جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > المنتديات العامة > جداريات

جداريات كتابات الاخرين الذين تعبوا من المسير

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 05 - 06 - 2010, 07:33 PM   #171
.
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2004
الدولة: حيث كنت!
المشاركات: 3,446
مقتطف

مبدأ العلة الكافية عند لايبنتز:
لنبدأ أولا بمعرفة وضع المبدأ داخل فلسفة لايبنتز. يقول لايبنتز عن هذا المبدأ: "تستند استدلالاتنا على مبدأين كبيرين، مبدأ التناقض Principle of Contradiction، وهو الذي نحكم عن طريقه بالكذب على ما يحتوي على تناقض، وبالصدق على ما يقابل أو يناقض الكذب..؛ ومبدأ العلة الكافية Principle of Sufficient Reason ( )، الذي نذهب عن طريقه إلى أنه لا يمكن أن تكون هناك واقعة حقيقية أو موجودة أو قضية صادقة، ما لم تكن هناك علة كافية لأن تكون هكذا لا شيئا آخر، على الرغم من أن هذه العلل عادة ما تكون غير معروفة لنا" ( ). نلاحظ في هذا النص أن لايبنتز يضع مبدأ العلة الكافية كمبدأ أنطولوجي وإبستيمولوجي في الوقت نفسه؛ إذ يضعه باعتباره مبدأ للاستدلال على القضايا وعلى الوقائع معا. هذا الارتباط بين الأنطولوجي والإبستيمولوجي عند لايبنتز هو ما سوف يعترض عليه كانط فاصلا بين الجانبين وحاصرا مبدأ العلة الكافية في المجال الإبستيمولوجي وحده.
كما نلاحظ في هذا النص أن لايبنتز يجمع على نحو وثيق بين الوجود والمعرفة، وجود الواقعة ومعرفتها، بحيث إن نفس المبدأ يستخدم للاستدلال على وجود الواقعة وعلى صحة معرفتنا بها في الوقت نفسه. فلا فرق عند لايبنتز بين تقديم الدليل الكافي على وجود الشئ والدليل الكافي على صحة معرفتنا بهذا الشئ. فحسب فلسفة لايبنتز التي تتكرر فيها أفكار الميتافيزيقات التقليدية، فإن معرفة الشئ هي معرفة بعلة وجوده. لكن النتيجة الخطيرة المترتبة على هذه الفكرة هي القول بأن العلة الكافية لمعرفة الشئ دليل كاف على صحة وجوده وحقيقته الواقعية، وهذا يعني الاستدلال على الوجود بالمعرفة، والإثبات الأنطولوجي لشئ بمجرد أدلة عقلية؛ وهذا هو السبب الذي يجعل نسق لايبنتز مثاليا.



وقد أطلق لايبنتز على مبدأ العلة الكافية في مؤلفاته المبكرة أسماء أخرى عديدة يتضح منها طابعه الأنطولوجي، إذ أطلق عليه "العلة المعيَّنة" Determining Reason، أي العلة التي تعين وجود الشئ وتجعله على الهيئة التي هو عليها لا غيرها( ). كما أن العلة المعينة هي المحددة لنمط وهيئة الشئ التي يتخذها من بين ممكنات عديدة يمكن أن يكون عليها دون تناقض. ومعنى ذلك في سياق نسق لايبنتز أن العلة الكافية باعتبارها علة معيَّنة هي التي تحدد نمط وجود الجوهر بين أنماط ممكنة يمكن أن يتخذها، بمعنى تحديدها للأعراض والكيفيات والأحوال التي يتخذها الجوهر من بين أخرى ممكنة على أساس علة ما. وأحيانا ما كان لايبنتز يستخدم مصطلح "مبدأ المناسبة" Convenance (Principle of Fitness) باعتباره أحد معاني مبدأ العلة الكافية ( )، قاصدا منه معنى التناسب أو الانسجام Harmony، وكان يقصد بذلك أن العلة الكافية لوجود شئ تتحدد عن طريق علاقة هذا الشئ بغيره من الأشياء بحيث يكون مناسبا معها وعنصرا ضروريا بينها.




نقد كانط لمبدأ العلة الكافية:
تناول كانط مبدأ العلة الكافية في كتابه "نقد العقل الخالص" في سياقين مختلفين. السياق الأول تناول فيه المبدأ نفسه ونقده في صيغته الميتافيزيقية لدى لايبنتز ودافع عن معناه الإبستيمولوجي وحسب( ). والسياق الثاني تناول فيه المبدأ بصورة غير مباشرة في إطار نظريته في السببية Causality ( )، ذلك لأن مبدأ العلة الكافية هو في النهاية مبدأ سببي، لكن السببية فيه وكما ظهرت في مذهب لايبنتز ليست مجرد سببية طبيعية بل سببية غائية أيضا. فعندما قام لايبنتز بصياغة واستخدام هذا المبدأ وقال إن لكل شئ يحدث سببا كافيا لحدوثه كان يقصد بالسبب Ratio/Reason المعنى الأعم والأوسع والذي يشمل الهدف Purpose من حدوثه أو الغاية التي يحدث من أجلها Telos. وليس شرطا في العلة الكافية لحدوث الشئ بالنسبة للايبنتز أن تكون سابقة على حدوث الشئ على شاكلة السبب Cause، بل يمكن أن تكون تالية له باعتبار أن الشئ قد حدث لتحقيق هدف أو غاية.
مفهوم الغاية النهائية إذن Final End كان متضمنا في مفهوم العلة الكافية عند لايبنتز، والواضح بذلك أنه يتضمن أبعادا ميتافيزيقية، بل ولاهوتية أيضا، مثل الهدف والغاية والهدف النهائي، وهي كلها تابعة لحدوث الشئ، إذ حدث الشئ نفسه من أجل تحقيقها بناء على تخطيط وإرادة إلهية. العلة الكافية إذن ليست في استخدام لايبنتز سببية بالمعنى المنطقي والطبيعي الدقيق، لأن السبب هو السابق على الشئ زمانيا وهو الذي يؤدي إليه ضرورة. وبالضد على لايبنتز أراد كانط استبعاد الغائية من مبدأ العلة الكافية والتشديد على الجانب السببي منه وحسب( ). ولأن المبدأ عند لايبنتز كان مختلطا بالمضامين الميتافيزيقية وجامعا بين السببية الطبيعية والغائية الميتافيزيقية ومستخدما في سياق خلافات لاهوتية، فقد أراد كانط أن يعزله عن تلك المضامين والاستخدامات الميتافيزيقية اللاهوتية ويحصر استخدامه في المجال الإبستيمولوجي وحده وداخل إطار السببية الطبيعية وحسب. وبذلك كانت نظرية كانط في السببية سائرة في إطار نقده للميتافيزيقا التقليدية التي يعد لايبنتز أحد ممثليها، والتي هي الهدف الأساسي من "نقد العقل الخالص".
وفي مقابل التوظيف الميتافيزيقي لمبدأ العلة الكافية عند لايبنتز، كانت أمام كانط نظرية أخرى في السببية وهي نظرية ديفيد هيوم، والتي نظرت إليها على أنها مجرد عادة فكرية في الذهن البشري في الربط بين الحدث السابق والحدث اللاحق. وبذلك نزع هيوم من السببية كل ضرورة وحتمية وفسرها تفسيرا سيكولوجيا( ). وهكذا تمثل الوضع الفكري السابق على كانط في نظرية ميتافيزيقية في السببية عند لايبنتز تُحمِّل السببية بأكثر مما تحتمله بإضفاء المفاهيم الغائية واللاهوتية عليها حتى تصير علة كافية للوجود كله، ونظرية تجريبية سيكولوجية عند هيوم تنظر إلى السببية على أنها مجرد آلية ذهنية في الربط بين الانطباعات والأفكار. ووسط هذا التناقض بين الموقفين الميتافيزيقي اللاهوتي والتجريبي السيكولوجي من السببية، أراد كانط من نظريته في السببية أن تتوسط بينهما، أي بين النزعة العقلية للايبنتز والتي تصل إلى حد تحميل السببية بمضامين ميتافيزيقية ولاهوتية، والنزعة التجريبية لهيوم والتي تصل إلى نزعة شكية حول ضرورة السببية كمبدأ للطبيعة.
كان أمام كانط إذن هدفا مزدوجا في نظريته في السببية: نزع الصفة الميتافيزيقية-الأنطولوجية عنها، وحمايتها من الوقوع في النـزعة السيكولوجية التي تنتهي إلى الشكية. ووجد كانط أن الطريق الثالث الذي يتوسط النـزعتين الميتافيزيقية والسيكولوجية، طريق تجنب لايبنتز وهيوم معا، يتمثل في معالجة السببية على أنها مقولة قبلية في ملكة الفهم البشري. وكونها قبلية يعني أنها تتمتع بالعقلانية والضرورة، وكونها مبدأ لتنظيم الخبرة التجريبية يعني أنها ليست مجرد عادة ذهنية سيكولوجية بل هي المبدأ المنظم للمعرفة البشرية نفسها. وبذلك أصبحت السببية عند كانط مبدأ منظما للمعرفة لا مبدأ ميتافيزيقيا يحدد ترتيبا غائيا للموجودات والحوادث( ).

أشرف منصور
__________________
-
متابع غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16 - 07 - 2010, 04:20 PM   #172
.
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2004
الدولة: حيث كنت!
المشاركات: 3,446
صلة علم النفس التحليلي بالأدب


.

بدأ علم النفس التحليلي في أواخر القرن التاسع عشر، كحلقة جديدة تضاف إلى سلسلة العلوم الإنسانية التي تبحث في الذاتية الشخصية للفرد. ويكون ذلك وفق رؤية خاصة ومميزة في تشخيص أفعال ونتاجات الإنسان نظرياً وعملياً في مختلف المجالات والميادين، ومنها ما يخص ويتعلق بالأدب. فالأدب بشكل عام هو انعكاس نفسي وفكري للأفراد الذين يتناولون واقعهم الحياتي والاجتماعي بالكتابة والتعبير عنه.

إن مجمل الأدباء والشعراء والنقاد واللغويين ما هم إلا عينات نموذجية في تشخيص العلاقات الإنسانية سلباً أو إيجاباً بحسب المرحلة الزمنية والمكانية التي يعيشونها، وما يرتبط في سلوكية العمل والحاجة المطلوبة أو الملحة في الكتابة التي يجنحون إليها. حيث يتمتع معظم الناس في القراءة والمطالعة للقصص والروايات والمسرحيات. وهذا الوضع بالذات هو ما يُعرف بالصلة القائمة بين التحليل النفسي والأدب.


يعتبر الطبيب النمساوي سيجموند فرويد (1856-1919) مؤسس طريقة التحليل النفسي القائمة على مبدأ الكبت الواقعي للإنسان تجاه مبدأ اللذة. وبما أن الكبت قد يكون أحياناً مفرطاً عند البعض، لذا فأنه يؤدي إلى المرض كأمر طبيعي. حيث أن الامتناع عن الملذات والمسرات بثقة تامة من أجل تحقيق البطولة، قد يستدعي تعويضها بأسلوب أقوى. فالإنسان له القدرة الاستعدادية لقبول الكبت إذا وجد فيه شيئاً مفيداً له؛ شريطة أن لا يتعدى هذا الكبت حدود التحمل فيتعرض الإنسان للمرض نتيجة اضطراب عصبي وظيفي، وهو ما يسمى بالعُصاب.
وحسب رأي فرويد إن هذا "العُصاب" له علاقة قوية جداً في حياتنا اليومية والعامة، من حيث الإبداع والابتكار أو الانطواء والتعاسة. ويرى أيضاً بأن الرغبات التي لا يمكن أن نحققها، فأنه باستطاعتنا التغلب عليها من خلال طريقة واحدة، هي حصرها وتوجيهها نحو هدف يعتبر أكثر قيمة وأهم منزلة من الناحية الاجتماعية ليس غير.
ولذلك يؤكد فرويد على أن تناقضات الإنسان إن هي إلا نتيجة الكبت الهائل للعناصر التي شكلت تكوين سلوكيته ونفسيته. فقد يجد البعض متنفساً لا شعورياً من جراء الكبت الجنسي في بناء العمارات والكنائس وغيرها. إذ بفضل هذا التسامي من الكبت الذي يجري فيه تحويل الغريزة نحو الأهداف القيمة والمهمة يتم قيام الحضارات الإنسانية وتكوين الثقافات المختلفة والتواريخ البشرية.

ومن بين هذه القضايا التي يشخصها فرويد هي: النرجسية وعقدة أوديب واللاوعي.

فالنرجسية: هي المرحلة التي تتميز بالتهيج الجنسي الذاتي. حيث يكون فيها جسم الفرد أو ذاته الكاملة مركزاً للرغبة والإعجاب. وأهمية هذه المرحلة في حياة الفرد كونها تقترن بالطفولة في دور تكوينه الأسري ومدى تعلقه بأمه إذا كان ولداً، وبالأب إذا كانت بنتاً. حيث "يفترض في حالة الطفل ما يكون فعلاً جديداً ومفاجأً هو الخط الموازي ما بين الكفاح ضد الأب مما يشكل انعكاساً واضحاً في بنية التركيب النفسي.

أما عقدة اوديب: فهي العملية الآلية التي تحدث فيها هذه النرجسية وما يتعلق في تطورها. لأن المرحلة السابقة عليها والتي يسميها فرويد "ما قبل الأوديبية"، تكون لها صلة تكميلية بهذه المرحلة. أن عقد اوديب بالنسبة إلى فرويد هي من القضايا المهمة جداً التي يركز عليها في عملية التحليل النفساني؛ لكونها الأساس في بناء العلاقات التي تجعل من الفرد (مذكر أو مؤنث) أن يكون بما عليه من تكوين شخصي حيث يتحول من مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع، ومن محيط العائلة المحدود إلى محيط المجتمع الواسع، ومن عالم الطبيعة إلى عالم الثقافة والفكر. إذ أن الطفل في مرحلة ما بعد الأوديبية (أي في نضوجه) يحاول أن يأخذ مكانة خاصة في النظام الثقافي بشكل عام. ومن هنا تكون عقدة أوديب عند فرويد هي: القانون والأخلاق والضمير وكل أنواع السلطات الدينية والاجتماعية.

بينما اللاوعي: هو الحافظ للكبت، بسبب تفتيت الفرد إلى رغباته وحجبها من الواقع. فإذا كان الفرد يتقبل السلطة ويشارك في الإنتاج العائلي والاجتماعي، فإن دور اللاوعي يكون بالحفاظ على الكبت داخل الفرد. فالإنسان الذي ينشأ من عملية أوديب يكون شخصاً مجزأً بين الوعي واللاوعي. وأن مصدر قلقه يكون دائماً من اللاوعي. ولذلك تجد فرويد يركز بصفة خاصة على "الأحلام" كونها الطريق الأمثل إلى اللاوعي. حيث تسمح الأحلام بإلقاء نظرة عاجلة على عمل اللاوعي. إنها تحقيق رمزي يتطلب منا تفسيراً معيناً.


د. عماد الدين
+ يتبع
متابع غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 - 08 - 2010, 08:01 AM   #173
.
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2004
الدولة: حيث كنت!
المشاركات: 3,446
قراءة في كتاب التخلف الاجتماعي لمصطفى حجازي

الأساليب الدفاعية للإنسان المقهور

يلجأ الإنسان المقهور إلى مجابهة القهر الواقع عليه متخذا العديد من الأساليب الدفاعية وأهمها:

أ - الانكفاء على الذات: الحركة الأولى التي يحاول الإنسان المقهور من خلالها تجنب ما تفرضه الطبيعة من بلاء اعتباطي، وما يفرضه المتسلط من قهر متعنت، تأخذ شكل انكفاء على الذات، فينسحب ويتقوقع بدلا من مجابهته للتحديات الراهنة والمستقبلية، ويحد الإنسان من طموحاته وذلك بأن يتقبل مصيره، أو يحاول إيهام نفسه بتقبل هذا المصير؛ ومن ثم فهو يقوم بعدة أمور في سبيل إدخال شيء من التوازن إلى وجوده، وإبعاد شبح القلق الذي يلفه ومن هذه الأمور: التمسك بالتقاليد والماضي المجيد، والذوبان في الجماعة، والبحث عن ملاذ أو زعيم منقذ ليتكل عليه.

ويشكل التمسك بالتقاليد أولية دفاعية ضد قلق مجابهة المسئولية الذاتية، فهي -أي التقاليد- بما يسبغ عليها من صفات القانون الملزم، تتضمن تبريرا للعجز الذاتي عند الإنسان المقهور الذي يتخذ من قدرته على مراعاة المعايير السائدة مصدرا للكبرياء والرضا عن الذات، وأحيانا يصل به الأمر إلى التزمت في تمسكه بالتقاليد، وهو بذلك يقف ضد تغيير علاقة القهر وتطوير بنى المجتمع، وهكذا يتحول إلى أداة تخدم مصلحة المتسلط.
أما التمسك بالماضي.. فهو طريقة يبعد فيها الإنسان عن نفسه تهديد انعدام القيمة بالاحتماء بالقيمة التي كان يتمتع بها ماضيا، وفي هذا النكوص تحدث عملية تزيين للماضي من خلال طمس عثراته من جانب، والمبالغة في تضخيم حسناته من جانب آخر، ويشكل الاحتفاء بأبطال القصص الشعبية إسقاطا لأمل الإنسان ورغبته في امتلاك القدرة على مجابهة قدره، ويقوم المتسلط بتشجيع حلقات رواية القصص الشعبية لما تساعد عليه من تصريف للتوتر الوجودي، وتصريف للعدوانية -التي تهدد بالانفجار ضده- من خلال الغرق في عالم خرافي يحمل إرضاءات وهمية للإنسان المقهور.
أما الذوبان في الجماعة.. فيشيع في المجتمعات المتخلفة والمقهورة، وترتفع درجة الذوبان في الجماعة عادة على المستوى الفردي بما يتناسب مع مستوى الإحساس بالضعف والعجز وانعدام القيمة، فأكثر الأفراد ذوبانا في الجماعة وتعصبا لها هم، في معظم الأحوال، أشدهم عجزا عن الاستقلال والوصول إلى مكانة فردية، و إلى قيمة ذاتية تنبع من شخصيتهم. وتنشأ نتيجة الذوبان جماعات مغلقة على نفسها تقوم بينها وبين الجماعات المجاورة علاقات صراع وعداء وحذر واضطهاد، وتزداد هذه العلاقات العدائية بقدر تعرض هذه الجماعات لقوى متسلطة لا قبل لأي منها بمقاومتها.
على حين تأخذ الوضعية الاتكالية شكل المراهنة في خلاصه على الزعيم المنقذ؛ الذي يسبغ عليه كل صفات القوة والرحمة والكمال التي هي نقيض نظرته عن نفسه، إنه يتكل عليه بشكل كلي دون أن يعطي لنفسه دورا في السعي لهذا الخلاص سوى دور التابع المعجب المؤيد دون تحفظ والمنتظر للمعجزة، وتأتي المعجزة المنتظرة على يد قائد انقلاب عسكري يتحول فيما بعد إلى دكتاتور لتعود حالة القهر والتسلط كما بدأت أول مرة.

ب - التماهي بالمتسلط: يشكل التماهي بالمتسلط أحد المظاهر البارزة في سعي الإنسان المقهور لحل مأزقه الوجودي، وتخفيف انعدام الشعور بالأمن أو التبخيس الذاتي الذي يلحق به من جراء وضعية الرضوخ، إنه كحل عبارة عن هروب من الذات وتنكر لها، وهروب من الجماعة وتنكر للانتماء لها وتأخذ هذه الظاهرة ثلاثة أشكال:

الأول : التماهي بأحكام المتسلط، حيث يقوم الإنسان المقهور باجتياف (استدخال) عدوانية المتسلط، وتوجيهها إلى الذات على شكل مشاعر ذنب ودونية وتبخيس للقيمة الذاتية، ويوجهها أيضا تجاه جماعته حيث ينخرط في حرب شعواء على الجماعة مكدسا الأدلة من ظواهر الحياة اليومية على ضعفها وعجزها وسوئها، إنها الجماعة المستكينة التي لا يرجى منها خير، والتي ستظل أبدا غارقة في المهانة والجهل والانحطاط، وبذلك يكون قد ابتدأ تدريجيا في السير على طريق التماهي بعدوان المتسلط، وتهيأ للعب دوره تجاه الأشخاص الأضعف حين تسنح الفرصة، وعندها ينتقل إلى :

الثاني: التماهي بعدوان المتسلط، والذي يتظاهر بالاستعلاء على الضعفاء واستعراض القوة، وفي الحالات الشديدة يقوم بممارسة أشد أنواع البطش والعنف والتعذيب ضد الضعفاء، وهكذا يصبح رجل الأمن والشرطة والذي يحس بضعفه الذاتي وقلة قيمته أشد قسوة من سيده المتسلط والمستبد، إن هذا الشخص يقوم بمحاربة مشاعره الدونية بصب جام غضبه على الفقراء المستضعفين-حيث كان سابقا واحدا منهم- والذين يذكرونه بضعفه.

الثالث: في آخر أشكال التماهي بالمتسلط يصل الاستعلاء أخطر درجاته، لأنه يتم بدون عنف ظاهر، بل من خلال رغبة الإنسان المقهور في الذوبان في عالم المتسلط، بالتقرب من أسلوبه الحياتي، وتبنى قيمه ومثله العليا، وهكذا يصبح الخلاص بالنسبة إليه هو التحول من وضعية الراضخ إلى وضعية المتسلط، حتى لو كان ذلك من خلال المظاهر الخادعة، التي ربما لا تخدع سواه، أما الخلاص الجماعي من خلال تغيير البنية وقلب موازين العلاقات ضمنها، فهو لا يقتنع به مطلقا في قراره نفسه وإن صرح به وادعاه بلسانه.

ج - السيطرة الخرافية على الواقع: الإنسان المقهور، ونتيجة عيشه في ظروف من التسلط والاستعباد، يجد نفسه لا حول له ولا قوة، ولا قدرة له على التأثير في ما حوله من أحداث. هذا العجز والشلل عن الفعل يخلق توترا لديه مما يدفعه إلى انتهاج وسائل متعددة لكي يعيد لنفسه بعض التوازن المفقود.. من ذلك أنه -ولكي يسيطر على حاضره المليء بالمشاكل والأزمات- يقوم باللجوء إلى الأولياء ومقاماتهم معتقدا أن لديهم القدرة على التحكم بأحداث حياته، فيطلب العون منهم، ومن ذلك أيضا إلقاء تبعات ما يحدث له وعزوها إلى قوى خارجة عن إطار قدرته على التحكم.. كالجن والشياطين والذين يصبحون مشجبا لتعليق كل الأحداث السيئة عليه، ولإسقاط كل المساوئ الذاتية وأوجه القصور الشخصية. وأخيرا يقوم الإنسان المقهور بتفسير الأحداث السيئة في حياته على أنها نتيجة الحسد والسحر مسقطا بذلك ما يجول في لاوعيه من أفكار عدوانية ونزوات وتوترات على الآخرين، الذين "يحسدونه" ويتعاونون مع السحرة ليؤذوه. وهو لا يقتصر على ذلك فقط، وإنما يلجأ أيضا لاستخدام السحر نفسه ليرد أذى الأشرار، ولينزل الأذى بالآخرين.
أما قلق المستقبل الذي يؤرق الإنسان المقهور فإنه يدفعه إلى محاولة استشفافه ومعرفته لكي يعمل على الاستعداد له، وهو يستخدم في ذلك وسائل خرافية، طالما أن الضمانات مفقودة والتخطيط منعدم، إن التوقعات المبينة على الجهد العام والذاتي لا أثر لها في العالم المتخلف، وهكذا نجد انتشار التطير بنوعيه الإيجابي والسلبي (البشائر والنذائز) بحيث يجعل الإنسان المقهور من الأحداث الخارجية علامات يضفي عليها معنى و مغزى، ومن الوسائل الخرافية أيضا تأويل الأحلام باعتبارها دلالة تنبئ عما يخبئه المستقبل، وليس بعيدا عما سبق قيام الإنسان المقهور بالبحث عمن يقرأ له طالعه وبخته من المنجمين والمشعوذين الذين يخلطون بين العلم والروحانيات والشعوذة، ويلعبون على الإيمان الديني لطالب الحاجة لإقناعه بصحة ما يزورونه من تنبؤات مستقبلية.

كل ما سبق يجعل الإنسان أسيرا لقدرية مكبلة، تقوم بتنظيم الاعتباط الذي يحيط بوجود الإنسان: اعتباط الطبيعة واعتباط المتسلط، ويقبل المرء الاعتباط كأمر واقع، كمظهر من مظاهر قانون الكون والأشياء، وإذا استفحل الأمر يسير الإنسان خطوات أبعد من ذلك حين تتحول القدرية إلى نوع من الواجب: ضرورة قبول الأرزاء كامتحان للإيمان، وبالتالي لا يجوز التمرد عليها أو رفضها، كل ما يسمح للإنسان هو الدعاء بأن يلطف القضاء "اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه"، تلك هي وسائل السيطرة على المصير حين يتفاقم القهر ويستفحل عجز الإنسان وتنعدم قدرته على التأثير في الأحداث، إنها دفاعات تساعد المرء على تحمل مصيره بالحد الأدنى من الصراع النفسي، ولكنها تشكل بالطبع عقبة جدية في وجه النهوض لتغيير المصير كحل وحيد وفعال في نهاية الأمر، إنها تدفع بالمرء إلى الاستسلام والاستكانة للأمر الواقع، وبالتالي تعزز هذا الواقع وتحافظ على استمراريته، ومن هنا كان تشجيع الحكام والمستفيدين منه على انتشار القدرية فليس أفضل منها للحفاظ على امتيازاتهم.


د - العنف: ويختتم المؤلف حديثه عن الأساليب الدفاعية للإنسان المقهور بسرد بعض مظاهر العنف، والتي يقسمها إلى مظاهر العنف المقنع كالعدوانية المرتدة إلى الذات على شكل إدانة الإنسان لنفسه، وذلك كي يجمد الأمور ويعدم الإحساس بها، وبالتالي يخفف من قلقه وتوتر الداخلي، كما يأخذ العنف المقنع شكل عدوان موجه إلى الخارج على شكل كسل، وتخريب للممتلكات العامة، وإطلاق النكات والتشنيعات على اختلافها، كما يدخل في ذلك مختلف تصرفات الخداع والتضليل والاحتيال في التعامل مع المتسلط، وبعد العنف المقنع يأتي العنف الرمزي على شكل سلوك جانح يهدف إلى خرق القوانين، وذلك يدل على ما يعتمل باطنيا في بنية المجتمع من اضطراب، وما يتراكم من عدوانية كامنة قابلة للانفجار في ظروف معينة، إن تراكم العدوانية المزمن يقود إلى توتر وجودي وعلاقات اضطهادية يعيشها الإنسان المقهور، يتجلى ذلك بانفجار العدوانية اللفظية التي تنفجر في سيل من الشتائم والسباب، ونرى الاستخدام العنيف للسلاح أو العضلات في فورة غضب، وذلك لوجود إحساس دفين بانعدام فعالية اللغة اللفظية وأسلوب الإقناع، مما يحول الأمر بسرعة إلى الحسم السحري، العضلي أو الناري، من خلال الإخضاع. ومن مظاهر التوتر الوجودي والعلاقات الاضطهادية في العالم المتخلف توجيه العدوانية إلى جماعات خارجية من خلال التعصب العرقي أو الطائفي، وما يرافقه من ميول فاشية، إنه ينظر إلى الآخر ليس على أنه شرير وحسب، بل هو رمز الشر والسوء، ولذلك من المقبول بل من الواجب إراحة البشرية منه، فيصبح العدوان عليه مشروعا بل مطلوبا.


محمد أبو هلال
متابع غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18 - 12 - 2010, 12:18 PM   #174
.
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2004
الدولة: حيث كنت!
المشاركات: 3,446
في عينيكِ حنان العالم كله



متابع غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:23 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor