكيف مع هذا الوضع. لا تسئ فهمي، أنا لا أتمنى كثيراً الانفصال عنك، ولكن مسألة الزواج تهمني كثيرا، فأنا شاب ولدي رغبات)

أراد محمد أن يمازح أخاه الذي بدا يائساً أكثر من أي وقت مضى:

- (دعني أقول أنك لست بارعاً في اخفاء رغباتك)

- (لا تقنعني أنك لا تمارس رغباتك)

ضحك محمد، أما أحمد فظل متجهما صامتاً، ثم واصل الكلام وكأنه يحدث نفسه:

- (ألا تتساءل كيف نشعر بالوحدة رغم أننا لا نفارق بعضنا؟ كيف نشعر بالعزلة رغم أننا نعجز عنها؟! كيف نطلب القرب من الآخرين، رغم أن الآخر ملتصق بنا؟!)

ما كاد أحمد ينهي تساؤلاته حتى وجدا نفسيهما على حافة الوادي.

وبنظرة عميقة، تأمل السيارات المتكدسة في قعر الوادي، ثم تبسم قائلاً:

- ما أجمل القاع وما أبعده؟

نظر إليه محمد مرتاباً:

- فيمَ تفكر؟!

- كم من الوقت سيستغرق السقوط في هذه الهاوية؟

- لا تفعلها يا أخي. اتق الله! إنه انتحار.

- بلى سأفعلها.

- لا تفعلها، أمامك الحياة بأكملها.

- أي حياة تلك بلا أمل؟!

- أرجوك لا تقفز!

وعندما قفز أحمد.. سقط محمد!

أدركا أنهما قد وصلا قمة الانفصال عند قمة الوادي. لم يفكر أحمد في أخيه محمد عندما قرر الانتحار. ولم يخف محمد على نفسه حينما كان يقنع احمد بالعدول عن قراره.

استغرق السقوط في الهاوية دهراً. وفي طريقهما إلى القاع، كان شعور واحد يسيطر على أحمد، وتساؤل واحد يشغل بال محمد.

أحمد قتله الشعور بالذنب قبل موته. لن يغادر هذه الدنيا منتحراً فقط، بل وقاتلاً!. أما محمد فلقد قتله التساؤل قبل موته: هل سيقول أصدقاؤهم غداً إن أحمد انتحر وإن محمداً مات؟ أم سيقولون إن (محمدين) انتحر؟!




المصدر
http://www.alriyadh.com/2006/08/10/article178046.html
الاحمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13 - 10 - 2006, 04:37 AM   #6
Registered User
 
الصورة الرمزية الاحمر
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2002
المشاركات: 9,776
سيرة نص
"الطريق" للقاصة هناء حجازي







سيرة النص:



سألت القاصة هناء حجازي التي كتبت نص "الطريق" عام 1991هل ما زالت ذاكرتها تعي تفاصيل كتابة النص؟ :نعم،أتذكر ما الذي دعاني لكتابته،مشيت مرة مع صديقتي في حر جدة ،وواجهنا بعضا مما كتبت في القصة،حاولت أن أنقل الحالة التي عشناها،لكني أعتقد أنني أحكمت وصف الحالة وشحنتها لدرجة جعلتها أكثر صدقا مما حصل، يبدو كأنني أمدح النص، لكنه نص يستحق المديح ولو كتبه كاتب آخر لقلت نفس الكلام.

بعد هذا الزمن الطويل الذي مر على كتابة النص هل سيتغير شيء من عوالم النص في حالة اعادة كتابته.. اعني هل تغير شيء في علاقة المرأة بالمجتمع .. هل تغيرت رؤيتك أنتِ لتلك العلاقة؟:تخيل بعد كل هذا الزمن خمسة عشر عاما مرت ولم يتغير شيء،مازالت المرأة لا تستطيع المشي في الشارع دون أن تواجه بهذه النظرة.وستواجه أيضا إما يشخص يأمرها بأن تتستر، أو شخص يعرض عليها أن يحملها معه في سيارته لغرض معروف بل ربما زادت حدة هذه النظرة.اسمع النساء اللاتي يحاولن المشي من أجل الرياضة، واسمع شكاويهن.. نفس الشكوى.. إما يتعرض لهن رجال الحسبة .. أو المؤذيين من رجال ينظرون إليهم نظرة قذرة.شيء مريع .. أليس كذلك!

كان الاختيار للمكان هو الرصيف .. والحركة هي المشي..والطقس يتمثل في الحرارة الشديدة. هذه الدلالات هل تعني شيء داخل النص؟ نصوصي ليست رمزية يا طامي.كتبت حالة عشتها.. فقط.. والكلمات تعني الكلمات ذاتها.. الرصيف هو الرصيف والمشي هو المشي والحرارة أنت تعرف حرارة شمس بلادنا.

هل نقول ان كل اطياف الرجال الذي حضروا في النص لديهم ذات النظرة للمرأة.نعم،تستطيع أن تقول ذلك النظرة للمرأة هي ذاتها.سواء ممن يريد أن تتستر أو من يريد ان يحملها في سيارته .بالنسبة لهم امرأة تسير في الشارع إذا هي امرأة ساقطة.شكرا على هذه الأسئلة المحرضة. وإن كنت لم أحب التجربة.. أحسست أني أعري نصي، وهو شعور ليس جميلا أبدا.




النص: الطريق


تمشي في أرض حارّة.. حارّة.. كأن فرنا جديدا يبث آلاف ألسنة اللهب التي تغسل خطوتها وتطهر كل أجزاء جسدها تتسلل بعيدا تحت طبقات الجلد حتى الدماغ.. كل شيء يغرق في صمت الظهيرة الميت.. تكشط الأرض المسفلتة بقدميها فيجرح صوت خطواتها النوم الكهفي الذي يلف الشارع.. يطبق على صدرها ضيق ثقيل.. وحدها.. هي فقط.. تسير في شارع عريض.. جاف.. مغطى بإسفلت قاس ومحاط بمئات الأشجار الأسمنتية الغليظة.. عمارات ضخمة.. عالية.. مبنية بكميات هائلة من أسمنت فظ.. تُصدم بفظاظته وجفافه، فترخي أهدابها على قدميها المضطربتين..

كل هذا الحر.. كأن الشمس تنتقم، أو تبالغ في إظهار قوتها لأناس المدينة الذين لا يعرفونها، أو يختبئون منها.. خطوات قصيرة مسرعة من المباني إلى السيارات المكيفة التي تنطلق بسرعة.. نافرة من الشارع.. من الناس.. تغرق في همومها المحدودة.. تغلق صدرها على سر تعرفه الشمس.. تبوح به، فتظهر قاماتهم المنتفخة عارية أمام عيون ترى..

تلتفُّ بقماش أسود.. تظهر أطرافها من مخارجه.. يفاجئها صوت يصدر من وجهٍ يعلن عن حقدٍ مفزع وتملؤه كمية من عبوس سافر وشعر يغطي نصف وجهه.. ينظر بحدّة إلى وجهها ثم يأمرها أن تغطيه.. كان العرق يغسل وجهها.. ترفع طرحتها السوداء، تجفف وجهها.. يبصق، ثم ينطلق بسيارته وهو يهزُّ رأسه لاعنا..

البارحة كان ليل ثقيل.. تتذكر نجوم البارحة.. مطفأة كانت.. تشير الإشارة الحمراء إلى السيارات.. تمرق واحدة بسرعة.. تسمع صرير سيارة لم تستطع اللحاق بآخر لحظة.. تلتفت.. تجابهها عينان والهتان لامرأة.. تثير فيها قرفا يظهر على ملامحها.. لكنه لا يتوقف عن النظر.. تعرف أنه الآن يبدأ في تعريتها، من وجهها إلى آخر جزء يظهر من قدميها قبل أن تنغمس في الحذاء المنهك.. تحاول أن تسرع.. تصبح مشيتها المحتشمة مضحكة.. ترقص على حبل نظراته.. تنظر إلى لاشيء بحدة.. تستغرق في لا مبالاتها الحادة.. يعاودها الشعور بضيق الطريق.. تسير سيارة في نفس اتجاهها.. تقترب حتى يصبح الرصيف رفيقا ملتحما بالعجلات.. تسرع.. تسرع.. تكره الطريق.. والعجلات.. تنظر إلى شمسها الشرسة.. تغرز حرارتها في عينيها.. تلسعها ملوحة العرق الذي يتسلل متخطيا جفنيها.. الطريق واسع.. الطريق ضيق.. تحتمي بالرصيف.. يصبح الرصيف ملجؤها.. تصفعها كلماته، يعرض عليها مبلغا من المال.. تشي ملابسه النظيفة وسيارته الأنيقة بأنه صادق.. يمتلئ الهواء بلزوجة عنيفة.. يربكها سؤال يتكوّن في رأسها.. هل تغضب؟.. هل من حقها أن تثور كرامتها.. الناس تتجمع في البيوت المقفلة.. تقيل.. متدفئة بفراش ناعم، وهواء مكيف.. وهي في الطريق.. الجو حار.. وسيارة فارهة تلتصق برصيفها.. حين يهب الهواء الساخن، تتشبث بها عباءتها.. تظهر تفاصيل جسدها الصغير.. تحس بالعيون تخترقها.. عيناها على الطريق.. تخزها الشمس القاسية.. وتمشي..



http://www.alriyadh.com/2006/10/12/article193646.html
الاحمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17 - 01 - 2008, 11:13 AM   #7
Registered User
 
الصورة الرمزية الاحمر
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2002
المشاركات: 9,776
سيرة نص هليّل
محمد الرطيان :أنا لم أصف "هليّل" على أنه مجنون أو فاقد للعقل أبداً.أنتم ترون أشباهه










السيرة :
في نص هليّل للشاعر محمد الرطيان البطل ليس شخصية سردية مبتكرة.هو موجود في أكثر من نص روائي وقصصي وبملامح متباينة ورغم أن هذه الشخصية مكررة.فهو يخرج بمسميات مختلفة:عبيط القرية،الدرويش، الخبل.المجنون. لكن الرطيان أصبغ عليه نكهة مختلفة.وقدمه بشكل مختلف.جعله في قائمة الشخصيات المحبوبة.بل وقد يأخذ صفة الجماهيرية لذا يقول محمد الرطيان عن شخصية هليّل وكيف استدعاه ليصبح بطلا في نصه وماهي الطقوس التي صاحبت كتابة هذا النص: لا توجد لديّ "طقوس" من الممكن أن أتباهى بها، أو أن أدهش القارئ بغرائبيتها وجنونها !أما "هليّل" فهو موجود من قبلي .. لم أصنعه ولم أبتكره . كل ما فعلته هو أنني نفضت الغبار عنه ومنحته بطاقة هوية محلية .. وحوّلته إلى نجم غلاف !والحياة تبتكر الكثير من الشخصيات الغرائبية والمدهشة والمثيرة للجدل ..كل ما علينا فعله هو أن ننتبه لها، و"نلتقطها " بشكل جيّد، ونأخذها من الشارع إلى الورقة.

عندما سألت الرطيان بأن هليّل في النص لم يكن سوى طعم .أو كاميرا يتجول بها السارد للكشف عن بعض الملامح التي يرغبها السارد. قال : لم يكن هناك أي ترتيب ما ساعة كتابته . ولم يكن لديّ أي مخطط مسبق لنقد الواقع من خلاله، او لفضح الحاضر بشخصية قادمة من الماضي . كان "الفنان" في داخلي يركض على الورقة دون أن يهتم بعين "الناقد" والتي ستعد خطواته !كل ما أفعله هو أنني أجتهد كثيرا في "طبخ" ما أكتبه وذلك لكي أقدم للقارىء "وجبة" دسمة ولا يهمني كم فيها من الفيتامينات أوالبروتينات .. أو حتى كمية الكيسترول والتي ستسد شرايين الناقد !

هليّل ليس رجلاً فاقد العقل تماما ..ولكن رجل يعرف يساوم..يعرف كيف يخبئ لذة ما شاهده في البيوت لوحده فقط..بل هو في قمة الدهاء ..فهو لا يبوح بالسر فقط.. بل أن يجعل من يسأل كم ارتكب الفضيحة وبالتالي يمارس ابتزازه ليحصل على ال 5ريالات.هل كان هليل أكثر وعيا وفهما من أهالي القرية ؟

يقول الرطيان : أنت تراه بهذا الشكل . غيرك يراه بشكل آخر ..أنت قرأت المقارنة بينه وبين أهل القرية، هناك من يقرأ المقارنة في العلاقات بين القرية وبين القرية نفسها التي تحوّلت فجأة إلى مدينة، وهناك ثالث يقرأ زمن "هليّل" والزمن في هذه اللحظة التي تخلو من "هليّل" ومن البيوت المفتوحة له !أجمل ما في الفن أن له "كتابة" واحدة، يقابلها ألف "قراءة وعلى فكرة : أنا لم أصف" هليّل بالنص على أنه مجنون أو فاقد للعقل أبدا .. أنتم ترون أشباهه

على أنهم "مجانين" وأنتم وحدكم تتحملون هذه النظرة !

ولأن محمد الرطيان يصنف كشاعر شعبي سألته كيف ترى هذه التجربة السردية؟

أكتب ما أكتبه ولا يهمني إلى أي شكل سينتمي .. يهمني أن يكون (النص) طازجا وشهيا وجديدا وحراً .. ولا تعنيه "الذائقة السائدة" يهمني أن تكون أصابعي حُرة لحظة الكتابة .وفي الكتابة لا أهاب الدخول إلى مناطق جديدة، ولديّ الاستعداد للدخول إلى أراضي جديدة لم يطأها "قلم" بشر .الكتابة : مغامرة رائعة وحُرة وحلوة .. والمُغامر لا يهتم بالنتائج !

هليّل



النص :

(1)

وكل مسألة فيها قولان .. إلا "هليّل" !

فعندما يأتي ذكره، تسمع ألف قول وقول .نسبه ؟.. هناك من يقول أنه من قبيلة لا شأن لها بين القبائل، وهناك من يقول أنه أتى نتيجة علاقة آثمة، وهناك من يقول أنه من بقايا "الأرمن" الذين نجوا من مذابح "الأتراك"، وهناك من يبتكر رواية رابعة لا تقلّ في الخيال و الحبكة والإثارة عن الروايات السابقة !

تنظر إليه، وتُصيبك الحيرة : هل هو أبيض أم أسود ؟!

نغمة صوته تقول لك أنه أسود، وكذلك شكل الشفتين . بقية التفاصيل في ملامح وجهه تقول أنه أبيض، لونه يقف ما بين اللونين !

عمره ؟.. هناك من يقول أنه بعمر مدينتنا الصغيرة، وهناك من يُقسم بأنه أكبر منها قليلا !

الأكيد أننا ولدنا وهو موجود، وعندما نسأل من سبقونا من "الشيبان" الأكبر سنا ، يقولون لنا :

نذكر وجوده بيننا .. ولكننا لا نتذكّر من أين أتى ومتى أتى !

ما يزال الناس يتذكرون بعض "أقواله" وكأنها نبؤات، أو عبارات لحكيم :

"باكر تجيكم عاصفة من غرب، اللي مات يحمد ربه، والحي يتمنى لو أنه ما أنولد !"

استعادت الناس عبارته تلك قبل فترة، عندما هاجت الصحراء على أطراف مدينتنا، وأصابتها نوبة من نوبات الغضب . يرددون هذا القول وهم يضحكون في العلن، وكأنهم يسخرون من العبارة وصاحبها، ولكنهم مرعوبون في السر، ويدعون الله بهمس أن لا تكون تلك "عاصفة هليّل" !

وهذا ما حدث عند الحرب على العراق، استعادوا عبارته التي يقول فيها :

"شقر الشعور، زرق العيون، باكر يجون !"

وكم من مرة يسيّسون ما يقوله "هليّل"، وكم من حادثة يحورونها قليلا لكي تكون ملائمة لإحدى عباراته .

كان يدخل البيوت (حتى تلك المحافظة جدا ) دون استئذان، والنساء اللواتي لا يكشفن وجوههن للغرباء .. يكشفن أمام "هليّل" كأنه أحد الأقارب !

يمازحهن، ويغني لهن بعض الأبيات من قصيدة عاميّة (يُقال أنها له، ويُقال أنها كُتبت في حبيبة سريّة لا يعرفها أحد) بل إنه يتجاوز أحيانا ويقول لهن ما هو فاحش من الشعر، وقبل أن تأتي ردة فعلهن الغاضبة لجرأته، يلتفت إلى الصغار ويصرخ "فررررر" .. ويقوم بلف شماغه الممزق من جهة الأذنين على شكل آذان ذئب، ويطاردهم في باحة المنزل، ويقوم ببعض الحركات الضاحكة التي تُضحك الأطفال ... والنساء أيضا، واللواتي وسط ضجيج المشهد والمرح ينسين ما قاله قبل قليل في قصيدته عن : .... والخصر والضم في ليالي الشتاء الباردة !

طبعا .. لا يخرج إلا بعد أن يتناول الغداء مع أهل البيت، وذلك بإصرار من "الرجال" عندما يعلمون بوجوده، بالإضافة إلى حصوله على كيس يحتوي على بعض المعلبات والخبز، وكيس آخر فيه بعض الملابس .. ويقبل أي شيء من الملابس ولأي موسم .. عدا الأحذية فهو لا يقبلها، ويفضّل أن يمشي حافيا .

عندما نلتقي معه في الشارع، وذلك بعد خروجه من أحد المنازل، نسأله عن أبنتهم الحسناء "هل رأيتها" ؟.. "وش كانت لابسه" ؟.. "هي حلوة يا هليّل" ؟.. كان يغضب من أسئلتنا، فهو يرفض أن يتحدث عن نساء أي بيت يدخله، وكنا نعرف كيف نطفئ هذا الغضب، ونستر أنفسنا لكي لا يفضحنا أمام أحد أخوتها .. وذلك ب "خمسة ريالات" .. وما أسوأ حظك إن لم يكن لديك ورقة نقدية من فئة "الخمس ريالات" .. سيصرخ بأعلى صوته بأنك بخيل بالإضافة إلى بعض الصفات السيئة الأخرى .

كنا نسمّيها "خمسة الأزمات" وأحيانا "خمسة هليّل" .. نضعها في جيوبنا احتياطا ، فمن الممكن أن نلتقي به في أي شارع و يطلب : "هات خمسة ريال"... تريد أن تعطيه "عشرة"، أو "خمسين"، أو حتى "مائة" حتى تسلم من الفضيحة .. ولكنه لا يقبل !.. أما "خمسة"، أو الفضيحة !

حتى أصحاب البقالات عندما يأتي "هليّل" إليهم .. من الممكن أن يأخذ ما سعره أكثر من خمسة بخمسة ريالات فقط .. لأنه دائما ما يحدث العكس أيضا فيأخذ ما قيمته أقل من خمسة ولا يقبل أن يأخذ الباقي .. كأن محفظته المهترئة والصغيرة لم تُصنع إلا لحمل الخمسات !

يحكون عنه بعض الحكايات الخرافية ..

فهناك من يقول أنه شاهده في إحدى الليالي على أطراف المدينة، في الصحراء، حوله الكثير من النيران المشتعلة، وأنه سمع أصوات أناس لا يراهم، وكان "هليّل" وحده يغني ويرقص .. وتُروى مرة أخرى مع إضافة سماع أصوات الطبول !

ويحدث أن شخصين يرويان أنهما شاهداه في مكانين مختلفين في نفس الوقت !

وأصحاب هذه الروايات، هم في الغالب من يروّج لنظرية أن "هليّل" جني .. وليس أنسي !

(2)

"هليّل" مات ..

ومدينتنا أصبحت بلا طعم بغيابه .

بل أن كل مدينة لا يُوجد فيها "هليّل" هي مدينة ناقصة .

(3)

حتى هذا اليوم - وبعد سنوات من موته - هناك من يقول أنه رآه البارحة !



http://www.alriyadh.com/2008/01/17/article309642.html
الاحمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14 - 08 - 2009, 05:11 AM   #8
سهام الدهيم
 
الصورة الرمزية نينوفر
 
تاريخ التسجيل: 04 - 2007
المشاركات: 1,040
سيرة نص ( عندما فقدت حنجرتي) للقاصة نوال يوسف

طامي السميري :
النص :
انتقلنا بُعيد الاستقلال إلى بيت سكنه فرنسيون، عندما وضعنا أقدامنا أوّل مرّة فيه شعرنا و كأنّنا دخلنا كنيسة، استغفرت أمّي كثيراً، فيما قال أبي: الله يلعنهم. بدا البيت و كأنّهم غادروه مستعجلين؛ بعض الفناجيل فوق طاولة الطعام، وكتابا مقلوبا على باطنه فوق المنضدة القريبة، كان قارئه قد بلغ الصفحة التاسعة و الثلاثين. غبار كثيف كان يملأ المكان، و رائحة غريبة، ربّما كانت رائحة الأثاث. أوّل ما قامت به أمّي عند بدء التنظيف أن أحرقت كلّ الكتب التي كانت تزيّن المكتبة، الكتب الوحيدة التي نجت تلك التي حواها درج الطاولة الصغيرة القريبة من السرير، ربما كان صاحبها ينتقل بينها في نفس الوقت. استغنت أمّي عن الطاولة و أهملتها في ركن من الإسطبل بعد أن اكتشفت أن الصراصير كانت تختبئ فيها.
كان للبيت عدّة ملحقات، قبو كبير تقريبا بمساحة البيت، يخبئون فيه محاصيلهم الزراعية إضافة إلى مخزونهم من الخمر، و إسطبل فيه ثلاثة رمّات كانت تُربط إليها أحصنتهم الخاصّة. يؤكّد أبي أنّ في إحداها قامت العائلة الفرنسيّة بربط الشاب، الذي كان يخدمهم، من رقبته إلى أن مات. من بين الموجودات التي عثرنا عليها في المنزل ناي و عود، بعد أن نفضت أمّي الغبار عن العود عاد لمعانه سريعاً، الناي كان في منأى عن الغبار، مختبئاً داخل علبة خشبيّة. بدا لنا أنّ العود كان يُستعمل، فيما ظهر الناي كقطعة وصلت كهديّة غير مرغوبة. فيما بعد اكتشفتُ أنّ الآلتين كانتا شرقيّتين.
تتوسّط غرفة الجلوس مدفأة كبيرة، لم نتشجع كثيراً في استعمالها أيّام البرد، و كنّا نهرع لإشعالها أيّام المناسبات، ربّما كانت تلك المناسبات تأتي باردة أكثر من الأيّام العادية!
زهدت أمّي في المدفأة و استبدلتها بالنافخ الذي كانت تطهو عليه القهوة و تأخذه معها لكلّ مكان، تراه أنفع من المدفأة. كلّ ما كان في المنزل لم يكن يعني أمّي و لا أحد في البيت، كنّا قرويين، لا يعنينا أن نطبخ و نأكل و نقوم بكلّ شؤوننا داخل البيت بمعزل عن الريح و الأمطار، كانت أمّي تسكن الفناء الخارجيّ للبيت أكثر ممّا تسكن غرفه الأنيقة و المؤثّثة، وعند استقبالنا للضيوف، الذين كان بعضهم يحضر من أجل مشاهدة بيتنا الفرنسيّ عن قرب، يُعجبون بالآنية الفضيّة و اللوحات الطبيعيّة المعلّقة على جدرانه، و قطع الأثاث التي أعادت أمّي لها لمعانها بعد أن نظّفتها بالغاز. عند المغادرة تُهدي لهم قطعة أثاث أو زينة تشعر أنّها لا تحتاجها.
لم أتجاوز وقتها سنّ التاسعة بعد، وقد التحقت بالمدرسة و كان زميلي بها فرنسيّاً و يسكن على بعد أربع منازل من منزلنا على نفس الشارع، كان يُدعى " مارك".
تقول أمّي إنّه لا يمكن تجنّب الجيران إذا كان لديهم أطفال، و لم نتمكّن من تجنّب الجار الفرنسيّ ليس لأنّ مارك سيّء و يجلب المشاكل لوالديه، إنّما لأنّه كان يحبّ أن يلعب معي في نهاية الأسبوع و أمّي لا تستحسن ذلك كثيراً. يحضر إلى بيتنا بشكل منتظم، و كنتُ ألحظ كثيراً نظافته، ما كان يميّزه أنّه يرتدي لباساً خاصّاً بالبيت، و لباساً آخر يظهر به في المدرسة، و كان ذلك يشكّل فارقاً كبيراً بيني وبينه، وبدأت أضايق أمّي حتّى أكون مثله، و قد تحوّلتُ إلى البكاء بشكل يوميّ عندما شعرتُ أنّها لا تريد أن تذعن لطلبي، و توقّفت عن تصرفاتي حينما عدتُ في إحدى المساءات من المدرسة و طلبتُ منها أن تغيّر لي ملابسي، فسحبتني من يدي إلى الاسطبل، و أخذت تحاول أن تربط رقبتها إلى رمّة الحصان و أنا أحاول باكياً ثنيها عن شنق نفسها، و توقفتْ بعد أن وعدتها بألاّ تتكرّر سخافتي، و فعلاً نجحتْ لعبتها.
حياة أعالي الجبال تختلف كليّاً عن حياة هذا الجزء من الحيّ. حيث كنّا نسكن، كانت الحياة تبدو قاسية لكنّها ممتعة، أمّا هنا فهي سهلة و مملّة إلى حدّ أنّه لا يمكن أن تقوم بعمل و يبقى في ذاكرتك، عندما يعود أخي الكبير من عمله مساءً لا أجد ما أحكيه له، و قد دأبت سابقاً على أن أروي له كلّ ما يحدث معي من مغامرات. لا أنكر أنّ مارك كان يسلّيني. عندما يعجز عن اصطحابي إلى بيته يلجأ للّعب بأصابعه في الهواء ليريني كيف يعزف على البيانو، يزداد أناقة عندما يبدأ العزف، يشتدّ حماسه في العزف حينما يرى الدهشة مرسومة على وجهي؛ و يقول:
-هل تسمع؟
-نعم، أسمع.
و يواصل العزف، ويحدث أن أصفّق حينما يتعب ويتوقّف. كان لا يتحدّث إلا عنه؛ فيأخذني الفضول لمعرفة شكله، ما تمكنتُ من استنتاجه من خلال ضرب أصابعه في الهواء أنّه كائن يقف عند حدّ خصره.يوافق استنتاجي هذا؛ و يضيف:
-مصنوع من الخشب أيضاً، تقريباً كلّه خشب، لديه أزرار بيضاء و سوداء، البيضاء أكثر عدداً.
-هل هو دائريّ، طويل؟
عندما مرّت كلمة " طويل" على لساني تذكرتُ الناي، و قفزت سريعاً إلى حيثُ يرتاح في علبته و جئتُ به.
-أيشبه هذا؟
-لا..لا، إنّه كبير، تقريباً بحجمي و حجمك، لديه غطاء أيضاً. عندما أنهي العزف تأتي أمّي و تغطيه، لو وقفتَ على الكرسيّ المخصص للعزف و شاهدتَه من الأعلى ستندهش عندما ترى هذه الآلة تأخذ شكل علم فرنسا و هو مقسّم إلى نصفين.
يحدث أن يصفه لي كلّما حضر إلى بيتنا، و لا يسأم من ذلك، و لا أسأم أنا من الاستماع إليه. طيلة الشهور التي كان فيها مارك يلعب معي، كان يحاول أن يقبض على موافقة أمّي في أن أكون ضيفاً عندهم، في المرّات التي أُبدي فيها رغبة شديدة في أن أذهب معه يصبح رفض أمّي أشرس.
دخل الصيف و انقطع مارك عنّا بسبب عدم مبادلتي له الزيارة، كانت لدى عائلته نوع من الكرامة. شعرتُ أنّ أيّام الصيف أصبحت طويلة أكثر من العادة، و ضجرة على غير العادة، و كنتُ أشكو ذلك إلى أمّي و تقول إنّني بدأت أكبر؛ فالضجر لا يشعر به إلا الكبار.
في قريتي التي وُلدتُ فيها، عندما لا أجد ما أفعله أتسلّق الأشجار و أتنافس مع الأولاد على من يتسلّق الشجرة الأطول، أمّا ما استطعتُ أن أبدّد ضجري به هنا هو تسلّق أعلى البيت و الجلوس على السقف القرميديّ المائل مصطحباً الناي معي، أجرّب النفخ فيه. كنتُ أحاول الحفاظ على توازني أكثر من النفخ، مع الوقت أصبحت لا أجد صعوبة حتّى في الاستلقاء على القرميد، كما أنّني تآلفت مع الأصوات التي أصبحت تخرج من الناي بعدما كنتُ أزدريها. كانت أصواتاً تشبه صوتي و أنا أنادي أطفال قريتي التي أتيتُ منها، عندما أفكّر أنّها بعيدة و لا يمكن أن يسمعونني أنادي على مارك، غير أنّه هو الآخر لم يكن يسمع.
أصبح الناي ينوب، في بعض الأحيان، عن الكلام الذي يمكن أن أقوله، وجدتُ ذلك ممتعاً، فعندما تناديني أمّي للدخول إلى البيت أجيبها عبر الناي، محدثاً صوتاً يشبه القول بأنّي قادم، و بدت أنّها تفهم عليّ؛ حيث كانت تطلب منّي أن أسرع.
عندما يدخل الأطفال بيتنا، تحرص أمّي دائماً على دسّ بعض الأشياء في جيوبهم وهم مغادرون، حلوى أو قطعة خبز مبلّلة بزيت الزيتون، و تشعر بالخجل فيما لو لم تجد شيئاً تقدّمه لهم. في عيد الفطر الثاني الذي قضيناه في البيت الجديد، زارتنا سيّدة كبيرة وبصحبتها طفل كان في مثل سنّي وقتها، عرفتُ أن اسمه " شريف" و والده استشهد على أيدي القوّات الفرنسية، قرّبته أمي من صدرها و ضمّته طويلاً، ثم استلمته جدّتي و قبّلت رأسه، فيما راح أخي يهديه الناي. يكفيك العود، هكذا قال لي عندما شعر أنّ شيئاً ما يتحرّك داخل عينيّ.
إنّه ابن الشهيد، و شعرتُ أنّه ليس من حقّي أن احتّج أو أعارض، جدّتي قالت إنّ أباه أهداك هذه الأرض التي تجري و تقفز عليها، ومن العيب أن نستخسر فيه عوداً من القصب!
لم أفهم حينها كلام جدّتي، لكن فهمت أنّ شريفاً حزن على والده كما حزنت على الناي، و كان ذلك سبباً في أن يكون حزني على فقدانه هادئاً.
لم أتخلّ عن تسلّق القرميد، لكن ما كنت سأفعل هناك و الناي غائب؟ قلّ حديثي، و لم أعد أستجيب لنداءات أمّي بسرعة، كأنّي فقدتُ حنجرتي .بحثت عن أعواد القصب لأصنع لي واحدا و أخبرني أخي أنّها تكون قاسية و صلبة في الصيف.
عندما دخل الصيف جمعتُ أعواداً كثيرة تجنبّني الذهاب المتكرّر لجمع المزيد في حال كان اختيار الأعواد الأولى سيّئاً. القصب الذي جلبته صعُب عليّ تجويفه، أعواد كثيرة أفسدتها بالحفر، و لكن في النهاية حصلتُ على ناي جيّد. عندما جرّبته اكتشفت أنّه يحدث أصواتاً مختلفة عن التي كان يصدرها الأوّل، بالإضافة إلى أنّه كان لا يرجع الصيف مرة أخرى إلا و أصبح الناي غير صالح للعزف.
في الصيف الموالي، اخترتُ بعناية عوداً آخر، قلّبته جيّداً و فحصتُ قدرته على مقاومة الضغط، و في الأخير بدأتُ العمل عليه، كان أجود ناي أصنعه، لم تكتمل فرحتي به بعد أن استنشقتُ إحدى قطع القصب التي كانت عالقة على جدارنه و أنا أجرّبه، جرحتُ حنجرتي و ليومين متتالين و أنا أشرب الحليب و زيت الزيتون و لا تحسّن، فقدتُ القدرة على الكلام وحتّى النفخ أصبح ضعيفاً، فقدتُ صوتي العميق، وهي المرّة الثانية التي أفقد فيها صوتي، الأوّل عندما ذهب الناي لشريف.
انكببت على الدراسة التي لم أكن أحتاج فيها إلى كلام. قلّ تعلّقي بالناي، غير أنّه كان كمحفظة لا يغيب عن جيبي، حتّى أنّه كان يحدث ثقوباً في جيوب كلّ السراويل التي أرتديها، وأحياناً كان يُحدث جروحاً على جسدي عند احتكاكه بهً.
بعد أيّام من الحادثة رآني شيخ الجامع مهموماً، و عندما أخرجت الناي من جيبي و أشرتُ له بأنه لا يمكنني العزف عليه؛ قال لي:
ربّي شاف ليك، الذي في يدك شيء مشي مليح.
واضح جدا أنّه سيّء حتّى أنّه لم يسمّه باسمه. جاءت نصيحة الشيخ في الوقت الذي لا يمكنني إلا أن آخذ بها، لكن ظلّ الناي يرافقني إلى كلّ مكان أقصده. يحدث أن اصاب بالقلق و التوتّر إن خرجت من البيت و نسيته تحت وسادتي، ولا أهدأ حتّى أعود و أجلبه معي.
أصبحتُ أتشاجر كثيراً مع الأطفال، و كنتُ لا أضرب إلا به ولا يتكسّر، عندما يتحوّل القصب إلى ناي لا يفقد القدرة على أن يكون عصا. غير أنّي كنتُ مهما ضربت لا أشفي غليلي، لقد فقدت القدرة على الضرب بالكلمات، أيّ قدرة فقدت!
كبرتُ كثيراً و في وقت قياسيّ عكس بقيّة الأطفال، و فتحتُ عينيّ على مجتمع سلاحه الكلام، فأصبحت أفكّر كيف يمكن لرجل أعزل منه أن يعيش فيه بسلام؟
و عند اقترابي من سنّ الثامنة عشرة اقترب موعد الانتخابات البلديّة و لم أتقدّم للتسجيل، و كنت أشعر أنّه لا يعنيني التصويت. صحيح أني لم أكن قادراً على الكلام غير أنّي كنتُ قادراً على التحيّز لصالح فريق معيّن، لكن كيف يمكن أن أمنح صوتي و قد فقدته؟ منذ ذلك الحين بدأت أشعر أنّ قاموس المجتمع السياسيّ متحيّز للكلام أيضاً، و تحيّزتُ لصمتي.
كنت أصمت في كلّ المواقف، حتّى في المواقف التي تتطلّب ثورة كلام كنتُ أصمت، حتّى حين يتطلّب مني أن أقول لا كنتُ أصمت. صمتي كان من النوع الذي لا يقدر صاحبه إلا عليه، ذلك الصمت الذي لا يعرّضك للعواقب إن اقترفه ولا يجعل منك حكيماً إن احترفته. اشتقت أن يعبرني موقف أجتهد الصمت فيه و يقدّر الناس لي ذلك، سئمت الصمت الذي يأتي دون جهد، بلا شكّ هو صمت لا يعوّل عليه.
لطالما شعرتُ أنّ الذين لا يسمعون و لا يتكلّمون هم في رحمة من عذاب؛ عندما لا تسمع لن تكون بحاجة لتتكلّم، لا أحد يستفزّك بصوته، أمّا إن كنت تسمع وترى دون القدرة على الكلام فكأنّما تتلقّى الصفعات و أنت مكبّل اليدين لا تقوى على الردّ.
الناس لا يتوقّفون عن إيذائك، ليس لديهم الوقت ليفكروا في مشاعرك.، لا يسلم منهم الصحيح القويّ الذي لا يعاني من شيء فكيف بغيره؟
في أحد المساءات وصل بعض الأشخاص إلى القرية، و قبل أن أكتشف أنّهم أقرباء جدّتي البعيدين و قد أضاعوا الطريق إلينا، أوقفوا شابّا ليدلّهم علينا، و كنت برفقة ذلك الشاب الذي طلب منهم بعض المعلومات ليتعرّف على البيت، كانوا سريعين في الاستجابة، و أخبروه أنّ لديهم شابّاً " عقّون"، نظر إليّ صاحبي و قد زمّ شفتيه، و بادلته النظرة بابتسامة، كان في فمي كلام سرقه كلامهم، و شعرتُ أنّي بحاجة إلى صمت خاصّ، حتّى لو جاؤوا حينها بكلّ أبجديات اللغات و وضعوها على طرف لساني و دفعوني من الخلف لتسقط منه لفضّلت الصمت. حتّى في الصمت الحتميّ هناك فرصة للصمت.
بعد عشرة أعوام، هناك من أسرّ لي أنّه من الممكن أن يعود لي صوتي، الأطبّاء الصينيّون قادرون على مساعدتي في ذلك، حينها تحسّست جيبي من الناي ورنّ في أذني كلام الشيخ.
السيرة :
القاصة نوال يوسف تأخذ من ذاكرتها مكونات نصها ( عندما فقدت حنجرتي ) ..لذا تحكي عن ملابسات كتابة النص بوقائعه التي شكلت وجوده الإبداعي :
جدّتي عايشت فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، غير أنها رحلت قبل أن يكون بمقدوري استجواب ذاكرتها، و بقيت والدتي حفظها الله التي بين الحين و الآخر يتسّرب إليّ شيء مما سمعته أو بعض الذي عايشته. ما لصق بذهني أنه عندما أتت أمي على ذكر حادثة هدم بيتهم من طرف الجنود الفرنسيين لم تنسَ أن تدسّ في جيب ذاكرتي موقفاً غريباً أقدم عليه الجنود آنذاك؛ فعندما انتهوا من هدم البيت جاءوهم ببرنوس جدّي و بعض الحاجيات التي وجدوها في البيت. عندما يتساقط المطر في عزّ الصيف لا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تسمع من يتوقّع موسماً زراعياً جيّداً، أمطار لا ينتظرها أحد، و بالتالي لا يحسب حسابها أحد، و إحضار الجنود للبرنوس لا يمكن لأحد أن يقرأه على أنّه طيبة أو شفقة أو حتى رحمة، كان تصرفاً يصعب فهمه.
بعد الاستقلال انتقل جدّي إلى بيت كان لأحد المستوطنين الفرنسيين، وجدوا فيه مكتبة كبيرة من الكتب، التهمتها نيران جدّتي انتقاماً من هذا المستوطن، كانت تعتقد أن تلك الكتب هي مرجعيتهم في طرائق التعذيب و في هدم البيوت على رؤوس أصحابها؛ لذلك وجدت أنه من العار أن تبقيها في بيتها. تواجد المكتبة الضخمة في ذلك البيت لم يكن بإمكانه أن يحوّل سيرة المجرم إلى سيرة قسّيس. تماماً كموقف إرجاع الجنود للبرنوس لم يكن ليُفهم على أنه تصرف رجل أمين، و هو الرجل اللص.
و عليه قرّرتُ أن أكتب شيئاً يمسّ هذين الموقفين. كانت فكرة واحدة تسكنني: أن كل ما تركه الفرنسيون من شأنه أن يؤذي و يلحق الضرر، وجدتُ أن الكتب أحرقتها جدّتي و لم يعد بإمكان الرماد أن يضرّ، فجاءتني فكرة الناي الذي يشبه " الغايطة" الآلة الموسيقيّة المحليّة، و كان لابدّ أن تعتقد جدّتي أنه لا ضرر من عدم إتلافه كما فعلت مع الكتب، حتى أنها تركته في متناول الأطفال!
وعن حضور الناي الذي تنوعت دلالاته في النص.فمرة آلة موسيقية للغناء ..ومرة أداة جارحة تخدش الجسد ..وتثقب الجيب..ومرة يتسبب في فقدانه للصوت.. كذلك نجد الشيخ يصفه بأنه مشي مليح نجد الأخ يهديه لأبن الشريف . هذا التنوع ماهو دلالاته ؟ تجيب القاصة نوال :
الناي آلة الحزن، ظهر أول مرة في النص حينما كانت العائلة الجزائريّة تتفقّد الموجودات في البيت الجديد، الحالة التي وُجِد عليها أظهرت أنه لم يكن يعني العائلة الفرنسيّة كثيراً حيث ظلّ راقداً في علبته و لم يستعمله أحد قط، و الحقيقة أن الحزن من كان لا يجد طريقاً إلى تلك العائلة و عليه لم تكن في حاجة إليه.و قبل أن أتطرّق للمرة الثانية التي ظهر فيها الناي، دعني أقول شيئاً و هو أن أصعب ما يمكن أن يمرّ به المرء خلال مسيرة حياته شيئان: الرحيل و الموت. في هذه القصّة يمكن أن تلاحظ الوحدة و الضجر اللذان كان يعاني منهما بطل القصّة في بدايتها، و كانا ناتجين عن انتقاله من بيئة المولد و الصبا إلى بيئة أخرى و بيت آخر يلزمه طريقة عيش مختلفة، هذه الحالة توضّحت بعدما انقطع مارك عن زيارته و اللعب معه، وكانت فرصة الناي أن يظهر مرة أخرى و بشكل قويّ، كوسيلة يُفرغ الصغير عن طريقها حزنه، و يعوّض بها الصديق الذي فقده.ثم يخرج لنا الطفل الآخر الذي يُدعى " الشريف " الذي فقد والده، و هنا عليّ أن أسجّل أن الموت يكون وقعه على النفس البشرية أكبر من الرحيل، و "الشريف" بفقده والده أصبح أكثر حزناً من الصغير الذي رحل عن بيت الطفولة، و كان لابدّ أن ينتقل الناي للأشدّ حزناً!
بعدما أصبح الصغير بلا ناي راح يبحث عن طريقة يستعيده بها، و كانت أن صنع لنفسه واحد أخرا، لكن ما حدث فعلاً أن هذه الآلة تسبّبت في فقدانه لصوته بعدما أن أتت على حنجرته و جرحتها. يمكن أن نقول هنا أن الأشياء التي نرى أنها تخفّف عنا الأحزان لن تفعل ذلك للأبد!و هكذا لم يعد الصغير قادراً على العزف على الناي، و لم يعد الناي أيضاً قادرا على أداء وظيفته، أي العزف و تبديد الأحزان، و تحوّل إلى سيرته الأولى، مجرّد قصبة تخدش الجسد و تثقب الجيب إذا وضعت فيه.رغم كل هذه الأحداث بقي الطفل متعلّقاً بنايه، و كان لابدّ أن يتدخّل أحد ليضع حدّاً لهذا التعلّق، و تدخّل شيخ الجامع الذي لم يكن لأحد أن يقول له: لا.
بينما كان النص يتحرك في بعده الإنساني وجدتك تلبسين النص البعد السياسي بحكاية التصويت .. تقول نوال: شعرت حينها أن النص خرج من حالته الحميمية إلى حالة أخرى ..وكأن الهم السياسي افقد النص حالته الإنسانية الخالصة ؟ القاصة تسرد رؤيتها وتبرر : فقدانه لصوته جعله متحسّساً اتجاه كل شيء يحيط به، بما في ذلك المفردات اللغوية، لم يكن يتحسّس للفعل الانتخابي في حدّ ذاته إنما للمفردة السياسية " التصويت"، كانت تذكّره أنه أصبح بلا صوت.ثم أنت تعلم أننا مرضى بالسياسة، و من خصائص هذه الأخيرة أن تفسد علينا وجباتنا اليومية و قعداتنا العائلية و أعيادنا الدينيّة و الوطنيّة و أفراحنا و أعراسنا، و طلعات نهاية الأسبوع، و ليس صعباً عليها أن تفقد نصّاً حالته الإنسانيّة!
وعن النهاية التي أشعرتنا أنه تبنى لمفهوم الصمت ..وتبنى لموقف الشيخ ..تشرح القاصة نوال يوسف هذا الالتباس : بعدما تبيّن أنه من الممكن أن يسترجع صوته جاءت النهاية كصراع بين الرغبة في العودة للعزف على الناي و بين نصيحة الشيخ الذي أنكر عليه العزف. في اعتقادي أنه سيعيد الناي لعلبته الخشبية و بين الحين و الآخر ينفض عنه الغبار.


المصدر :
ط¬ط±ظ?ط¯ط© ط§ظ„ط±ظ?ط§ط¶ : ط³ظ?ط±ط© ظ†طµ ( ط¹ظ†ط¯ظ…ط§ ظپظ‚ط¯ط? ط××ظ†ط¬ط±ط?ظ?) ظ„ظ„ظ‚ط§طµط© ظ†ظˆط§ظ„ ظ?ظˆط³ظپ

آخر تعديل بواسطة نينوفر ، 15 - 08 - 2009 الساعة 02:03 AM
نينوفر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14 - 08 - 2009, 03:28 PM   #9
شاعر وروائي وناقد مصري
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2004
المشاركات: 1,095
أعجبتني الفكرة جدا التي يقدمها طامي السميري.
وقد ذكرتني باجتهاد قدمته في جريدة " اليوم" السعودية في الفترة من سنة 1991 إلى سنة 1995 حين كنت أقدم " شخصيات قصصية " والفكرة تختلف في انني أنشر القصة ثم أقوم بتقديم انطباعي عن ملامح البطل وكيف تصرف في النص وعلاقة ذلك بسير الأحداث .
...............

لكن مع سيرة نص فالكاتب نفسه هو الذي يقوم بالتقديم لعمله ومساءلته . وهي مسألة توضح ما يجري من أسرار داخل المعمل الفني للكاتب.
كثيرون يفضلون الصمت وعدم استباحة الغرفة المظلمة لغيرهم.
ربما يكون معهم حق..
__________________

سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/
سمير الفيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15 - 08 - 2009, 04:41 PM   #10
موحد
 
الصورة الرمزية عبد الواحد الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
المشاركات: 4,508
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى عبد الواحد الأنصاري إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى عبد الواحد الأنصاري
طامي السميري هو رجل مهتم بالسرد المحلي، ويتميز بأسئلته الجريئة ومساءلاته للكتاب عن نصوصهم، وهذه الطريقة التي أقرؤها للمرة الأولى لمهتم مثله تؤكد أن لديه ما يلفت به القارئ، ويفيد به المتلقي، بخاصة تلك النصوص التي جاء بها، استفدت منها كثيرا لأنني لم أقرأها من قبل، وكانت مساءلاته لها جوهرية، خاصة وقد استحضر لها شهادات مؤلفيها، وهي خطوة يُغبط عليها حقا.

هنيئا لنا بهذه الإجادة يا طامي.
__________________
عبد الواحد الأنصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:43 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor