جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > الشعر والخاطرة > الشعر الفصيح

الشعر الفصيح شعر فصيح

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 20 - 12 - 2004, 12:23 AM   #1
نــــــاشط !
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2004
الدولة: الــــــــــــرياض
المشاركات: 103
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى حبيبي
مـمــــدوح عـــــــدوان الــــى رحمــــة الله

إنتقل الى رحمة الله تعالى في دمشق اليوم الأديب السوري ممدوح عدوان
رحمه الله تعالى واسكنه فسيح جناته
ونفعه بما قدمه لأمته
انا لله وإنا اليه راجعون .


.....
تفاصيل عن حياة الراحل ترد تباعا .
__________________
[blink]
حبيبي .. بدو الأمر والأمر بعـيــــد ....
[/blink]
حبيبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2004, 12:24 AM   #2
نــــــاشط !
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2004
الدولة: الــــــــــــرياض
المشاركات: 103
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى حبيبي
ممدوح عدوان
ولد في قرية قيرون (مصياف) عام 1941.

تلقى تعليمه في مصياف، وتخرج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة الانكليزية، عمل في الصحافة الأدبية، وبث له التلفزيون العربي السوري عدداً من المسلسلات والسهرات التلفزيونية.

عضو جمعية الشعر.

مؤلفاته:
1-المخاض- مسرحية شعرية- دمشق 1967.

2-الظل الأخضر -شعر- دمشق 1967.

3-الأبتر -قصة- دمشق 1970.

4-تلويحة الأيدي المتعبة -شعر- دمشق 1970.

5-محاكمة الرجل الذي لم يحارب -مسرحية- بغداد 1970.

6-الدماء تدق النوافذ -شعر- بيروت 1974.

7-أقبل الزمن المستحيل -شعر- 1974.

8-أمي تطارد قاتلها -شعر- بيروت 1977.

9-يألفونك فانفر -شعر- دمشق 1977.

10-ليل العبيد- مسرحية - دمشق 1977.

11-هملت يستيفظ متأخراً- مسرحية- دمشق 1977.

12-زنوبيا تندحر عداً- مسرحية.

13-لو كنت فلسطينياً- شعر.

14-مذكرات كازنتزاكي -ترجمة -جزآن- بيروت 1980-1983.

15-حكي السرايا والقناع - مسرحيتان- دمشق 1992- اتحاد الكتاب العرب.
حبيبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2004, 12:31 AM   #3
نــــــاشط !
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2004
الدولة: الــــــــــــرياض
المشاركات: 103
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى حبيبي
ممدوح عدوان غول الأدب في سوريا في عيون الأدباء ومرآتهم

تحقيق: غادة الأحمد ( جريدة الرياض ) الخميس 5 ربيع الثاني 1424هـ

ممدوح عدوان من أكثر التجارب الأدبية المعاصرة إثارة للجدل والفضول؛ لما يحمله في شخصه من معين هائل من الثقافة والرؤى والأطياف والجمالات، ولما يميل إليه من عوالم شديدة الثراء والاتساع، فهو شاعر من جيل الستينيات (أواخر الستينيات) الجيل المؤسس للمشهد الثقافي في سوريا جيل (محمد عمران وعلي كنعان وعبدالكريم الناعم وعلي الجندي ونزيه أبوعفش وفايز خضور وغيرهم...). وهو إضافة إلى ذلك مسرحي وكاتب قصة ودراما ورواية ومترجم.
ولد ممدوح عدوان في قرية قيرون (مصياف) عام (1941)، وتلقى تعليمه في مصياف وتخرج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة الإنجليزية وعمل في الصحافة الأدبية وله في الأسواق حوالي ثمانين كتاباً والعشرات من المسلسلات الدرامية آخرها (الزير سالم) والمئات من المقالات في الصحف والمجلات المحلية والعربية.
آخر أعماله الشعرية (عليكَ تتكئ الحياة) ديوان شعري و(كتابة الموت) ديوان شعري، ورواية (أعدائي) الصادرة عن دار رياض الريس.
ظل حضوره الإبداعي حاضراً على مدى أربعين عاماً في عطاء غزير ومتنوع هذا التنوع الذي جعل البعض يعتبره مأخذاً في حين يعتبره ميزة يقول ممدوح عدوان: "لقد تعاملت بكل فنون الكلمة المكتوبة لأن عندي رغبة في التعبير عن نفسي وأحس أني بحاجة إلى أكثر من وسيلة لهذا التعبير. تصنيف النفس يوقع في النمطية، أنا شاعر، إذن عليَّ ألاّ أعبر عن نفسي إلا بالشعر، ثم نكتشف أن هناك مناطق أخرى يعبر عنها بوسائل أخرى غير الشعر. هناك من يقول لي أنك تشتت عملك بهذه الطريقة ولكنني في الحقيقة أتمنى لو كنت امتلك طرقاً اضافية استطيع استخدامها أحسن، انني مليء وليس لأنني استثنائي، بل لأن كل إنسان كذلك، لو عرف كيف ينتبه إلى نفسه من الداخل، لو فعل ذلك لاكتشف أبعاداً وأعماقاً وأغواراً تحتاج إلى التعبير عنها، ولا يمكن أن يكون هذا التعبير بشكل واحد بالقصيدة أو بالكلمة.. أتمنى لو كنت أستطيع أن أرقص وأغني وأعزف.."
ويبدو ممدوح عدوان عن قرب خجولاً تشعر وأنت تجالسه برقة عالمه الداخلي، رغم ما يبدو عليه من عصبية أثناء الحديث فهو سريع حقاً في حديثه وسريع البديهة حاضر النكتة. إنسان محب للحياة يتمتع بالجانب الحالم منها في كتاباته، كما يتمتع بالجانب المعيش في حياته اليومية، فكأنه يحياً قصيدة حب أبدية، يقول عدوان في إحدى حواراته: "كل إنسان يخاف الموت، ولكن هذا لا يشغل تفكيري كثيراً، فهو لا يعني لي سوى توقف مشاريع. أنا أخاف أن أموت قبل أن أكتب كل ما برأسي، وأحب الحياة ومتعلق بها، لكن أحس كأنني أتفرج على شيء في الحياة، لكنه شيء غريب..".
كل هذا الحب للحياة، والتمسك بها، لم يمنعه عن القول في ديوانه (كتابة الموت):
إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع/ تركنا فوقها منسف أحلام.../ نحن أكملنا مدار العمر فرسانا/ وقد متنا شبابا../
ولا نستطيع أن نغفل أهمية ممدوح عدوان المسرحية، لأنها كانت علامة بارزة في تاريخ المسرح السوري والعربي على حد السواء، مستنداً إلى تراث عربي وتاريخ حافل ومسرح عالمي استقى منه فنياته العالية.
فكان مسرحه يحقب للحياة الثقافية والإبداعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في سوريا ومن أبرز مسرحياته: مسرحية "الرجل الذي لم يحارب"، ومسرحية "سفر برلك" ومسرحية "جمال باشا السفاح" ... وغيرها...
ولمزيد من القاء الضوء على تجربة ممدوح عدوان الأدبية والإبداعية التقينا عدداً من الأدباء الشعراء والروائيين والنقاد فكانت الحوارات التالية:

د. عبدالله أبوهيف كاتب وناقد سوري:
ممدوح عدوان المبدع المتميز أنهك روحي خلال هذه الفترة، فقد روعني قلقي عليه لدى سماعي عن مداهمة المرض لجسده على نحو فجائي مفجع فقد جمعتني إليه صداقة عمر خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي وتواصلت مودتنا، واعجابي بإبداعه المتنوع والغزير، وإن اختلفت آراؤنا في قضايا متعددة. وأذكر أنني كتبت عنه شاعراً ملحمياً عام (1970) من خلال قصيدة "أقبل الزمن المستحيل"، ولعله من المبدعين العرب القلائل الذين مددوا غنائية الشعر والأدب إلى حوار التاريخ والوجود في الملحمة والدراما والسرد، فمضى بعزيمة نادرة إلى الكتابة المسرحية تفعيلاً للكتابة في زمنها، وتحققاً لإبلاغيتها في تثمير الرؤية للذات والعالم. وقد أفلح كثيراً من النهوض بالتخييل الفني في مدارات التراث العربي، ولا سيما الشعبي منه وتراث الإنسانية بعامة، فلطالما أنجز نصوصاً مسرحية تتناص مع نصوص المواقف الدالة على تقاطعات الوجود والتاريخ والسياسة والاجتماع، وتجلياتها في صراع الأفكار، ولا مجال لتفريد القول في هذه التناصات والمواقف لغناها وعمقها في التعبير عن التجربة الإنسانية.
يحتفظ إبداع ممدوح عدوان براهنيته وديمومته من خلال الحرص على وعي التاريخ الذي يرتقي إلى حساسية نادرة في كثير من نصوصه الشعرية والروائية والمسرحية.

الروائي والمسرحي والناقد الشاعر - أحمد يوسف داود - سوريا:
ربما كان ممدوح عدوان نموذجاً متفرداً في الدلالة على الغنى في المشهد الثقافي السوري منذ الستينيات حتى اليوم، وربما كان أحد الأدلة على (قلة حظ) صناع هذا المشهد في نوال الشهرة التي يستحقونها، رغم ما أصابه - هو شخصياً - من بعض الشهرة الذي أعتقد أنه يستحق أكثر منه بكثير. ولعل ذلك عائد إلى (تسويق) الأدب السوري في محيطه العربي.
ومن أبرز ما يميز شخصية ممدوح هو ذكاؤه الحاد اللماح، وحضور بديهته المدهش، وغلبت روح النكتة الأخاذة عنده، وجرأته النادرة على قول ما يعتقد أنه حق، والانسجام الكبير بين ما يكتبه وما يسلكه في حياته وعلاقاته اليومية، إضافة إلى حسن معشره ومقدرته الفائقة على التقاط التناقضات الدقيقة الخفية في الواقع: من عتبة بيته إلى أعماق (البيت الأبيض!!) - مع التركيز على أسوأ المخبوءات في مظاهر وخفايا التردي العربي المزمن - وبسط ما يريد عرضه مما (يراه) بذلك الأسلوب السهل الممتنع الذي تكشفه جيداً زواياه ومقالاته الصحفية أكثر من سواها.
أصدر ممدوح عدوان حتى الآن بضع عشرة مجموعة شعرية وروايتين وجملة من المسرحيات، كما قدم للتلفزيون مجموعة غير قليلة من الأعمال الدرامية التلفزيونية المسلسلة.
وتتسم هذه الأعمال جميعاً - وبهذا القدر أو ذاك - بغلبة السمات الأيديولوجية، أي تلك التي تختفي (بالتعبير السياسي)، على عمق الفن الرفيع. وهذا ليس عيباً في ذاته كما أنه ليس حكماً شاملاً. ومن الطبيعي بالنسبة لأي شاعر أو أديب أو كاتب عربي جاد أن يكون الأمر كذلك في نتاجه الإبداعي، فكيف إذا كان هذا الشاعر الأديب هو ممدوح عدوان الذي انبنى وجوده الشخصي والإبداعي معاً على الإحساس الحاد المفجع بالهزائم العربية المتوالية خلال نصف القرن الماضي وهذه السنوات الأولى من القرن الجديد.. بدءاً بهزيمة حزيران التي جاءت ارتكاساً للهزيمة الأكبر عام 1948في فلسطين - وانتهاء بآخر هزيمة جديدة تمثلت في الاحتلال الأميركي/ البريطاني الراهن للعراق.
لقد كان ممدوح عدوان باستمرار (الشاهد المحتج بصوت عال) - ومن موقع الرائي - على هذه الهزائم وعلى عواملها وارتكاساتها المهددة لمصائر الأمة العربية بأفدح الأخطار، بينما يرى التردي القاتل في الأوضاع العربية حتى تُهدر (ذات) الأمة هدراً مخيفاً على أيدي أنظمة وحُكام لم يعرفوا يوماً كيف يوحدون كلمتهم على شيء إلا على التخاذل والتسليم.. وعلى محق شعوبهم وتغييبها واحياناً: التنكيل بها تحت (يافطات) وشعارات خداعة، كان العراق - على سبيل المثال لا الحصر - أبرز نظام استخدمها حتى وصلت المنطقة كلها إلى ما وصلت إليه.
وممدوح لا يستثني أحداً من المسؤولية ولا يحابي أية سلطة من أي نوع فيعفيها من تحميلها ما يرى أنه (نصيبها) أوحصتها في تلك المسؤولية عن ذلك الترد ي العربي المفزع المفجع.
ولعل ثمة شيئاً من التطرف أو المغالاة لدى ممدوح في ذلك، وربما أوصله ذلك إلى حد غير قليل من اليأس.. ففي التشخيص الصائب لا بد من رؤية تلك العلاقة الصميمية بين ما هو (ذاتي) وما هو (موضوعي)، أعني: بين أوضاع الأمة وسلطاتها المختلفة من جهة وبين الوضع الحضاري العالمي وتعبيراته السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية الدولية من جهة أخرى. وربما لهذا يمكن القول إن انتاج ممدوح عدوان قد خالط علوّه الفني والفكري شيء غير قليل - هنا أو هناك - من الذاتانية الشخصية، بقدر ما أوقعته رغبة الأدلجة في المباشرة في أمكنة كثيرة من أعماله المختلفة.
ويظل ممدوح عدوان - رغم هذه المآخذ القليلة - شاهداً على عصر، وعلماً ابداعياً كبيراً لا على مستوى سورية وحدها بل على مستوى الوطن العربي كله.

الأديب والشاعر والمترجم ميخائيل عيد "سوريا":
هل في وسع أحد أن يختزل عالماً يمور بالحياة والحركة؟
ممدوح عدوان هو ذلك العالم من الشعر والمسرح والترجمة... وهو كما قال الشاعر: "هو البحر من أي النواحي انتبه".
عُرف ممدوح عدوان شاعراً جميل الشعر، له صوته المتفرد وله مذاقه الخاص وعرفناه كاتباً للمسرح لقيت مسرحياته التقدير والاعجاب، وقد شغلت المعنيين بالمسرح من مخرجين ونقاد ومشاهدين، وعرفناه كاتب قصة قصيرة فأحببناه قاصاً يحكي هموم الناس ويرصد أمانيهم وتطلعاتهم، وعرفناه كاتب مذكرات قوي الذاكرة، دقيق الملاحظة تضيء ومضات فكره الماضي فيتجسد أمام القارئ حياة وكائنات، وكان في الترجمة مجلياً: لقد أحسن انتقاء ما ترجمه وأبدع في الترجمة فأدهش القراء، وشكك كثيرون منهم في أن ما بين أيديهم عمل مترجم.. وممدوح يمزح حين يجد، وهو جاد الجدّ كله في مزاحه، أما حين يسخر فإنما يكون بلغ ذروة الغضب والجد.
ولد ممدوح متألقاً مميزاً الصوت، وظل يزداد تألقاً في كل جديد يصدر عنه، وما أكثر ما صدر وما أكثر ما ننتظر أن يصدر...

حسن حميد كاتب وروائي وقاص فلسطيني، رئيس تحرير جريدة الأسبوع الأدبي:
ينتمي ممدوح عدوان إلى طينة الخزف الصيني.
رجل شوته الأيام بأزماتها الموجعة، في فرنها الدائم الفوران بالجمار الحارقة، والأحزان المدّوخة، والعطش الأبدي. فاستحال إلى كائن شديد الحيوية والخصب؛ كائن اجتماعي له فعاليته المتعاظمة أبداً، وحركيته الدائبة الحضور والموجودية جولاناً، ومعرفة، ونقشاً، رجل لا يعرف الهدوء أو السكون أو الظلال إلا من أجل الامتلاء والتأمل والكمون، رجل يروق لي أن أسميه غول الأدب في سورية، فهو أشبه بالخرافة الأدبية، شاعر اعتلى المنابر، وهو في طراوة العمر فهزها، في حضرة الشعراء الكبار، بالصورة والحذق، والبراعة الفاتنة دونما ارتباك، أو حيرة، أو لجلجة. ومن يعرف مقدرة ممدوح عدوان الشعرية، ودوره البادي في دنيا الشعر نصوصاً، وحواراً، ورؤية.. يدرك أنه كان من السهل عليه أن يكتفي بمجد الشعر وسطوته ورحابة جماله ولذة عناقه. لكن الذين يعرفون جوانية ممدوح عدوان وروحه العلوقة بالتمرد، والمضايفة، والتنوع، والركض الجميل... يدركون أيضاً أي كائن بري هو الممدوح عدوان... المتفلت من الأقفاص والأسيجة، والحدود، والفضاءات الضيقة... لذلك لم تكن مفاجئة نقلته إلى عالم المسرح في سبعينيات القرن العشرين، ليس لإيمان ممدوح عدوان بالتراس الأدبي بين الأجناس الإبداعية وح
سب، وإنما لقناعته الأكيدة بأنه محارب ثقافي، دروبه كثيرة،ووسائله عديدة وأحلامه لا حصر لها، وأنه على معرفة ودراية بثقافته من جهة، وبتجاوب الذات الإبداعية من جهة ثانية.
ومن عجب أن ممدوح عدوان أنجز في المسرح خلال سنوات قليلة فقط ما لم ينجزه أدب المسرح السوري خلال مئات السنين المتوارية، بل لم يكن من إرث مسرحي في سورية يستند إليه ممدوح عدوان.. ما استند إليه ممدوح عدوان مسرحياً.. قراءة وتنقيباً وبحثاً كان مسرحاً عالمياً بالدرجة الأولى، ومسرحاً عربياً بالدرجة الثانية وقد بات على من يود اليوم الاطلاع على المسرح السوري أن يدخل من إحدى بواباته، أعني بوابة ممدوح عدوان المسرحية، ليرى الحيوات الاجتماعية والوطنية والوجدانية والقومية التي انشغل بها الوجدان السوري والعربي. لذلك بمقدورنا القول باطمئنان أن مسرح ممدوح عدوان باعتباره علوقاً بالحياة راهناً ومستقبلاً، يحقق للحياة الثقافية والإبداعية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية في سوريا.
وقد يظن من لا يعرف تجربة ممدوح عدوان الأدبية أن الرجل اكتفى بالشعر والمسرح والرواية التلفزيونية.. لكن الحقيقة تقول غير ذلك لأن ممدوحاً مضى إلى أبعد ما توهمنا أنه مصبٌ له، مضى إلى عالم الرواية المكتوبة، فأنجز رواية (الأبتر)، رواية الروح الوطنية المستقاة بالغربة والعزلة والأحلام؛ معايشة وحزماً، وشرفات، ثم كتب روايته (أعدائي) التي أعدها حجر زاوية في بناء الرواية العربية وليس في موجودية الرواية السورية وحسب. وأقول لو أن هذا العمل (أعدائي) كان هو كل عطاء ممدوح عدوان لكان كافياً لكي يسجل اسمه في ديوان السرد العربي، باعتباره مبدعاً، ورائياً وكشافاً، لا تخطئه عين الحذق!
بقي شيء واحد، فحواه أن الأيام تثبت مرة بعد أخرى وهي تراقب ممدوح عدوان، وإبداعه، بأنهما معاً، كائنان متحدران من سلالة النور..!!

عبدالنور الهنداوي - شاعر سوريالي من سوريا:
ممدوح عدوان .. شاعر جرّد المعايير كلها، وحولها إلى تفاح مسيّج بالأشعة. عرفت ممدوح عدوان، قبل تشكل التضاريس، وقبل أن يتدلى من الكارثة؛ قبل ثلاثين عاماً، تعرفت عليه دفعة واحدة، ثم تركته وحده، ليحترق هو والأشياء. فقد خرج من جلده الخشبي، ليلتقي بالتمائم، وبالرهانات، فهو كان يلتهم الوقت حين زرته أنا والأسطورة المشوشة.
ما أريده فقط، التذكير بعبقرية الخيال، لأنه هو الذي خلط الصدفة مع التاريخ وتسلق الفلسفة ولعب بالحداثة وما بعدها.
هل يحق لنا الاقتراب من هواء سقط على الأرض دون خجل؟ لكي نتأكد من هذه الصراحة لا بد من رهان على السراب؟
كنت أذكر ممدوح عدوان بالوجوه الخشنة، وبالأزقة المتآكلة، وبالأيدلوجية المخبأة بالصناديق.
فهو الذي لعب بالخيال ليستمر، ومن بعد ذلك تسلل إلى داخل ثيابه، كي لا تحدث الكارثة، قد يعرف ممدوح عدوان ما معنى التحولات الخارقة، لذلك لا يستطيع الامتلاء بكل ما يراه. فتارة يخرج سهواً من أشعة الشمس، وتارة سيسافرباتجاه العيون المحطمة... وبشكل أدق، فإنه واءم ما بين الأيديولوجيا الساخنة، وما بين الاستيلاء على المصير.
إن ممدوح، كان دائماً، ولا يزال، يبحث عن وجه داخل الكهوف وكما أن الأشجار تدير ظهرها - لبعضها البعض - وأن الماء تزوج الماء؟ فقد ترك هيكله العظمي خارج الأيام لكي لا يصدأ.
فهو الذي مارس البكاء أمام الحائط، وهو الذي اعترف بالعذاب ليكتشف الأبعاد الخفية للمعجزة.
ورداً على سؤال حول علاقته بالغزاة، ورقصات السماح قال لي: لقد وضعت كل أوجاعي وراء ظهري، لأنه لا يوجد افاق للأيدي الممتلئة بالصحون الطائرة!
حبيبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2004, 12:37 AM   #4
نــــــاشط !
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2004
الدولة: الــــــــــــرياض
المشاركات: 103
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى حبيبي
الشاعر السوري ممدوح عدوان:
كل الثقافة المكتوبة إنشائية.. والإصغاء للبيئة خيار فني في الرواية
الأزمة الثقافية وتراجع الشعر أزمة العالم كله
علينا أن ندخل التاريخ.. لكن لا نسجن أنفسنا فيه


*
حوار عبدالكريم العفنان: ( جريدة الجزيره ) الإثنين 22 رمضان 1424هـ


شهرة ممدوح عدوان تأتي من كونه شاعراً كبيراً منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وله في الشعر سبع عشرة مجموعة شعرية منها مجلدان صدرا عن دار العودة بيروت 1982، لكنه يحمل سلة كبيرة من فنون الكتابة، وإلى الشعر كتب الرواية والمقالة الصحفية، إضافة إلى السيناريو التلفزيوني الذي زاده شهرة على شهرة باجادته فن الاثارة النابعة من اختياراته المميزة، فكتب حتى اليوم ستة عشر مسلسلا، منها أربعة تاريخية.
إلى ذلك عُرف كمترجم ثقة، ومن ترجماته (تقرير الى غريكو) لليوناني نيكوس كازانتزاكيس، و(تلفيق إسراءيل التوراتية)* للباحث كيث وايتلام، وأخيراً (الإلياذة) للشاعر الاغريقي هو ميروس.
وممدوح عدوان فنان مطارد بالوقت، فيعمل لعشر ساعات في الظروف العادية، ويجد وقتاً لدروسه في المعهد العالي للفنون المسرحية، كأستاذ، ووقتاً للعائلة والأصدقاء، حتى تساءل كثيرون: متى يكتب أو ينام..؟
التقيناه في دمشق، وكان هذا الحوار:
أصغي إلى البيئة
*أولاً: كل الثقافة المكتوبة انشائية، وكنت في «أعدائي» أريد الوصول الى صيغة لايصال الحكاية، وهذا فرض عليّ المفردات والحوار وطريقة بناء الشخصيات، لأن عارف «بطل الرواية» كان خائفاً في أعماقه.
وفي الاساس أرى أن العرب لم يكونوا في الزمن الذي تتحدث عنه الرواية «الحرب العالمية الأولى» يعرفون ما يريدونه، وهم لا يزالون كذلك، والصهاينة نفذوا مشروعهم وحققوا إنجازات على أرض الواقع، والمخلصون من العرب، مثل (عارف وابنه إبراهيم)، لم تكن لديهم رؤية واضحة.
ولذلك اخترت الاصغاء للبيئة كخيار فني للرواية، وإذا استمعت الى حكواتية القرى في المضافات وهم يتحدثون عن الآخرين، أو عن شخص عادي ويتبناه أحدهم وهو يروي له أو عنه، ستعرف الصعوبة التي واجهتها ككاتب ملتزم، وذلك بسبب وجود شخصيات يهودية، فأنا ضدها في المبدأ، لكنني أخلصت لها في الرواية، كشخصيات، وأخرجتها من النمطية التي يتعامل فيها العرب مع العدو، فهم آدميون مثلنا، وعندهم شعراء ومشاريع، ويعشقون ويتزوجون لكن أولئك عملوا على مشروعهم، ونحن ليس لدينا مشروع لنعمل عليه، وما زلنا خاضعين لرد الفعل، وهم ينفذون ما يريدون.
أزمة الثقافة
* كروائي ومتابع للرواية العربية والأجنبية، هل ترى أن الأزمة الثقافية في الشعر والمسرح تطال الرواية العربية، وهل الازمة في الثقافة العربية وحدها؟
الأزمة موجودة في العالم كله، وليس في العالم العربي فقط، بمعنى تراجع الشعر وتقدم كتابات أخرى، وهذا مفهوم غير جديد، فقد كان المسرح والشعر في الآداب الأوروبية سابقين للرواية، وعندما تقدمت الطباعة تعزز وجود أنواع أدبية أخرى.
الآن وفي العالم كله هناك تراجع للشعر ومكانته، وحين ترجمت كتاب (الشعر ونهايات القرن) للشاعر المكسيكي أوكتافيو باث، الذي صدر عن دار المدى في دمشق، لفتني قول باث: لم تمر مرحلة إلا وكان الشعراء يشكون من قلة القراء، وحتى في القرون 17 18 19 في أوروبا، أي في زمن الحداثة الاوروبية، لم يكن رامبو وفيرلين وبودلير يطبعون أكثر من 150 نسخة من كل كتاب، ولاقوا صعوبة في بيعها حتى بعد عشر سنوات من صدورها، فالأزمة دائما موجودة، هذا أولاً.
ثانياً: من أسباب استفحال الازمة أن العصر قدم فنونا جديدة، وعندما نقول إن الشعر ديوان العرب، فهذا لا يعني، على الاطلاق أن العرب كلهم شعراء، ولا يعني أنهم كانوا، كلهم يتذوقون الشعر، لكن الشعر كان سجلا لأيامهم، والسجل له وظيفة في النسب والتاريخ والمفاخرة والإعلام .. أما الآن فقد كثرت التخصصات، وأخذت من الشعر بعض وظائفه السابقة، وبالتالي قلّت أعباء الشاعر، وستظل تقل أعباؤه حتى يصبح الشعر شعرآً فقط، فالقارئ سابقا كان يتابع قصيدة نزار قباني التي تتناول فضيحة سياسية، أما الآن فالتلفزيون هو الاقدر على تصوير ذلك، وحتى قصيدة نزار الغزلية كانت نوعا من التفريج عن الكبت عند القارئ، وهناك في عصرنا فنون جديدة تظهر وتحقق للقارئ العادي متعا كان يبحث عنها في الشعر، ولم يعد مضطراً لذلك الآن، وفي هذا حدث تحولان، فالشاعر تخفف من أعبائه، ولم يعد تسجيل التاريخ من وظائف قصائده، فانصرف لفيضه الداخلي،.. والقارئ لم يعد يتابع الشاعر من أجل التاريخ أو الفضيحة الاعلامية والسياسية، فكتب التاريخ والاعلام، إذن، خففت من أعباء الشعر، وإذا دققنا قليلا سنجد أن كثيرا من القصائد التي انتشرت سابقا كانت تحمل سرَّ الموقف الاضافي، وليس بسبب حمولتها الشعرية، وخذ قصيدة محمود درويش، أو قصيدة نزار مثلا، وأما القول بقيمتها الشعرية فيحتاج الى نظر.
المسرح والعصر
* كتبت حتى اليوم ستاً وعشرين مسرحية، وبعضها قدم على خشبة المسرح.. هل ذلك لايمانك بمكانة المسرح كأبٍ للفنون، وهل لا يزال المسرح أباً للفنون؟
يمر المسرح بما يمر به الشعر نتيجة انتشار وسائل الاتصال الحديثة، التي قدمت للقارئ أو المتفرج بديلا عن المسرح، وهذا أثر على جمهوري السينما والمسرح، خاصة في البلدان النامية التي لا تمتلك أرضية ثقافية متينة.
المسرح في أزمة لكنه لا يموت، وهناك اغراءات للممثلين ليتجهوا الى التلفزيون، وقد خف بهاء المسرح الذي شهدناه في الستينات والسبعينات، لكنه موجود، ونلاحظ اليوم أن قرار خروج أحدنا من بيته الى المسرح في يوم شتائي بارد هو قرار مدهش بوجود التلفزيون والكمبيوتر الذي يتيح مشاهدة الافلام والمسرحيات والاسترخاء، ولذلك يكون ذلك القرار خاصا بالمهتمين بالمسرح فقط ومثله مثل الشعر هنا.
الفارسة والشاعر
* في مسرحيتك الاخيرة تماهيت مع الماغوط في مسرحيته الشعرية (العصفور الاحدب)، فمسرحت عمله بطلب منه، هل كونك جعلتنا غير قادرين على التمييز بينك وبينه في المسرحية يعود الى حرفية أم إلى (تناص) أو (تلاص) كما ذكرت في مقدمة المسرحية؟
لو كنت ممثلا أنا ممدوح عدوان، وأردت تمثيل شخصية خالد بن الوليد، فسآخذ الكلام المكتوب وأفهمه بصفتي خالد بن الوليد وليس بصفتي ممدوح عدوان، وأتبنى كلام الشخصية، وعندما أمثل الدور على المسرح يجب أن يصدق الناس أنني خالد بن الوليد، وفي المسرحية بذلت الجهد نفسه، فأخذت كلام الماغوط وكتبته على طريقتي، وبالتالي كان المزج بين لغتي ولغته إلى درجة ان القارئ لم يميز بين شعر الماغوط وكلامي لولا حفظه لشعر الماغوط، وهذا كما أرى تميز، ولأن الجو الثقافي وسخ قلت في مقدمتي تناص وتلاص، فاعترفت أنني أسرق، لكنني أخذت زبدة كلام الماغوط ولم أتركه شعراً، بل ذوبته ومسرحته، وحتى أخرج بمسرحية جيدة كان لا بد من اضافات أشبكها في كلام الماغوط لأتوحد مع لغته بتشابه أو انسجام، وكل قصة الفارسة الموجودة في المسرحية لم ترد في (العصفور الاحدب) لكن دمج حكاية الماغوط مع حكايتي أنتج (الفارسة والشاعر) حتى ان القارئ لن يميز بين عقليتي وعقيلة الماغوط سوى من المقاطع التي يحفظها من شعره، وهناك شيء أساسي، وهو أن عقلية الماغوط في الشعر تعجبني، فنظرته الى الاشياء وطريقة تعامله مع اللغة سهلت عليَّ دمج أسلوبه في أسلوبي.
* وهل ستُقدم المسرحية على الخشبة؟
نعم ويفترض أن تعرض في شباط/ فبراير فهي مدرجة في موسم المسرح القومي، ويخرجها محمود خضور.
ازدحام شعري
* في تجربتك الشعرية الطويلة 17 مجموعة، كيف تنظر الى ذلك بعين الناقد، وهل واكبت قصيدتك تطور وعيك؟
أعتقد ذلك لكن المسألة بحاجة الى ناقد محايد، وبالرغم من مشاغلي الكثيرة ما زال الشعر شاغلي الاول، ولديَّ الآن مجموعتان، وسابقا كانت منابر النشر قليلة، وكان سهلا على القارئ متابعتها، أما الآن فتصعب متابعة قصيدة ممدوح عدوان، أو غيره لكثرة المنابر، وتأخذ الصدفة هنا دورها، وأظن كمعيار شخصي أنني صرت أكثر هدوءا لكن أكثر حدة وهذا يبدو متناقضا فالحدة تحتاج صوتا عاليا لكن القصيدة والحالة الوجدانية تفرضان شروطهما.
* وما هي إذاً مكانة الفكرة الى اللغة في قصيدتك، وهل تنطلق من احداهما؟
انطلق من الوجدان الذي قد لا يتحرك لعشرين حدثا، ثم يهتز لحدث واحد، وقد يكون في ذلك تراكم يفجره حدث تال، يضاف الى ذلك اختيار اللغة والتفعيلة، وكلها سلالم توصل الى النقطة الاساسية، وهي التعبير عن الوجدان، والشاعر يصبح أكثر قدرة على اللعب مع القصيدة كلما ازدادت قناعاته واهتماماته وأدواته، وبالتالي سيجد الفكرة والكلمة التي تعبر عن وجدانه وتحرك وجدان القارئ، لكن هذه ليست كل القصيدة، فالقصيدة هي الفيض الذي يعبر عنه شعريا، والقصيدة هي اشتعال وومضة، ثم يأتي دور الشغل الكثير عليها.
البطل والتاريخ
* تناولت في مسلسلاتك التاريخية (الزير سالم المتنبي) فترات تاريخية واعلاما، لماذا التاريخ وما هي القصدية التاريخية والفنية منه، ولماذا الاسقاط إن حاضرنا موفور المشاكل؟
أولا : يجب الاخلاص للتاريخ في المسلسل التاريخي والسؤال: لماذا أكتب في سنة 2003 مسلسلا عن الفرزدق، وهل سأكتبه الآن كما كنت سأكتبه عام 1980؟ سيختلف الأمر، لأنني نضجت أكثر، ورؤيتي للواقع من حولي تجعلني أسقط أشياء من المسلسل رغما عني.
ثانياً: أنا فنان ولست مؤرخا، و(استخدم) المادة التاريخية ولا أؤرخ لها، واعتمد قدر الامكان على الوثيقة، ولا مانع لدي ان أخرج على الوثيقة لاقدم دراما حقيقية.
كتبت أربعة مسلسلات تاريخية، و«12» عملا معاصرا فالمسألة ليست هروبا من الرقيب، لكن المسلسل التاريخي يكتب بطريقة مختلفة عن المسلسل المعاصر.
* في كتابك (الزير سالم بين البطل والتاريخ) تذكر ان أحد أهدافك تحفيز الجيل الجديد لقراءة سيرة الزير هل هذا خيار فني كامل أم رافد للقراءة؟
هي وسيلة بديلة وعصرية، فقد جربت تشجيع أولادي أو أولاد أصدقائي أن يقرؤوا الكتب التي أهديها لهم، ومنها سيرة الزير، فلم يتجاوبوا، لأن المنطق المكتوب في السيرة لا يلائم ذائقتهم، وبما اننا نملك الادوات الحديثة، ولم يعد لدينا حكواتي، فالتلفزيون هو البديل الذي يقدم رؤية معاصرة، وهذا يفرض علينا ان نعيد النظر في القصة، لنرى أين الوثيقة والدراما ونقدمها، وحسب معرفتي فقد انقرضت المقاهي التي تقدم أبوزيد الهلالي منذ عشرات السنين، وحتى الكتب التي تحكي قصة الزير لم تعد موجودة سوى على الارصفة، ولايهتم بها سوى الباحثين، وعندما قدمنا مسلسل (الزير سالم) اكتشف جيل بكامله الشخصية وبدأ بالبحث عن الكتب التي تروي قصته.
* أحد أهدافك المذكورة في الكتاب نفسه هو التسلية، ودرامياً، تحويل أبناء الذاكرة إلى أبناء الالهام، وعن بريخت تنقل (حال الشعب الذي يحتاج الى ابطال اتعس من حال الشعب الذي لا أبطال لديه)، هل لتاريخنا تلك الوطأة على حياتنا بما فيه من أبطال كثيرين؟
كل تاريخ هو حمل على الظهر، وتاريخنا حي منذ الجاهلية، وقبل ذلك كان الفينيقيون والسومريون والبابليون، وأرى أن علاقتنا بالتاريخ من زاوية الابداع يجب أن تكون وفق الصورة «ندخل تاريخنا ولا نسجن أنفسنا فيه» وندخله لنعرفه جيدا، ثم نعود لنعيش حاضرنا وعصرنا بمعطياته، ولا يجوز أن نطوي صفحة الماضي وكأنه لا يعنينا، ويجب أن نوظف الوسائل المتاحة من أدوات بحث ومقارنات وأدب مقارن وتاريخ مقارن، من أجل قراءة تاريخنا على ضوئها، ولنطلع بوعي على تاريخنا، لكن هذا لا يغنينا بحال من الاحوال عن معالجة الواقع، ولا يجوز اغفال هذه القاعدة، فأنا مؤمن بالمقولة: الشعب الذي لا تاريخ له لا مستقبل له، ثم ان مسلسلاتي التاريخية حملت اسقاطات على حاضرنا العربي، وقد لمسها كثيرون، وبشكل فاضح، وهذا معروف عني وعن أعمالي عموماً.
خيانات الترجمة
* ممدوح عدوان معروف كشاعر أولا، ثم كروائي ومترجم وسيناريست، لكنك لم تترجم شعراً؟
في ترجمة الشعر خيانة للاصل، وقد قرأت ترجمات كثيرة وتساءلت: إذا كان الذي بين يدي هكذا، فكيف النص الاصل؟! حتى ولو أعجبني النص العربي.
* الترجمة أصبحت علما، وتُدرَّس في معاهد متخصصة في الدول المتقدمة لكن الترجمة الى اللغة العربية ما زالت متخلفة كثيراً؟
هذه الحالة يتحسسها المترجم، وأحيانا المؤسسة والحالة خاضعة للعرض والطلب، فصاحب دار النشر هو الذي يطلب، وعندما يشعر بأهمية كتاب ما ثقافي، أو سياسي، أو كتاب في الطبخ أو الابراج، أو الرياضة، سيطلبه، فالمحدّد هو تجاري أولا، بمعنى أن هذا الكتاب مربح أو غير مربح، وتوجد مؤسسات توازن بين هدف الربح والهدف الثقافي العام في تلبية حاجات المجتمع، وأرى كمتابع ان الكتاب المترجم هو الاكثر رواجا، ودور النشر تميل الى ذلك فهناك احساس عام في المنطقة اننا لا نعرف شيئا عن العالم: كيف يفكر وكيف يعيش؟ ولذلك هناك رغبة في قراءة السياسة والتاريخ والاقتصاد، لكن حركة الترجمة بطيئة ولا تلبي ذلك لعدم وجود مؤسسات قوية تتصدى لذلك، ووزارة الثقافة في سوريا، مثلا لا تطبع اكثر من 40 كتابا سنويا!
* هذا مع أن دور النشر تلقى دعماً من دور نشر أوروبية؟
هناك سفارات أو مراكز ثقافية أجنبية تسعى لنشر ثقافتها، وتقدم دعما لدور النشر لتحقيق ذلك لكن هذه المؤسسات لها أهداف أخرى تجعل الناشر يتردد في قبول هذه المساعدة، ولنفترض ان مؤسسة عرضت دعما لترجمة كتب فرانكوفونية، وهو ليس توجه الدار المعنية، وكان عدد الكتب أربعة، وكان اثنان منها فقط جيدين فهل أطبع الكتب الاربعة، وخاصة انهم يدفعون لي ما يزيد على التكلفة! من هنا يأتي الشك والخشية، فتقديم هذا الدعم له أهداف واغراءات تثير التساؤل.
حبيبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2004, 01:01 AM   #5
نــــــاشط !
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2004
الدولة: الــــــــــــرياض
المشاركات: 103
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى حبيبي
ممدوح عدوان وطفولات مؤجلة


بقلم : دكتور صلاح فضل


الأهرام : الإثنين : ‏26 من شوال 1423 هـ




للشام نكهة طرية عبقة‏,‏ تضوع بفوح الزهور ورفيف الطيور‏,‏ تضج بالصبا والصبوات‏,‏ تفطر في حلب بالشعر والزعتر‏,‏ وتتغذي في منازه الغوطة بالغنج والدلال‏,‏ وتسمي في مقاهي بيروت ودمشق علي حكايات الوجد وحلقات الرقص المشتعل في دوائر الشباب والكبار علي غير انتظار‏.‏
هذا الشام الكبير‏,‏ قبل تقطيع أوصاله‏,‏ كان دائما أرض الفن والعشق والخيال‏.‏

كان للمرأة فيه فضاء من الحرية لم تعرفه الأنثي العربية في موطن آخر‏,‏ فأضاءته بحضورها الشهي الباهر‏,‏ ومنحته أنغاما من موسيقي الكون لم تصدح سوي في فضائه‏,‏ فألهمت شعراءه فيضا من جمال الروح وحلاوة الأداء قلما تتوافر لغيرهم‏.‏ ومن حسن الحظ أن اللغة ـ وهي وطننا الذي نسكنه‏,‏ وعقلنا ووجداننا الذي نستبطنه ـ تيار واحد‏,‏ ما يصب في جداولها في جميع البقاع يتدفق بسلاسة عبر شرايين الثقافة العربية دون حدود‏,‏ فنرتوي جميعا منه‏.‏
وقد سعدت بإصدار مكتبة الأسرة ديوان الشاعر السوري المبدع ممدوح عدوان طفولات مؤجلة‏,‏ وهو شاعر وكاتب مسرحي ومترجم إعلامي‏,‏ بلغ الستين من عمره ولايزال في خصوبة الشباب وتوقده‏,‏ وقد تسنم ذروة نضجه دون أن ينشر له في القاهرة فيما أعلم ديوان واحد‏,‏ فيأتي مشروعنا الرائد في القراءة لجميع المبدعين ليحتضن ابناء اللغة‏/‏ الوطن في موجة تحنان وتواصل جميل‏.‏
وبوسع القاريء أن يري في ديوان ممدوح عدوان صورة الشام وصبواتها‏,‏ حلاوة بلاغتها وجرأة كلماتها‏,‏ وفيض رقتها وهي تعزف مقطوعات العشق التي جفت في حلوقنا أنغامها‏,‏ كما أن بوسعه أن يستمتع بغمزاتها السياسية واشاراتها الذكية لعناصر الطبيعة وتقلبات الحياة‏.‏

صبوات الشام‏:‏ـ
لأن الديوان بعنوانه المثير لا يقتصر علي الطفولات فحسب‏,‏ بل يجر في مختاراته أشجان الكهولة ليعبر عنها ببراءة ودهاء معا‏,‏ فإننا نلمح فيه عدة وجوه‏,‏ ربما كان أشدها نضرة ما يمثل نزوات الشباب‏,‏ ويجسد ملامح المجتمع‏,‏ ويكشف عن طفولة الروح الشعري في مثل قوله‏:‏ـ

كانت ترفرف فوق مقعدها وتزقو
كي تري الرمان ينضج في روابيها
تريني الخمر ينضج من دواليها
وكان الطلع ينبع فائرا
والليل ينثره عبيرا غام‏/‏ينفر من تويج الحسن
يدعو سرب نحل هائم بين الطلول‏..‏
كانت تراسلني بإشعاعات فورتها

ترفرف وهي تدعوني‏/‏فأسمع نبضها مثل الطبول
راحت ترفرف وهي توهم أنها تلهو
وتغضي عن حرائق أشعلتها
أو حرائق أضرمت فيها‏.‏
وتنثر فتنة‏,‏ ووميض شهوات
تلامع فوق موجات تطول‏.‏
بدأت تصوب‏,‏ ثم تطلق في الفضا
عصفور ضحكتها‏,‏ يحوم بغنجه نحوي
أنشد بالخيط الذي سحبته من طيش
وأخرس‏..‏ لا أقول‏..‏

إلي آخر هذه الغزلية البديعة‏,‏ التي ترصد لحظات الافتتان بين الرجل والصبية‏,‏ في موجاتها المتعاقبة وتترجمها الي لغة عاشقة متحركة‏,‏ تصنع موسيقاها وهي توقع علي أوتار غافية في ضمير الشعر المعاصر‏,‏ اذ لم نعد نقرأ مثل هذه الصياغة العذبة لأحلام الشباب‏.‏
واذا كانت عمليات التخييل والتصوير هي محور تشكيل الشعر فإنها تنجح في تمثيل التجربة الخاصة بقدر ما تكتشف في مستواها العميق القدر المشترك مع تجارب الآخرين‏,‏ لكن يظل الملمح البارز في هذا المشهد والذي يعبر عنوان القصيدة عنه بدقة لافتة تخاطر هو تراسل اشعاعات الدعوة والفتنة بين الطرفين‏,‏ فلغة العيون والقلوب لا تصح بدون أطراف علي قدر كبير من توافق الروح وتخاطر الوجدان‏,‏ وخاصية هذا التشبيب الشامي الطريف أنه يمثل الأنثي وهو يصدر عن الرجل‏,‏ حيث يمتلك كفاءة التقاط اشاراتها والحفاوة بلغة جسدها والاستجابة الولهي لغواية افتتانها‏.‏

مسرحة الحياة‏:‏
ولأن ممدوح عدوان كاتب مسرحي‏,‏ فإنه يعمد في أشعاره الي تشكيل مشاهد دالة علي تحولات حياته العاطفية عبر رحلة العمر‏.‏ مصورا ما يعتري مشاعر الوجد والشبق واللهفة من تغيرات بفعل المعاشرة والزمن‏.‏ وهذا جانب قلما فطن الشعراء الي تمثيله بحساسية جديدة‏,‏ يحتاج الي الاعتراف بتقلبات القلوب والقدرة علي تجسيدها بشكل فني رائق‏,‏ لا يقع في المبالغات المألوفة‏,‏ بل يمس أهواء الوجود الفعلي بحنو وفطنة‏,‏ يقول شاعرنا مثلا في قصيدة صباحية‏:‏ـ
نفتح أعيننا‏/‏ كي نغلق أوجهنا‏.‏
ننهض‏/‏يرهقنا أنا موجودان معا‏.‏
مازلنا في البيت معا‏.‏
أمس نسينا فوق سرير الحب‏/‏تغافلنا وتأججنا
كي نسترجع بعض تآلفنا
عبر الجسدين الملتهبين‏.‏
فيعبر كل منا نحو الآخر صحراء‏.‏
شرد الحب وراء سراب الشهوة
حتي نشف وتاها‏.‏
ندخل حمام اليقظة
كي نفتح فوق الرأسين المكدودين
مياه كأبتنا‏.‏

ننسي بعض عناء الأمس
وسعيي المرهق‏/‏ أن أستخرج منك البنت الحلوة
بنتا كنت أراها‏/‏ أو أهواها‏.‏
أجهد قلبي‏/‏كي تقدر عيناي ملاحقة هواها‏.‏
ومكابدتي أن استرجع تلك البنت
لأنساها‏.‏
يقدم لنا الشاعر دراما مصغرة للحياة الزوجية‏,‏ حيث يتكفل سرير الحب ببعث شيء من توهج النار في رمادها الثقيل‏,‏ وتصنع الأخيلة المستثارة دورها في تحفيز الحب وتمديد أزمنته‏.‏ لكن الملاحظ أن الشاعر يستخدم أولا ضمير الجمع‏,‏ كي يعبر عن حال الزوجين معا‏,‏ فما يحدث له هو بالضرورة عين ما يجري لرفيقته‏,‏ اذ تتولي كآبة الصراعات اليومية‏,‏ وارهاق الليالي المكرورة‏,‏ إحالة الزمن الي صحراء يضل فيها سراب الحب وتتبدد أحلامه‏.‏ ثم لايلبث أن يتحدث بصوته المفرد‏,‏ ليبوح بسعيه المكدود لإبقاء صورة المحبوبة متألقة ناضرة‏,‏ ليسترجع فيها تلك البنت التي توله بها‏,‏ غير أن النسيان وهو قانون الوجود لا يلبث حتي يفرض نفسه‏.‏ ومع أن تلك التجربة قدر مشاع بين معظم الناس‏,‏ فإن تحويلها الي هذا النمط المسرحي‏,‏ وتشعير حركاتها عبر سلسلة من مفارقات التعبير يجعلها قطعة فنية ممتعة‏,‏ منذ اللحظة التي يرتبط فيها فتح العينين صباحا بإغلاق الوجه ـ لاحظ ما في هذا المجاز من عمق ودقة ـ ويتوالي الشعور بالنهوض المرهق والاسترجاع الذي يئول الي النسيان ليمثل بحق دراما الوجود اليومي وقدر الصبوات عندما تستحيل الي مجرد ذكريات‏.‏

غمزات السياسة‏:‏
ولأن الإنسان الشامي سياسي بفطرته‏,‏ مهما تم ترويضه وتطويعه وإخماد فورته‏,‏ فإن شعراء سوريا ـ ولا ننسي شيخهم الراحل نزار قباني ـ يتورطون دائما بين ناري الجنس والسياسة‏,‏ معبرين عن وعي الشعب العربي كله بمصارع العشاق ومقاتل السياسيين‏.‏ ومع أن الزمن قد تغير‏,‏ فإن النقد السياسي المر يظل بعدا جوهريا في شعر ممدوح عدوان‏,‏ يقول في قصيدة رامزة‏:‏ـ
ذلك النسر في بيتنا مذهل
جاء حين أضاء الصغار تطلعهم في الظلام
واقتيناه مثل دمي في المنام
كان فخرا‏/‏وصار شعارا‏/‏به نباهي‏/‏نبز الأنام
بغتة رف جنحيه‏/‏ضاق به البيت
حول كل أثاث لدينا حطام‏.‏
صار عبئا ثقيلا علينا‏/‏وفي بيتنا صرت أشكو الزحام‏.‏
سقفنا واطيء‏/‏والفضاءات ما بين جدرانه ضيقة

وهو لا يدخل القفص المقتني لينام‏..‏
فلنقص الذي فاض من ريشه واستطال
ولنخلصه من كبرياء النسور
صار يليق بنا أن نربي الحمام‏/‏لأجل السلام
ولا يشك القاريء الفطن في أن البيت هو الوطن‏,‏ وربما كان الوطن العربي كله الذي ضاق فضاؤه عن حركة النسور التي تجمدت علي صفحة راياته‏,‏ ومع أن القصيدة شديدة الاتقان في صياغة أمثولة النسر‏,‏ وما ينبغي من قص ريشه وتقويم مخلبه ومنقاره‏,‏ وتخليصه من كبرياء لم تعد تتوافق مع السقف الواطيء والبيت الضيق فإن بوسعنا أن نلمح دون صعوبة مطابقة هذه الأوصاف لمشاعر العرب‏,‏ وربما كل الدول الصغري في الآونة الراهنة بقلة حيلتها وهوانها علي العالم في نظامه الطاغي الجديد‏.‏
واللافت في هذه الأمثولة أن الشاعر لا يلقي التبعة علي أحد‏,‏ لكنه يلاحظ بدقة تحولات التاريخ وفعل الزمن‏,‏ ويكاد يستسلم للمصير الذي يساق إليه الجميع عندما يتخذون الحمام بدلا من النسور إيثارا للسلامة وارتياحا للسلام‏.‏ ومع أن رمز النسر يحتمل تأويلات عدة‏,‏ اذ يمكن للقاريء أن يمر به علي طيف واسع مع الدلالات المقابلة‏,‏ ابتداء من ضمير الفرد الذي أخذ يؤرقه الي وعي الجماعة بمنظومة القيم التي لم تعد ملائمة للعصر‏,‏ فإن التفسير السياسي يظل أقرب الي طبيعة المقطوعة بحذرها ودهائها وكنايتها التي لا تمنع من ارادة المعني الأصلي‏,‏ كما يقول البلاغيون‏,‏ لكن هذا المعني الحرفي يظل غير مقصود بطبيعة الحال‏,‏ وتظل القصيدة مفتوحة علي الدلالات الشعرية الغنية بخيالها الخصب وإيقاعها الجميل وتمثيلها المدهش لروح الإنسان العربي في العصر الحديث‏.‏
حبيبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2004, 01:09 AM   #6
نــــــاشط !
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2004
الدولة: الــــــــــــرياض
المشاركات: 103
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى حبيبي
عدوان يكتب مسرحية من عالم الماغوط الشعري


الثلاثاء 1 تشرين الأول 2002 :

لفتة مؤثرة من جانب الشاعر ممدوح عدوان نحو الشاعر محمد الماغوط. مسرحية كتبها ممدوح عدوان، ولكنها مبنية على أساس من استلهام العالم الشعري للماغوط. وممدوح عدوان هو الشخصية الأكثر مشاكسة في الحياة الأدبية السورية، وله حضور قوي عربياً من خلال نتاجه المتنوع شعراً، ومسرحاً وأعمالاً أدبية عالمية اختارها وقدم لها ترجمات بديعة الى العربية، فضلاً عن نشاطه الذي لم يتوقف ككاتب مقال من طراز رفيع المستوى، وكاتب محترف للسيناريو قدم للتلفزيون عشرات الأعمال التي اشتهرت. صدر له مؤخراً كتاب تحت عنوان "الفارسة والشاعر" وهو عبارة عن مسرحية جديدة . لكن هذا الكتاب يمثل تجربة أدبية تذهب أبعد من المعتاد، فالمسرحية هي عبارة عن عمل أدبي مرتبط بالشاعر محمد الماغوط من حيث أنها عمل مستلهم من مجمل أعمال صاحب "العصفور الأحدب". ، إنه الشيء الذي يسميه النقاد الجدد "التتاص"، ولكن ممدوح أراد أن يضيف كلمة "التلاص" أيضاً. لأنه كما يقول قد سطى فعلاً على أشعار الماغوط وأدخلها في النص. لقد أعطيت الماغوط نسخة من النص وقرأ عليه ابن اخته بعض مقاطعها وارتاح للنتيجة، حتى أنه صار يتصل ليسألني عما حدث للمسرحية، ومتى سيكون العرض.
حبيبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2004, 01:21 AM   #7
نــــــاشط !
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2004
الدولة: الــــــــــــرياض
المشاركات: 103
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى حبيبي
ورطة الإنسان الأعزل (الحياة)



[
الكاتب: nadin] [التاريخ 3/12/2003]
[المحور: سؤال وجواب] [الموضوع: ثقافة]



كتب فيصل دراج :
الإنسان حيوان ناطق", هكذا تقول الكتب, مؤكدة اللغة ضرورة اجتماعية والنطق نعمة جوهرية. غير أن النطق يصبح لعنة حين يفضي اللسان بصاحبه الى المقصلة. وعن هذه المفارقة, التي تستولد من حيوان ناطق وسائل ترد غيره الى "حيوان" فقط, تصدر مأساة الإنسان الأعزل, الذي يصبح على ما هو عليه بسبب آخر يُشهر في وجهه السلاح. كأن الطبيعة سلّحت بعض أبنائها وتركت ما تبقى مستباحاً في العراء. والأمر غير ذلك, منذ أن شاءت الطبيعة أن يُولد الناس جميعاً أحراراً, مثلما أعلن عمر بن الخطاب في زمن وصرّح جان جاك روسو في زمن لاحق. فقد ولد الإنسان في الطبيعة حراً, ومارس حريته في شكل طبيعي, الى أن جاءت سلطة تعيش حريتها في اجتثاث حرية الآخرين. وإذا كان لعب الإنسان الطليق في أرجاء الطبيعة الدافئة قد وضع على لسان الفلاسفة تعبير "الزمن الغنائي", فإن استباحة الانسان المسلّح لغيره جاء بتعبير "الزمن الفاجع", الذي يعزل بين الإنسان الأعزل ورغبة البوح الصريح.

ورطة الإنسان الأعزل" عنوان المقالة الثالثة في كتاب ممدوح عدوان الأخير: "حيونة الإنسان", وهو جملة مقالات مترابطة عن "الشر الإنساني", وعن فضائل الكتابة المنادية بحق الإنسان الأعزل في الوجود. وممدوح عدوان, كما وصفه أحد أصدقائه, هو ذلك المتعدد الغريب الذي يكتب الشعر منذ أكثر من ثلاثة عقود, ويعالج المسرحية ويمارس الترجمة والمقالة والرواية والتدريس والمسلسل التلفزيوني, وهو الذي يواجه قتام الحياة بضحكة مجلجلة يمتزج فيها الاحتجاج بالمقاومة. وممدوح ملتبس في حياته وأقرب الى الأحجية, يبدو للقارئ كاتباً معتكفاً أدمن مزاملة الحبر والورق, ويبدو لمن يعرفه متخصصاً في معابثة الحياة والضحكات الصاخبة. وهو في الحالين ذلك "الضمير الهاوي", الذي يحقد على تاريخ العذاب ويفتش بين السطور عن كلمة نافعة. لذا يبدو كتابه "حيونة الإنسان" التجسيد الأمثل لهموم قديمة متجددة, تسائل "التعذيب عبر العصور" وتلاحق السلطة الفاسدة المفسدة في تاريخ "جمال باشا", وترثي أصدقاء حملوا أمتعتهم النظيفة ورحلوا. ولعل هذا الكتاب هو المدخل الموائم لقراءة روايته "أعدائي", ذلك العمل الموثق المجتهد المسؤول, الذي تأمّل "ورطة الانسان الأعزل" في متاهة سلطة بائرة تقود "السجناء" الى معركة النصر المستحيل.

ينطوي الكتاب على وجوه متعددة متكاملة: هناك مادة معرفية واسعة, تقتفي آثار شرور قديمة وجديدة, كأن الشر جزء أصلي في الوجود, وكأن الإنسان الشرير مادة طبيعية جوهرية تستولد الإنسان الأعزل وتقضي عليه. شيء يذكِّر بالفاتح المنتصر الذي يحوّل سلخ الرؤوس البشرية الى مهنة جليلة, وبالسلطان الذي "يضحي" بخصمه "يوم العيد", ويذكّر أيضاً بنجيب محفوظ, وهو يتأمل الخلاء الموحش في روايته "أولاد حارتنا". والشر, كما يرى ممدوح, هو اختراع المتسلط لخصمه, بما يبرر إهلاك الخصم وإتلافه, أو هو أبلسة الآخر, بلغة تشومسكي, حيث على وكيل الرحمن أن يسدد ضربات قاتلة الى عملاء الشيطان. ولعل هذه الأبلسة, التي تقطع لسان الأعزل قبل استنطاقه, هي التي تجعل كتاب عدوان يتوقف أمام السجون والعنصرية والنازية والصهيونية, وأمام سلطات متمجدة, بلغة الكواكبي, تخترع فضائلها وهي تخترع عدواً مجرداً من الفضائل. وإضافة الى مادة معرفية عن معاني الشر والعنف والإرهاب وتقتيل العُزّل, وضع عدوان في كتابه وثائق أدبية كثيرة, تحتضن يوسف إدريس وغونتر غراس وجيمس بالدون وسعيد حورانية ومالك حداد وغيرهم, تضيء مواجهة الأدب للإرهاب, كما يذهب جابر عصفور, وتضيء أكثر ذلك السديم الإنساني الغامض, الذي يوزع البشر على جلادين وضحايا. وممدوح في ما يكتب يتوسل لغة سهلة جميلة مريحة منتهياً الى كتاب تربوي, يُلقي تحية على الأدباء, لكنه يرسل أولاً صرخة عالية تستنهض المحرومين والمستضعفين والمقموعين, أو "اللاممثلين" بلغة الراحل ادوارد سعيد. وربما يقوم في الأسلوب السهل الممتلئ معنى الكتاب ودلالاته, لأنه يرمي لغة الاحتراف بعيداً, ذاهباً الى لغة تستلهم لغة الذين لا يحسنون الكتابة, وتترك لغة الاختصاص لـ"مبدعين", يختزلون الكتابة الى مهنة متعالية تصفع "القارئ الأعزل", قبل أن تتوجه اليه.

الانسان الأعزل هو ذلك المسالم البسيط الذي اعتقد أن "خيار الأعزل" يقصيه عن عيون المسلحين. لكن هذا الإنسان الطيب سرعان ما يقع في ورطته, ذلك انه شرط وجود الانسان المسلح, الذي يخترع خصماً جديراً بالعقاب. والانسان المسلح, مهما تعددت وجوهه, يظل لصيقاً بالسلطة المستبدة وامتداداً لها, تؤمن له السلاح ويؤمن لها تجدد "حيوان خالص" لا يقرب السياسة ويشي بالناطقين بلغة صحيحة. وعن إرادة هذه السلطة يولد السجن الصغير والخوف الكبير والسجون المترامية, وسياسات التجهيل والتجويع والترويع والتحوين, وصولاً الى "مجتمع الأنعام", بلغة قديمة, حيث الإنسان هو صمته, وصمته هو تجويعه, وتجويعه أساس سلطة متبطرة ودولة فقيرة, فالأخيرة تحيل على "الضحايا" والأولى من اختصاص "الجلادين". يقول عدوان مستلهماً جان بول سارتر: "ولست أدعي أن من المستحيل أن تبدل انساناً فتجعله بهيمة, وإنما أقول: إنك لا تصل الى ذلك إلا بإضعافه إضعافاً كبيراً. واللطمات لا تكفي أبداً. لا بد من المبالغة في التجويع". بهذا المعنى, يبدو المنتصر المستبد خالقاً للبشر, خالقاً عجيباً مجافياً لطبيعة الخلق والإنسان, "يُحيون" ما تأنسن ويُصمِت ما نطق ويشل نعمة التفكير والمحاكمة ويرى في تحويل البشر الى حيوانات انجازاً عظيماً. ومن المفارقة, التي ليس فيها من المفارقة شيء, أن يكون استبداد المستبد تعبيراً عن ضعفه, وأن يكون في سجن الآخرين سجن له, وأن يكون في تجويعه للرعية صورة عن جوعه الذي لا ينقضي. انه الخالق الشاذ الهجين, الذي يلغي معنى اللسان ويعطّل وظيفة المكان ويبدّل معنى الإنسان, لأنه يحتفي بالرؤوس الخفيضة والقامات المتساوية واللغات المتجانسة.

يصبح الإنسان حيواناً حين تُهدر انسانيته وتتفكك معاييره السوية, ولهذا يضع ممدوح مقالة بعنوان: "الأخلاق المقموعة", تشير الى آثار القمع على الحيوان والإنسان معاً: "هذه السلوكيات (التي يمليها القوي على الضعيف) ليست وقفاً على الحيوان, بل يلجأ اليها الإنسان أيضاً في إعلان الاستسلام والانصياع, وحين يكون الخصم الأقوى هو السلطة الغاشمة يلجأ المجتمع كله الى هذه الأنماط السلوكية, وكأن كلاً منهم يحمل جلاده في نفسه ويمنعه من التصريح بحقيقة رأيه وعواطفه وحاجاته...". يحوّم عدوان فوق مواضيع كثيرة, وتظل السلطة موضوعاً مسيطراً قوامه الخلق الهجين وتشويه الطبائع. فإذا كان "السجن مصنع المجرمين" في البلدان المتقدمة, كما يذهب أحد الفلاسفة, فإن مجتمع السلطات المستبدة التقليدية مصنع لـ"التحوين", كما يذهب عدوان. وهذا "المصنع" في بنيته المتجانسة مؤلف من ثلاثة مستويات: المستبد, الحاشية, الضحايا. فالمستبد هو الحر الوحيد في مجتمع لا حرية فيه, أحادي القرار والمشيئة والخيار, يضع داخله كل ما هو خارجه, مولع بالكم وكاره للكيف, بل انه كاره لكل الأزمنة التي جاءت قبله, لأن وصوله للسلطة مبتدأ الزمن الوحيد. أما دور الحاشية فمقايضة التدليس بالنعمة, تخترع فضائل المستبد ورذائل رعيته, تقدسه وتبالغ في التقديس حتى يصبح مرجعاً وحيداً في الحكمة والفضيلة والمعرفة. لكنها تخلق فضائل المستبد وهي تعيد توزيع المنافع والثروة, مهندسة الجوع والتجويع بطراً سفيهاً حجارته من قوت الإنسان الأعزل. أما الضحايا, الذين نسوا معنى الاضطهاد بعد نسيان معنى الحرية, فهم راضون عن معيشتهم مغتبطون بها, ظناً منهم ان التجويع جزء من قوانين الطبيعة وان تحنيط اللسان عادة قديمة لا بدعة فيها. لذا يكون طبيعياً أن يقبلوا بالفساد ويبشروا به. فإذا كانت النزاهة تقتضي الصراحة, فإن في قطع اللسان الصريح ما يحوّل النزاهة والاستقامة والأمانة الى عادات بائدة. هكذا يكتمل النسيج الفاسد في مجتمع مستبده الأول هو الحر الوحيد, والمستبد بهم مخلوقات متماثلة الشكل ترى في القول الحر وافداً بغيضاً. وهكذا يتلاشى التاريخ ويتداعى, فلا تاريخ في مجتمعات راكدة تعيد انتاج ثنائية الاستبداد والخضوع بلا تغيير أو تبديل.

"حيونة الإنسان" كتاب هادئ حزين, يفتش في كتب كثيرة عن معنى الإنسان والحرية, ويفتش أكثر عن جدوى مجتمعات فارقت الطبائع السوية... "التاريخ مليء بالقيود, انه يولد مكبلاً بالسلاسل", يقول مالك حداد. ربما احتفاظ التاريخ بقيوده, في مجتمعات الاستبداد, هو ما دفع بعض الفلاسفة الى تعبير غريب وسوي يتحدث عن: شعوب بلا تاريخ.
ــــــــــــــــــــ
مصدر هذه المقالة قضايا عربية
حبيبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2004, 01:28 AM   #8
اعلامية
 
الصورة الرمزية نجاة محمد باقر
 
تاريخ التسجيل: 02 - 2004
الدولة: الخبر /المنطقة الشرقية من مملكتنا الحبيبة
المشاركات: 3,499
رحم الله الفقيد ، وانا لله وانا الية راجعون
__________________
احترم قلمي واخاف ربي (ام ماجد ) نجاة محمد باقر
نجاة محمد باقر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2004, 01:35 AM   #9
أبو نايف
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2004
المشاركات: 56
رحمه الله !
__________________
فليتُكَ تحلو والحياةُ مريرةٌ *** وليتكَ ترضى والأنامُ غِضابُ
ديمقراطي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 12 - 2004, 02:14 AM   #10
Banned
 
الصورة الرمزية تِـــلال
 
تاريخ التسجيل: 01 - 2003
الدولة: هَــاوية لا تشبع مِن جـُثثِهَــا
المشاركات: 2,103
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى تِـــلال إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى تِـــلال إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى تِـــلال
[ اللَّهُمَّ اغفر لهُ وارحمهُ وعافهِ واعف عنه ، واكرم نزلهُ ووسع مدخلهُ ونقهِ من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس ، واغسلهُ يا الله من الذنوب والخطايا بالماء والثلج والبرد . اللَّهُمَّ جازهِ بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفوا وغفرانا . اللَّهُمَّ انقلهُ من ضيق اللحود ومراتع الدود الى جناتك جنات الخلود . اللَّهُمَّ ابدله دارا خيرا من دارهِ برحمتك يا ارحم الراحمين ] آمين .


تِـــلال
جدة
تِـــلال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:14 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor