جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > لغويات

لغويات قضايا الترجمة، أخطاء شائعة، دراسات لغوية، مشاكل الإملاء وغيرها

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 17 - 10 - 2005, 02:23 AM   #31
من مميزي قسم بيتي
 
الصورة الرمزية د. حجي الزويد
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2003
المشاركات: 1,620
" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " ‏- الحج‏:73

من الصور البلاغية التي تضمنتها هذه الآية الشريفة ما يلي, والتي تعتبر من فنون علم البديع :

- الطباق بين ( يسلبهم ) و ( يستنقذوه ) فالاستنقاذ هو تخليص ما سلب, والجمع بين معنيين متضادين في الجملة يوجد جمالا في التعبير.

- الجناس بين الكلمتين ( الطالب ) و ( المطلوب ), حيث يوجد بينهما تجانس لفظي مع اختلافها في المعنى, وللجناس أسلوب بلاغي مؤثر كما نلمسه في هذا التعبير القرآني " ضعف الطالب والمطلوب".

وللآية الشريفة إضاءات بلاغية في علم المعاني, من بينها : الإيضاح بعد الإبهام


تأملوا هذا المقطع القرآني :

" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له "

و هذا المقطع الثاني :

" إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب "

نجد أن الآية الشريفة تكشف أمامنا صورة بلاغية جميلة, وهو ما يعرف بـ ( الإيضاح بعد الإبهام ).

توجد في الإيضاح بعد الإبهام صورتان :

الصورة الأولى : مجيء التعبير مبهما مجملا.

الصورة الثانية : مجيء التعبير مفصلا.

يوجد إبهام في قوله " " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له "

حيث ألقى المعنى على سبيل الإجمال لما فيه من تعظيم, كي يخلق لدى المتلقي تشويقا إلى معرفته على سبيل التفصيل.

ثم جاء بيان المراد في قوله تعالى :

" " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له .... "

ويعتبر الإيضاح بعد الإبهام أحد فنون البلاغة في علم المعاني, وأحد أسباب الإطناب, وفي القرآن الكريم شواهد كثيرة على هذا الفن منها قوله تعالى, أذكر بعضا منها زيادة في إيضاح هذا الفن البلاغي :

" اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " – الفاتحة : 6-7

فصراط الذين جاء لإيضاح ما قبله وهو ( الصراط المستقيم ).

" يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم " – البقرة -49

الإبهام في قوله " يسومونكم " أوضحه قوله تعالى " يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ".

" فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " - طه : 120

ذكرت الوسوسة بشكل إجمالي ثم جاء البيان عنها بشكل تفصيلي.

" فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا " المؤمنون : 27

الإبهام في قوله تعالى " فأوحينا إليه " والإيضاح في قوله تعالى " أن اصنع الفلك "

قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم من بين يدي عذاب شديد" – سبأ : 46

جاء قوله تعالى " أن تقوموا ..... " إيضاحا للإبهام في قوله تعالى " واحدة ".

" إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى. إن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فيلقيه اليم بالساحل ... " طه : 38- 39

" ما يوحى " مبهم أوضحه قوله تعالى " أن اقذفيه ".

" واتقوا الذي أمدكم بما تعملون. أمدكم بأموال وبنين. وجنات وعيون " – الشعراء 132 – 134

جاء بذكر ما أمدهم به مجملا, ثم شرع في تفصيل ألوان ذلك.

" و نادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا" – الأعراف : 44

في قوله " ونادى " إبهام أوضحه قوله نعالى " أن قد وجدنا ... "

" يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم " الصف : 10 -11

جيء بذكر التجارة مبهمة مجملة, ثم جاء الإيضاح في بيان نوع تلك التجارة " تؤمنون بالله .... " .



لا زال الحديث متصلا حول بلاغة هذه الآية الشريفة :

" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " ‏- الحج‏:73
د. حجي الزويد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18 - 10 - 2005, 06:44 PM   #32
Registered User
 
الصورة الرمزية فشخور
 
تاريخ التسجيل: 06 - 2003
المشاركات: 183
ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، اللهم بارك له فيما علم وعلمه ما جهل ، وانفع به كل مسلم ، واغفر له ولوالديه والمسلمين.
فشخور غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 10 - 2005, 08:53 PM   #33
من مميزي قسم بيتي
 
الصورة الرمزية د. حجي الزويد
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2003
المشاركات: 1,620
العزيز فشخور :

أسأل الله أن يجعلك من المرضيين لديه وأن يجمع بينك وبين رسوله المصطفى (ص) يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أترى الله بقلب سليم.
د. حجي الزويد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 - 10 - 2005, 09:12 PM   #34
من مميزي قسم بيتي
 
الصورة الرمزية د. حجي الزويد
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2003
المشاركات: 1,620
" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " ‏- الحج‏:73

من الجوانب البلاغية التي تضمنتها هذه الآية ما يعبر عنه بـ ( التذييل ).

التذييل لغة هو جعل الشيء ذيلا للآخر, وقد عرفه البلاغيون بأنه تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها لإفادة التوكيد.

يعتبر التذييل أحد فنون علم المعاني, وأحد موجبات الإطناب كفن بلاغي.

فالتذييل كلام مستقل مختصر, يحمل معنى الكلام المتقدم , يساعد في ظهور المعنى عند من لم يدرك المعنى فيما تقدم من كلام , ويزيد من وضوح المعنى عند من فهمه.

فالتذييل باختصار هو تعقيب الجملة بجملة أخرى موافقة معها في المعنى ومؤكدة لها.

التذييل جاء في قوله تعالى " ضعف الطالب والمطلوب " الذي جاء موافقا للمعنى ومؤكدا للكلام المتقدم في قوله تعالى :" إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه "

فقوله " ضعف الطال والمطلوب " تأكيد لعجز تلك الأصنام وضعفها والذي أشير إليه في بداية الآية, و جاء مؤكدا لهذا المعنى.

لإعطاء مزيد حول هذا الفن البلاغي أسوق بعض الشواهد القرآنية الأخرى زيادة في الإيضاح :

" وقل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " الإسراء : 81

فقوله تعالى " إن الباطل كان زهوقا تذييل جيء به لتأكيد ما قبله, وهي أن الحق ينتصر دائما, بينما الباطل يزهق.

" فأعرضوا فأرسلن عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط و أثل وشيء من سدر قليل. ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور " سبأ : 16, 17.

التذييل في قوله تعالى : " وهل نجازي إلا الكفور "

" وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون. كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر و الخير فتنة و إلينا ترجعون " الأنبياء : 34, 35.

يوجد تذيللان : الأول قوله تعالى " أفإن مت فهم الخالدون " والثاني " كل نفس ذائقة الموت ", يفيدان معنى ما تقدمهما من كلام, وهو أن الموت سينال كل نفس.

" وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء " – يوسف : 53

التذييل في قوله تعالى " إن النفس لأمارة بالسوء " وهو توكيد للمعنى المتقدم في قوله تعالى" وما أبرىء نفسي"


"ومن الشواهد الشعرية على التذييل قول الحطيئة :

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والناس

فعجز البيت تذييل, مؤكد للمعنى الوارد في صدره, ويفيد عدم ضياع الخير.

وكذلك قول ابن نباتة السعدي :

لم يبقِ جودك لي شيئا أؤمله
تركتني أصحب الدنيا بلا أمل.

فعجز البيت تذييل لصدره, موافقا له في المعنى, ومؤكد لمنطوق الجملة المتقدمة, والمعنى أن المخَاطب أعطى المتكلم كل ما يريد, بحيث لم يعد يفكر في شيء آخر يود الحصول عليه.

لم ينته الحديث حول الأسرار البلاغية في هذه الآية الشريفة :

" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " ‏- الحج‏:73
د. حجي الزويد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23 - 10 - 2005, 03:11 AM   #35
من مميزي قسم بيتي
 
الصورة الرمزية د. حجي الزويد
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2003
المشاركات: 1,620
" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " ‏- الحج‏:73

من الجوانب البلاغية التي نلمسها في هذه الآية الجانب اللفظي وهو دقة استخدام الكلمات وتلاؤمها مع المعنى المراد, وسأشير إلى ثلاث كلمات في الآية الشريفة - وهي : ذباب, و يسلب, ويستنقذ – كي ندرك الجانب الإعجازي في اختيار هذه الكلمات.

سأبدأ بكلمة (ذباب ).

اختير الذباب دون غيره لكثرته ولحقارته ولضعفه, وعجز الإلهة المزعومة عن مقاومته مع ما به من ضعف.

جاء خطاب التحدي لبيان عجز تلك الآلهة عن خلق ذباب واحد, فالذباب اسم جنس يطلق على المذكر والمؤنث, وجمعه أذبة وذبَّان.

ما هو السر في اختيار الذباب؟

على الرغم من أن النظرة علمية في هذا الجانب, إلا أنها تخدم الناحية البلاغية بشكل غير مباشر.

سننظر إلى هذا من ناحيتين : الإعجاز في الخلق, والإعجاز في الأداء الوظيفي للذباب.

كي ندرك سر التحدي الإلهي لا بد أن نتعرف على سر الإعجاز في خلق الذباب, فهذه الحشرة على صغرها تتكون من ملايين من الخلايا لكل مجموعة وظيفة تختص بها دون غيرها, وهي تتكون من رأس وصدر وبطن, ومزودة بستة أرجل, و أقدام مغطاة بزغب كثيف , وذات قدرة على إفراز مواد تساعد الذباب على الالتصاق بأي سطح, سواءا أكان في وضعها المعتدل أو وضعها المقلوب. ويوجد بجسم الذباب ما يربو عن مليون خلية عصبية متناسقة مع ما يقوم به الذباب من حركات, وهذه الخلايا العصبية مرتبطة بثمانية وثلاثين زوجا من العضلات منها سبعة عشر زوجا لحركة الجناحين‏,‏ وواحد وعشرون زوجا لحركات الرأس. ‏ كذلك فإن بالذباب عينان مركبتان, تتكون الواحدة منها من ستة آلاف عيينة سداسية, ويتصل بكل واحدة ثمانية خيوط عصبية مستقبلة للضوء بمجموع ‏ثمانية و أربعين ألف خيط عصبي للعين الواحدة ذات قدرة على معالجة مائة صورة في الثانية الواحدة. ومن هنا ندرك سر تحدي الله لتلك الأصنام عن خلق الذباب لما فيه من أسرار خلق في غاية التعقيد والإتقان.

النقطة الثانية :

لماذا جاء التعبير القرآني بالكلمة ( يسلبهم ) دون غيرها, أي هل يكون هناك فرق في المعنى لو كان التعبير القرآني " وإن يأخذ الذباب منهم شيئا ... "

إن هناك جمال بياني في اختيار ( يسلبهم )

الاستلاب‏‏ في اللغة هو الاختلاس‏,‏ والسلب هو نزع الشيء من الآخر قهرا.

هناك إعجاز بلاغي في استخدام الكلمة ( يسلب ) فالذباب يختلس ما يأخذه من تلك الأصنام اختلاسا‏,‏ وينزعها منهم قهرا, لعجزهم عن مقاومته.

والسر في مقدرة الذباب على الاختلاس يتضح من خلال قراءة هذه الإشارات العلمية التي كتبها الدكتور زغلول النجار في أحد أعداد جريدة الأهرام المصرية, والتي تساعد في فهم الجانب اللغوي :

" حركات الذبابة المنزلية علي درجة عالية من التعقيد إذ تبدأ في الاستعداد للطيران بتحديد العضلات التي سوف تستخدمها‏,‏ ثم تأخذ وضع التأهب للطيران وذلك بتعديل وضع أعضاء التوازن في الجهة الأمامية من الجسم‏,‏ حسب زاوية الإقلاع‏,‏ واتجاه وسرعة الريح وذلك بواسطة خلايا حسية خاصة موجودة علي قرون الاستشعار في مقدمة الرأس‏.‏ وهذه العمليات المعقدة لا تستغرق أكثر من واحد من مائة من الثانية‏.‏ ومن الغريب أن الذبابة لها قدرة علي الإقلاع عموديا من المكان الذي تقف عليه‏,‏ كما أن لها القدرة علي المناورة بالحركات الأمامية والخلفية والجانبية بسرعة فائقة لتغيير مواقعها‏,‏ وبعد طيرانها تستطيع الذبابة زيادة سرعتها إلي عشرة كيلو مترات في الساعة‏,‏ وهي تسلك في ذلك مسارا متعرجا ثم تحط بكفاءة عالية علي أي سطح بغض النظر عن شكله‏,‏ وارتفاعه‏,‏ واستقامته أو انحداره‏,‏ وملاءمته أو عدم ملاءمته لنزول شيء عليه‏.‏ ويساعد الذبابة علي هذه القدرة الفائقة في المناورة جناحان ملتصقان مباشرة بصدرها بواسطة غشاء رقيق جدا مندمج مع الجناح‏;‏ ويمكن لأي من هذين الجناحين أن يعمل بشكل مستقل عن الآخر‏,‏ وإن كانا يعملان معا في أثناء الطيران علي محور واحد إلي الأمام أو إلي الخلف يدعمهما نظام معقد من العضلات يعين هذين الجناحين علي أن يتما إلي مائتي خفقة في الثانية‏(‏ كما هو الحال في الذباب الأزرق‏),‏ وعليها أن تستمر علي ذلك لمدة نصف الساعة وأن تتحرك لمسافة ميل كامل علي هذه الحال‏.‏ وتستمد الذبابة مهاراتها الفائقة في الإقلاع‏,‏ والطيران‏,‏ والهبوط من التصميم المثالي لجسدها‏,‏ ولأجنحتها إذ أن النهايات السطحية للأوردة المنتشرة في تلك الأجنحة تحمل شعيرات حساسة جدا لقياس ضغط الهواء واتجاه الرياح‏,‏ كذلك فإن أجهزة الحس الموجودة تحت الأجنحة‏,‏ وخلف رأس الذبابة تقوم بنقل معلومات الطيران إلي دمائها باستمرار ثم إلي رأسها الذي يرسل أوامره إلي العضلات باستمرار أيضا لتوجيه الأجنحة في الاتجاه الصحيح‏,‏ وبذلك يتم توجيه الذبابة في أثناء الطيران بدقة وإحكام فائقين مما يعينها علي إصابة الهدف‏,‏ وتجنب المخاطر بكفاءة عالية‏.‏

ويعين الذبابة في ذلك أيضا عينان مركبتان‏,‏ لا يزيد حجم الواحدة منهما علي نصف الملليمتر المكعب‏,‏ وتتكون كل عين منهما من ستة آلاف عيينة سداسية لها القدرة علي الرؤية في جميع الاتجاهات‏,‏ وكل واحدة من هذه العيينات مرتبطة مع ثمانية أعصاب مستقبلة للضوء‏,‏ اثنان منها للألوان‏,‏ وستة متخصصة في ضبط تحركات الذبابة لأنها تكشف كل شيء في المجال البصري لها وبذلك يكون مجموع الخيوط العصبية في الواحدة من عيني الذبابة ما يقدر بـ‏48‏ ألف خيط عصبي يمكنها معالجة أكثر من مائة صورة في الثانية الواحدة‏.‏
هذا بالإضافة إلي مليون خلية عصبية متخصصة بالتحكم في حركة الذبابة من أعلي إلي أسفل وبالعكس‏,‏ ومن الأمام إلي الخلف وبالعكس‏.‏ كل ذلك يعين الذبابة على الانقضاض علي الشراب أو الطعام فتحمل منه بواسطة كل من فمها والزغب الكثيف المتداخل الذي يغطي جسمها ما تحمل ثم تهرب مبتعدة في عملية استلاب حقيقية بمعنييها‏:‏ الاختلاس‏,‏ ونزع الشيء على القهر‏.‏ " ... انتهى كلام الدكتور النجار.

النقطة الثالثة :

أما الجانب الإعجازي اللغوي الثالث فهو في اختيار الكلمة ( لا يستنقذوه ).

للذباب خرطوم تمتص به ما تسلبه ‏,‏ ليصل إلي جهازها الهضمي المزود بخمائر لها القدرة علي هضم الطعام وتمثيله تمثيلا كاملا في ثوان معدودة ‏. أما إذا كان الطعام صلبا فإن الذباب يفرز إنزيمات هاضمة تذيب الطعام الصلب, ثم تقوم بامتصاصه سريعا, وفي كلتا الحالتين لا يمكن استرجاع ما استلبه الذباب لأنه تحول إلى أجزاء دقيقة, فتأمل الدقة في استخدام ( لا يستنقذوه ).

الكلمة ( استنقذ ) على وزن استفعل, ومعروف أن الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى, وهي بمعنى أنقذ لكن فيها مبالغة, فالعبارة ( لا يستنقذوه ) تفيد عجز الآلهة الزائفة عن إنقاذ ما سلبه الذباب مهما بذلوا من جهد ومحاولات.

ولا زلنا نسبح في بحر عظمة بلاغة الآية الشريفة :

" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " ‏- الحج‏:73
د. حجي الزويد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26 - 10 - 2005, 01:00 AM   #36
من مميزي قسم بيتي
 
الصورة الرمزية د. حجي الزويد
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2003
المشاركات: 1,620
" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " ‏- الحج‏:73

نجد في هذه الآية تهيئة للمستمع لتلقي الخطاب الصادر من الله سبحانه وتعالى.

تأملوا افتتاحية الخطاب بأداة النداء ( يا ) والتي تفيد طلب الإقبال, ثم مجيء ( أيها ) بعدها, والتي تستخدم للتنبيه, وكأنه خطاب للناس كي ينتبهوا من غفلتهم, ثم جاء بـ ( فاستمعوا ) كي يوجد لدى المخاطبين استعداد لإدراك فهم الخطاب, ولم يكتف بذلك بل جاء بالكلمة ( له ) وذلك لبيان أهمية الأمر المدعو له, و لإشعار المخاطبين بغفلتهم عن هذا الأمر الذي يقتضي الانتباه.

تأملوا كذلك مجيء الفعل ( ضرب ) في صيغة المبني للمفعول, وقد أشرت إلى أهمية ذلك الحديث حول الآية 44 من سورة هود.

كذلك تأمل استخدام " تدعون " بدل " تعبدون " لا رتباطها القوي بالحديث المشار إليه, وهو الاستخفاف بعقول هؤلاء المشركين الذين يدعون من يمتلك كل سمات الضعف والعجز.

هذه بعض الإشارات الجمالية في هذه الآية, وليست كلها, فهناك مواطن جمال أخرى في الآية الشريفة.

وقبل أن أنهي رحلتي مع هذه الآية, أدعوكم لتأمل الآية التي بعدها :

" يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز " ‏- الحج‏:73- 74

تأملوا المقطعين :

" ضعف الطالب والمطلوب "

الذي يشير إلى ضعف الألهة وعجزها.

" إن الله لقوي عزيز "

الذي يشير إلى قوة الله وعظمته, وأنه قادر لا مثيل لقدرته, فهو ليس كتلك الآلهة التي يعبدها المشركون, العاجزة عن خلق ذباب واحد أو إستنقاذ ما سلبه الذباب منها.

قد جاء سبحانه بالبيان القرآني " إنه لقوي عزيز " تتمة لما أشار إليه في الآية السابقة, حيث وصف نفسه بالقوة والعزة فأفاد أنه قوي لا يعتريه ضعف, وعزيز لا تناله ذلة, خلافا لتلك الآلهة المزعومة التي تتسم بالضعف والذلة, فتأمل روعة التعبير القرآني.
د. حجي الزويد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07 - 03 - 2008, 10:10 PM   #37
من مميزي قسم بيتي
 
الصورة الرمزية د. حجي الزويد
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2003
المشاركات: 1,620
{ طه . مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى . إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى . تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى . الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى . لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى. وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى . اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } طه : 1 - 8

في هذه الأيات الشريفة إشارات بيانية جميلة.

تأملوا هاتين الآيتين :

{ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى }

{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى. }

في الآية الأولى ذكرت السماوات والأرض , و في الآية الثانية ذكرت السموات والأرض وما بينهما, فما هو السر البلاغي في ذلك؟

إن سياق الكلم القرآني يتناسق مع المعنى المراد إيصاله, وإن التأمل في آي الذكر يكشف عمق البلاغة القرآنية في الخطاب.

جاء قوله : { خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى } في الآية { تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى }, صلة للموصول لغرض بيان مبدأ التنزيل ومنتهاه, بينما جاء قوله تعالى : { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى}, ليبين شمولية ملك الله لكل الموجودات.

تأملوا الآية { تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى }

في اختيار السماء والأرض تناسق واضح مع التنزيل, فالسموات إشارة إلى جهة العلو, والأرض إشارة إلى جهة السفل, وهذا متوافق مع التنزيل الذي يكون له مبتدأ ونهاية, حيث أن ابتداؤه من السماء وانتهاؤه إلى الأرض.

تأملوا هذه الآيات :

مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى . إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى . تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى .

" تأملوا : ( أنزلنا ) و ( تنزيلا )

في ( أنزلنا ) نسبة اإنزال القرآن الكريم إليه سبحانه وتعالى, وجيء بـ ( نا ) الدالة على ضمير الواحد المعظم نفسه وفي ذلك إشارة إلى عظمته سبحانه وتعالى.

في قوله تعالى :

{ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى }, ", نسبة التزيل إلى الموصول.

في قوله : { تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى },
التفات حيث خرج من ضمير المتكلم – أنزلنا – إلى الغيبة, ويعتبر هذا أحد الفنون البلاغية في علم البديع على قول بعض وعلم المعاني على قول آخرين.

لقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى عظمة القرآن حيث نسب إنزاله إليه سبحانه وتعالى, ثم أشار إلى أنه تنزيل ممن خلق الأرض والسماوات العلى, حيث وصف السماوات بالعلى.

فهل هناك فائدة بلاغية من ذكر مفردة ( العلى ) ؟

الجواب : نعم.

يريد الله أن يشير إلى عظمة القرآن, فأراد أن يجسد هذه العظمة من خلال رسم مشهد حسي يدركه كل متأمل, حيث ذكر أنه خلق السماوات ثم وصف السماوات بالعلى إشارة إلى عظمتها وبعدها, وفي ذلك إشارة إلى عظمته, فوصف السماوات بالعلى دليل على عظمة من خلقها, حيث لا يوجد من يدانيها علوا وارتفاعا, وحيث أنه سبحانه هو الذي أنزل القرآن الكريم, ففي ذلك إشارة إلى عظمة القرآن.

وندرك أن الله سبحانه وتعالى قد عبر عن عظمة القرآن ترغيبا في التأمل في معانيه و آياته حيث قال : إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى, ففي ذلك إشارة إلى دور القرآن.

الفائدة البلاغية الأخرى :

لماذا قدم ذكر الأرض على السموات في قوله : { تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى } , بينما قدم ذكر السماوات على الأرض في قوله :{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}؟

إن تقديم الأرض في الذكر على السموات تارة وتأخيرها تارة أخرى يتبع ما يقتضيه مقام الخطاب , فقد جاء ذكر الأرض أولا في قوله تعالى { تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى } , لأنها أقرب إلى الحس وأظهر للمخاطب, وأوفق بالتزيل وما به من أحكام تكليفية وإشارات تربوية عظيمة.

أما قوله تعالى : { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}, فيه إشارة إلى شمولية ملك الله سبحانه وتعالى , وقد اقتضى المقام ذكر السموات أولًا لما تمثله من عظمة.

و للبحث صلة :
د. حجي الزويد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:32 PM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor