جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > الفكر والفلسفة

الفكر والفلسفة نظريات ، تيارات ومدارس ، مقالات ونقد ونقاشات فلسفية .

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 23 - 12 - 2001, 05:50 PM   #1
روائي و صحفي سوداني
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2001
الدولة: الامارات - دبي
المشاركات: 355
تفكيك العقل المستعار .. مرئيات فى الفكر السودانى "1"

كنت قبل شهور طرحت رؤية مختصرة عن الوضع الفكرى فى السودان فى "الزمان" حاولت ان اتأمل خلالها الحالة المتراخية للحركة " العقلانية " فى السودان واتقصى منابع اختلالاتها وتأخرها عن طرق ابواب ومنافذ لتفكير ينفذ من خلال المسائل السطحية الى العمق بتركيز على حزب الامة كواحد من اكبر الاحزاب واكثرها فاعلية ، وحاولت جاهدا رصد ظواهر سالبة رافقت مسيرة السياسة والاجتماع فى البلد ، ووردتنى جملة ردود ما بين ناقم ومؤيد لما ذهبت اليه ، بعضها حصر الجهد فى اطار الحزب من دون تبصّر للمدلولات التى تقود اليها حالة التأمل بحد ذاتها والتى تنطبق على المجتمع السودانى بحسب ان مكونات هذه الاحزاب هى الفعالية الجماهيرية التى نقصيها دائما من اية مسؤولية يمكن ان تلقى على عاتقها جراء سنوات طويلة لم نفلح خلالها فى التقدم شبرا واحدا ، فى حين تحمس آخرون للنقاش وان تباينت الرؤى ، واعود اليوم لمواصلة ما انقطع من تأملات بخصوص الشخصية السودانية ، فمن خطل القول تعليق كل الفشل الذى رافق الرحلة السودانية الطويلة على الانظمة " ليبرالية _ شمولية " ، وينبغى ان نقول بأن الخلل الاساس فى السودان لا يتعلق بالبنى التحتية وانما بأهم عنصر من عناصرها : الانسان !
وبعدما فككنا المنظومات السياسية فى السودان وتبيّن جليا حجم تصدعها الداخلى ومهارة التطبيب الذى تمارسه النخبة المتواطئة على الدوام لاظهار الحال بعكس ما هى عليه وتضخيم الرؤى السياسية باحالتها الى "الفكرى" رغم خلوها من المؤشرات الفكرية الواضحة وانحصارها فى اطار الجهد الاستقطابى المرحلى ، يتوضح ما نحتاجه من جهد لتفكيك رموز الشخصية السودانية المسؤولة عن هذا الترهل ، فاسئلة جوهرية قد تقود باحثين الى فهم العلاقة الجدلية بين حالة التراخى والشخصية التى ترفده بعوامل التضعضع والخمول ، فالتشوهات التى لحقت بأجيال تالية توّلدت عن انتقال خبرات غير مدعومة برؤى نقدية من اجيال سالفة ، فتعاطى الاجيال مع بعضها عملية تلقينية بالكامل تتمحور حول محاور سبق ذكرها " شيخ الطريقة _ المدرسة _ الاب _ زعيم الحزب " او يمكن القول بأنها دينية ، تعليمية ، اجتماعية تفرّخ اجيال غير قادرة على وضع لمسات حداثية عبر اتجاهات وطرائق جديدة للتفكير فيما عدا التقنية ، اى ان الذهنية نفسها استبطنت النسق المتكامل المضمر فى انسجة المجتمع المستلهم للتراث الدينى والثقافى والاجتماعى ، متى ما خرج خارج عليه تداعت اليه الفئات والتكوينات الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية لتجريده من اسلحته ومحاصرته ، على مستوى الفكر دلل التواطؤ الذى مارسناه بحق الشهيد محمود محمد طه الى ازمة حقيقية فى الفكر ، افرغ دعاوى "الحق الانسانى " والجدل الحضارى من محتوياتها وخلّف واقعا قاتما يتضامن مع النسق ولا يخل به ، وعلى المستوى الثقافى برزت تيارات داعية الى هدم النسق " العروبى " _ "الافريقى" وبانية لتمازج تتقبله العقلية المتصلبة فى الجنوب والشمال ، قاده محمد عبدالحى وصلاح ابراهيم فيما يعرف بمدرسة " الغابة والصحراء " بوعى عميق بطبيعة التكوين الرافض لمثل هذه التذويبات ، اعجب الكثيرون بنسقها المغاير على مستوى اللغة والغرائبية التى تمتعت بها اعمالهم الشعرية والنثرية الا انهم استبطنوا مخالفة لها على ارض الواقع ، وسعى د. الطيب زين العابدين لتطويرها فيما اسماه ب " السودانوية " التى كان يمكن ان تتطور ، ولم تكن المعسكرات الثقافية المتناحرة بعيدة عن رصد تجربته لنحرها فى مهدها اذ سرعان ما تشكلت " مدرسة الواحد" فى التشكيل السودانى مستبطنة ذاكرة اسلامية وعروبية تتماهى تماما مع التيارات الاسلامية والعروبية واتضحت الحلقة تماما بعد تنفيذ "الاسلاميين" لانقلابهم الفكرى الاجتماعى فى السودان صبيحة الجمعة 30 يونية 1989 م ، فالانقاذ لم يكن حالة من رفض الفعالية السياسية ما قبل 1989 م فحسب ، وانما تعدى ذلك الى محاولة " اعادة صياغة الشخصية " ، لكن الاسلاميين ارتكبوا "مجزرة" بحق التطور الفكرى فى السودان بأعتبار ان السودان اقليما ثقافيا اسلاميا وعربيا ، وهم الغوا بذلك التلاقحات الحادثة بين التيارات التى كانت تكافح للتعمق فى بطن النسيج السودانى ، انحصر الجهد الانقاذى فى توطين " العروبة والاسلام" بابتسار المكونات الخاصة بكل شعب وقولبة التاريخ والحاضر السودانى فى الاتجاه ذاته ، مؤاد ذلك ان التعبير عن الالتصاق بالثقافة الاسلامية والعربية وعزل ما سواها اضحى جزء من المظهر العام لسنوات الانقاذ ، وتعدى ذلك ليتجذر فى الخطاب السودانى ، وكانت المآلات بحق مدمرة لكل النتائج التى تحققت سابقا فى اتجاه تذويب الشحنات العاطفية والنفسية المتبئرة فى الثقافة والوعى باتجاه بناء تكوين ثقافى وطنى يحوى ملامح متعددة تسمح بجدل الانا والآخر داخل ماعون وطنى يتسع لها ، الا ان الماعون الانقاذى اتسع لمفاهيم سربت شعورا بالاقصاء لدى الثقافات المهمشة فقويت نزعاتها للتعبير عن ذاتها وبنفس الطريقة المبتسرة للانقاذ ، اذ ان شكل التعبير شابهه نقص فى الجهد الفكرى الخلّاق الذى يستدعى شروح عميقة لطبيعة التكوينات المتمرحلة عبر التاريخ وتماساتها وقدرتها على الابقاء على عناصرها المتوهجة ومدى تداخلها مع "العام " المفقود تماما ، فالعام حالة مبهمة تجاهد الاطراف كافة فى الاستئثار بها وابتسار معناها الشمولى فى قالب ضيّق تحشر فيه ثقافة بعينها وتتوّج كثقافة "السودان" ، كان للباحث السودانى محمد جلال هاشم جهد يتسم بالمثابرة بخصوص "المركز والهامش" الا ان هاشم لخّص المشكلة فى استثمار الوسط لفرص النهوض الاقتصادى والسياسى والتعليمى وتواجد الوسائط الاعلامية ليبشّر بالمشروع الثقافى السودانى باعتبار انه مشروع الوسط المعبر عن الاتجاهات كافة ، مهمشا ما اعتبره جلال هاشم ثقافات تعانى العزلة والاقصاء ، هذا اثر محسوس فى الثقافة السودانية ويصح حتى ربطه بالسياسى كما فعل هاشم فى ربطه الامر ب " ثقافة ام درمان" التى تناسلت عن المهدية وتطورت بفعل الانصهار السكانى لكنها تشوّهت حين عجزت المجاميع الثقافية عن التعبير عن كينونتها ومسخت بفعل الظاهرة الامدرمانية التى ترسخت فى الوجدان السودانى كثقافة معبرة عن السودان بأجمعه ، لكن هاشم على الرغم من وجاهة طرحه لم يتطرق لعوامل حفرت تاريخيا للأمر وصيّرته واقعا معاشا فى ثقافة السودانيين وذاكرتهم الجمعية ، والافتراضات بنشوء الظاهرة الامدرمانية بناء على تواطؤ مورس من قبل ارباب هذه الثقافة هو ضرب من الخيال فالتراكمات فى اللا وعى الامدرمانى هى وحدها التى كفلت بريق ثقافتها وسطوتها على ما عداها ، ويصح تطبيق النظريات الحديثة فى التفكيك والتحليل الثقافى للحصول على نتائج من خلال تشريح "اللاوعى" الذى افرز تجربة لا تخلو من وجوه حسنة ، فان كانت تجربة ام درمان مشوّهة فهى اعطت مؤشرات لامكانية تلاقحات لاحقة وتعبيرات متمازجة من دون تغليب عنصر ثقافى على آخر ، فالواقع الذى افرز ام درمان لم يكن ديموقراطيا على المستوى السياسى فأنى له ان يفرز تجربة ديموقراطية على الصعيد الثقافى ؟ وواحد من ابرز من يعدون مدافعين عن ام درمان " الصادق المهدى" لاعتبارات تاريخية وسياسية وثقافية ، عدل عن ارائه المجحفة بخصوص الثقافات الاخرى " غير العربية " التى طرحها فى الستينات والسبعينات الى رؤية اكثر شمولية بخصوص ثقافة سودانية فضفاضة وقادرة على ملامسة كل الروافد التى تغذى التيار العام باعتبار انه يتكون من مجاميع ثقافية متعددة وان التعدد وحده هو المعبّر عن ثقافة سودانية ، لكن "المهمشين" يذهبون بعيدا حين يلحون على تجريد الثقافة السودانية من بعدها الاسلامى والعربى تماما ، ويركزون على تهميش الثقافة الجنوبية متناسين حقيقة التهميش الذى تعانيه ثقافات اخرى مثل " الانقسنا" و " البجة " وغيرها . المقابلة بين " الاسلامى العربى " و" الافريقى المسيحى" التى يلّح عليها البعض تنقل الصراع دفعة واحدة الى مدارات العملية السياسية المباشرة وبتواطؤ مع عناصر الاشعال السياسى فى الشمال والجنوب مستبعدة عناصر اخرى لم تصل الى سدة الحكم ولم تشهر السلاح فى اطار معارضاتها للحاكمين ، والى هذا يعزى رفع مجاميع ثقافية اخرى " مثل البجة" السلاح تعبيرا عن رفضها للاتجاهات الغالبة برغم تآخيها السياسى مع الحركة الشعبية التى تمثل واحدة من التيارات المعبّرة عن المزاج الجنوبى رغم دعاويها بالعمل على ايجاد "سودان جديد" يتمثل فيه كل السودانيين ، الا ان الحلقة الاقوى لتكوينها افريقية محضة ، وبرزت اتجاهات داخل الحركة لاستصحاب الرؤى المغايرة ثقافيا لكنها تعطلت بفعل المماحكة الانقاذية التى ابرزت "الاسلامى والعربى" بصورة دعت المكونات الاخرى للثورة الى درجة انها شرعت فى استئصال الآخر مثلما مورس ضدها اقصاء بواسطة التيار الذى تغلّب ومثّل ذروة الانجاز الاسلامى والعربى فى السودان وان لم يعبر عنه بالشكل المطلوب ، الورطة : ان المزاج السودانى انقسم الى تيارين عريضين توافقا وتواطآ مع الافريقى المسيحى او العربى الاسلامى فحسب ، ومآلات هذا الجدل المختزل مزيد من البعد عن ترميم التشوهات واحداث اختلالات اخرى تكرّس لحالة جديدة تحل ثقافتين متصارعتين كنسق سودانى محل ثقافة واحدية طاغية ، اذن فان طبيعة الثقافة المنتظرة لا تختلف كثيرا فى حدتها وانغلاقها عن الثقافة التى يستهدف اجتثاثها ولا يستبعد ان تتواطأ الثقافتان لاقامة نسق متجزىء يعبر عنهما ويبتلع الثقافات الاخرى ، والاحتشادات الحادثة الآن تتمحور حول شروط عاطفية محضة وتبعد تماما عن العقلانية ما عدا النذر القليل ، فكشوفات ثقافة "السودان" تستدعى انثيالات ماضوية تطرق بوابات مروى وسنار وكرمة وتعيد النظر فيما خلفته الحضارات القديمة من نقوش وحفريات على الذاكرة الجمعية ، وتنحو للبحث عن المكامن الحضارية الباقية من حضارات الغرب والشرق ودراسة الآثار المتبادلة بين الحضارات السودانية والاخرى فى الاقليمين الافريقى والعربى ضمن التيارات الشعرية الحديثة التى برزت فى السودان ، ونعود للتحدث عن تيار " الغابة والصحراء" الذى كان له اثر كبير فى التذكير والايحاء بأن الامتزاج العربى _ الافريقى فى السودان هو الاكبر اثرا على الوعى السودانى ، وانه يحتاج لمزيد من النبش والتقصى بهدف الابانة والترسيخ ، فالمدلولات العميقة لقصيدة " العودة الى سنار" للشاعر السودانى محمد عبدالحى تستنطق شواهد ثقافية واجتماعية غائبة عن المخيّلة السودانية وتستدعى اساطير تاريخية ، لكن هل تجاوزت قصائد عبدالحى وصلاح احمد ابراهيم لدى المتلقييين اثر الدهشة الشعرية والمتعة الادبية الى الحفر العميق فيما وراء استنطاقات الشعر ؟ فى الفن التشكيلى كانت الصورة اكثر اتضاحا وانسجاما مع الشواهد التى تقفاها الفنانون السودانيون ليبرز تشكيل سودانى محض مثّل ارفع الفنون السودانية على الاطلاق واعاد افتراضات الاسئلة رغم اثره غير الواضح على الشارع السودانى المنجذب " بطبيعة ثقافته العربية " فى الغالب الى الشعر والفنون النثرية اكثر من الفنون البصرية ولعلها علامة فارقة على ان التكوين السودانى ذا الجذور العربية _ الافريقية التى ربما افضت الى قالب سودانوى _ كما يشير اليه الطيب زين العابدين _ وهو تشكيلى ، غير قادر على التواؤم مع مكوناته المتعددة وينزع الى ترسيم مشهده الثقافى بتغليب العروبية ، خلفيات هذا التكوين تشير الى الذهنية التى تراكمت عليها الرموز العربية وحدها وبصورة اكثر وضوحا _ المهدية _ وما تلاها من استحضارات البنية الدينية والثقافية العربية التى ترفض امتداداتها الى تاريخ " وثنى" يتمثل فى مروى وسنار والنوبا وغيرها ، وكان للأثر الصوفى على العقل السودانى فضل توجيهه الى التعاطى مع عناصر بعينها وحضور الدور الوجدانى والروحى اكثر من التجسيد والمشاهد البصرية التى تميّز النسيج الثقافى الافريقانى المحض ، ويلقى بعض الباحثين باللائمة على باحثين وآثاريين آخرين لكونهم اغفلوا دراسة التاريخ السودانى الورائى وانهمكوا فى التنقيب عن الحضارة الفرعونية من دون ربطها بجذورها المتشعبة التى تمتد الى السودان والحبشة واواسط وغربى افريقيا ، فالامريكى " كريستيان جاك " يبحث هذا الامر فى كتابه الموسوم ب " الفرعون الاسود " The black pharaoh مقررا بأن نشأة الحضارة الفرعونية كانت فى شمال السودان وان الفترة التى حكم خلالها فراعنة سودانيون الارض المصرية وامتدت الف سنة حدث خلالها تداخل كبير واواصر حضارية يصعب فصلها ، ويقرر اكثر من ذلك ان الحضارات التى سادت شمال السودان كان لها الفضل فى استقرار حضارات الشمال ، وعلى الرغم من ان حدود الدولتين كانت فى الغالب غير واضحة ، الا ان "نب" ارض الذهب التى اغرت بعدا محمد على باشا بغزوها وضمها الى مصر لتتكون حقبة تاريخية حديثة اسقطت ما سبقها ، الممتدة من شمال السودان الى جنوب مصر وترتاح على الضفاف النيلية مليئة برموزها القديمة وترابها المشبع بالتاريخ وجبالها الموسومة برسومات واحجارها المنقوشة بطلاسم الاسلاف ، هى بلاد لها خصوصيتها الحضارية ولغتها المميزة ، يسمونها فى الانحاء الشمالية للسودان والجنوبية لمصر " الرطانة " ويقصدون بها العجمة تمييزا عن العربية وتتمسك قبائل عدة " الدناقلة ، المحس ، السكوت ، الحلفاويين ، الكنوز " وغيرها من العناصر المكونة لقبائل النوبة فى المنطقة بالرطانة اضافة الى الارض ، ويوصمون الوافدين من الجزيرة العربية " بالعرب" الذين يقيمون على اطراف مدنهم وقراهم كناية عن قلة الشأن ، فالنوبى شديد الاعتداد بأصوله " ككائن نيلى" منتم للنيل بينه وبين الصحراء خصام ، ولم تقلل السنوات الطويلة لامتزاجهم بالعرب من شعورهم بالرفعة ، ورغم تعمقهم فى الديانة الاسلامية وحرصهم على اداء فرائضها الا ان الواقع الماثل يدلل على تمسكهم بعادات وثقافة ممتدة الجذور ، تعبر عن عراقة غير قادرة على التواؤم مع الجديد ، رغم قبولها بها وكأن تماسات غامضة تشدهم الى تاريخهم على قلة معرفتهم به ، فزيارة العروسين نهر النيل ليلة الزفاف ، وطقوس ختان البنات ، والمظاهر الاحتفالية التى تصاحب زيجاتهم ، والاخرى الحزينة التى ترافق اتراحهم ، وانحصار معظم النكات التى تباعد ما بين الانسان والاسلام فى السودان فى عنصر من عناصرهم هو " الحلفاويين" تشير الى اعماق مسكونة بحضارة عظيمة ولا تدل الى قلة عناية بالتدين ، بقدرما تربط نمط التدين ذاته بصور ثقافية ماثلة منذ القدم فى رقصاتهم واهازيجهم ، اللغة النوبية التى تكافح الا تنقرض بفعل الاهمال وقلة المبالاة بدراستها وتمحيصها رغم ما تبذله جهات بحثية واهلية من جهود لتدوينها وتسطيرها لغة مكتوبة تستطيع الاجيال التعامل معها ويمكن من خلالها تفكيك ما خلفته الحضارة النوبية من كتابات ومخلفات متناثرة على مرمى حجر من النيل الذى ارتبط به النوبيون ارتباطا مباشرا ، واحدة من اقدم اللغات فى الارض رغم انها لغة محكية فقط الى الآن ، وتشير دراسات آثارية وعلمية الى ان فلاحة القمح انطلقت من ارض "نب" اضافة الى آلات زراعية خاصة بهم " الساقية _ الشادوف " ولم يتخل النوبيون عن استعمالها فى سقاية النخل والقمح والفول المصرى والعدس الا بعد امتلاكهم للتقنية الحديثة ، ويعكف باحثون فرنسيون منذ 1960 م على دراسة الشواهد التاريخية والحضارية بمناطق دنقلا العجوز " وبها اول كنيسة سودانية حوّلت الى مسجد كان هو الاول بالسودان " وكرمة وكريمة ومروى رغم ما يحاصر آثار النوبا والمقرة من تجاهل رسمى تركها للحيوانات السائبة ولصوص الآثار بما يمكن ان يجعل من واحدة من اعظم الحضارات الانسانية عرضة لضياع اهم الخيوط المؤدية لتفكيكها ، والجهد السودانى فى هذه الناحية لا يرقى لدرجة امكانية العثور على شىء مفيد ، فالعقل السودانى نفسه لم يظهر الى الآن عناية بحضاراته القديمة وحصر جهوده فى اجترار التاريخ الانجلوسكسونى بالسودان ومناوراته مع المهدية ، وهذا يستدعى تضافرا لجهود تدعمها منظمات عالمية مختصة من اجل الكشف عن حلقة من اهم الحلقات الانسانية ، كانت لها اتصالاتها بحضارات بعيدة ، يقرر باذل ديفدسن فى كتابه " افريقيا تحت اضواء جديدة " بأن آنية من الآنيات المعروضة فى المتحف السودانى باعتبارها راجعة للحقبة المروية تحمل زخارف صينية ! ديفدسن ينبه العالم الى ان " لمروى على الانسانية ان ترعاها وان تكشف ما فى بطونها من ذخائر ، انها من اعظم ما خلّف العالم القديم ، والتاريخ الذى تحتويه ، شطر من تاريخ الانسان جليل القدر علينا ان نجلوه ، فالواقع الذى لا يزين الآن ، هو اننا لا نعرف عن الحياة التى عاشها الانسان فى مروى وسائر مدن كوش ، اكثر مما عرفه هيردوتس قبل 14 قرنا " وما مروى الآن الا مدينة بائسة يغير عليها النهر اثناء فيضانه وتتجاذبها رمال الصحراء الجامحة فى سطوتها التى تذرو الغبار على كنوزها الغائبة فى بطن الارض ، وتحتوى على اهرامات ملوكية لا تقل ابداعا هندسيا عن رصيفاتها فى الجيزة الا بصغر حجمها ، وحدثنى باحث سودانى فى منتصف التسعينات بملاحظة جديرة بالتأمل مفادها ان الاهرامات السودانية المصرية متدرجة من الاصغر فى اقصى نقطة فى الجنوب الى الاكبر فى اقصى نقطة فى الشمال وان هذا الامر لا يمكن ان يكون قد جرى اعتباطا ، وانه يمثّل رؤية عميقة لبناتها وربما لو افاض الباحثون فى دراسة الظاهرة لخرجوا بكشوفات عظيمة دللت حتى الى ما خفى عن اهرامات "خوفو ، خفرع ومنقرع" ولا شك ان بينها وبين تلك التى فى الجنوب علاقة غامضة رغم تناغم بنائها الهندسى فى الجنوب والشمال ، اضافة الى معبد الشمس فى رمال مروى الذهبية الذى بدوره يطرح تساؤلات عن الآلهة المعبودة لفراعنة الشمال والجنوب ومدى الانجاز الحضارى الروحى فى تلك الفترة واستقرار مدنيتهم ردحا طويلا من الزمان فى مروى قبل ان يتناساها العالم ، ويرصد دافدسن ثلاثة مراكز اساسية للحضارة الافريقية فى مصر والسودان وليبيا ، لكنه يقرر بأن شغل الحديد انتقل الى عواصم مصر وليبيا من " بيرمنجهام افريقيا " قاصدا مروى ، نقلته الحضارة الليبية الى اعماق القارة السوداء ، اذن فكشوفات مروى فيما لو اهتم الباحثون بدراسة روابطها بمصر وليبيا انتقالا الى نيجيريا والكونغو واواسط افريقيا سيقود حتما الى كشوفات جوهرية بخصوص حضارات افريقيا القديمة وارتباط جذورها ، الا ان دورة الحضارة تتغير ، فمن مروى انتقل الحديد الى افريقيا مثلما نقله الحثيون الى سواحل المتوسط وجنوب اوروبا خلال العصر البرونزى ، فيما نقل الفينيقيون شغل البرونز الى اعماق القارة السمراء ، يلوح هذا التاريخ المتشظى فى رواية مريود " للطيب صالح " بحكم تلاقحه مع العناصر المكونة لشمال السودان ، وفى معظم اعمال الروائى الليبى ابراهيم الكونى ، نقطة الاختلاف هى ان عالم الكونى هو صحراوى يبحث فى حضارة الصحراء بينما واقعية صالح السحرية واساطيره هى قربية من النيل ، لكنما ثمة ارتباط بين النسيج المتداخل مع غياهب التاريخ ، الجهود التى بدأها دكتور جان فيركوتير الذى كان مديرا لمصلحة الآثار السودانية ، ورايزنر وجرفث وغيرهم ممن لفتت مروى والكرو والبركل انظارهم خليقة بأن تدعم بجهود مثلبرين فى هذا الصدد ، خاصة وان بعض الاعمدة الرخامية المروية تتناثر فى ارجاء سهل البطانة ليس بعيدا من سنار التى هى بدورها تمثل حضورا كبيرا فى تاريخ الحضارات السودانية ، فهل ثمة ارتباط بين كوش وسنار ؟ المسألة ليست فى ان يبحث السودانيون عن مصادر لزيادة دخلهم القومى عبر السياحة ، او حتى اكتشاف حلقة من حلقات تؤكد صدارتهم الحضارية ذات يوم بما يحفز طاقاتهم لاستعادة مجد ضائع ، وانما هى مسألة نبش امين فى تاريخهم للحصول على حلقات كاملة تقودهم لاكتشاف ذاتهم وتبرهن على تواصلهم واتصالهم الحضارى وتلقى ضوءا على الشخصية السودانية التى باتت عربية محضة من غير اسس راسخة لهذه "العوربة" التى لا يمكن ان تؤسس وحدها لشخصية تاريخية تتقاطع فعلا مع غيرها وتتواصل مع تاريخ نابض اسهم فيه العرب كما اسهم غيرهم . وما يقال عن مروى والنوبا ينطبق على حضارات اخرى سادت السودان خلال حقب متعددة يغفلها الآن دعاة الافريقانية والعروبية من غير تدبر لتأملات قد تستنطق الشواهد الذاخرة وتدعّم فرضيات مبثوثة فى الثقافة السودانية تشير الى تعدد المنابع وتلاقيها وتمازجها فى نسيج غير قادر على تبيين ملامحه الاصلية فاضطر لاستعارة "شخصية افريقية محض" او آخرى عربية محل الشخصية "السودانوية " التى تتطلب جهدا لابانتها واستنطاق رموزها وتاريخها .
__________________
لست على رأيك ،،،، لكنى على استعداد لأن اضحى بحياتى من اجل ان تقول رأيك
,,,،،،, (( فولتير ))
خالد عويس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:46 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor