جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > الشعر والخاطرة > الشعر الفصيح

الشعر الفصيح شعر فصيح

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 07 - 11 - 2012, 09:28 PM   #1
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2012
المشاركات: 275
قراءة في قصيدة:"تابوت القيامة"للشاعر:فيصل قرقطي

القصيدة:
تابوت القيامة
رفعتْ عقيرتَها الرياحُ ،

وغصَّتِ الأرضُ الطهورةُ بالمنى ،

نَسَكَتْ قوافي الأولينَ ،

تَهَوْدَجَ الجرحُ المقاولُ ،

غادَرَتْ سُفُنٌ معبَّأةٌ نبيذَ الاعترافِ

تمايلَ التلُّ الغفورُ . انشقَّ صدرُ القافية .

وتَجَمْهَرَ الجُنْدُ الطغاةُ على نوافذِ روحيَ ،

الذكرى مخزَّنَةٌ بتابوتِ القيامةِ /

والسلاحُ هو السلاحُ /

يجنُّ أو يَرْغِي /

ويبصقُ ما تبقَّى من حياةٍ في جبينِ القافلة .

هَتَكَ الطغاةُ وصيَّةَ الأبناءِ / فانْكَسَرتْ زجاجاتُ الخلودِ /

كَبّوا دلالَ العاشقاتِ / ونصَّبوا الإيقاعَ رهناً للسؤالِ ..

ومالَ أفقُ الخطوِ مالْ /

صَخْرٌ ضَلَّ ميثاقَ التمنِّي/

قهوةٌ نعسَتْ على شفتينِ باكيتينِ/

فجرٌ غارقٌ في صحْوهِ /

مُرٌّ يُزَغْرِدُ في الذهابِ وفي الإيابْ .

رفعتْ عقيرتَهَا الرياحُ /

تنادمَ المتوجسونَ على ظلالي /

أرَّخَ الحكماءُ دمعي /

واستفاقَتْ ذكرياتُ مواقعي ومواجعي /

صُلِبَ الصليبُ على جراحي /

فاستفاقَ النزْفُ /

لَوَّنَ قامةَ الحنَّاءِ في صَبَواتِها /

أرضٌ تحنُّ ولا تخون

دمعٌ يجفُّ ولا يهون

جسدٌ يعبِّئُه الردى في محنَةِ الطقسِ الجنون .

حرسٌ وراءَ البابِ

متراسُ شوكٍ في الدروبْ

عرباتُ موتٍ في الطريقِ إلى الإيابْ

جنودٌ أشقياءٌ طاردوا سرجَ الخطى /

انسكبوا على جرحِ الحياةِ /

يُمَارِسونَ الحبَّ بالذكرى /

وينْفَجِرونَ في زَخَمِ الرجولة .

حرسٌ وراءَ البابِ

يمنعني العبور

عد

فأعودُ من ثقلِ الزنازينِ التي تتشفَّعُ

ومصبراً عيْنَاً

لاحسرةً مِنِّي إليهِ

بل حسرةً مِنِّي عليه

وعُدْ كما كانَتْ جِرارُ الأولينَ

تنامُ في طَقْسِ الظلامِ .

أُحِسُّ مَشيْئَةً هَتَكَتْ بكارتَها ،

تنادي الأولينَ على صقيعِ الأزْمِنةْ

فاسودَّ وجهُ الماءِ ! ..

كانَ الجنْدُ يَكْتَمِلونَ بالحنَّاءِ والفحمِ الطريِّ / وأسلحة

كنْتُ الفلسطينيَّ منهزماً ومنتصراً بإنْسَانيَّتي والأضرحَةْ

أحدٌ يُكوِّنُنِي ليشْقَى

أحدٌ يُفَتِّتُنِي ليبْقَى

ماردٌ / صنَمٌ خجولٌ / نازفٌ من صمتِ أسلحَتِي

وأسلحتي كلامٌ في صفاءِ الروحِ تتْبَعُنِي شظاياها

وأمْسِي سُلَّمٌ للحَرْقِ هل تُجْدِي وصاياها ؟!

أحبُّكِ ما استطعْتُ منَ الحياةِ .. وما استطعْتُ منَ المماتِ فكَيْفَ لي

وهْجُ النشيجِ على نزيفٍ للنشيدِ

وأقْتَفي إثْرَ المدى

كانتْ حكايتُنا سدى

كانَ السلامُ على سجيَّتِهِ يخونُ

وكانت الدنيا جراحاً في العيونِ

وكنتُ وحدي أرسمُ الأملَ الحزينْ.

من أينَ تأتي زلفةُ الخطْوِ اللعين؟!

أبارحُ التسآلَ يوماً

أتَّقي شَرَّ الظنونِ

فينكفئ فينا سموِّ الأوَّلين

ترابٌ جائعٌ للسطْوِ

أحجارٌ تؤرِّخُ مبتَدَاها

ترابٌ جارحٌ في الدربِ

أحجارٌ تؤرِّخُ مُنْتَهاها

هل مَرَّتْ براكينُ العذارى من هنا

وهنا جراحُ الكادحينَ

هنا دموعُ الفاتحينَ

هنا هيامُ العاشقينَ

هنا سبايا أدْمَنَتْ غزلَ الشبابِ

وطقسَ ميثاقِ الجنونِ

هنا صبايا ملَّتِ التسآلَ عن رَعْشٍ بصمتِ العاشقينَ

هنا البنادقُ والجثثْ.

---------------------------------------------------------------------
القراءة:
قراءة الشعر عمل عسير، والكاتب يتهيبها، فقراءة الشعر لا يوازيها صعوبة إلا قوله أو كتابته، الشاعر نفسه لا يستطيع أن يقرأ شعره قراءة مقنعة، قراءة جامعة مانعة، فما بالك إذا كان هذا القاريء هو شخص آخر، فكما يستعصي الشعر على الشاعر قرضا كذلك تكون قراءته مستعصية، فالفرزدق مثلا كان يقول: "يمر علي وقت لقلع ضرس أهون علي فيه من قرض بيت شعر"، والمفضل الضبي على علو قامته في الشعر رواية ودراية كان يتهيبه، إن الشعر صعب قولاً وهو أصعب قراءةً، لذا تبقى كل قراءة له هي عبارة عن مقاربة أو مناولة قد تمس بعض جوانبه لكنها بكل تأكيد لن تتمكن من الإحاطة بمضمونه أو على الأصح بمضامينه .
أجمل ما في قصيدة الشاعر الفلسطيني فيصل القرقطي – وهو شاعر متمكن من خلال قصيدته هذه - هو انفتاحها على كل الاحتمالات، قابلة لكل تأويل، إنها بتعبير آخر قصيدة مركبة من أصوات متعددة، كل صوت فيها يشي بمضمون ما، وأكاد أقول إن كل قراءة جديدة لها ستكتشف شيئا جديدا فيها. وبالتالي فهي ليست قابلة لتفسير أو شرح، الشرح يقتل الشعر والتفسير يودي به.
النبرة الغالبة على القصيدة هي نبرة الرفض، الشاعر يعيش واقعا أليما، وهو داخل في صراع معه، الشاعر يريد تغيير هذا الواقع، والواقع يأبى أن يسير وفق رغبة الشاعر،
لنستمع إليه يقول:
حرسٌ وراءَ البابِ
متراسُ شوكٍ في الدروبْ
عرباتُ موتٍ في الطريقِ إلى الإيابْ

يتبدى الواقع المأساوي هنا بكل مكوناته، واقع لا يبعث إلا على شيئين اثنين هما:
1- الارتكاس والنكوص واللجوء إلى المسالمة والمهادنة.
2- المواجهة وعدم الرضوخ ومن ثم السعي إلى تغيير الواقع من واقع سيء إلى واقع أفضل.
الشاعر اختار خيار المواجهة، والحقيقة أن الشاعر الأصيل لا يميل إلى مهادنة الواقع الرديء، وإنما يعمل بكل ما أوتي من قوة على تغييره نحو الأفضل.
يسرد علينا الشاعر بعض معاناته، ويسعى من وراء من ذلك لتبرير موقفه المناويء له، يسرد علينا هذه المعاناة بعبارة حزينة تدعو القاريء إلى التعاطف معه وإلى مساندته في كفاحه ضده:
حرسٌ وراءَ البابِ
يمنعني العبور
عد
فأعودُ من ثقلِ الزنازينِ التي تتشفَّعُ
ومصبراً عيْنَاً
لا حسرةً مِنِّي إليهِ
بل حسرةً مِنِّي عليه
وعُدْ كما كانَتْ جِرارُ الأولينَ
تنامُ في طَقْسِ الظلامِ

هكذا يبدو الواقع المأساوي للشاعر، فالجند الطغاة يتجمهرون على نوافذ روحه، ويهتكون وصية الأبناء، والقهوة تنعس على الشفاه الباكية، لكنه أمام هذا كله يبقى دائما متسلحا بالأمل ويحلم بالغد الأفضل، يقول:
كنْتُ الفلسطينيَّ منهزماً ومنتصراً بإنْسَانيَّتي والأضرحَةْ
الذات الشاعرة تحمل متناقضين معا في لحظة واحدة هما النصر والهزيمة، الهزيمة هنا ليست مبعث إحباط وتخاذل، وليست هزيمة أبدية، كما أن النصر هنا إحساس معنوي، نابع من تصميم الشاعر على المواجهة حتى النهاية، نهاية سيكون النصر فيها حليفه بكل تأكيد، لأنه مليء بالحب لأرضه: "أحبك ما استطعت من الحياة ..الخ."
شكلا تجمع القصيدة كل مقومات الإبداع، فهي حافلة بانزياحات كثيرة، تكسبها قدرة على بعث الدهشة لدى القاريء، كما أنها مكثفة في غالبيتها، أقول في غالبيتها لأن بعض المقاطع أحيانا يخونها التكثيف، فتنساق في الانسياب، هكذا المقطع:
"وهنا جراحُ الكادحينَ
هنا دموعُ الفاتحينَ
هنا هيامُ العاشقينَ
هنا سبايا أدْمَنَتْ غزلَ الشبابِ"

لكن هذه الانسيابية هي عفوية، وتأتي كآلية لتخفيف وطأة التكثيف الذي قد يدفع بالقاريء إلى نوع من التأفف والملل أحيانا.
والقاريء للقصيدة سرعان ما يلاحظ لجوء الشاعر إلى الإيحاء ،وعدم الارتكان إلى المباشرة والتقريرية، كهذا المقطع :
"ترابٌ جائعٌ للسطْوِ
أحجارٌ تؤرِّخُ مبتَدَاها
ترابٌ جارحٌ في الدربِ
أحجارٌ تؤرِّخُ مُنْتَهاها
هل مَرَّتْ براكينُ العذارى من هنا"

بقي أن نشير إلى أن القصيدة تجري على تفعيلة بحر الكامل، والذي فيه إمكانية تعطي الشاعر مقدارا كبيرا من الحرية في التعبير عما يخالجه، وهذه الإمكانية تتمثل في "الإضمار"، وهو زحاف يدخل على التفعيلة "متفاعلن" فتتحول إلى "مستفعلن".
هذا انطباع أولي على قصيدة: "تابوت القيامة "للشاعر فيصل القرقطي، وهو إطلالة سريعة عليها. أرجو أن أكون قد وفقت شيئا ما في ملامستها ولو من بعيد.

-------------------------------------------------------------------------
ترجمة الشاعر:
فيصل قرقطي
مواليد سوريا عام 1954
· أنهى مراحل دراسته الابتدائية والاعدادية والثانوية في سوريا
· غادر الى لبنان عام 1978 والتحق بهيئة تحرير مجلة " فلسطين الثورة "
الإعلام الفلسطيني الموحد التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية .
· انتقل بعدها الى بوخارست لإتمام دراسته ونال شهادة " الماجستير " عام 1982 . من أكاديمية شتيفان
غيورغيو في بوخارست / رومانيا .
· عاد بعدها الى الإعلام الموحد . مجلة " فلسطين الثورة " الصحيفة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1982
· بعد الخروج من بيروت عام 1982 إتجه إلى تونس .. ثم إلى قبرص مع صدور مجلة " فلسطين الثورة "
· عام 1994 عاد إلى أرض الوطن وعمل مع اتحاد الكتاب ، وكان مديرا للمؤتمر الدولي لاتحاد الكتاب الذي عقد في بيرزيت عام 1996 . تحت عنوان " نحو رؤى جديدة " .
أعماله المنشورة:
· تعالي لنحيا معا " شعر " دار الثقافة / دمشق عام 1978.
· عاشق الغناء والنار " شعر " دار فكر / بيروت عام 1981.
· الأنفاق " شعر " دار العودة / واتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين / بيروت عام 1989.
· سجدة الحناء " شعر " اتحاد الكتاب الفلسطينيين / القدس عام 1997
· حريق القيامة " شعر " وزارة الثقافة / عام 1999
· بيت في وشم الخريف " شعر " مركز اوغاريت الثقافي للنشر والترجمة / رام الله عام 2004
· له العديد من المخطوطات الشعرية والنقدية ورواية .
· نشر العديد من الدراسات والمقالات النقدية في الدوريات العربية والمحلية .
عضو اتحاد الكتاب العرب / عضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين .

__________________
أحيا و عندي عزة الشاعرِ=ذي القلم الملتزم الطاهرِ
بيتي جوار الشمس شيدته=و اسمي سما رغم أذى الفاجرِ/
مصطفى معروفي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 11:26 PM   #2
لَا يطالها إنس و لَا جانْ
 
الصورة الرمزية سمراء اللوز
 
تاريخ التسجيل: 04 - 2007
الدولة: تحتَ ظلـالِ آدونايْ
المشاركات: 2,703
قراءة جميلة يا مُصطفَى لشاعر تصادف أن ألتقِي بهِ هنا على مر هذه القصيدة .
لكن دومًا ما أتاني سؤالٌ مرتد : - كيف لنا أن نقرأ الوجه الحقيقي لقصيدةٍ لم تخرج من صدر شاعرٍ إلا كما تخرج الروح الغاضبة ؟؟
نحنُ فقط نرى ما تُوحِي لنا الصورة الشعرية رؤيتهُ ، لكن - دومًا - هناك شيءُ مخفي لا يُمكن لمسه .


ودي ،.
__________________
كل الأدبِ الذي كتبتهُ كان قلة أدبٍ من بابِ اللياقة الفكرية .،.



سمراء اللوز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08 - 11 - 2012, 08:56 PM   #3
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2012
المشاركات: 275
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سمراء اللوز مشاهدة المشاركة
قراءة جميلة يا مُصطفَى لشاعر تصادف أن ألتقِي بهِ هنا على مر هذه القصيدة .
لكن دومًا ما أتاني سؤالٌ مرتد : - كيف لنا أن نقرأ الوجه الحقيقي لقصيدةٍ لم تخرج من صدر شاعرٍ إلا كما تخرج الروح الغاضبة ؟؟
نحنُ فقط نرى ما تُوحِي لنا الصورة الشعرية رؤيتهُ ، لكن - دومًا - هناك شيءُ مخفي لا يُمكن لمسه .


ودي ،.
معك حق،
القراءة للقصيدة لا يمكن أبدا أن تحيط بكل ما تزخر به من مضامين ،
كل قراءة هي كشف لجزء من عالم القصيدة الشاسع،
و القصيدة الجميلة هي تلك التي تكون قراءتها لا نهائية.
شكرا لك سمراء اللوز.
مصطفى معروفي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:03 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor