جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > المنتديات العامة > المحور

المحور حين ترهقنا القضية ويمزجنا الحوار

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 18 - 06 - 2006, 01:36 PM   #1
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444
فلنعد إلى القانون العثماني بقلم المفكر اليمني د. أبوبكر السقاف



http://www.al-shoura.net/sh_details.asp?det=3809


1 - أعدم الشهيد محمود محمد طه بتهمة الردة عن الإسلام في 1985/1/18، وكان ذلك من أعمال «الإمام» جعفر النميري، الذي قال عنه الترابي مجدد هذه المائة(1)، في إشارة الى حديث شريف يعتبره بعض المدققين موضوعاً، إذ يرد فيه أن الله يقيض للأمة من يجدد دينها كل مائة عام. وسقط نظام «الإمام» الذي بايعه الترابي بعد 76 يوماً من إعدام الشهيد الذي كان في السبعين من عمره.


وبعد ذلك بسنوات قال الترابي أن حد الردة يجب أن لا يعمل به لأنه ليس من صحيح الإسلام، وثارت ثائرة رفاق دربه، ورأوا في ذلك خروجاً عن الإسلام.


إن ما اعتبر جريمة في أقوال الشهيد، في كتابه «الرسالة الثانية من الإسلام» وتدور على فهم يحاول تطوير التشريع الإسلامي بالتوفيق بينها والعصر. وقد بدأ من الحقيقة المعروفة أن آيات القرآن، وكذلك الحديث والسنة قسمان أحدهما مكي والثاني مدني. ورأى الشهيد أن إمعان النظر في المرحلتين يقود الى جعل الأصل في المرحلة المكية، فهي التي تقرر وتؤكد الكرامة الأصلية للبشر كافة، دون أي تمييز أو اعتبار للعرق أو الجنس (النوع) والدين، وكذلك المساواة بين الرجال والنساء، والحرية المطلقة لاعتناق أية عقيدة دينية، وكان رفض الاكراه في الدين واضحاً في هذه المرحلة، كما أن الدعوة اليه ترتكز على الكلمة والموعظة والحكمة، أي على الإقناع بالحجة المنطقية والاحتكام الى العقل.


يرى الشهيد أن هذا المستوى السامي من الرسالة لم يستطع المشركون من قريش الارتفاع اليه، فعلق، وجاءت المرحلة المدنية التي كانت أكثر واقعية وطبقت أحكامها. بيد أن ذلك لا يعني أن نصوص ومضمون المرحلة المكية ألغيت، وإنما تأجل تنفيذها.


وقدم الشهيد حجته المحورية عندما ناقش فهم الفقهاء المؤسسين لفكرة النسخ، فرأى أن التوفيق لم يحالفهم في هذا الفهم، إذ فهموا أن النسخ في المرحلة المدنية يلغي نصوص الفترة المكية كافة، ويرى أنه لا يمكن أن تكون هذه النصوص الأقدم غير مطبقة الى يوم الدين.. وأبد الآبدين، ولو كان هذا صحيحاً لما كان هناك أي معنى للاتيان بها.


والنسخ على الطريقة التي فهم بها يحرم المسلمين من أسمى وأفضل المبادىء في دينهم ويرى أنه أولى بالمسلمين اليوم أن يعودوا الى الفترة المكية وكأن التأويل هنا عنده يسير في اتجاه معاكس للرأي السائد، ويرى أن هذا سيقود المسلمين الى إصلاح قوانينهم، «ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها» البقرة:106، وقرر أن معنى أو ننسها أن نرفعها ونؤجل حكمها، وهذا ما نجده في تفسير الطبري:


وقرأ ذلك آخرون أو ننسأها بفتح النون وهمزة بعد السين، بمعنى نؤخرها، من قولك نسأت هذا الأمر أنسؤه نسأ ونساء اذا أخرته. وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين وقرأه جماعة من قراءالكوفة والبصريين. فتأويل من قرأ ذلك كذلك ما نبدل من آية انزلناها اليك يامحمد فنبطل حكمها ونثبت خطها أو نؤخرها فنرجئها ونقرها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها، نأت بخير منها أو مثلها.


2 - في نيسان المنصرم تحدث الترابي مرة عبر العربية، وأخرى في جامعة الخرطوم، أكد فيها على مساواة المرأة بالرجل في ما يخص الزواج من الكتابيين وفي الميراث والشهادة والإمامة، وندد بالأفكار التي لا تمت الى الإسلام بصلة، وكذلك بالترهيب، مثل القول بعذاب القبر، والحديث عن علامات الساعة مثل ظهور المسيخ الدجال ودابة الأرض، لأن القرآن لم ترد فيه آية تدل على قيام الساعة، بل إن ما ورد فيه يؤكد انها تأتي بغتة. وقد وصف تحريم زواج المسلمة من كتابي بأنه «مجرد أقاويل وتخرصات وأوهام وتضليل الهدف منها جر المرأة الى الوراء» وكرر القول نفسه في مسألة شهادة المرأة، فهي عنده تعادل شهادة الرجل. كما أن المقصود بالحجاب كما ورد في القرآن هو تغطية الصدر وليس الرأس. ودافع عن إمامة المرأة(2) للرجال وتقدمها الصفوف للصلاة اذا كانت هي الأكثر علماً، مستنداً الى أنموذج السيدة عائشة بنت أبي بكر التي عرف عنها أنها أغزر علماً وفقهاً من العديد من الرجال.


وتدور منذ نحو عامين رحى حرب الفتاوى، وكان نصيب مسألة زواج المسلمة من كتابي(3) هو الأوفر، فأدلى مفتي السعودية بأن الأصل تحريم من غير المسلمين إلا في حال الاستثناء، كما في الآية «والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم» أما القرضاوي فقد وجد ضالته في ضعف المرأة الذي قد يؤدي الى تأثرها بزوجها وخروج ابنائها عن ملة الإسلام، أما عبدالمعطي بيومي فقد رأى أن زواج المسلمة من غير مسلم مناقض للقرآن والسنة والاجماع. أما عبدالصبور شاهين رأس المحتسبين على الزميل نصر أبوزيد، فقد أصر على أن «وليضربن بخمرهن على جيوبهن» تعني أن الحجاب(4) يمتد من الشعر الى الصدر. ولم يلتفت الترابي ولا محاوره أن مسألة تغطية الشعر هي في الأصل نص في التلمود يقرر أن شعر المرأة العاري مثل جسدها العاري.


أقام الشيخ محمد عبدالكريم عضو هيئة علماء السودان دعوى قضائية بناءً على المادة 125 من القانون الجنائي السوداني ضداً على الترابي لإقامة حد الردة عليه، وأصدرت الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة في السودان بياناً في كتيب بعنوان: «الموقف الشرعي من أباطيل الترابي» اتهمته فيه بامتطاءظهر التيه المؤدي الى الزندقة. وطالبوا باستتابته حتى يعود الى الإسلام.


أما الأصوات التي ارتفعت للدفاع عن الاجتهاد والتجديد فقد جاءمعظمها من الدنيويين العلمانيين والليبراليين مثل الفلسطيني خالد الحروب والأردني الزميل صالح قلاب فرأوا في أقوال الترابي إصلاحاً يحتاجه المجتمع الإسلامي. كما أن أحد شيوخ الحركة الإسلامية في السودان رأى ان الترابي «يتصدى لعلماء النصوص التقليدية، العلماء الذين دخلوا نفق النصوص الفقهية ولم يخرجوا منها أبداً رغم تطور وحركة الحياة والظروف».


إن الموقف السائد بين دعاة ووعَّاظ الإسلام السياسي هو رفض التجديد، وسبب ذلك إنما هو سياسي بامتياز، فمنذ الاختلاف على ما بدا أنه من القضايا الميتافيزيقية بين أصحاب الفرق الكلامية كان في جوهره دنيوياً سياسياًحتى في مسألة الصفات، لأن ترجيح هذا الرأي أو ذاك يتبعه تقرير حكم سياسي يتصل رأساً بقضية الخلاف الأولى التي سُلت عليها السيوف، كما قال الشهرستاني في الملل والنحل، ألا وهي الإمامة أي السياسة. وممثلو الإسلام السياسي جعلوا الدين في عصرنا ايديولوجيا أي رأياً سياسياً، ولذا فان الهدف الأول في ما يبحث ويفسر أو ما يخضع للتأويل ليس المعرفة التي تثمر فهماً ثم عملاً صالحاً، بل الحكم والسيطرة، ويصدق هذا على كل الايديولوجيات، وهذا الموقف أو المنهج المعرفي مقتل الفكر السياسي وكذلك الفلسفي، فهو وراء البحث المحموم عن ما ينفع في فكر الماضي والحاضر للاستفادة منه في دعم الرأي - الموقف السياسي. فنحن لم نبدأ بالحقيقة المحررة، التي يقول عنها ماركس إنها ثورية دائماً، بل أخضعنا تراثنا وموروثنا وكذلك تراث الغرب لما نظن أنه المفيد، فانتجنا براجماتية أشد قصوراً من البراجماتية الأمريكية، لأن الثانية مؤسسة على نظر فلسفي عميق في الفكر الفلسفي الغربي عند بيرس وجيمس وديوي، بينما تقميش الباحثين منا يبدأ من البحث عن المفيد هنا وهناك ويضرب عرض الحائط وطوله بالتاريخية وشروط إنتاج المعرفة.


3 - رفض الشيخ عبدالعزيز جاويش في كتابه (الإسلام دين الفطرة) أن يكون حد الردة من الإسلام، وذلك في اربعينيات القرن الماضي، ثم تردد هذا الرأي غير مرة في السبعينات فلقي ردوداً غاضبة غضباً جامحاً كان آخرها تخوين وتسفيه جمال البناء المجتهد الشجاع، لأن الفكر عامة والسياسي خاصة كان قد دخل مرحلة جديدة اتسمت بالنكوص فأنكرت معظم إن لم يكن كل ما جاءت به حركة الاحياء ثم الإصلاح أو التجديد الديني، الذي لم يكتمل حتى الآن. وأصبح التكفير على يد المحتسبين من ممثلي الإسلام السياسي أيسر من التنفس فعانى كثيرون قتلاً ونفياً وحصاراً وطرداً من الوظائف وتطليقاً، وبلغنا نهاية المسخرة في نيسان المنصرم عندما قال مفتي مصر جمعة بتحريم نحت التماثيل ونصبها.. وتناقش الصحف والمجلات هذه القضية، علماً بأنها مسألة قد حسمها للمرة الأولى أبوسليمان المعروف بأبي علي الفارسي، النحوي المتوفي في بغداد 377هـ 987م، وان رفضها بعد ذلك بعض الفقهاء ولا سيما الحنابلة منهم، وتؤكد الممارسات الفنية لمئات السنين من الاندلس حتى فارس والهند على أن التحريم إنما كان منصباً على نحت التماثيل للعبادة.


إن قضية القضايا هي أننا لم نعرف عصر نهضة، ثم إصلاحاً دينياً، ثم تنويراً، وهو السياق الذي حدث في الغرب، ذلك لأن الغرب عندما عانى وخاض كل تلك الآفاق الفكرية والعلمية وارتاد عوالمها باحثا ًومغامراً، بلغ التسامح الديني، واعتماد العقل وحده في معرفة الإنسان والكون والمجتمع، وبعد أن سالت دماء غزيرة على امتداد قرون، تصالح مع نفسه وتاريخه.


كان الأفغاني ومعه محمد عبده يطمح الى تحقيق ثورة بروتستانتية في الإسلام، وهو الطموح الذي صرح به الشهيد علي شريعتي داخل الإسلام الشيعي. ولم يحدث هذا حتى اليوم في الإسلامين السني والشيعي، ولم نتصالح حتى اليوم سنة وشيعة، كما لم نتصالح مع العالم من حولنا، ويخوض بعضنا اجتهاداً مدمراً للنفس ورفضاً وقتلاً للآخر مسلماً أو غير مسلم.. وذروة هذه القطيعة مع العالم ومع اللحظة الكلاسيكية الرائعة في تاريخنا شعار «حياتي سلاحي».


4 - صدر في تركيا في العام 1858 القانون الجنائي، فألغى الردة بما هي جريمة، فأسس بذلك مبدأ الحرية، وحطم قيد القيود عليها، ذلك لأن لوي عنق الوقائع والأقوال وتقرير تحقق الردة فيها كان ولا يزال هو السيف المصلت على الفكر في الفروع قبل الأصول، ولذا فإن الجهود يجب ان تنصب على المطالبة باحياء هذا القانون، الذي سنته دولة الخلافة، التي قامت لاحيائها كل حركات الإسلام السياسي منذ ظهور حركة الاخوان المسلمين في العام 1928 التي أحيا مرشدها العام في نيسان الماضي الدعوة الى اقامة الخلافة في حديث نشرته «روز اليوسف»، وأبدى استعداده فيه للقبول بخليفة ماليزي الجنسية. الخلافة هي الهدف النهائي لكل فرق الإسلام السياسي: التبشيرية، والسياسية، والجهادية.


عاش المسلمون منذ العام 1858م في أصقاع الدولة العثمانية المترامية الأطراف في ظل هذا القانون، وهو بلا شك من مقدمات الدولة العلمانية بعد إلغاء الخلافة العام 1924 على يد أتاتورك- مصطفى كمال، الذي غلَّب القومية على الدين لانقاذ وطنه، بعلمانية عسكرية شرسة، لم تفكر لحظة في أن تكون ديمقراطية أو ليبرالية فهبطت من أعلى على غرار إصلاح بطرس الأكبر في روسيا.


لم تختف المسيحية بعد الإصلاح الديني والعلمنة في اوروبا وامريكا واستراليا وامريكا اللاتينية. وعدد المسلمين في تزايد مستمر، ولذا فإن الخوف من احياء هذا القانون في الدول العربية والإسلامية، ليس إلا دليلاً آخر على أننا لم نعد واثقين في النزعة الكونية التي اتسمت بها المسيحية والإسلام.. أي ذلك الاعتداد: «المهيمن والواثق من نفسه». خوف الاجتهاد والتجديد عجز عن التفكير يستغني عن العقل، ويعلن استقالته، متمسكاً بغريزة الدفاع عن النفس بالانكفاء عليها، وكفى.


المجلة العدلية العثمانية وهي مرآة لحركة الفكر الإسلامي في الدولة العثمانية كانت بين المراجع التي تحمس الشيخ محمد عبده لتدريسها في منفاه ببيروت، الى جانب كتاب الشاطبي «الموافقات» لانهما أقرب الى روح العصر وضروراته.


إن إهمال التشريعات العثمانية والاكتفاء بابتكار بداية جديدة استناداً الى مادة الدستور التي تجعل الإسلام مصدراً أو المصدر الرئيسي للتشريع يدل على أننا لا نعترف بضرورة تراكم المعارف والخبرات التاريخية لاسيما في عالم القوانين الخطير، لأنه سجل لتاريخ الجماعات والأمم والأقوام.


تحرك مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ولاسيما لجنة العقيدة والفلسفة فيه بعد رقدة طويلة، وقتل الشهيد فودة وطعن نجيب محفوظ، واجبار الزميل نصر على الهجرة... الخ، فقررت في جلستها المنعقدة بتاريخ 1422/6/26هـ 2001/9/4م، «أن المرتد لا يقتل وإنما يستتاب»، وهو قرار لا يرقى الى سماء القانون العثماني لأن الاستتابة كثيراً ما تكون مدخلاً لتطبيق حد الردة. وجاء في خبر لصحيفة القاهرة قبل شهر مفاده أن اللجنة نفسها قررت ان تكون الاستتابة طول العمر، ولكن لم تورد نصاً،وهو ان صح أمرمهم، ولكن رغم ذلك فإن العودة الى القانون العثماني أفضل، وتحقق الاستمرار في قضية محورية، يتعذر أن تغدو مجتمعاتنا قادرة على إنتاج المعرفة قبل الحسم فيها، لاسيما في كل ما يتصل بإصلاح الفكر الديني وإحداث ثورة فيه تفتح أفق العقل على الجهات الأربع.


إن الآية المؤسسة في قضية الدين «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..» البقرة:256، أما الآيات التي تتحدث عن الردة، فانها تقرر أن أمرها يعود الى الله في الآخرة، وليس لها حد في الدنيا، فيصبح الإيمان والكفر امراً متعلقاً بالإنسان - الفرد. «أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل» البقرة:108 «... ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة واولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» البقرة:217 «إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون» آل عمران:90 «إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادواً كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا» النساء:137 «إن الذين ارتدوا على ادبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى عليهم» محمد:25 «ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم» المائدة:54 «يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيراً لهم وان يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير» المائدة:74.


قد لا يحاكم الترابي لأسباب ومخاوف سياسية، أي لأسباب تتعلق لا بالدين، بل بالدنيا السياسية حصراً. لكن السيدة إلهام مانع، المدرسة بجامعة زيورخ تلقت تهديدات بالقتل لأنها قالت آراء قريبة ومتطابقة أحياناً مع أقوال الترابي ولن تجد مؤسسة سياسية تحميها، وهي في نظر المتطرفين امرأة أولا ًوأخيراً، ولا قيمة للقبها العلمي أو رأيها في ميزان العقل، ولذا فإن احياءالقانون العثماني سيكون في المقام الأول حماية للمفكرين والمفكرات الذين يستندون الى العقل وحده. ولا يغضب لهم ولهن حزب أو عشيرة. لقد زادت الزميلة إلهام جواز صلاة الحائض، وكانت رائعة وشجاعة وصادقة في مناظرتها على شاشة الحرة (2000/6/10) مع د.عبدالفتاح ادريس، الامارات / الأزهر، الذي لم يجد ملجأ وملاذاً إلا في مطالبتها بالتوبة، دون أن يقيم الحجة على خروجها عن العقيدة التي قالت بوضوح أنها تفكر في إطارها «وتنصح» بالصلاة والصوم... الخ وانها لو كانت ملحدة لأعلنت ذلك. أعجبني قولها «أنا إنسان». بعربية فصحى تقرر وحدة الرجل والمرأة في الإنسانية كما قال محي الدين بن عربي، لأن إنسانة رطانة عامية. والمحبة من كل الذين لا يعترفون إلا بإمامة العقل، كما قال المعري العظيم. الرجل إنسان والمرأة إنسان، فالأصل الإنسانية وهي أرومة المساواة. لك ياإلهام التقدير.


إن حرب الفتاوى رغم أنها تشير الى واقع راكد إلا انها في جانب منها علامة على أن العقل لم يستقل بصورة كاملة، وما كان له. 2006/6/11 .



--------------------------------------------------------------------------------


هوامش:


(1) اورده الزميل حيدر ابراهيم حيدر في كتابه أزمة الإسلام السياسي الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجاً - القاهرة 1991، ص98، ويرى حيدر أن آراء الترابي في كتابه تجديد الفكر الإسلامي، الدار السعودية، جدة 1987 فيها الكثير مما قاله الشهيد محمود محمد طه رئىس (الاخوان الجمهوريون).


(2) بعد قراءة بيان مجمع البحوث الإسلامية في السعودية بشأن إمامة المرأة تبين أنه لا يورد حجة واحدة تستند الى القرآن أو صحيح الحديث.


(3) أما الراحل شلتول فيرى حظر زواج المسلم من الكتابية اذا ما كان ذلك خطراً على عقيدة المسلم؟! اجتهاد (محمود شلتوت - الفتاوى - الطبعة الثانية - القاهرة).


(4) فصلت الباحثة وعالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها «الحريم السياسي - الرسول والنساء» 1987 فأوردت في قسمه الثاني المدنية والثورة، أن الحجاب إنما هو الساتر بين العام والخاص وليس ذلك الذي يغطي وجه المرأة في سياق دراسة الآية 53 من الأحزاب.

نقلا عن صحيفة الثوري العدد 1916


__________________
لا يموت أحد في 30 فبراير

عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19 - 06 - 2006, 09:23 AM   #2
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444


وهنا سأنقل مقالة لنفس المفكر
أزمة وجود.. والفدرالية حل منقذ

أبوبكر السقاف:


لا تخطئ حتى العين غير الفاحصة تبين علامات الأفول في الأنظمة العربية القائمة، رغم تفاوت تطورها ونصيب كل واحد منها من الاستبداد. وليس أدل على ذلك من أن غير قطر عربي يبدأ من جديد مسيرة بناء الدولة من كتابة دستور جديد، كما هي الحال في العراق والسودان، ومن الحديث عن ضرورة تجاوز «ديمقراطية» الطوائف إلى ديمقراطية المواطنة السياسية، التي لا تدخل الأعراق، والأديان، والجنس، والمذهب الديني، والجهة الجغرافية في تعريف حقوق المواطن، فتكون الدولة دولة كل المواطنين.

إن أزمة الأنظمة العربية في جوهرها أزمة وجود، وليست أزمة نمو أو تطور، وساعد على جعلها كذلك أن أحد وأخطر علة وجودها آخذ في الاهتزاز، ألا وهو البعد الدولي، فهذه الأنظمة منذ سايكس - بيكو تصنعها الشروط الدولية، ولأنها في الداخل غول مستبد لم تستطع أن تبني، ولو من بعض الوجوه شبه شرعية داخلية، ولذا تبدو حتى قبل أحداث 11/9/2001 عاطلة من السيادة، ولذا لم تقم بمشروع نهضة، فهي بحكم النشأة والتكوين أنظمة أقليات على تنوع غزير في هذه الصفة.

النظام السياسي القائم في اليمن قبل الحرب كان في أزمة مستديمة، ولكن حرب العام 1994م نقلت الأزمة إلى مستوى الوجود، وليس مبالغة أو جموحاً في الخيال الكلام، الذي يتردد منذ سنوات عن مستقبل الصوملة. ذلك لأن المشترك بين البلدين إنما هو احتكار تحالف قبيلي للسلطة والثروة، وتركيز كل السلطات في يد التحالف، وأداة الاحتكار ومصدره الجيش، مصدراً للسيادة قبل السلطات، لأن نهج الحكم يمارس، لاسيما في الجنوب منذ نهاية الحرب السيادة قبل الحكم، لأن الثاني ملحق بها، ومن هنا هذه الملامح الاستثنائية: وجود عدد من الفرق العسكرية لا يتناسب مع عدد سكان الجنوب، الحضور الكثيف للموظفين من غير أبنائه، وتفريغ كل الأجهزة والإدارات منهم، الأمر الذي جعلهم يشعرون بالانزلاق اليومي إلى خارج دائرة المواطنة، كما حدث مع إخوتنا في تهامة منذ عشرينات القرن الماضي. وتزيد وتيرة النهب والعنف الاقتصادية الوضع سوءاً، فهي قد أوصلته منذ بضع سنوات إلى درجة الاختناق، وليس ازدياد معدلات الانتحار هناك إلاّ تعبيراً عن درجة اليأس القاتلة، التي أودت بحياة أكثر القادرين على الإنتاج، وصنع الخبر من المدرسين والجنود، والضباط، والموظفين، والفنيين في غير مجال. فالقمع والحرمان، ثم الإلغاء كان ولايزال بحجم دولة وبلد ومجتمع، إنه في جوانب عديدة منه يشبه ما فعله بول برايمر عندما حل الدولة في العراق، لصوغ عراق يكون جزءاً من خريطة جديدة تعدها دولته للمنطقة العربية. هل درس برايمر تجربة الوحدة اليمنية الرائدة، التي توزع خبرتها على الدول التي تعاني من ويلات التجزئة، ليرشدها إلى جنة وحدتنا.

إن عدم القدرة على اكتشاف ويلات وحدتنا أقوى برهان على وطأة الأيديولوجية التي تعمي، ولذا عدت وعياً زائفاً، لأنها لا ترى الواقع، بل تصورها للواقع.

طرحت الفدرالية قبل أشهر من توقيع وثيقة العهد والاتفاق في عمان، وقيل فيها أكثر مما قاله مالك في الخمر، إذ أعلن شيخ تكفير معروف في الإصلاح أنها مقدمة لنشر الكفر في المناطق اليمنية، لأنه لا يرى إسلام اليمنيين إلا في وجود حكم مركزي خانق، يمارسه مسلم وفقاً لتعريفه الإسلام الرسمي، وتحدث المؤتمر عن مؤامرة على الوحدة من قبل شريكه، الذي كان يعد العدة مع الإصلاح لإخراجه من المجال السياسي برمته.

لا تعرف الذهنية السياسة العربية الإسلامية الحكم إلا ملكاً وامتلاكاً كاملاً للمشيئة والإرادة والفعل، ومن هنا فإن كلمة سلطان تغني عن الشرح، إذ توحد الحكم نظاماً وإدارة بالفرد صفة ومصدراً في الدلالة اللغوية، وجبروتاً في الممارسة اليومية، لاسيما وأن الاستبداد الذي ساد في عصور الانحطاط، خلا حتى من مبدأ التفويض الذي جعله بعض فقهاء الإسلام (الماوردي) أسلوباً للإدارة.

أذكر أن أبا الأحرار الراحل أحمد محمد نعمان كان يقول مبتسماً، في القاهرة في منتصف الخمسينات إن الإمام يغضب عندما نقترح عليه تشكيل وزارة يرأسها، لأن في ذلك انتقاصاً من شأنه ومقامه. والأمر إذاً في التصور الذي يجعل أي تنظيم نفياً للملك، وهذا جوهر القضية والمشكلة التي طال امتدادها في الزمان، في اليمن، فتغيير الأسماء والأوصاف لم يلغ طبيعة العلاقات القائمة بين الحاكم والمحكوم. ولب كتيب «مطالب الأحرار» (النعمان والزبيري) هو اللامركزية.

يعترف اليوم شيخ التكفير، الذي ساهم بهمة ونشاط مع شيخ حزبه في تدمير الجنوب بالحرب وبعد الحرب، بأن المواطنين لو استفتوا على الوحدة سيصوتون بـ لا . وهذه حقيقة أصبحت شديدة الوضوح حتى للذين لا يتابعون الشأن العام، فقد تناسلت أخطاء البداية التي انطوت عليها الوحدة الفورية الاندماجية، حتى بلغنا هذا الأفق المسدود، والواعد والمبشر بالكوارث.

النظام في أزمة وجود عمقتها وفاقمتها الحرب في جبال صعدة، وثبت أن اللعب بالنار خطير وقاتل. قد يُنصح النظام بالعودة إلى لعبة الكراسي الموسيقية التي أجادها منذ اليوم الأول لدولة الوحدة المباركة، فيلجأ إلى توظيف قضية الجنوب للخروج من الأزمة، وكان إعلان دعوة العطاس السياسي الرشيد والكفيء لحضور «عيد» الوحدة في المكلا بداية العودة إلى تلك اللعبة. والمفروض ألا يلدغ المؤمن من جحر واحد حتى مرة واحدة، وكان عدم الاستعجال منه حكمة. فمن الواضح أن شيخ التكفير، الذي تذكر أنه «عدني» يناور مثل السلطة بقضية الجنوب، التي ينكرون وجودها، ويدمغون من يقول بوجودها بالانفصالية والحرب على الوحدة، مع أن جميع المواقف اجتهاد ورأي ووجهة نظر .

يجب أولاً إخراج قضية الجنوب من مجال المناورات، والاستقواء بظروف الأزمة إلى مستوى الحق، وتقدم أبنائه للدفاع عن هذا الحق، فجلادو الأمس لا يمكن أن يكونوا منقذي اليوم، فمشعل الحرائق ليس إطفائياً منقذاً. فليس المطلوب إعادة تأهيل مشعلي الحرائق، ليكونوا إطفائيين صالحين، بل خلق شروط سياسة مدنية سلمية ترغمهم على الكف عن توظيف القضية، والمشاركة في حلها، لأن هذه المشاركة وحدها يمكن أن تنقذ لا النظام بل الدولة، التي تشير علامات كثيرة على أنها بلا مستقبل. وهذه ثمرة الحكم بالأزمات، ونهج دولة الحروب الأهلية.

عقدت في نوفمبر 1993 ندوة في هاواي بمبادرة من مؤسسة كارينجي، شاركت فيها الولايات المتحدة، وروسيا ، وبعض دول شرق أوروبا، وصدر عنها تقرير «كون»، وفحواه أن تجربة سويسرا، وأسبانيا (فرانكو) والهند، تؤكد أن الفدرالية تحول دون نشوء نزاعات سياسية، كما تضمن الاستقرار، وأن الإقصاء، والاستبعاد القانوني والفعلي لأية جماعة عن المشاركة في إدارة الدولة يؤدي إلى قدح شرارة المطالبة بحق تقرير المصير. إن الصياغات المفرطة في عدوانيتها كثيراً ما تكون استنفاراً لاندلاع الصراع.

وهل هناك ما هو أكثر إفراطاً في العدوانية على المنطق، ورشد السياسة المدنية العقلانية من الفورية الاندماجية، التي عبدت الطريق إلى الجحيم، أليس عدواناً اتهام من نادى بعدم الاستعجال بخيانة الحلم، وعدم الوفاء للتاريخ. ألم تثبت الفورية الاندماجية، أم الوحدة بالحرب، صدق قول عربي قديم «من طلب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه».

إن مقتل «الفكر السياسي اليومي» عند ساستنا أنه ارتجالي بامتياز، بدوي بامتياز، ونفي كامل للعقل الجمعي. أما الفدرالية فهي لم تنقذ دولاً متعددة القوميات والثقافات بل دولة قومية موحدة بالعرق والمذهب الديني والثقافة مثل ألمانيا الاتحادية، وأمريكا الشمالية التي انصهرت فيها أقوام وأعراق وثقافات في دولة سياسية واحدة لمواطنيها.

المخلاف وصف فلكوري تاريخي لكلمة الفدرالية الحديثة، المحملة بدلالات قانونية واضحة، والمسألة ليست في الكلمات، والمواثيق والعهود، فقد تعودنا أن يضرب بها عرض الحائط، بعد أن تقوم بدورها، وأما انتعاش سوق قوانين الشرف، والانقاذ في الكلام السياسي في بلادنا في الأشهر الأخيرة، فهو دليل تفاقم أزمة وجود النظام. بيد أن المهمة هي الانتقال من ذهنية التبشير إلى العمل السياسي المدني السلمي: الاعتصام، والتظاهر والمسيرات، وجمع التوقيعات. المطالبة بالفعل إلى جانب المطالبة بالقول، ذلك لأن الفكرة تصبح قوة مادية عندما تتغلغل في وعي الجمهور، ويعيها في مستوى الممارستين النظرية والعملية معاً.

يجب الحرص على عدم خروج العمل السياسي عن دائرة السلم، والعقلانية والمدنية، إذ تكفينا درجة الغليان من العدوانية التي تحقق بها السلطة حياتنا ومشاعرنا وأفكارنا، والنبرة العدوانية بداية العنف المادي. وهذا مرفوض تحت أي شعار كان، لأن الوسيلة تشكل الغاية.

لا توجد جهة جغرافية في اليمن غير ساخطة، كما لا توجد طبقة/ شريحة/ فئة/ اجتماعية غير ساخطة بما في ذلك التجار الذين نشر اتحاد غرفهم بياناً حكيماً ونذيراً. إن قاعدة النظام تضيق بدلاً من أن تتسع منذ سنوات، بسبب الجشع والإفراط فيه، لأن النهب السمة المائزة للأنظمة الاقتصادية التقليدية، التي لا تستفيد من العصر الحديث، إلاّ لتحسين طرق الجباية. لم تكن هذه البلاد بعيدة عن الاندماج الوطني، والوحدة، والسلام، كما هي اليوم.

إن ما يسمى بـ «الإصلاح» لا يمكن أن يتحقق إلا إذا أصبح تغييراً شاملاً، لأن البنية الدستورية - القانونية - الإدارية القائمة منذ يوم 7/7/1994 جاءت بانقلاب على الدستور، والديمقراطية، والسلم، التغيير لا يقبل الترقيع، أو الاتفاقات الملتبسة، أو تصوره استبدالاً لشخص أو أشخاص بآخر أو آخرين، أو جماعة بجماعة.

الإصلاح شعار ممكن التحقيق في بيئة قانونية وثقافية مستقرة تعرف أسلوب الإدارة بالمؤسسات. ذلك لأن الديمقراطية ممكنة في مجتمع ديمقراطي، لأن الناس إذ يمارسونها تنتجهم كما ينتجونها، إنها كما في قول أحد المؤرخين مثل الدين، لا يمارس إلا في وسط متدين، فهي إذاً نمط حياة، وأسلوب وجود، وليست مواسم ومناسبات دورية، كما هي الحال في «ديمقراطية» الانتخابات.

إذا لم يكن التغيير معادلاً في العمق والشمول لأزمة الوجود التي تخترم النظام، فإن أي حل دون هذا لن يكون إلا استمراراً له بوسائل جديدة، ولكنها لن تخرجه عن أزمة الوجود. إن المطلوب ليس أقل من عقد اجتماعي جديد، يحرر الجميع ثم يوحد الجميع.

تردد شعار حق تقرير المصير بقوة في الخارج (بريطانيا) منذ العام 1997، واستمر لغط تصحيح مسار الوحدة محتدماً في وجه الإصلاح السياسي، الذي يراد به إلغاء شعار التصحيح، ولم يفطن رافعو الشعارين داخل الاشتراكي وخارجه، أن شعار تقرير المصير قد تجاوزهم نظرياً، ولكن الأهم أن الوعي الذي نضج على نار الطغيان الاقتصادي والسياسي والرمزي في وجدان وعقل الجنوبيين تجاوزهم عملياً، بل إن كثيرين في المحافظات الشمالية يتعاطفون مع هذا الشعار.

قطار الوعي السياسي بالمشاكل المحورية المصيرية في الحياة السياسية العربية يأتي إن أتى متأخراً دائماً. يكفي أن ننظر إلى حيرة وارتباك ومغالطات البعث السوري، لنتذكر قول الكاتبة الروائية السيدة جورج اليوت (اسم مستعار) إن هناك من لا يتعظون «إلا في لحظات الدمار الشخصي والعام، أي بعد فوات الأوان».

أما المواطن فهو في أفق آخر، فما من شيء في نظره أمرّ من أن يرى وطنه يموت.

أزمة الوجود مركبة وشاملة وتطحننا برحاها، والأمل في الخلاص معقود بخيط واه. الممانعة العربية في وجه التغيير قوية، لأنها تصدر عن غور بعيد في «الشخصية الأساسية» ولذا فهي تجمع الفرد السلطان، والطبقة السياسية الحاكمة وتدمجهم في وعي مشترك جامع.

والخيط الواهي قد ترفعه المصادقة التاريخية إلى مستوى الضرورة، فقد نتعلم من حكمة الصين. يقول من يعرف اللغة الصينية إن كلمة الأزمة تحمل في وقت واحد دلالتين: فهي تعني أزمة وإمكاناً للحل. لكل لغة عبقريتها. وهذه عبقرية الصينية. ويبقى السؤال: هل يتعلم من يفكر داخل لغته حصراً عبقرية لغة أخرى؟ ثبت في التاريخ العام أن الثقافات عندما يكون أصحابها ضيوفاً (ماسينيون) عند بعضهم بعضاً يمكن أن يتعلموا الكثير. هذا الخيط الواهي يشير في وقت واحد إلى التشاؤم والتفاؤل.

وعلى أية حال أقول مع جوجل في مسرحية «المفتش العام»: إذا كان الوجه قبيحاً فلا تلم المرآة. فشلنا حتى اليوم في إزاحة كل ما يتعارض جوهرياً مع العالم من حولنا في أنفسنا وفي واقعنا، وفي عقولنا.

نعم. علينا أن نحسن ونهذب ملامح الوجه، قبل عرضه على المرآة
عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23 - 06 - 2006, 10:43 AM   #3
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444



وهنا انقل مقالة لنفس المفكر
وهذا رابطها
http://www.al-shoura.net/sh_details.asp?det=3898

في ذكرى الاستقلال الذي ضاع غير مرة
أبوبكر السقاف





:: إعلان برنامج عمل سياسي مفصل، وشرحه ومناقشته، بداية جيدة لأي عمل سياسي يروم الاستمرار. ولكن ربما كان مفيداً ايضاً تلخيصه في قضايا محورية في صفحة واحدة. والأهم من هذا وذاك طرح مطلب واحد وشرحه للجمهور. وأرى أن هذا المطلب الذي تحتمه خصائص ومكونات الحقل السياسي في بلادنا هو الحظر الدستوري على الجمع بين رئاسة الدولة وقيادة الجيش. ويقال إن من يحفر في نقطة واحدة يصل إلى الماء، ومن يحفر في نقاط عدة لا يصل إليه.


:: إن عجز الدولة التسلطية، وهي غير الدولة الشمولية التي يرد ذكرها في الصحافة، عن انتاج الحكم الرشيد او الصالح، يجعل تراكم المشاكل، المرحَّلة من فترة إلى أخرى، وعداً بانفجار قادم


:: نرفض أمر الوقوع بين خيارين؛ أمبريالية الغرب وفاشية صدام حسين.. وكذا الخدمة التي يقدمونها للمطالبين بالديمقراطية الموظفة في أمكنة وأزمنة مختارة


1 - أزمة وجود


ليس أدل على أننا نمر بأزمة وجود من هذا الملمح الثابت الذي يتكرر كل بضعة أعوام: الأزمة التي سبقت توقيع وثيقة العهد والاتفاق التي نسيت رغم كل إيجابياتها، لأن ما جاء فيها لا يزال في جدول أعمال السياسة، والاهمال لن يرفعه منه. وهذا برنامج المشترك الذي صدر قبل ثلاثة أيام يطالب بما يذكِّر بالوثيقة، فهو يشمل كل جوانب السياسة والادارة، بل ونظام الحكم، أي أنه يكاد يقترح نظاماً جديداً، ذلك لأن الاسماء لا تنطبق على المسميات في حياتنا السياسية: الثورة ليست ثورة، والجمهورية ليست جمهورية، والوحدة ليست وحدة. لا تتطابق الاشياء والكلمات، إنها في حال قطيعة تكاد تكون دائمة. ولأننا لم نقم ببناء أية مؤسسة سياسية راسخة منذ حركة 26/9/1962 والثورة الوطنية ضداً على الاحتلال البريطاني، نتحدث -مع كل أزمة- عن بناء الدولة الحديثة، ودولة المؤسسات والقانون. فنحن علىمستوى البنى لم نقم بأية ثورة، وإن كان حظ الجنوب أوفر من الشمال بسبب جهاز الدولة الذي ورثه عن الاستعمار وساهم أبناؤه في صنعه عبر مثاقفة جدلية ترفض الاستعمار وتقبل حداثته، ولكن الوحدة الفورية الاندماجية أطاحت بكل البنيان فعدنا إلى المربع الأول، لأننا نعادي التراكم في المجالين الثقافي والسياسي ومغرمون بأن نرتجل كل مرة بداية جديدة.


إن الدولة تنتج التشرذم وتقوم يومياً بتفكيك المجتمع، المفكك أصلاً. ولذا لا نجد إذا ما استثنينا قاعدة السلطة الاجتماعية وهي جزء صغير في المجتمع، والقوات المسلحة والأمن، من لا يقع تحت نيرانها على الحقيقة والمجاز في الجنوب والشمال والوسط. ما حدث في صعدة وما يحدث في الجنوب يطرح ببلاغة قاتلة أسئلة: الشرعية والوطن والمواطنة والحرية الدينية. واقتصاد الفساد عنف يومي يحيل حياة المواطن اليومية حالة حصار.


2 - الفساد نظاماً


يكلل الفساد كل الواقع وهو أساس أزمة الوجود في أخطر جوانبها: حياة كل يوم. فنحن محرومون من ما يسميه أحد المفكرين في الغرب (تايلور) «نعمة الحياة العادية»، فاتساع شبكة الفساد واضح القسمات إلى درجة يمكن أن تكون حالنا أنموذجاً مثالياً لدراسة الاقتصاد السياسي للفساد. فقد أصبح مضمون الدولة: السلطنة المالكة. فهو ليس نسبياً كما في كل مجتمع قريب من الحال الطبيعية، يمكن حسابه، أو جزئياً يمكن أن يحاصر ويقاوم. إنه في علاقة هُوية مع النظام، ويتعذر تصور أحدهما بمعزل عن الآخر، ولذا فإن الظن بأنه يمكن إصلاحه مع استمرار النظام يبدو جرياً وراء سراب، فهما لا يكونان إلا معاً ولا يرتفعان إلا معاً.


إن منطقه الداخلي الذي جعله مكتفياً بذاته تنظمه ميكانيزماته الخاصة، وقد أكسبته كلية تستعصي على الترميم، بلْه الإصلاح. إنه علَّة وجود الطبقة السياسية الحاكمة، كل اطراف التحالف الداخلة في شركة الدولة المالكة التضامنية التي أنجزت خصخصة الدولة بوتائر متسارعة منذ نهاية الحرب في العام 1994.


إحدى الملامح المائزة للفساد في هذه البلاد أنه نشأ مع تسلم المؤسسة القبيلية العسكرية السلطة، التي ضمت إليها الطبقة التجارية فاكتملت هيئتها الاجتماعية، فأصبحا يصدران من منبع واحد. فهو ليس طارئاً طرأ في مسار صيرورة، بل مكوناً أساسياً من مكونات الدولة. لقد ولدا معاً، في سياق تطور مقلوب، كما هو الشأن في المجتمعات التي تغلب عليها خصائص ما قبل الرأسمالية والحداثة، فالسلطة تجلب المال، وليس المال هو الطريق إلى السلطة. ويزيد من خطورة هذه الخصائص أن المجتمع اليمني لم يحقق اندماجاً وطنياً، بل هو فسيفساء وجزر متناثرة، ولذا فإن احتكار السلطة يعزز نفسه باحتكار الثروة، وهذا لا ينهك المجتمع وحده بل والدولة بما هي كيان جامع، ويحرمها من أهم مقومات الاستمرار والبقاء وأولها تمثيل الشعب كله. إن أزمة الوجود في بلاد الصومال -وما في حكمها- بدأت بالتنافس ثم بالاقتتال في ميدان احتكار السلطة والثروة. فالفساد يقوض، لا الاخلاقيات الضرورية للاقتصاد السليم، بل وتلك اللازمة لبناء الاوطان.


إن محاربة الفساد -إذاً- تتطلب إعادة النظر في البنيان كله، والمبتدأ والخبر فيها سياسيان بامتياز.


3 - من المصالحة الوطنية حتى تقرير المصير


في ذكرى الاستقلال يجلس الجنوبيون على أطلال وطن. وما أصعب أن ترى وطنك يُحتضر، وأن تدرك وتشعر يومياً أنك تنحط إلى ما دون المواطنة. فبعد أن ضاعت -مع الاستقلال- المكاسب السياسية والقانونية والنقابية التي ناضل الناس من أجلها منذ ثلاثينات القرن الماضي، عندما أطاح بها الحزب الواحد كلها بضربة واحدة، مشاركاً في سياق الحمى التي اجتاحت حركة التحرر الوطني العربية، إلا أن الوطن كان حقيقة في المشاعر والأذهان والأعيان، بل وبدأت في التبلور وطنية جنوبية ذات قسمات عصرية. وجاءت الفورية الاندماجية قفزة في المجهول، فثلمت هنا وهناك، ما كان حديثاً وعصرياً، وجرى شطب حصيلة تحديث دام نحو ستين عاماً. وبعد الحرب تم إلحاق كل جهات الوطن المنشود بالمؤسسة العسكرية القبيلية التجارية في الشمال، فاكتملت دائرة الفقد. والوحدة، التي قيل إنها الحل الأمثل لكل المشاكل، أصبحت بؤرة المشاكل كافة.


أصبح الجنوب، أكثر من أية جهة أخرى في البلاد، منطقة الجباية المثلى، بالتقسيم العسكري- الاداري للبلاد، لإحكام القبضة ليس على اقتصاد النفط بل وجميع مصادر الثروة: الزراعة، والتجارة، وصيد البحر، والخدمات لا سيما المرتبطة بالريع النفطي. أما الارض -الاراضي، فالاستيلاء عليها هواية يومية يمارسها أصحاب الامتيازات. ومن ملامح ضياع الاستقلال غير مرة، أن ما استولى عليه الحكام الجدد هو ما جمعه الجنوبيون في ظل الحكم السابق، فكان الاستيلاء على القطاع العام نهباً لمدخراتهم التي تكونت بتضحيات جسام وآلام ومشاق يومية.


إن البيان الذي نشرته «الايام» قبل شهرين، ووقع عليه 282 شخصية عامة من عدة محافظات جنوبية، يورد أرقاماً قديمة وجديدة، وتتجدد يومياً مع استمرار سياسة الاستيلاء على الثروة الجاهزة:


* 20000 جندي وضابط سرحوا بعد الحرب.


* 200000 شخص فُرضت عليهم البطالة.


* 42000 قطعة أرض نُهبت في محافظتي لحج وعدن.


وهذه الارقام الاخيرة لا تشمل حضرموت، حيث النهب بالكيلومترات في سلسلة يتوسطها جبل الشيخ.


وسرد البيان قبل ذلك أسماء الذين قُتلوا في عدن منذ نهاية الحرب، سواءً أتم ذلك في زنزانات التعذيب أم في المظاهرات. فالفوضى التي يُحكم بها الجنوب، نظام. إنه فوضى منظمة هي وسيلة الإدارة التي اختارها النظام، وهي تزاوج بين المصلحة والعجز في صيغة فريدة. فكل مسلح -عسكرياً كان أم مدنياً- حاكم بأمره، يقتل، يسطو، وينهب، ويلجأ إلى معسكره أو إلى حاميه العسكري أو المدني أو الأمني.


إن التراتب وعلاقات: «السادة/ العبيد، والقبيلي/ الرعوي، والفوقية/ الدونية، ضربت التعايش السلمي والوحدة الوطنية». وردت هذه الجملة في مقال قصير للاخ عبدالله ناجي بن شملان(النداء،23/11/2005) وتشي كلماته بأن هذه الثنائيات أصبحت سمات مجتمعية، أي تكلل الوجود الاجتماعي للجنوبيين كافة، ولذا فإن الجنوبيين والشماليين يتلاقون هناك كل يوم ولكنهم لا يتواصلون، والتواصل لُحْمة وسُدى كل علاقة سوية بين الافراد والجماعات، والحاكم والمحكوم. وعندما تتعذر هذه العلاقة المحورية يغيب الوطن، وحكما لا مكان للحديث عن المواطنة، بلْه المتساوية منها، وهي في الأساس لا تكون إلا متساوية، أو لا تكون.


أصبح التمييز الرسمي يصنع التفاوت الاجتماعي والقانوني في جميع المستويات. والنهب لب نمط إنتاج الفساد، وهو متوحد (متماهٍ) بمصدره الاساسي: القوة.


وردت في برنامج الاصلاح السياسي والوطني الذي اصدرته أحزاب اللقاء المشترك، فقرة تتحدث عن إزالة الآثار السلبية لحرب صيف العام 1994، وذلك في سياق «إزالة الآثار السلبية للصراعات والحروب والنزاعات السابقة ونتائجها، بما في ذلك آثار أحداث 1978». وأقل ما يقال عن نصيب حرب العام 1994 أن ما ورد في السياق عنها غير كافٍ، فهي تبدو حرباً بين الحروب، مع أنها هي التي أنتجت هذا الواقع السياسي والاقتصادي الجديد الذي ينقده البرنامج بالتفصيل. وبدون تشخيص وضعها المائز والخطير لا يمكن إلا أن يتأثر التشخيص وبرنامج الاصلاح في تصوراته وحلوله تأثراً سالباً، لأن الأزمة إنما هي أزمة وجود، ولذا فإن الاطلالة السريعة على هذه الحرب تبدو تقصيراً في حق النظر المتعمق، الذي عليه أن يسبر أغوار أزمة الوجود. وأخطر جوانبها في الجنوب أنها مقيمة في كل بيت حتى هذه اللحظة، وفي كل نفس، وتواصل تدمير حياة مئات الآلاف من أبنائه وبناته في الوطن المغترب وفي المهجر.


أما الحديث عن المصالحة الوطنية فإنه يجب أن يأخذ في الحسبان أن السلطة قد أعلنت نبأ وفاتها ودفنها، فبعد نحو عام من نهاية الحرب قال رئيس الجمهورية إن الحديث عنها خيانة وطنية، وفي الوقت نفسه تقريباً قال زعيم الاصلاح إنها قد تحققت بالعفو العام وأي قول غير هذا يجعل الرئيس مسؤولاً عن الحرب. و فاته أنه والرئيس يتقاسمان هذه المسؤولية. ومن علامات تشتت الوعي والعمل السياسيين أن أحداً لم يطالب حتى الآن بضرورة إجراء تحقيق في: من شن الحرب، وفي آثارها، وكل ما يترتب على ذلك كله.


أما بعد انتخابات العام 1997 فقد اعلن رئيس الجمهورية إقفال ملف الحرب، لأن تلك الانتخابات كانت ضرورية لإضفاء شرعية على نظام ما بعد الحرب، وهو نظام جديد. وبذلك تنكر لرسالة رسمية وجهها الراحل العطار إلى بطرس غالي في 7/7/1994 والتزم فيها باسم السلطة بالكثير، ومنه «... الالتزام بما جاء في وثيقة العهد والاتفاق كأساس لبدء الدولة اليمنية الحديثة»(انظر إن شئت: سعيد طالب مقبل، الأمة اليمنية والأمم المتحدة، مطابع الأهرام، القاهرة).


ثم جاء شعار «إصلاح مسار الوحدة» ليكون بديلاً للمصالحة، التي تشارك في المحال: الغول والعنقاء والخل الوفي. أما في حقل السياسة المتخم بالذهنية القبيلية فإنها تُذكِّر بقول فيلسوف غربي إن ألصق الصفات بالطبيعة البشرية هي نكث العهود.


ومن المؤسف حقاً أن السلطة ليست وحدها التي تنكر وجود قضية جنوبية، بل إن بعض أطراف المعارضة يشاركونها في هذا القول السياسي الماكر، الذي يرى أن الحديث عن أية خصوصية جنوبية، انفصالية. وهذه موافقة صريحة على الكلام الرسمي، وإنْ باسم ان الظلم في كل الجهات، وهو كلام متهافت. وحتى الادارة الامريكية فطنت غير مرة في تقريراتها السنوية عن حقوق الانسان فقالت إن السلطة تتهم الجنوبيين بالانفصالية، وهي تهمة تحجب المطالب الشعبية وترفض الاعتراف بالحقوق الدستورية لأبناء الجنوب. ويبدو أن الأحزاب لا تملك مجالاً للمناورة كالذي تملكه امريكا، حليف السلطة وحاميها وراعيها. ويبلغ تهافت مقولة عموم الظلم مداه عندما يُتهم الجنوبيون بأنهم متعصبون وجهويون، بل ويقول أحد الجهابذة إنهم شوفينيون، ولم استطع فهم مدلول الكلمة، رغم معرفتي بجذرها الاشتقاقي في لغتها الأصلية. ويبدو احياناً أنه لكي يصبح الظلم الفاقع الذي يفقأ العيون في الجنوب حقيقة، لابد أن يحدث في كل لحظة وآن ما هو معادل له في جميع ربوع الوطن الحبيب، وإلا كف الظلم في الجنوب عن أن يكون ظلماً.


إن سموم التسلط وحب الامتياز والسيطرة كثيراً ما تنتقل بالعدوى من الحاكم الفرد إلى الافراد المحكومين، وكثيراً ما يكون المضطهَد، جلاداً بالامكان، يتحقق بالفعل بعد أن كان كامناً بالقوة. إن المهمة هي ان نتحرر لنحرر الذات والآخر، وذلك ممكن بأن «نطرد العبد من نفوسنا قطرة قطرة»(تشيخوف).


يبدو أن الأحزاب إما أنها لا تريد أن تستوعب درس الحرب وإما أنها لا تدركها، وحسبها معالجة الاوضاع بالقطعة، أو ما تيسَّر؛ لأن الواقعية السياسية في إطار علاقات القوى القائم، كثيراً ما تعني التسليم أو الرضا بالواقع كله أو بالمكونات الاساسية له، والاقتناع بحد أدنى من القناعة، التي لم توصف عبثاً بأنها كنز لا يفنى.


إن ولاية العهد إحدى ثمار الحرب المرة، وقبْلها الدستور الجديد. ومن هنا فإن النظر إلى مستقبل النظام والوحدة والوطن لابد أن يتم باعتبار القضية الجنوبية رافعة التطور والتحديث والتقدم. إنها من القضايا الخطيرة التي يجب النظر إليها من أفق المستقبل، وهذا يمارسه فكرياً العقل السياسي الذي يريد امتلاك وعي مطابق إلى حد كبير للمشكلات القائمة في الواقع.


إن الأرقام السابقة ليست إلا جزءاً من واقع الجنوب، لأن الواقع الذهني والنفسي يبدو مثقلاً بأعباء ذهنية ونفسية، تتعلق باحترام النفس/ الذات، والتمسك بالكرامة وهي مثل الحرية لا تُجزأ ولا تقبل التقسيط. وقد يتصالح او يتجاوز الانسان- الفرد، فعل نهب، ولكنه لا يتصالح البتة مع فعل إهانة، لأن المال والعقار في نهاية المطاف جزء من مبدأ الكرامة الذي يكونه الانسان عن نفسه ولنفسه، ولا قيمة لهما إلا بها ومعها، فهما إذاً أكبر من أن يكونا متعة دنوية مادية فقط، لأنهما يتبعان الكرامة، وهذه مصدر الحقوق والواجبات في ميثاق حقوق الانسان، وفي كثير من الدساتير الاوروبية.


في ظل العبودية التي تتحقق كل يوم وكأنها تجسيد أمثل لشعارات الوحدة المعيارية, يتخلص الجنوبيون من الاساطير وتضليل الكلمات الكبيرة: الوحدة، والوطن، والمعجزة التي تمت في عصر الشتات العربي.. لأن هذه الكلمات كلها تتحدث عن عوالم أخرى، فهذا الوطن القائم ليس إلا مكان بؤسهم، والوحدة التي تحتاج إلى كل هذا القدر من الظلم والطغيان لا يمكن في نظرهم إلا أن تكون أكذوبة مسلحة، وذلك بعد أن فشلوا في إتمام إحدى العمليتين التي يقول علم النفس إنها تنقذ الفرد من المرض النفسي، فهو إما أن يتكيف مع الواقع وإما أن يكيف الواقع لحاجاته؛ وهذا غير قابل للاستمرار ولا مستقبل له.


إن عجز الدولة التسلطية، وهي غير الدولة الشمولية التي يرد ذكرها في الصحافة، عن انتاج الحكم الرشيد او الصالح، يجعل تراكم المشاكل، المرحَّلة من فترة إلى أخرى، وعداً بانفجار قادم. وحتى عندما يكون الحكم مستقراً بمعنى من المعاني كما هي حال مصر، فإن ألغام الأعماق تظل باقية. فالاقباط في مصر (قبطي = مصري) يطالبون منذ العام 1897 بالمواطنة المتساوية، ومنها حرية ترميم وبناء الكنائس التي قيدها الخط الهامايوني. وقبل ايام صدر في مصر قانون يوكل أمر البت في ترميم الكنائس وبنائها إلى المحافظين. وهذا لا يحل المشكلة بل ينقلها من الوزارة والرئاسة إلى المحافظين. فإذا استمرت السلطة في التعامل مع قضية الجنوب على الشاكلة القائمة منذ 7/7/1994، في هذا الحقل السياسي الشديد الاعوجاج، فقد يسمح بعطلة رسمية في ذكرى الاسراء والمعراج في القرن القادم. إن رمزية العطلات الرسمية تتصل رأساً بالكرامة الوطنية، لأن هذا حق انتزعه العمال من الإدارة الاستعمارية في عدن، مع غيره من الحقوق. قال أحد شيوخ التكفير قبل أشهر في لقاء جمعه مع الرئيس، إنه إذا استمرت الأحوال السائدة في الجنوب وأُجري استفتاء فيه فإنهم سيرفضون الوحدة. وهذه كلمة حق أريد بها باطل، من احد الذين صنعوا الواقع في الجنوب، بالتكفير والحرب وإهانة كل ما يعتبره الجنوبيون من سنتهم في الشعائر الدينية في المنزل والمقبرة وفي الموالد، وكلها شكلت وكونت ثقافتهم الأساسية والفرعية.


إنه بلا شك سمع عن شعار تقرير المصير الذي ارتفع قبل نحو ستة اعوام في شيفلد، ثم في منشورات وزعت، ثم ورد ذكره في كتابات صحفية قليلة في العام الماضي، واليوم يرفعه بعض المعارضين في الخارج.


من الواضح أن مسار تبلور الوطنية الجنوبية الذي بدا كما لو أن الوحدة أزاحته وأعادته عقابيل الفورية الاندماجية، ثم الحرب العدوانية التي تمت تحت قصف معنوي وديني شديد من قبل حزبيْ الحرب، إلى عقل ووجدان الجنوبيين. وإذا كانت العقوبة تولد الذاكرة كما قال نيتشه، فإن الظلم ولا سيما في صورته البدائية يصنع الوطنية. إن «إمبريالية المقولات»، مثل: الثورة اليمنية سبتمبر واكتوبر، وواحدية الثورة والوحدة بما هي إعادة تحقيق لوحدة غابرة في بلاد شهدت انقطاعات وعزلات دامت بين الجنوب والشمال نحو ثلاثمائة عام، وتشكلت بفعلها كيانات ووعي مطابق لها وثقافة واسلوب ادارة متميز في كل من الجنوب والشمال، وهو ما لم تأخذه الفورية الارتجالية، التي جاءت على شاكلة ارتجال الشعر الحميني والفصيح، في الحسبان. إن مما لا يلتفت إليه أحد أن ما يسمى بتاريخ الدويلات (وهي دول) المستقلة في تاريخنا بعد الاسلام استمر نحو 870 (عاماً) من مسافة زمنية قدرها عشرة قرون ونيف. ولذا على كل وحدة وطنية أن تكون مولوداً جديداً، لا عودة موهومة إلى أصل قديم قار؛ لأن الاختلاف هو الأصل، والوحدة ليست نقطة انطلاق ولا أصلاً بل نتيجة ومآل يصنعه الناس باراداتهم، وقد كان نصيبهم في صنعها عندنا هزيلاً، لان النظامين التسلطيين ما كانا ليسمحا إلا بحق التأييد لا المشاركة. كما ان القبيلة ليست اصل التاريخ بل إحدى نتائجه.


إن شعار حق تقرير المصير تجاوز كل الشعارات التي في سوق السياسة بما في ذلك الفيدرالية، التي كتبتُ في العام الماضي داعياً إليها علَّها تكون منقذاً(إنظر ان شئت: صحيفة «الايام» العدنية)، وقبل ذلك في نهاية العام 1993 ومطلع العام 94(الأيام).


قال ارنست رينان في كتابه عن القومية: «الأمة استفتاء يومي». وكان ولا يزال محقاً داخل التصور الديمقراطي للسياسة المدنية التي تجاوزت تاريخ الوحدات العسكرية او التجمعات القديمة تحت لواء الأقوام والأديان والامبراطوريات. فميلاد الفرد -وسيلة للسياسة وهدفاً لها- جعل الحرية مناط جميع التكاليف السياسية والاجتماعية والثقافية. وما لم يحل من مشاكل الوحدات الاسبانية والايطالية والكندية -تمثيلاً لا حصراً- يطرح نفسه في ما سماه جرامشي وغيره في ايطاليا:الميزوجورنو، أي مشكلة الجنوب الايطالي، وما ينادي به اليوم حزب رابطة الشمال الداعي إلى استقلال الشمال الغني المتطور، ومشكلة كيبيك في كندا، التي أُجري غير استفتاء من أجل حلها، وقضية الباسك في اسبانيا. بل من المعروف أن الاندلس كان فيه من ينادي بالاستقلال، وكانت جدران شوارعه مملوءة بشعار «الاستقلال للاندلس»، وجاء حكم الحزب الاشتراكي الرشيد بقيادة الاندلسي جونثالث فسوى كل المشكلات، ومن يزُر الأندلس ولو زيارة عابرة يمكن أن يلمس نزعة الاستقلال الأندلسية القوية. وحتى قضية الباسك القديم المعقدة يجري حلها، وهم على خلاف أهل الاندلس، ليسوا اسباناً من حيث الانتماء القومي، ورغم ذلك يحاول رئيس الوزراء الاشتراكي ثاباتيرو حلها وتم الاتفاق على وقف إطلاق النار للشروع في مفاوضات بين الحكومة وحركة إيتا الباسكية.


الديمقراطية في ابسط وأعمق تعريف لها هي حكم الناس برضاهم (لاسكي). وهذه ديمقراطية الديمقراطيين، إذ لا يمكن تصور ديمقراطية بدون ديمقراطيين، ولا اشتراكية بدون اشتراكيين، ولذا فإن «الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأي ونشر أي فكر وترويج كل مذهب»(قاسم أمين)، فالتحريم والحظر والتخوين لا ينجح في وأد أية فكرة، بلْه مقارعتها بالحجة والبينة. ولذا يبدو أن هجرة كل من يرى أن حق تقرير المصير شعار يجب رفعه لحل القضية الجنوبية، يؤكد أن سلوك السلطة يناقض كل الحقوق التي ينص عليها الدستور، بل إن حظر الشعار وتخوين من يقول به، يكسبه جاذبية فكرية ونفسية. ومما لا شك فيه أن الحظر لن يفلح في طرده من مجال التداول الفكري والسياسي، بل إن تفاقم التردي الذي تعيشه البلاد كلها يجعله المخرج الوحيد من أزمة الوجود. وكثيراً ما تأتي التطورات المحلية والاقليمية والدولية بظروف وملابسات غير متوقعة حتى في الخيال. ولذا فإن استباق كل إمكان هو جعل الحرية -والحرية وحدها- حلاً ومخرجاً من جميع الأزمات. ومناقشة الناس لقضايا مصيرهم علانية هي السبيل الأمثل للاتفاق على إمتلاك مصيرهم ووحدتهم.


القوة لا تصنع حقاً ولا حقيقة، بينما يمكن أن يصنع الحق قوة وحقيقة، ولذا فإن كتاب التغيرات الصيني القديم الذي كُتب قبل نحو 26 قرناً. يقرر حقيقة جدلية سبقت جدل هيراقليطس اليوناني ومن جاء بعده بقرون مثل هيجل وماركس: «كل كيان مقهور من شأنه النهوض من جديد، وكل قوة تنعم بالازدهار تحمل في جوانبها بذور فنائها». وقديماً قال الرواقيون إن من يعرف الحقيقة تقوده ومن ينكرها تجره وراءها.


4 - البرلماني والرئاسي


تزايد نقد الديمقراطية الرئاسية في الغرب وأمريكا في السنوات الأخيرة، وذلك لتحقيق الحد الأمثل من النهج الديمقراطي. ولكن ذلك لا يعني أن النظام الرئاسي غير ديمقراطي، لا سيما في امريكا الشمالية، حيث الفصل بين السلطات، أي استقلالها وتكاملها، وتنظيم لانتخابات مجلسيْ الكونجرس، يخلق توازناً ورقابة. أما ما يجب أن ينص عليه النقاش عندنا فهو استكمال نصاب السياسة والنظام الديمقراطيين أولاً قبل أي حديث عن النظام البرلماني والرئاسي، فما لدينا يشبه الحال المصرية، التي احتار الباحث المصري احمد عبدالحفيظ في توصيفها، فنحت عبارة «نظام حكومة الرئيس» ذلك لأن نصيب الرئيس من الصلاحيات (35 ٪) تصل إلى 60 ٪ من الصلاحيات التي يقررها الدستور لكل اجهزة الدولة. وما لا يلتفت إليه إلا لماماً في حال مصر وحالنا هو أن الجمع بين رئاسة الدولة وقيادة الجيش يقوض اول مبدأ ديمقراطي، ألا وهو قيام النظام السياسي كله على مبدأ الحق والانتخاب(1)، كما يجعل الحديث عن الفصل بين السلطات مزحة سمجة. فبداية البدايات هي حظر الجمع بين الرئاستين، وبعد ذلك يمكن مناقشة وموازنة مزايا كل من النظام الرئاسي والبرلماني. إن مدنية السياسة مكون اساسي من عقلانيتها، فالسياسة المدنية هي الصفة المائزة لمجتمعات الحداثة، بينما القوة الحربية والعسكرية كانت ولا تزال سمة ملازمة لكل انظمة الاستبداد. وطبعتنا اليمنية تجمع بين مؤسستين غير ديمقراطيتين بالتعريف: المؤسسة القبيلية والجيش، ويشكلان في واقعنا جسماً واحداً يجثم على البلاد والناس ويسد أفق التحديث والتطور، بدءاً بجعل الدولة الحديثة غير ممكنة. ولو كان ذلك ممكناً ولو في حده الأدنى لما استطاع رئيس الجمهورية إخلاف الوعود ونكث العهود، بل ووصف وثيقة وقع عليها بأنها وثيقة «المجنانة»(2)، كما حدث بعد إلغاء وثيقة العهد والاتفاق قبل نهاية الحرب، على لسان وزير خارجية النظام. كما أن الكوميديا/ المأساة التي بدأت منذ خطبة عدم الترشح، وما تلاها من التباسات وملابسات، ما كان لها أن تدور على مسرح السياسة اليمنية لو لم يكن قائداً أعلى للقوات المسلحة، يحاول حشر المواطنين وتخويفهم: أنا أو الطوفان. يخوفهم بالموت ليرضوا بالحمى. مع أنه لا يملك أصلاً حق ترشيح نفسه، لو ناقشنا الامر من وجهة نظر قانونية دستورية صارمة، رغم ضراوة وبدائية التعديلات الدستورية، التي جاءت بعد الانقلاب الأول على الدستور بعد 7/7/1994. لقد أجرت امريكا بضع تعديلات على امتداد نحو قرنين، بينما يلهو الرئيس عندنا بتعديل الدستور كلما بدا له هذا نافعاً.


إن المشكلة الكبرى إنما هي: لا ديمقراطية النظام القائم، وليست في برلمانيته أو رئاسيته. وفي هذا الحال يكون الحديث عن جعل الجيش تابعاً لهيئة مدنية في سياق فرعي، تجنباً لقضية محورية يجب البدء بها، لأن البدء بغيرها بمثابة بناء البيت من السقف. وليس مقنعاً هنا الحديث عن التدرج، لأن هذا ممكن ومطلوب عندما تكون المقومات الاساسية لنظام ديمقراطي قائمة، والديمقراطية عملية طويلة ومستمرة يجري تحسينها وتطويرها، بعد أن تبدأ، إلا إذا وافقنا على قول المنافقين من امريكا واوروبا، الذين يستجيب النظام القائم لمصالحهم: يكفيكم هذا القدر من «السماح الديمقراطي»، فهم فضلاً عن أنهم ينطلقون من حساب دقيق لمصالحهم النفطية في المنطقة العربية ومن الاستراتيجية الدولية للأطلسي، إلا أنهم يرون أن العرب مخيرون بين فاشية صدام أو امبرياليتهم. ونحن نرفض الاثنين. وحتى الخدمة الشفهية التي يقدمونها للمطالبين بالديمقراطية في البلدان العربية توظف في أمكنة وأزمنة مختارة.


إعلان برنامج عمل سياسي مفصل، وشرحه ومناقشته، بداية جيدة لأي عمل سياسي يروم الاستمرار. ولكن ربما كان مفيداً ايضاً تلخيصه في قضايا محورية في صفحة واحدة. والأهم من هذا وذاك طرح مطلب واحد وشرحه للجمهور. وأرى أن هذا المطلب الذي تحتمه خصائص ومكونات الحقل السياسي في بلادنا هو الحظر الدستوري على الجمع بين رئاسة الدولة وقيادة الجيش. ويقال إن من يحفر في نقطة واحدة يصل إلى الماء، ومن يحفر في نقاط عدة لا يصل إليه.


30/11/2005


:: هوامش:


(1) يفصل ألكسيس دي توكفيل في كتابه المشهور «الديمقراطية في امريكا» (1830) أوجه الاختلاف بين تاريخ الديمقراطية فيها وفي اوروبا، فالمسار في امريكا من المجتمع المحلي باتجاه الولاية فالكونفدرالية، وقد توطدت المجتمعات المحلية في نيوانجلند قبل الولاية، وفي الولاية قبل الكونفدرالية، منذ العام 1650 إذ طبقت قوانين المتروبول (الحاضرة البريطانية) على الولايات المتحدة على نيوانجلند وحدها، فهي مكان تجمع انجلوساكسوني، على شرط أن لا يعارضوا المتروبول. والديمقراطية بدأت من القاعدة باتجاه القمة. بينما تهبط الديمقراطية في الأنموذج الأوروبي من القمة إلى القاعدة. فكان يتم اختيار السلطة التنفيذية في نيوانجلند: أي الإدارة، بدءاً بالمحافظ، وميليشيات الدفاع الوطني..و كان هذا بداية السماح بحمل السلاح في امريكا لكل من بلغ العام السادس عشر من عمره للدفاع عن الوطن، وكانت حرية الرأي والتعبير عنه وحرية التجمع مصانة، وكانت هذه الولاية تتمتع بحقوق لم تنلها دول اوروبية كبيرة إلا بعد سنوات في القرن السابع عشر.


(2) هذا الوصف الذي كررته الصحافة الرسمية إلى درجة الإملال تعبير أمين وصادق عن الموقف من كل ما جاء في الوثيقة: الحكم المحلي، وأسس بناء الدولة الحديثة، ونظام المجلس الرئاسي، وإعادة تنظيم وبناء القوات المسلحة.. وهذه مهام لا تزال تنتظر الإنجاز للشروع في بناء دولة ديمقراطية وحديثة بدءاً من القاعدة، وإلا فلن نصل لا إلى الديمقراطية ولا إلى الدولة الحديثة، التي طال البحث عنها. ولنتذكر أن اللامركزية وردت لأول مرة في كراس «مطالب الشعب» الذي نشره النعمان والزبيري (1956)، وليس غريباً أن تبقى بعض مطالب الأحرار الدستوريين الجوهرية في جدول أعمال السياسة بعد قيام «الجمهورية» وحتى هذا العام 2006م.


لذا وصف طارق حجي السياسي المصري، رئيس وزراء بأنه مساعد سواق، وقال إن كثيراً من الوزراء لا يصلحون لإدارة محل لبيع الفول والطعمية. ولا أظنه مبالغاً. ولكن الاطرف والاظرف وصفه لانتخابات رئاسية يخوضها جمال مبارك مع منافسين بأنها فيلم هندي(الدستور، القاهرة، 1/3/2006).فهل يسمع من تحمس في صحيفة «الشورى» لانتخابات مماثلة في اليمن السعيد بحكامه؟!



--------------------------------------------------------------------------------


نقلاً عن صحيفة النداء الأربعاء , 21 يونيو 2006 م

عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29 - 07 - 2006, 10:48 AM   #4
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444
وهنا سأنقل مقالة لنفس المفكر

http://www.alnedaa.net/index.php?act...Details&id=398

ثقافة الحصانة و«نظرية الإذلال» - أبوبكـــــر السقـــــاف

تلغي ثقافة الحصانة، التي ترتكب بهديها وحمايتها الجرائم، مبدأ المساواة بين المواطنين وإن كانت هذه الصفة غير مطابقة لواقع الحال إلا باعتبارها إمكاناً منشوداً، وهي بذلك مثل الوطن، الذي يتعذر تصوره بدون مواطنة. إننا لم نحقق بعد الاندماج الوطني الذي هو الأساس المتين للمواطنة والوطن

إذا لم نتجاوز السد الذي يحجب الحرية والحق والحقيقة فلن نطلُ على العصر،وعبثاً نتحدث عن النظام الرئاسي والبرلماني والمختلط وما بين الثلاثة.. هذا بحث خطأ في الأفق الخطأ، لأن بداية البدايات كلها دولة مدنية ورئيس مدني

يستند الذين يعذبون المواطنين في أقسام الشرطة وفي أقبية الأمن السياسي وفي المعسكرات إلى هذه الثقافة التي تحكم وعيهم ولا وعيهم، فهم واثقون من أن العقوبة لن تجد طريقها إليهم، وهي نفسها التي تجعل سراة البلاد وأعيانها، شيباً وشباناً وصغاراً، يعبثون بقوانين المرور وهم واثقون من أن الشرطي لن يجرؤ على ايقافهم بلْهَ تحرير محضر بالمخالفة

قبل أن يعرف التطور الاجتماعي مجتمعات القانون الصوري، كان السائد فيه الأعراف والقواعد غير الصورية. يسود القانون في الأولى ويجري فيها التغيير والتطور عبر الصراع داخل مبدأ الصورية الشامل، والصورية تعني حصراً القاعدة التي تسري في كل المتحد الاجتماعي فتخلق وحدة مجتمعية تجد اساسها في قوانين مقررة، ويكون التطور في هذه المجتمعات متسارعاً، لأنه يحدث تغييراً على المبادئ الصورية يتناسب وحاجات التطور. أما مجتمعات الأعراف أو ما في حكمها من القواعد غير الصورية فإنها شديدة الركود إلي درجة يمكن معها أن يمتد عمر أعرافها احقاباً طويلة في الزمان، وإذا كان القانون في مركز دائرة التفكير في المجتمعات الاولى فإن العرف والاعتبارات المتعلقة بالشخص ومكانه الاجتماعي وملابسات علامات القوة هي التي تحتل مركز التفكير، ولذا فإن السمة المائزة للقانون هي الدقة والصرامة والشمول، وإلا فإنه ليس قانوناً، إنه في هذا الملمح يذكرنا، مع الفارق، بالقانون الفيزيائى أو الرياضي، أما العرف فهو مطاط وشديد النسبية ولا يعتبر هذا عيباً فيه البتة في المجتمعات التي تأخذ به لتنظيم حياتها، فهو يستجيب للذهنية السائدة، لأن الجماعات والفئات والشرائح الاجتماعية فيه تنتسب فيه إلى أصول وموروثات قيمية مختلفة، ترى صورتها المتطرفة في مجتمع الطوائف الهندية القديم.
يسود في هذه المجتمعات ما يمكن أن يسمى ثقافة الحصانة، لأن كل مجموعة تتمترس داخل طائفتها أو قبيلتها، وثقافة الحصانة تجد حصانتها في مكان الطائفة أو القبيلة، في موقعها داخل ميزان علاقات القوى، وما يرتبط بها من تصورات عن الذات والآخر، والمبدأ الصوري الذي يوحد النظر إلى الأفعال والفاعلين غائب، ولذا تقرر المسؤولية داخل علاقات القوى، وبأسلوب فيه قدر مفزع من الفجاجة والبدائية لا يتسع لمبدأ المساواة أو الاخوة بين البشر. المبدأ الحصري لب هذه التصورات، وأقدم مثال له مكتوب نجده في التوراة والتلمود، فما هو محظور على الأغيار مباح لليهود، والعكس صحيح في أمور محورية تتعلق بالنفس والمال والربا والعقوبات والزنا.. الخ.إن كون هذه الأحكام مدونة لا يكسبها مبدأ الصورية لأنها لاتنصرف إلا إلى أصحابها حصراً لا إلى البشرية جمعاء.

تزدهر ثقافة الحصانة كلما غاب المبدأ الصوري، حتى إذا أطنب المجتمع في التحدث بلغة القانون والنظام والوطنية والوحدة والشريعة الغراء. وهذا فصام يحاول حجب الحقائق ولا يعبر عن أية ممارسة حقيقية لهذه الكلمات- المعاني الكبيرة.
يستند الذين يعذبون المواطنين في أقسام الشرطة وفي أقبية الأمن السياسي وفي المعسكرات إلى هذه الثقافة التي تحكم وعيهم ولا وعيهم، فهم واثقون من أن العقوبة لن تجد طريقها إليهم، وهي نفسها التي تجعل سراة البلاد وأعيانها، شيباً وشباناً وصغاراً، يعبثون بقوانين المرور وهم واثقون من أن الشرطي لن يجرؤ على ايقافهم بلْهَ تحرير محضر بالمخالفة، فرغم الفارق بين جريمة من يعذب انساناً أعزل ومن يرتكب جنحة فإن المصدر مشترك بينهما.
تلقيت في تسعينيات القرن الماضي عدداً من الشكاوى من مواطنين أصيب بعضهم بعاهات وآخرون فَقدوا أو دُمرت سياراتهم جزئياً بوساطة السيارات المسرعة التي تسبق وتلحق بموكب رئيس الجمهورية. ثقافة الحصانة في هذا السياق قرار جمهوري يهدف إلى حماية من يتوحد بالوطن والوحدة والجمهورية وبإمكان بقاءاليمن جزءاً من كوكب الأرض. إنه التجسيد الحي لثقافةالحصانة وراعيها وحاميها فهو أبو الحصانات بامتياز، ولذا لم نسمعه مفاخراً إلا بسنحان، فالقبيلة بديل للأوطان والمبادئ والشرائع لأنها صنم قديم.
والذروة الفاجعة في ثقافة الحصانة تتمثل في انتقال مجال فاعليتها إلىالمدى الاجتماعي والحياة اليومية، إذ تصبح نمط الحياة في المجتمع الذي تسود فيه الذهنية القبيلية،وفضاؤها الأمثل: «النظام الجمهوري القبيلي» (1962 - ) يبالغ بعض الدارسين الاجتماعيين عندما يقررون ان أي عمل يتكرر بضع مرات في سياق اجتماعي يصبح ظاهرة، ويهبط بعضهم بالتكرار إلى ثلاث مرات. أما في حالنا فإن القتل العمد الذي يرتكب بدم بارد بالاستناد إلى ثقافة الحصانة فإنه ظاهرة تكاد تكون يومية، لأن ما يُعرف إنما هو ما يحدث في العاصمة وعواصم المحافظات. وليس مدهشاً أنها تتكرر بصفات تجعلها نمطية، كما نقرأ في الروايات البوليسية، وهي عندنا إفصاح عن مضمون راسخ في السلوك الاجتماعي يشير إلى المرجع القيمي الذي يحرك هذا السلوك: ثقافة الحصانة، والذين يهتدون بنورها المظلم هم كل المنضوين تحت لواء المؤسسة القبيلية العسكرية التجارية الحاكمة، والصفة المائزة التي تحدد وجودهم الاجتماعي ليست المدنية أو العسكرية بل مكانهم في التراتب القبيلي، وهذا المكان يحدد الصلاحيات في الجهازين المدني والعسكري فالدولة: السلطنة- الجمهورية لم تقطع الحبل السري الذي يربطها بمجتمع الاعراف الذي يعادي المبدأ الصوري من الأساس وبالتعريف، وتكاثر الادارات والوزارات ليس إلا دليلاً على الحاجة إلي وسائل جديدة لا إلى وظائف جديدة حديثة وعصرية، ومن هنا فهي ليست أدوات لإسباغ مبادئ جديدة في حقل العلاقات بين الأفراد والجماعات والطبقات، لأن هذا الحقل لا يزال محكوماً بعلاقات المجتمعات العسكرية، فالسيادة العليا فيه قائمة على القوة: الجيش، لا على الحق: الدستور والقانون ووجود مجال سياسي مستقل عن الدين والملك. ولذا يتعذر قيام السياسة المدنية وعقلانيتها الحاكمة. وأول السياسة المدنية سيادة المبدأ الصوري. ويتحدد الفرق بين الاثنتين في أن الحق في الأولى مع القوة بينما الحق في الثانية قوة فاعلة في العلاقات بين الناس، فهو إذ يتجسد في القانون حصيلة علاقات قوى وإن كان هذا في المجتمعات الطبقية أمراً لا سبيل إلى إنكاره ولكنه في الوقت نفسه حصيلة خبرات وقيم اخلاقية تراكمت عبر ممارسات فكرية وعملية تعود إلى احترام المبدأ الصوري، فالدولة رغم أنها جهاز قهر طبقي (ماركس) وتحتكر حق الاستخدام العلني للقوة (ماكس فيبر) إلا أنه لا يمكن اختزال طبيعتها ووظيفتها في القهر، فهي تنظم العمل الاجتماعي والتضامن الاجتماعي وكل أشكال الانتاج المادي والروحي، وكثيراً ما يكون استخدام القوة العلني خدمة لهذه الأهداف.
في مجتمعات الأعراف لا يوجد تصور لفرد في ذاته ولذاته، إنه ملحق إلحاقاً عضوياً بالجماعة: القبيلة- العشيرة- الطائفة، أما في مجتمع القواعد الصورية فهو فرد في ذاته ولذاته، هو عماد المجتمع والدولة والحضارة والثقافة. والذين يقولون إن الماركسية تلحق الفرد بالدولة لم يقرأوا الجملة الرائعة التي وردت في الفصل قبل الأخير في البيان الشيوعي: إن شرط حرية الجماعة هو حرية الفرد. الفرد إذاً ذات أي فاعل حر مبدع ولذا كان مكانه في دول رأسمالية الدولة، التي سميت اشتراكية، يناقض دوره الاجتماعي والسياسي. والفرد بالتعريف شرط قيام المجتمع المدني، وهو غائب في الجماعات العضوية: القبيلة -العشيرة- الطائفة، أي كل ما قبل المجتمع الحديث. وهذه الكيانات عائق أمام قيام المجتمع المدني، فهي بالتعريف لا تعرف فكرة الاختيار الحر والانتماء الطوعي إلى مؤسسة، وإصرار بعضنا علىأن القبيلة مجتمع مدني إنما (هو) اسلوب وطريقة عصرية في الدفاع عن كيان غير عصري لأنهم مثل النظام يستندون إليه ولا يستطيعون التفكير خارج أفقه، وهؤلاء كثر في أوساط الاسلام السياسي الزيدي وفي حزب الاصلاح. فمن الواضح أنهم لا يعرفون تاريخية المجتمع المدني ومسار هذه التاريخية.
إن السلطة القائمة تقدم لنا صورة شديدة الوضوح عن مجتمع القواعد غير الصورية، فهي كلما تعاملت مع ممثلي او زعماء القبائل في قضايا كبيرة أو صغيرة، سواء أكانت انقاذ سائح مخطوف أم إصلاح انبوب نفط أو إنهاء تمرد أو تسليم قاتل، تفاوض هؤلاء الممثلين أو الزعماء، فالقبيلي الذي يرتكب هذه الاعمال ليس فرداً مواطناً في دولة إنه أولاً وقبل كل شيء ابن القبيلة، ومن هنا تصدر كل تصوراته عن نفسه وكذلك تصورات السلطة عنه، ومن هنا عدم تساوي المعاملة فالشمال غير الجنوب والشرق غير الغرب لا في الجغرافيا بل أساساً في الجغرافيا السياسية، فالقاتل التعزي أو المتمرد في أبين أو يافع لا يُعرف وفقاً للقواعد الصورية نفسها مقارنة بنظرائه في صنعاء وذمار وحجة. لم أذكر تهامة في هذا السياق، فهي في الجغرافيا السياسية نظير الأخدام في الخريطة الاجتماعية، منبوذة خارج المجتمع مع أنها أرض ميعاد هذه البلاد، لو كان فيها نظام لا يستدبر البحر ومتحرر من ضلال القرون. إنها أرض ميعاد بشعبها وأرضها وبحرها.
إن تحرر شعب تهامة من كل أغلاله سوف يكون دليلاً على أننا أصبحنا مجتمعاً حديثاً. لا تدخل السلطة القبيلي في مبدأ صوري لم يستقر ليصبح مرجعاً في تفكيرها رغم كل ديكور الدولة العصرية، وهو بدوره ينظر إليها قبيلة أخرى أو القبيلة المناوبة على السطة، فالعلاقات بين الطرفين ينظمها تصور مشترك يوحدهما في أخطر القضايا: عقوبة القتل، ومسألة الولاء الوطني، واحترام القوانين. وتدل الخبرة التاريخية الطويلة أن الاسلام لم يغير هذه الذهنية تغييراً حاسماً، فسرعان ما تغلبت القبيلة على المبادئ الصورية التي جاء بها لتوحيد الجماعة الاسلامية. وليس مصادقة أن أول نزاع بين الامام يحيى والاتحادات القبيلية كان على تطبيق المذهب الزيدي بدلاً من حكم الطاغوت، أي الأعراف التي تحكم العلاقات بين ابناء القبائل وتسمى القواعد، فهي تمس قضايا حيوية من القتل إلى ميراث المرأة...الخ.
بعد إنقلاب سبتمبر 1962 أصبحت القوة وحدها أساس الشرعية، وودَّع اليمنيون قوة الشرعية وإن في أكثر صورها تدهوراً وتضليلاً وتخلفاً، لأن ما جاء مع الانقلاب إنما هو مبدأ القوة العارية، ولذا فإن التغيير بالانقلابات العسكرية أسوأ انواع التغيير في جميع الأزمنة والأمكنة بعد أن دخلت البشرية عصر الحداثة.
إن العسكر يلغون المجال السياسي، فالتفكير في نظرهم جناية، أما التفكير السياسي فهو الخيانة بالتعريف.
2 - قتلُ محمد حمود الحامدي الحبيشي قبل بضعة أيام كان أحد الأمثلة الصارخة على ر سوخ ثقافة الحصانة رسوخاً ضارياً، فالقتل العمد لسبب تافه دليل على أن العزة بالإثم إحدى الثمار المرة لهذه الثقافة. كان هذا القتل إعلاناً للقوة وتباه بالمركز ينفي حضور وجود ذرة من المشاعر الانسانية في نفس القاتل/ القتلة، وتبلغ اللاانسانية ذروتها في ارتكاب الجريمة أمام أعين ابني القتيل، كما أن الاخراج والاداء الجماعي للفعلة الشنعاء إشارة واضحة وصريحة إلى المصدر والمرجعية في مستوى القوة المادية والسند المعنوي: الجماعة -القبيلة، وسمتها التضامنية التي تميزها في جميع مستوياتها في الدولة والمجتمع.
وإذا كان الجنود في الجنوب يقتلون ثم يلتجئون إلى المعسكرات التابعة لجيش القبيلة فإن قتلة الحامدي لاذوا رأساً بحمى القبيلة الأساسي في أقوى مستوياتها، فهو من ناحية حمى القبيلة الخاصة التي ينتمي إليها الرئيس التي باهى بها الرئيس البلاد كلها قبل نحو شهر، ومن ناحية أخرى رمز عام للقبيلة بما هي مفهوم وذهنية واسطورة متواشجة بنسب موهوم وخرافات عن الجدود العظماء. ونشر في الصحف أن القاتل الرئيسي والمتهم الأول يعمل في غير مؤسسة بالقصر الجمهوري في صنعاء وعدن، وكذلك أخوه.
تلغي ثقافة الحصانة، التي ترتكب بهديها وحمايتها الجرائم، مبدأ المساواة بين المواطنين وإن كانت هذه الصفة غير مطابقة لواقع الحال إلا باعتبارها إمكاناً منشوداً، وهي بذلك مثل الوطن، الذي يتعذر تصوره بدون مواطنة. إننا لم نحقق بعد الاندماج الوطني الذي هو الأساس المتين للمواطنة والوطن.
عندما كتب مونتسيكيو كتابة المشهور «روح الشرائع» أكد فيه أن الشرائع ثمرة لون من الحتمية الجغرافية (وهي فكرة ألمح إليها ابن خلدون الحضرمي) والأعراف والتقاليد ولكنه أراد بذلك أن يصل إلى مستوى جديد يتجاوز مبدأ الشرف الذي يحكم النظام الملكي وكذلك مبدأ الخوف الذي يسود في الدولة الاستبدادية، فرأى في مبدأ الفضيلة بديلاً للاثنين ويقصد به حب الوطن تحديداً، أي الانتماء إلى متحد جديد، حتى يتجسد في العلاقات بين المواطنين مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث في استقلالها وتكاملها فيمتنع الاستبداد والظلم وحكم النزوة. وتكامل السلطات واستقلالها وحدة جدلية تضمن الاستمرار والاستقرار الحي والتطور. الفصل بين السلطات وسيلة وغاية، وليس البتة غاية في ذاته، فسعادة البشر هي الهدف الأول والأخير.
إن صرخة «العقيدة» القبيلية التي أطلقها القاتل/ القتلة مع رصاصهم كانت يالغلغي، وقد ترددت في أحداث أغسطس 1968 لأول مرة في تاريخ الشمال السياسي. وفحوى هذه العقيدة مشترك بين الرئيس والأحمر الأب واليدومي. كانت المباهاة المذكورة آنفاً تعبيراً غير مباشر عنها، أما الأحمر الأب فمنذ يوم الوحدة الميمونة وهو يردد إن الجنوبيين، ولا سيما عدن، خليط من الهنود والأفارقة والصومال بل والبلوش والاندنوسيين. وقد فاضت انسانية اليدومي يوماً بعد حرب العام 1994 فأراد تحسين نسل الجنوبيين بنقل مليون إنسان/ شتلة من الشمال الآري إلى الجنوب، ولا أدري إن كان على علم بعلم النسالة (اليوجينيه) الذي تحمست له دول في أوروبا منها السويد، كما راج في امريكا الشمالية، ولكن الذين اعتبروه عقيدة سياسية هم النازيون وحدهم، وذلك في العشرينيات والثلاثينات من القرن الماضي.
إن أقوال هؤلاء ليست شططاً عابرا بل صورة أمينة لثقافتهم القبيلية، فهي مرجعيتهم الأساسية بل والوحيدة، وما خلاها تفاصيل يؤخذ بها أو تترك وفقاً لظروف الزمان والمكان، وكان الأحمر الأب صريحاً وصادقاً عندما أكد غير مرة لو تعارضت الديمقراطية مع القبيلة فإنه يرفضها ويتمسك بالقبيلة.
إن الحديث عن الدستور والقوانين عند مناقشة هذه القضايا جهد تنويري مثمر على المدى البعيد في صفوف المضطهدين، ولكنه لا يزحزح تصورات أحد في الطبقة السياسية الحاكمة قيد أنملة، فهي مكتفية بذاتها داخل مؤسستها المغلقة والتي تشع ظلماً وفساداً حتى أصبح الفساد نظاماً. وهي متمسكة بعروتها الوثقى: الجيش مصدر السلطات، ولا فصل بين رئاسة الدولة ورئاسة الجيش، والدولة والمجتمع مجعولان للجيش وما المديح المكرر حتى الإملال للجيش والأمن إلا تأكيداً لهذه الحقيقة. وإذا لم نتجاوز السد الذي يحجب الحرية والحق والحقيقة فلن نطلُ على العصر،وعبثاً نتحدث عن النظام الرئاسي والبرلماني والمختلط وما بين الثلاثة.. هذا بحث خطأ في الأفق الخطأ، لأن بداية البدايات كلها دولة مدنية ورئيس مدني.
3 - لهذه الذهنية حضور راسخ في القمة والقاعدة والوسط، وهذا سبب استمرارها بصورة نمطية، لأنها لو كانت من ثمار العصبيات الصغيرة التي توجد في كل المجتمعات لكانت نادرة الحدوث وغير نمطية، ولاتخذ القضاء منها موقفاً يمليه القانون، أما في اليمن السعيد بحكامه فإن القضايا لا تصل إلى القضاء إلا نادراً، وفي هذا الحال تتعثر، والغالب معالجتها بالعرف القبيلي.
في الدول التي يسود فيها المبدأ الصوري تصبح الأعراف نافذة كما لو كانت قانوناً، أي تكتسب صفة الصورية الحاكمة في المجال القانوني بينما يلغي القانون في الدول التي يسود فيها العرف المبدأ الصوري، رغم أنه موجود في نصوص القوانين وفي الدستور، لذلك ينحط القانون إلى مستوى العرف، ويرتفع العرف إلى مستوى القانون من حيث تنفيذه فيغدو ظلماً فاجعاً يمس أكرم وأقدس مكنونات الضمير ومعنى الحياة. ولذا يسود التشاؤم وعدم الإيمان بالتضامن وإمكان انتصار الخير والعدل في حياتنا. وهنا يكمن الفرق الحاسم بين سيادةالمبدأ الصوري، أي القانون، وسيادة الأعراف، فلا يكون العرف مصدراً من مصادر القانون بل قانوناً.
قَتَل ضابطٌ الطبيب عبدالقادر حمرة في العام 1984 في باب موسى بتعز، فبعد ان سقط القتيل وبدأ النزف غزيراً من جسده وقف القاتل مهددا شاهرا سلاحه حتى لا تقترب سيارة الاسعاف او أي مواطن لاسعافه، وعندما تأكد أن عبدالقادر قد مات ذهب إلي حال سبيله. كان أمراً يمكن وصفه بمابعد السادية، بينما الأمر كله كان مماحكة من المماحكات التي تحدث كل يوم، ولكن الضابط ووالده، والأخير من أصدقاء الرئيس كما قيل، لم يستطيعا صبراً على الاهانة التي لحقت بهم من الطبيب الذي لا يزن جناح بعوضة في سلم المقامات القبيلية.
خرجت في تعز مظاهرة حاشدة تهتف ضد الزيود لأول مرة بعد 1962، بدلاً من الهتاف ضدا على السلطة. قضى القاتل فترة في السجن، وكان فيه سيداً مطاعاً، ثم شاع أنه نقل إلى ألمانيا للعلاج... وأخيراً سويت القضية بالصلح القبيلي.
وما هو جدير بالإنتباه في كل حوادث القتل هذه أنها تنطوي على شىء أفظع من القتل: إحتقار الانسان، ويبدو أنه مدخل إلى القتل والتعذيب، أما الضحايا فهم دائماً من الجهة الاخرى، من القبيلة التي ليست قبيلة في عيون القتلة.
وحادثة إطلاق النار على الأخ حسن مكي معروفة، وحدثت قبل خطبة الحرب التي ألقاها الرئيس بثلاثة أيام، أي في الساعات السابقة على شن الحرب على الجنوب. ولا يوجد قول أبلغ من بيان الشايف الذي نشرته صحيفة «الشورى»، فهو لم يرد إلا مساعدة الحكومة على ضبط الأمور فمكي بالتعريف مع الجنوب، رغم أنه في منصب رسمي، أما هو فإنه متوحد بالحكم/ بالنظام ولا يمكن أن يكون الأمر إلا على هذه الشاكلة، فهو القطب الثاني في كيان الأمة، وإن كان مطلبه الثابت الندية مع حاشد كما صرح في حديث طويل أحد زعماء بكيل، عبدالوهاب سنان، في حديث طويل نشرته «يمن تايمز»(ديسمبر1995).
كان قبول مكي الحل القبلي الذي زحف إليه بالرجال والثيران إحدى ذرى انتصار الماضي على الحاضر والمستقبل. فذلك المنظر البدائي قد خلفته كل الشعوب وراءها منذ قرون وقرون. ونحن على العهد باقون.
قال أحد الوزراء وهو يشاهد ذلك المنظر لزميله بالانكليزية هذا يوم ذبح القانون والدستور، والقائل واحد من الذين يوصفون بأنهم التكنوقراط، وأشك في استحقاقهم هذا الوصف باستثناء الراحل محمد سعيد العطار. والسؤال: متى طبق الدستور واحترمت القوانين في سلطة الأعراف والحكم الشخصي؟ وما أكثر المثقفين الذين يتظاهرون بأنهم ليسوا مع النظام وهم من أخلص خدامه.
4 - يسرد الباحث المتميز «جورج قرم» مسار التحول الذي هيمن على مستقبل المسيحية من خلال ركام القوانين الصادرة في كنف الكنيسة، والنواهي والمحظورات التي اتخذت بحق اليهود والهراطقة، وكان كل الذين يفكرون بعقولهم يقضون نحبهم على المحرقة، وهذه أهوال «نظرية الاذلال» التي اختلقها اللاهوتيون فأثمرت قرونا من التعصب المر والدموي. بيد أن المسيحية نفسها كانت ضحيتها فقد كانت سبباً في انشقاقات القرن الخامس، التي فصلت الشرق السامي والقبطي (المصري) والأرمني عن بيزنطة (الروم)، وانشقاق القرن العاشر الذي بتر القسطنطينية وفي حذوها انطاكية والاسكندرية عن السدة الرسولية في روما، وانشقاق القرن السادس عشر الذي حطم إلى الأبد وحدة الدولة المسيحية (ريبوبليكا كريستيانا) الوسيطية. فقد مارست المسيحية أممية دينية قبل الاسلام: دولة الخلافة أو دار الاسلام، وكان فيها الدين دولة باطشة وأداة تسعير مظالم دنيوية مدمرة، تماماً كما حدث في تاريخنا بعد ذلك.
رغم الفرق الشاسع في المستويات كافة بين تلك الأحداث الكبيرة والحال في يمن ما بعد الوحدة، إلا أن العبرة إنما هي في لب الدرس التاريخي، وفي أن الاستبداد له ملامح مائزة عابرة للقارات والديانات والثقافات، والمشترك هنا بين العصور والدول هو المحاولة البائسة في جعل الإذلال شرط الشروط في النظام، وهو قوة تسند الخوف وقد يتجاوز فاعلية تأثير الخوف في كثير من الأحيان، لأنه ينطلق رأساً إلى الهدف: تقويض أساس الذات الذي يشكل الشخصية الانسانية، أي الكرامة، والحط من قدر الانسان في نظر نفسه، وبعد ذلك يسهل إلحاقة بحياة البهيمة. إنه القصد نفسه من التعذيب.. ولكن مع الاستسلام لفعل الاذلال يصبح الانسان جلاد نفسه.
ما حدث في مأرب وصنعاء والضالع مع القعقوع وصائل وهارش يكاد يكون متطابقاً في تفاصيله وكأن المخرج وكاتب السيناريو يشتركان في إخراج المشهد معاً. يؤمر الجندي بالإنبطاح، أو يعلق في عنقه إطار سيارة، ويؤمر فوج من الجنود بالمرور عليه، ويشتم بالكلمات نفسها تقريباً: لولا أنك مكلف ما بقيت في الحبس. المطلوب أن يكون الجيش نقيا لا شية فيه وملكاً خالصاً لأهله. هذه الصور من الإذلال وتكرارها في صورة نمطية يدل على الأمر ليس نزوة ضابط منتشٍ بخمر النصر وثقافة الحصانة، بل هو عمل روتيني يراد له أن يطرد البقية الباقية من الجنوبيين.
عزوف الجنوبيين من الذهاب إلى الدوائر الرسمية سببه فظاظة المعاملة، وهي خبز الإذلال اليومي كلما اضطرتهم الحاجة الملحة إلي الذهاب إلى تلك الدوائر.
غضب نيتشه الشديد من رجال أوروبا في القرن التاسع عشر، فهم قد تخلوا عن الشجاعة والذود عن الكرامة، وهو يقدم وصفاً شائقاً وطويلاً لهذا الرأي. وقد جاء تعقيب أحد الدارسين الغربيين على ذلك موفقاً ودقيقاً فالرجال في هذا الزمان يمكن وصفهم بأنهم «رجال بلا صدور» في إشارة إلى الصدر وهو موئل قوة الغضب والدفاع عن الكرامة عند افلاطون في دولته.
إن الناس جميعاً في بلادنا يعانون ويلات ثقافة الحصانة، و«نظرية الإذلال» غير المعلنة، ولكنها تمارس بدأب وانتظام. فهل أصبحنا جميعاً رجالاً ونساءً بلا صدور، وأننا كما يقال عن بعض المرضى: هذه حال ميؤوس منها؟
لا أظن أن الأمر بلغ هذه الدرجة من السوء. علينا أن نتضامن دون تردد وبشجاعة فالأمر لا يخص أسر الضحايا أو أبناء منطقتهم، إنه شأن مجتمعي بامتياز ويتعلق بالكرامة التي إن غابت احتجب الوجود الانساني كله، وعندئذ يفقد الوجود -في-العالم معناه، ويجرف في طريقه كل مسرات الحياة الكبيرة والصغيرة. فلنجعل من مقتل الحامدي قضية عامة تخص الجميع وكل واحد.. وإلا لن يتوقف نزف كرامة الوجود الانساني.


18/6/2006

* بعد كتابة هذه الصفحات جاء في الصحف قتل البحري والريمي والكدن... وكلهم من مواطن المستضعفين في الأرض
عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16 - 08 - 2006, 01:41 PM   #5
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444
وهنا سأنقل هذا الموضوع لنفس المفكر
http://www.alnedaa.net/index.php?act...Details&id=502

قضيتان - أبوبكـــــر السقـــــاف
الثلاثاء , 15 أغسطس 2006 م
هذا الكر والفر الذي يدور منذ أقصوصة «أترشح، ما اترشحش» والتي كانت تهدف في ما تهدف إلى شن حملة دعائية مبكرة لا يمكن مقارنتها بأية حملة أخرى، وانتهت بذلك المشهد الكوميدي في ميدان السبعين، ليبدأ الجانب المأساوي منها الذي ستتجلى بوائقه وويلاته منذ اليوم الأول للرئاسة الجديدة - القديمة التي تنتجها ديمقراطية الانتخابات الدورية التي استبدلت بالانتخابات الديمقراطية ومؤسساتها وقوانينها.
هذه الرئاسة ضرورية لصاحبها، لأسباب أهمها أنه لو غاب فإنه سيكون آخر رئيس زيدي لهذه البلاد، كما يروى عنه. وقوله بأنه تراجع عن وعده لأنه يريد حماية الجمهورية من عودة الملكية العدنانية - الزيدية، تأكيد لهذا الهدف «الاستراتيجي» الذي يخص كل القحطانيين. والهدف الذي يرتبط عضوياً -بالدلالة العامة والخاصة- بالهدف السابق هو التوريث، فاستمرار الجيش في أيد أمينة ضمان للاستقرار السياسي وحرز يقي البلاد شرور الانقلابات العسكرية، كما صرح مرة لصحافية في قناة الـ(ام. بي. سي) وكأنه لم يأت على ظهر دبابة ولا يزال جالساً عليها، وهو يساوي بين ولي العهد والأسرة والعشيرة والقحطانيين كافة. إن ولي العهد هو ضامن هذا النهج «التاريخي»، كما أنه استمرار لدور القبيلة، التي يعتبرها الرئيس أصل التاريخ وهدفه، ويشاركه في هذا، رغم الاختلاف في أمور أخرى، ممثلو الإسلام السياسي الزيدي العدناني. وأية دولة سلطانية بدون الجنوب؟ ولذا فإن الهدف الثالث: الحفاظ على الوحدة التي مهرت بالدم وهزيمة الانفصاليين على اختلاف اتجاهاتهم. إنه ينقذ تاريخنا الحديث والمعاصر كله.
ليس من الصعوبة أن نلاحظ أن الجيش في مركز السياسة ومصدر السلطات، فالانقلابات العسكرية هي أمارة الاستيلاء (الماوردي) في صورتها العصرية، أي الدولة السلطانية الجديدة التي حرص فقهاء السنة قديماً على التمييز بينها والخلافة، فهي أمر واقع تكيفوا معه وقبلوا به ونادوا بتقديم الولاء والطاعة له حفظاً لدار الاسلام وحماية لأهل السنة والجماعة. وقد عدنا منذ أول انقلاب عسكري، في العام 1936 في العراق على يد ياسر صدقي، إلى الدولة السلطانية التي ألغت دساتير العشرينات، وتجارب التحديث والليبرالية في غير حقل ومجال. ومع هذا التحول الحاسم بدأت هزائمنا وخيباتنا حتى يوم الناس هذا. ألغت الانقلابات بدايات الدولة السياسية المدنية، أي: ألغت المجال السياسي عن بكرة أبيه.
يتذمر أصحاب اللقاء المشترك من لجوء خصمهم السياسي إلى الجيش. ومتى لجأ إلى غيره؟ فهذا عمل روتيني لم ينقطع منذ نحو تسعة وعشرين عاماً.. ويكفي أن نذكرهم بذلك العرض المسرحي قبيل الحرب في العام 1994 عندما تبادل الرئيس وشيخ التكفير المواقع، فذهب إلى الجند للقيام بممارسة نظرية فقهية، وأرسل صاحبه إلى الثكنات لنشر سعار الحرب ضدا على الكفار. إن الحياة السياسية مغموسة في ذهنية القوة والقمع. فالجيش والأمن يديران الانتخابات، ويشنان الحروب الأهلية، ويقومان بالقمع خطفاً وقتلاً وتعذيباً وسجناً. وعدم رؤية هذه الصورة البانورامية (الشاسعة) بلونها الدموي، هو أسوأ أنواع عمى الألوان الذي يجعل صاحبه لا يرى إلا الرمادي. والبحث عن الفروق بين النظام البرلماني و النظام الرئاسي مع بقاء هذه الشروط، أشد ضلالاً من البحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة.
إن بداية البدايات وأول التغيير وشرط الشروط، هو الشروع في السياسة المدنية، وهذه شرطها اللازم والضروري والكافي، هو حظر الجمع بين رئاسة الدولة وقيادة القوات المسلحة. ويزيد من ضراوة هذا الجمع عندنا، تزاوج الدولة والقبيلة، فيضيف هذا، إلى شرور الجمع، العجز الوظيفي الناتج عن سبب بنيوي وتكويني في القبيلة والقبيلي، عندما تتوحد القبيلة بالدولة في شروط تخلف تاريخي بعيد الغور، كان ومايزال سبباً في غياب نخبة -ذات ميراث ثقافي وسياسي واخلاقي- قادرة على إدارة البلاد بشروط العصر. إن السياسة المدنية تبدو شرطاً لنشأة مفهوم الدولة نفسه، وبدونه يتعذر أن تكون الدولة -القائمة على: منطق القوة المحصن في الداخل، وتوازن الوسط الدولي الذي يضمن استمرارها مع غياب السيادة- أمراً قابلاً للاستمرار، أي: أزمة وجود الوحدة والدولة معاً.
إن غياب هذه القضية الكبرى من برنامج المشترك، هو مقتلها، لأنها تدور في فلك النظام السلطاني وميكانيزمات الدولة السلطانية، التي يشكو منها آخر بيان (7/8/2006).
كان تركيز حركة الاحرار الدستورية، لا سيما صانع قضيتها الاول أحمد محمد نعمان، على الدستور واقترانه بالحرية، تركيزاً على هدف تاريخي، بصرف النظر عن نجاحهم وإخفاقهم. بينما يبدو تجنب التركيز على أساس بنيان الدولة السلطانية في السياسة اليمنية إخفاقاً في تشخيص عصري لهذا البنيان. ولعل من أسباب ذلك موافقة ضمنية عند بعض اطراف المشترك مع الدولة السلطانية لأسباب ليس هنا موضع الحديث فيها. كما أن من الواضح أن المشترك، لو تحدثنا بدقة، ليس معارضة، إنما معارضات، وهذا أيضاً يتطلب حديثاً مستقلاً؛ ولكن يكفينا أن نشير هنا إلى الحرص الذي أبداه غير طرف فيه، على استبعاد فكرة مقاطعة الانتخابات، بحجة أن المطلوب إنما هو مقاطعة ايجابية، بينما لم يجر الاعداد لها حتى بالحديث العابر عنها مما يدل على أن هذه الحجة التفاف على الفكرة. كما أن التأخر حتى يوم البيان الآخر( 7/8/2006) للتلويح بالرجوع إلى الهيئات الحزبية للبت في أمرها، لا يبدو مقنعاً بعد أن بلع المشترك طعم الاتفاق، الذي كان كسباً -بالنقاط والضربة القاضية- للسلطة. والضربة القاضية هي كون المشترك لم يستطع استخدام فكرة المقاطعة لتحقيق مكاسب أثناء الحوار، الذي أجل كل القضايا المحورية إلى ما بعد الانتخابات. وهذا يذكر باتفاقية أوسلو في كثير من النواحي. وقد جرى التفكير والعمل السياسيان وفقاً لمنطق التجارة بالقطعة وليس وفقاً لتجارة الجملة، فغابت قضية القضايا أو كما تقضي الدُرجة (الموضة) في الكلام السياسي الرسمي منذ سنوات الاستراتيجية، حتى أصبح جمع القمامة استراتيجية خطيرة تكاد توازي برنامجنا النووي، السلمي طبعاً.
عندما لا تتوافر أبسط شروط البداية في التحول الديمقراطي، تكون المقاطعة الايجابية عملاً ديمقراطياً بامتياز.
بقيت كلمة: قال لي صديق قديم: لا نريد استفزاز الجيش.
ومن يريد؟
إن المطلوب جعل الجيش هدفاً للتنوير السياسي. فإذا استثنينا قلة قليلة فيه، فالضباط الصغار وجميع الجنود، في حال زرية، فهم يشاركون أهلهم الفلاحين من أبناء القبائل والقرى والحرفيين والفقراء المدقعين، البؤس الذي تفرضه الدولة السلطانية جرعات قاتلة، كان آخر ثمارها أحداث 20-21 يوليو/ تموز2005 الدامية. وجاءت المظاهرات عفوية فالأحزاب عندنا لا تريد استفزاز السلطة.
يبدو أن السياسة في بلادنا بانتظار قوة حديثة جديدة تطرح الاسئلة- المحاور، وتكف بذلك عن الدوران حول المشاكل واشباهها ، وعندئذ لا تكون السياسة لعبة كراسي موسيقية.


* أتمنى أن أكون مخطئاً في هذا التقدير، وأن المشترك قادر على إنجاز فعل مقاطعة إيجابية كفيلة بتمزيق كل أوراق التوت التي تتلفع بها ديمقراطية الدولة السلطانية التي تملك كل شيء وتضع كل شيء.
جاء في بيان الأحزاب أنها «تعرب عن اسفها الشديد لممارسات الخرق للاتفاق منذ اليوم الأول للتوقيع عليه وبصورة تتعدى نصوص الاتفاق إلى الاخلال بدستورية وقانونية الاجراءات الانتخابية». ثم أحصى البيان أوجه الخرق والإخلال التي طالت الدستور والقوانين في ما يتعلق بإصلاح الإدارة الانتخابية، بما في ذلك حق التصويت للناخبين المقيمين في الخارج، وبالسجل الانتخابي، بما في ذلك رفض المقترحات المقدمة من هيئات دولية، وحيادية وسائل الاعلام، وحيادية القوى المسلحة والأمن.
وبعد إسهاب إنشائي لا يعني شيئاً أمام طوفان الخرق والإخلال والسيطرة، نقرأ: «... وإذا ما وصلت [هيئات اللقاء المشترك (أ. س)] إلى طريق مسدود بهذا الصدد فإنها ستجد نفسها مضطرة بالعودة [لعلها إلى (أ. س)] إلى الهيئات القيادية لأحزابها بموجب التفويض المخول لها بتحديد الموقف النهائي من هذه الانتخابات وفقاً للخيارات التي ستقررها وتدافع عنها الهيئات القيادية لأحزاب اللقاء المشترك».
ليس الطريق مسدوداً بعد، إذ هناك أمل. وتبدو المشاركة في الانتخابات بعد هذا النقد المطول، حباً في الانتخابات من أجل الانتخابات. أو أن هذا ما تمليه المصلحة العليا التي قال الاحمر الأب إنها سبب المشاركة في الانتخابات رغم أنها مزورة، وذلك رداً على سؤال إذاعة «مونت كارلو» قبيل انتخابات العام 1997، وكانت المصلحة العليا في ذلك الوقت إضفاء شرعية انتخابية على نتائج حرب العام 1994، فما المصلحة هذه المرة؟

القاهرة، 10/8/2006

عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23 - 08 - 2006, 09:34 PM   #6
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444
وهنا سأنقل هذه المقالة لنفس المفكر
http://www.alnedaa.net/index.php?act...Details&id=539

رسالة تضامن إلى زملائي الدكاترة العاطلين في دولة المؤسسات والاستراتيجيات العظمى - أبوبكـــــر السقـــــاف

"إن الجامعات العربية تطرد بانتظام أفضل علمائها، وتعرض عليهم حياة غير مجدية في الوطن العربي ولعل أشد وأغرب أشكال هدر الكفاءات ما يحدث في اليمن السعيد، وهو ما جعل صحيفة "الوطن" الكويتية تنشر في 18/1/1989م خبراً تحت عنوان مثير "دكاترة اليمن بلا عمل" ولم يكن هذا الخبر الا نقلاً لنص رسالة وجهها ثمانية عشر دكتوراً يمنياً الى رئيس مجلس الشورى سابقاً الأخ عبدالكريم العرشي، ونشرت في مجلة "الحكمة"، وقد شكوا حال ثمانية وأربعين دكتوراً منعوا من العمل في الجامعة "ارجع ان شئت الى: أبو بكر السقاف، الديمقراطية والإصلاح في الجامعة (=جامعة صنعاء)، الحكمة، عدن، أغسطس 1990م، ونشرت الرسالة والموضوع في الحكمة بعد تعذر نشرها في (ج. ع. ي) ومن بين الذين حظر عليهم العمل في الجامعة الزميلان على محمد زيد، ومحمد المخلافي، الأول عدناني والثاني اشتراكي والعياذ بالله منهما معاً. والجدير بالذكر أن مدير جامعة صنعاء هدد الثاني بإرساله الى الأمن الوطني في حال استمراره في المطالبة بحقوقه مع زملائه، الأول تمكن بعد فترة من الالتحاق باليونسكو، وهاجر عدد كبير من الذين وقعوا الرسالة.
العلم ينشأ عندما توجد طبقة في المجتمع يصبح في نظرها مطلباً اجتماعياً وأساسياً للدولة والمجتمع، وعندئذ يغدو قوة إنتاجية وينتج مبادئ تهذيب ورقي في الأفراد وفي الجماعات تمكن الجميع من مراكمة خبرات قانونية وأخلاقية وإدارية تتكامل في ما يسمى نهضة وحضارة، والحال أن كل أنظمة الحكم العربية بلا استثناء ليست لديها أية فكرة عن النهضة والحضارة ولو في المنام، ولذا فإن التعليم العام والعالي حتى عندما تنفق عليه الأموال الطائلة، وهي هزيلة إذا ما قورنت بما ينفقه العالم المتحضر والناهض أو العدو الإسرائيلي الذي يحتل المكان الأول حتى العام 2005م في الإنفاق على العلم. الانفاق على التعليم في المجتمعات العربية يهدف الى تنظيم القمع في المقام الأول، وفصل التعليم عن المجتمع وربطه بجهاز الحكم، ليس إلا أحد جوانب إستراتيجية القمع الشاملة. ومالكو الأنظمة يعلمون أن رسالة التعليم التحريرية أخطر عليهم من أية ثورة أخرى، فأصبحت المدارس والجامعات سجوناً للتدجين والقمع وتزييف الوعي وصنع الطاعة، وهم يعرفون أن تحرير التعليم هو المقدمة الكبرى لتحرير المجال السياسي ومجال المجتمع المدني من أغلالهما. وقد توصل بحث جماعي أجري في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات بإشراف منتدى الفكر العربي، عمان، الى النتائج التالية فيما يسمى التعليم - رسمي العربي، ومن سوء حظنا أن كل التعليم رسمي باستثناءات قليلة لا تؤثر في الحصيلة النهائية:
1 - يركز على الماضي و يهمل المستقبل.
2 - يركز على الحفظ والترديد وليس على التفكير والتحليل.
3 - يدعم الامتثال والتقليد ويحارب الابتكار والتفرد.
4 - يدعم القهر والتسلط ويناهض الاستقلال والنقد.
5 - يمجد الحصول على الشهادات، والاعتماد على الوظائف الحكومية، ولا يشجع التعليم والاعتماد على النفس.
6 - يشجع على الاستبداد والخنوع والسلبية وليس على المشاركة والديمقراطية والمبادرة.
وتبقى كلمات الملك الراحل حسين التي أطلقها في تلك الأيام، حتى اليوم خدمة شفهية، فقد قال إن المستقبل مرتبط بتعليم المستقبل. وهذا يؤكد أن قضية التعليم في مركز قضية التغيير والثورة والنهضة، وتضاهي في محوريتها قضية التغيير أو الثورة السياسية. (إن شئت ارجع الى: أبو بكر السقاف، فلسفة وأهداف التعليم قضايا العصر، عدن، يناير/ فبراير 1993م)، وقد أوجزت في تلك الصفحات فكرة مفادها أن التعليم العام والعالي: منطقة كارثة وطنية، وطالبت بالكف عن التخريب المستمر، والشروع في تدريس العلوم تدريجياً بالعربية، وقبل ذلك كله حرية البحث والتفكير.
تزايدت وتيرة طرد الكفاءات من مجال التعليم العالي في السنوات الأخيرة، وإذا كانت شهادة حسن السيرة والسلوك وسيلة الطرد الأولى فإنها كادت أن تختفي بعد الوحدة، ثم عادت مقنعة بعد الحرب (1994م) وأضيف إليها تمييز رسمي لأبناء الجنوب لأسباب سياسية فاقعة، فهم غير موثوق بهم في مسألة محورية الولاء للنظام والذي يضع علامة التساوي بينه والوطن، والدولة والوطنية، وذلك على طريقة الدولة السلطانية.
ومن أسباب تزايد وتيرة الطرد عودة مبعوثي الأمن السياسي للدراسات من البلدان العربية وضرورة التحاقهم بالجامعات اليمنية.
وقد حررت في السنوات الأخيرة عدداً من رسائل التوصية لطلاب يريدون مواصلة دراسات عليا في الخارج ولزملاء جاءوا بشهادات دكتوراه للعودة الى المهجر. وكنت حتى عهد غير بعيد أنصح ان طلب مني النصح -بالبقاء في الوطن؛ ولكني أدركت أني ربما أكون بذلك أعين النظام القائم على قمعهم باسم فائدة للوطن مؤجلة يمكن أن يقدموها في زمان قادم، بينما يهدر زهرة العمر في مناخ المذلة والكآبة والإحساس بأن وطنهم لا يحتاج اليهم وأنهم فائضون عن الحاجة.
ان الجديد الذي طرأ على التعليم العام والعالي هو المدارس والجامعات الأهلية، وهي لا تكتفي بتكرار أخطاء المدارس والجامعات الرسمية، بل تضيف خطاياها المدمرة فإذا كانت الرسمية قد اقتربت من إلغاء مجانية التعليم بما تفرضه من رسوم وبتخليها عن تقديم الكتب في الجامعات للطالبات والطلاب، فإن الأهلية قد جعلتهم جزءاً من سوق العرض والطلب، ولأن هدفها هو الربح في أكثر أشكاله بدائية وهي لم تكلف نفسها مشقة استقدام أو إعداد ملاكاتها (كادر) الخاصة؛ إذ تعتمد على أساتذة ومدرسين الجامعات الرسمية، ويجري تدمير الأداء العلمي في الطرفين. وقد سجلت الأهلية رقماً قياسياً في اهدار قيمة الشهادات العلمية ما بعد الجامعية، فمبلغ عدد من منحوا درجة الماجستير فيها -قبل نحو أربع سنوات- نحو ضعف من منحوا الشهادة نفسها في الجامعات الرسمية التي سبقتها في التأسيس بنحو ثلاثة عقود من السنين.
أما البحث العلمي فهو غائب فيها جميعاً، وكيف له أن يوجد إذا كان التدريس متدن ويقع دون المتوسط العربي والدولي؟!
وإذا كان التعليم الأهلي في المجالين: العام والعالي، ومفيداً؛ فإن الفائدة لا تأتي إلا بتوافر شروط علمية وتربوية وفكرية صارمة، وهي غائبة فيها وفي التعليم الرسمي.
وهذه القضية ينظر إليها في حمى الخصخصة على أنها جزء مكون من تحرير السوق بينما الحال في العالم في هذا المجال ليس كذلك، فأمريكا الشمالية -مثلاً- تقوم الدولة فيها بـ75% من أعباء البحث العلمي، لأن الدولة هناك وهنا وفي كل مكان لا يمكن أن تكون فقط جابياً للضرائب، وجهازاً يحتكر حق استخدام القوة العلني، وشن حروب الدفاع والعدوان.
إنها ترعى الثقافة باعتبارها تنظيماً اجتماعياً للمعنى وتبني حضارة ويتماسك بنيان سكانها لوعي أخلاقي وقانوني مشترك.
أردت لهذه الصفحات أن تكون مدخلاً لإعلان تعاطفي وتضامني مع الزملاء الذين شكلوا لجنة ترعى شؤون الدكاترة العاطلين، وإني معجب جداً بهذه الخطوة، التي أتمنى أن يقلدهم فيها كثيرون في مجالات متنوعة، فالجهد الجماعي وحده هو الذي يثمر في النهاية، كما أنه حقل التدريب الحقيقي لبناء ما يسمى بهيئات المجتمع المدني التي أرى أن تقوم على ضرورات محلية داخلية، وتعتمد على جهد ذاتي بتمويل ذاتي محلي، وتبنى من القاعدة، ويبدو لي أن عدم إدراكنا ومنذ الخطوة الأولى بأن المجتمع المدني ليس مدخلاً لبناء المجتمع السياسي، بل يستحيل قيامه في غياب الشرط السياسي، لأن الهدف -لاسيما في المجتمعات العربية، لخصوصية تاريخ السياسة فيها- هو أن لا نجعل من وجود منظمات المجتمع المدني شاهد زور يدعم النظام السياسي القائم، كما أن فشل نحو سبعين ألف هيئة ومنظمة لما يسمى بالمجتمع المدني في المجتمعات العربية في تحقيق أية زحزحة للسياسي والمدني، دليل على أنها قائمة على أسس واهية وغير صائبة وأنها تصب الماء في طاحونة النظام/ الأنظمة، سواء أكان على رأسها أمير "يغني بفلوسه" أو جامع زكاة يحول سير النشاط من المدني الى الديني، أو مناضل تعب من حياة العناء ليستريح في أريكة المجتمع المدني، أو مخبر أو رجل أمن أصبح خطيباً ديمقراطياً ليبرالياً مصقعاً، و"ثرثارة في كل ناد يخطب" وهذا كله من شأنه أن يحرف المسار عن حقيقة أساسية وهي أن السياسي والمدني لا يكونان إلا معاً.
كيف يكون للمجتمع المدني وهيئاته وجود، عقل الأمة أي الجامعات يحكمها الأمن السياسي وبعضها رؤساءها ضباط كبار في الأمن؟! إذ يحظر قانون الجامعات (آيار/ مايو 1995م) على الأساتذة انتخابات رئيس جامعتهم، والعمداء، ورؤساء الأقسام، بينما يتمتع الطلاب بحق انتخاب هيئة إدارة اتحادهم. وهذا القانون سلب أعضاء هيئة التدريس حقاً مارسوه قبل الحرب فانتخبوا عمداء الكليات وطالبوا بانتخاب رئيس الجامعة. أصبح التعيين حاكماً فأصبحت جامعة صنعاء تدار (بغرفة عمليات) في الجامعة تتصل رأساً بالأمن والداخلية. ونشرت هذه الأخبار في صورة وثيقة رسمية وزعها اتحاد الطلاب بجامعة صنعاء قبل نحو ستة أشهر، و لا يزال الأمن السياسي جاثماً عليه.
ثم لكي تكون لجنة الزملاء العاطلين مستقلة وتعتمد على نفسها، أقترح تنظيم حملة تبرعات عامة وإقامة سوق خيرية تكون حصيلتها نواة ميزانية تمول نشاطها.
أعرف أن الطبقة التجارية مدمجة في النظام، وأنها ليست حتى الآن طبقة لذاتها، وما تتبرع به للمجالات الإنمائية إعلان ولاء وطاعة. ورغم ذلك أظن أنهم يملكون هامشاً للحركة المستقلة، وأوجه انتباههم الى حقل أهملوه، فهم في ذلك كالقطاع الخاص العربي عامة، عازفون عن الاستثمار في المعرفة. بينما نشط فيه منذ وقت طويل ممثلو الإسلام السياسي وجعلوا منه في وقت واحد استثماراً ومشروعاً جهادياً.
جميل ان ترصد بعض البيوت التجارية جوائز للبحث العلمي، بيد أن الأولوية في بلاد كاليمن يجب -أن تكون ان أردنا أن نبدأ بداية صحيحة- لإنتاج العلم وتوطينه في التربة المحلية. وأعلم ان هذا طموح عجزت عن اجتراحه كل المجتمعات العربية*، رغم ان بداية محاولات بعضها ترجع الى نحو قرنين منا لزمان؛ ولكني أقصد البداية المتواضعة في إقامة بنية أساسية سليمة تستفيد من علوم وتكنولوجيا العصر.
لماذا لا يبدأ بيت تجاري أو عدة بيوت بالتشاور مع لجنة الدكاترة العاطلين لبحث إمكان إنشاء كلية للعلوم والآداب، تولي اهتماماً خاصاً لتكنولوجيا المعلوماتية والاتصال والبيولوجية الجزيئية، والاهتمام بالدراسات والعلوم البيئية وفلسفة العلوم، التي أصبحت رائدة في الغرب (=أوروبا وأمريكا) في مجالات الاقتصاد والثقافة وعلم الإجتماع والسياسة والاتصال بإحدى الجامعات أو المعاهد العلمية الأوروبية ضرورة وذلك للاستفادة والعلم والاستئناس بالرأي للوصول إلى الصورة المثلى للاستفادة.
ان اقتصاد المعرفة أصبح منذ سنوات فرعاً هاماً وخطيراً في عالم اليوم، ومجتمع المعرفة يتعذر تصوره بدونه.
لا أريد لزملائي العاطلين أن يحبسوا أنفسهم في عالم جهاز الحكومة الخانق والعاجز، بل ان يبحثوا عن حلول في المجتمع، وان يستمروا في توجيه النقد الى السلطة القائمة لأنها لا تقوم بأخطر واجباتها: رعاية وإنتاج العلم والارتقاء بالتعليم وتنظيم المعرفة والخبرة الجماعية.
ومرة أخرى لكم أيها الزملاء الأعزاء تقديري وتعاطفي وتضامني، وتحية لمبادرتكم الشجاعة والزكية، وأرجو أن يحذو حذوكم كثيرون في مجالات عدة تنتظر تنظيم المطالبة والاحتجاج والمقاومة. أرجو التكرم بنشر عنوانكم البريدي وهاتفكم وبريدكم الالكتروني.

20/8/2006

* أنفقت العالم العربي في السنوات الثلاثين الأخيرة نحو (1000) مليار دولار في مشروعات تسليم المفتاح، أي نحو عشرين ضعفاً لما أنفقه مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
يا لها من تبعية راسخة!! (راجع إن شئت: عدنان بدران، وضع العلم والتكنولوجيا في المنطقة العربية، تقرير اليونسكو الإقليمي، بالإنكليزية،الأردن، 2004).
عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13 - 09 - 2006, 12:58 PM   #7
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444




وهنا سأنقل هذه المقالة لنفس المفكر
http://www.alnedaa.net/index.php?act...Details&id=573


ابوبكر السقاف يكتب عن العلاقة القاتلة بين الوحدة بالحرب والنظام السياسي
الأربعاء , 6 سبتمبر 2006 م
* الفدرالية تذكر بوثيقة العهد والاتفاق، التي دمغها الرئيس بالخيانة بعد ان وقع عليها. وتشبيه الاتفاق مع المشترك بها مكر جديد يضمر نية الانقلاب عليه وحشر كل اعداء الدولة السلطانية في حيز واحد، وهم: الانفصاليون، والملكيون، تمهيداً لحرب يومية ضداً عليهم في السنوات السبع القادمة

* إن ما يزيد القضية تعقيداً أن المعارضة حتى في إطار اللقاء المشترك معارضات، وتلتقي -باستثناء الاشتراكي -عند إنكار وجود قضية اسمها القضية الجنوبية بألف ولام التعريف، وإن كان الإنكار يزيد هنا وينقص هناك، وأضرى صورة نجدها عند السلطة. انها معارضات، لكل واحدة منها حبلها السري الذي يشدها إلى السلطة، وكل الطرق تؤدي إلى القصر، وتختلف تحت تأثير عوامل الجغرافيا السياسية وتواريخ التحالف وروابط «العصبية الجامعة»


الوضع في هذه البلاد، إذا ما وصف بأنه مترد،ٍ فإن هذا القول سيبدو تحسيناً لصورته ومدحاً له؛ فهو، بما يكاد يصبح إجماعاً للعقلاء من الدارسين من جميع الثقافات السائدة في هذا الكوكب، يعاني من أعراض الانهيار الكامل في المستويات كافة. ويكفي أن نوجز فنقول إنه في ذيل كل القوائم التي تصدر عن الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية برصد أحوال العالم والمؤسسات العلمية، وذلك في ما يتعلق بالتنمية البشرية والحقوق السياسية للمواطنين ودرجة شفافية الإدارة الحكومية، ومكان المرأة والطفل في المجتمع من حيث الحقوق والرعاية وأبجديات مقومات الكرامة الانسانية، واستقلال القضاء وفرص التقاضي في بلد يعج بصراع اجتماعي يذكر بالداروينية الاجتماعية.
وأما حظه من الاستقرار السياسي فإنه يتدنى عاماً بعد عام، وهو دائماً في جوار أليف ومستدام مع أفغانستان والسودان والصومال، رغم أنه لم يشهد حروباً كما شهدت وتشهد هذه البلدان، إلاَّ في العام 1994، وأحداث صعدة الدامية؛ مما يدل على أن هذا الجوار الأليف تمده بأسباب البقاء والاستمرار حرب يومية في حياة الناس. ومعها لا يحق لنا أن نعكس -كما فعل كثيرون- مقولة كلاوزفتز، فنقول إن السياسة استمرار للحرب بوسائل أخرى، ويصدق هذا على كل الذين يحترقون يومياً بهذا الاستمرار، ليس في الجنوب، بل وفي صعدة التي بدأ سكانها يهاجرون إلى بلدان الجوار، هروباً من عفو مفترس هو في حقيقته استمرار للحرب الظالمة التي شنها النظام. ولا شك أن وسواس الشرعية كان من أسباب تلك الحملة الدموية.
وهناك ملمح ثابت مستمر منذ عهد (ج. ع. ي)، وهو الحروب الصغيرة بين القبائل التي تشتعل وتخبو وفقاً لحاجات الدولة السلطانية، التي تمارس عقيدة سياسية مفادها أن تفكيك المجتمع أفضل وسيلة لحكمه، وتنفذها بهذه الحروب الصغيرة تسليحاً وتمويلاً، وإن كان منها ما ينفجر عفوياً بإرادة مستقلة من قبائل ترى أنها مظلومة من قبل القبيلة المناوبة على الحكم. وأما أداتها الجامعة المانعة التي تكللها فإنها الفساد الذي أصبح نظاماً. والفوضى المنظمة مكون أساسي لإدارة الفساد / النظام. إنه أمر يتجاوز «الدولة الرخوة» التي اكتشفها العالم الاقتصادي ميردال في اندونيسيا وفي غيرها من بلدان آسيا في ستينيات القرن الماضي؛ إذ كانت تعني هناك: كثرة القوانين التي لا تنفذ، أما عندنا حيث القانون ليس أساس التعامل والإدارة، لأن العرف يطرده بانتظام من جميع المجالات ليفسح المجال لسريان طاغوت الامتيازات؛ فإن الفوضى المنظمة هي التي تقوم بدوره بامتياز، فهناك آلاف من الأوامر الصارمة الصادرة عن الرئاسة لحل الوزارات والمؤسسات والقضاء. لا تنفذ. وتنشر الصحف سيلاً من هذه الأوامر العليا التي لا ينفذها أحد. وما يفضح هذه الفوضى المنظمة هو أن الأوامر المتعلقة بالامتيازات تنفذ بسرعة قياسية. كما أن القوانين واللوائح تطبق وفقاً لمنطق الامتيازات الصارم، قوانين الأجور، (عفوا: استراتيجية) لا تشمل ابناء المحافظات الجنوبية، وقوانين التقاعد تصل إليهم مثلومة. الناس في هذه الديار ليسو سواسية حتى في أبسط الحقوق، «الناس مقامات» وبالدلالة البدائية التي يصبح معها التمييز والتمايز الطبقي رحمة، لأن من لا يدخل دنيا المقامات منفي خارجها دون حق أو كرامة.
وابتكرت فطانة النظام في الآوانة الأخيرة معركة «دون كيخويتة» جديدة: محاربة الفساد، التي يقوم على تنفيذها الداخلون في تشكيل هرم الفساد من القمة إلى القاعدة، وتحاول الاعلانات أن تقنعنا بأن مشعلي الحرائق هم رجال الاطفاء الشوس.

أعراض الانهيار أفقية ورأسية، فالانقسام الاجتماعي عندنا أقرب إلى التشظي؛ إذ تخترقه عوامل اجتماعية -طبقية، وموروثات مدمرة داخل الجماعات، وتناقضات: الجنوب والشمال، تهامة والجبال، الرعوي والقبيلي. وهو متحد فسيفساء يحتاج إلى ما هو أكثر من حكم رشيد، أي حكمة تضاهي تلك التي نشاهدها في الصين وماليزيا.
إن النظام القائم يضاعف عوامل التشظي. وما دامت ثنائية «الوحدة والنظام» مطروحة منذ نهاية حرب العام 1994 فإن قصر ضرورة الاصلاح والتغيير على أحدهما، وهما توأمان سياسيان، لن ينقذهما؛ فلا بد من إصلاحهما معاً وإلا هلكا معاً. إن تصور أن إصلاح احدهما كافٍ، يبدو تفضيلاً تفرضه أسباب ذاتية أكثر مما هو محاولة للاقتراب من الشروط الموضوعية للاصلاح. إن التعقيد الذي داهم الوحدة بعد الحرب ألغى وحدة قائمة وخلق أخرى جديدة كل الجدة في شروط الواقع وفي النفوس والعقول، فمن الواضح أن طرفي الوحدة لما ينضجا لاستقبالها، ولا يؤكد هذه الحقيقة الطريقة الفوقية التي تمت بها، بل الحرب أم الأدلة وأقصى درجات الفشل حربها التي جاءت بعدها. إنها تمثل عجز العقل والارادة معاً. وأصبحنا في وضع ملتبس، بل شديد الالتباس؛ حيث يؤدي النظام إلى الوحدة، وتقود الوحدة القائمة إلى النظام، وهو جديد لم تلده الوحدة الأولى، وتنكره أشد انكار، سواءً قياساً على حقيقة الوحدة، أم على الوحدة المعيارية التي يزعم كل طرف أنه يمثلها. كما أن أسس البلاد تتمثل في أن الحرب ألغت براعم الديمقراطية التي وجدت قبلها، وكانت براعم مرهقة؛ إذ بدلاً من أن تساعدها شروط نمو على الحياة والايناع، وظفت لتكون وسيلة صراع وساحة قتال، ومن الطبيعي أن تذوي في صقيع الحرب، وتلد بعد حين نقيضها: الحكم المطلق، ولاية العهد. نسينا في تلك السنوات -وما نزال سادرين في النسيان- أن أول شرط للديمقراطية: الوحدة الوطنية، والإنسجام الوطني. فلا توجد يومنا هذا ديمقراطية قامت وتطورت واستقرت في بلد لا يملك هذه الوحدة وهذا الانسجام، منذ القرن السابع عشر حتى اليوم.
صنع نظاما الجنوب والشمال الوحدة على صورتهما إذ اقتصر دور الجمهور على التصفيق. قام بالأمر ممثلو دولتين تسلطيتين، كل واحدة منهما سلطانية جديدة على طريقتها، وهي في الشمال أقرب إلى الصورة القديمة، بينما تسربلت في الجنوب بطبيعة ستالينية وإن تميز حكمها بالقرب من العصر بحكم تطور الادارة والنظام الموروث من الاستعمار الذي مارس الجنوبيون معه عملية مثاقفة ناجحة، واحتفظوا بجوانب ايجابية فيه.
اننا نفتقد الوحدة والإنسجام بعد الحرب بصورة حادة، واصبحت مقدمات خلقهما اكثر صعوبة من أي وقت مضى. إن الحرب وإن بدا أنها تحل المشاكل بسرعة إلاَّ أنها تخلق مشاكلها الخاصة، وكثيراً ما تزرع بذور حرب جديدة، أو نزاع جديد؛ لا سيما إذا جاء النظام المنتصر دون مستوى التاريخ، أي يمثل الماضي، وليس المستقبل. فالاستقرار الذي تمتعت به الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب، يعود إلى أنموذج التطور الرأسمالي الذي مثَّله الشمال. بينما كان الجنوب بزراعته وقوانينه العبودية عائقاً أمام تطور البلاد. وبعد نحو قرن بدأ التحرر الحقيقي للامريكان الأفارقة، ولنقل بإيجاز هنا إن الصورة في تجربة الوحدة عندنا معكوسة.
إن الدولة السلطانية مرفوضة جملة وتفصيلاً من قبل كل اليمنيين، لا سيما بعد مشروع ولاية العهد. ولم يحلم الجنوبيون يوماً أن يستبدلوا بسلاطينهم سلطاناً غريباً يكرههم ولا يباهي إلا بقبيلته(1) وهو واحد داخل قبيلة صغيرة تنتمي إلى أقلية سكانية كانت تكون نحو ربع سكان البلاد يسكنون ربع مساحتها (ج. ع. ي). إن القبيلة ليست أصل التاريخ كما تتوهم الذهنية القبيلة نفسها، بل هي إحدى نتائجه، التي تجاوزها من رام التحضر وسعى إليه. وهذا ما أدركه بوعي عصري عميق الراحل الحبيب بورقيبة: «كان علينا أن نتخلص من الحياة القبلية التي كانت تعبث بالبلاد والتي باذكائها روح العشيرة تتنافى مع بنيان حضارة حقيقية، إذ لا حضارة إلا للشعوب الحضرية». من الواضح أن الحبيب أدرك أن وعياً تاريخياً مطابقاً للعصر هو دائماً مدخل لمشروع نهضة.
إن قذف سؤال الوحدة اللغز في وجه من يرى أن هناك قضية جنوبية، ينطوي على انكار وجود هذه القضية، مع أن الواقع يؤكد أنها موجودة، وصاحب السؤال ينطلق من أن الاصلاح الوحيد المطلوب إنما هو النظام وليس الوحدة، مع أن العطب والعطن قد سرى فيهما معاً، ولذا يبدو منطلقاً من موقع النظام القائم، ولنقل: من تفكير السلطة، وإن رفع عبقريته معارضاً، فهو ينطلق من إعفائها من كل مسؤولية عن ما لحق بالوحدة على يدها مع الحرب وبعدها، ويبقى النظام الذي يمكن أن نصلحه أو نرممه ونشارك فيه. إن صاحب السؤال يذهب أبعد من ذلك، إذ ينكر على الوضع البائس في الجنوب أن يكون متميزاً ولو بالبؤس والإذلال والشقاء الذي يسد كل آفاقه، باسم لاهوت سياسي يعض بالنواجذ على الوحدة القائمة. «المشاكل التي تعاني منها المحافظات الجنوبية ليست بعيدة عن معاناة المحافظات الشمالية، وهل هي قضية النظام أم هي قضية الوحدة؟»(محمد عبدالملك المتوكل، الأيام، 27/7/2006 ص5).
وهنا اتهام ضمني لمن يتوجه إليهم بالحديث بأنهم يرفضون الوحدة. وهذه النظرة إلى القضية الجنوبية قديمة أفصح عنها الزميل في صورة أشد تطرفا وجموحاً؛ فقد أرجع حديث الجنوبيين عن ويلات ما بعد الحرب 1994 إلى إدمان القات. فبعد أن كتب محقاً: «هذه المشاعر جزء آخر من مأساة الحرب»، أضاف على الفور: «ولا شك أن لشجرة الزقوم -حبشي أو يمني- اثراً سيئاً في طريقة تفكيرنا وتناولنا للأمور وتصرفنا في الحكم». إن صيغة الجمع والاشارة إلى الحكم لا تخفي فجاجة الوصف الذي أطلق على حديث الجنوبيين عن أحوالهم بعد الحرب (راجع ان شئت: محمد عبدالملك المتوكل، حوارات في المهجر وخمس اسر زيدية،الوحدوي،18/8/1998).
هذه خفة لا تراعي مقتضى الحال، في تعريف قديم للجاحظ، ولم تظفر لا بالبلاغة ولا بالتعاطف الوجداني مع قوم كانوا قريبي العهد بنار الحرب. ولا أدري كيف استطاع اختزال سياق سياسي وتاريخي واجتماعي مثقل بكل قتامة الحرب ودمارها، إلى عامل فيزيولوجي ناتج عن إدمان القات. إن تفكير الجنوبيين، في إطار هذا «الفهم»، ليس إلاَّ خدارة قات، كما يقول الاخوة في الشمال. ولن أطيل فقد فصلت في مقال بعنوان «أقنعة الطائفية السبعة» وحاولت أن أرجع هذا الفهم إلى أصول الفكر السياسي الزيدي وسياسة الدولة الزيدية منذ أيام الهادي واستمراره في الممارسة الفكرية والسياسية قبل وبعد العام 1962.
«ليست بعيدة»، تقدير وإن كان غير صحيح أفضل من الحديث عن شياطين شجرة الزقوم. وما طرحه الزميل في السؤال السابق صرح به في إجابته على سؤال لصحيفة «الثوري» قبيل مؤتمر الاشتراكي الأخير عن رأيه في البرنامج المطروح فأجاب بأن المسألة إنما هي إصلاح النظام ولا داعي لطرح قضية إصلاح مسار الوحدة.
إن المقلق حقاً هو ما يثيره هذا الانكار العنيد لوجود قضية جنوبية ليس من قبل السلطة، بل والمعارضة، إذ يصعب تصور وحدة متخيلة تجمع الناس جميعاً مع تمكن هذا الرفض من عقول بعضنا، أقول متخيلة وفقاً لرأي طرحه منذ الثمانينات أحد الكتاب الغربيين (بندكت اندرسون في كتابه «الجماعات المتخيلة») أي أن الوحدة تتحق وهم يمرون معاً بتجربة مشتركة يشعرون بالتوحد بها حتى وإن كانت سباقاً للدرجات في جولة حول البلاد. في السياق النفسي والعقلي القائم في هذه البلاد هل نستطيع أن نظفر بصورة لجماعة متخيلة، ونحن على هذه الدرجة من الاختلاف الحاد في النظر إلى القضايا الأساسية في واقعنا وإلى بعضنا؟
إن ما يزيد القضية تعقيداً أن المعارضة حتى في إطار اللقاء المشترك معارضات، وتلتقي -باستثناء الاشتراكي -عند إنكار وجود قضية اسمها القضية الجنوبية بألف ولام التعريف، وإن كان الإنكار يزيد هنا وينقص هناك، وأضرى صورة نجدها عند السلطة.
انها معارضات، لكل واحدة منها حبلها السري الذي يشدها إلى السلطة، وكل الطرق تؤدي إلى القصر، وتختلف تحت تأثير عوامل الجغرافيا السياسية وتواريخ التحالف وروابط «العصبية الجامعة»(2)، وكلها تواقة إلى المشاركة بنصيب في السلطة أو إعادة صوغ شروط التقاسم، ولكن لا أحد يريد تغيير بنية الدولة السلطانية، لأنها الوعاء المناسب للمشاركة أو التقاسم؛ واستمرار الوحدة. ومن هنا خلا برنامج المشترك من المطلب المحوري الذي يقرر نوع النظام السياسي في البلاد، من حيث انتمائه إلى الدولة العسكرية -السلطانية، أو إلى العصر الحديث ودولته المدنية.
الدولة السلطانية القائمة نقيض الدولة المدنية، والسياسة المدنية بعقلانيتها وعصريتها وأول شروطها: حاكم مدني، رئيس مدني لا يمكنه بالتعريف أن يجمع بين قيادة القوات المسلحة والأمن ورئاسة الدولة. هذه قضية القضايا. هي السؤال المزمن الذي تطرحه السياسة في كل بلد الحكم فيه للسيد الإنقلاب. يبدأ التحضر -بدلالته العميقة وكذلك العصرية- مع الدولة المدنية وسياستها. إن الجمع بين الرئاستين استمرار عصري لديناصور قديم إسمه: «دولة الجُند» و«إمارة الاستيلاء» والدولة السلطانية. وهذه الطبعة الأخيرة هي التي ورثناها من عصر الانحطاط العربي / الاسلامي، ولا نزال في مستنقعه، فنحن لم نزحزح، رغم المظاهر الديكورية، أية مؤسسة قديمة أو علاقة حقوقية قديمة أو تصوراً قديماً للدولة. لأن الانقلابات العسكرية ألغت بدايات التحديث العصري الذي أطل على العرب في عشرينيات القرن الماضي بدأت بالدستور ثم القضاء والاحزاب، واستولى العسكر على عرش الحكم والتفكير والافتاء. فخبت جذوة التفكير في مجتمعات اصبح التفكير في السياسة فيها خيانة كاملة الأركان. وهذا سر وصف الزعيم بأنه ملهم، أي إن علمه «لدني» خارق للمألوف. هذه الدولة تنتهي بالسقوط المدوي لتضع الناس أمام سؤال البداية. والمفاضلة في إطار هذه الدولة بين النظام البرلماني والرئاسي تجنب للسؤال عن مصدر السلطة والمرجعية والسيادة العليا.
وإذا كان القدماء قد سوغوا إمارة الاستيلاء بأن «السلطان الغشوم خير من فتنة تدوم» أي صيانة وحدة الأمة والخلافة، بعد إقرارهم بأنها مناقضة للخلافة التي أصبح الظفر بها مستحيلاً، فإن تخريج الراحل ميشيل عفلق للفكرة نفسها جاءت في ما أسماه: «القائد الضرورة»(3).
ان الفكر السياسي عندنا لم يقطع صلته بما قبل الحداثة، لأسباب تكوينية واجتماعية وسياسية وثقافية، ولضعف وعي وتنظيم ممثلي القوى الجديدة في المجتمع. فالاصلاح مثلاً لا يستطيع ولا يريد وليس قادراً باجنحته: الاخوانية والسلفية والقبيلية، أن ينطلق من معارضة تقرر القطيعة مع البنية السياسية والاجتماعية القائمة، بسبب ثقل المصالح المشتركة المحكومة باعتماد الإصلاح والنظام القائم على قاعدة اجتماعية تكاد تكون متطابقة، وما يشوب هذه القاعدة من ممثلي القوى الجديدة -الحديثة؛ فإن سمتها الأساسية -من حيث وعي الذات- أنها لا تبدو قادرة على تمثيل نفسها، فتقوم الجهات المسيطرة بتمثيلها، وهذه تقرر مصير السياسة. «والمصالح العليا»، هاتان الكلمتان كانتا الاجابة المقتضبة على سؤال طرحه مراسل إذاعة «مونت كارلو» على الأحمر الأب، في ذروة الاتهامات المتبادلة قبيل إجراء انتخابات العام 1997: كيف تشاركون في الانتخابات رغم أنها مزورة؟!
كان الهدف الأول من تلك الانتخابات إضفاء شرعية على نتائج الحرب، بما فيها التعديلات الدستورية وإلغاء قضية الجنوب من جدول أعمال السياسة. ولا يزال هذا المسعى التاريخي للدولة السلطانية قائماً، والاصلاح يعرف هذا جيداً. ويصعب في هذا السياق تصديق ان «الكل متحمس بمن فيهم الاصلاح -بصراحة- الذي كان شريكاً في الحرب وشاعراً بالخطأ، بل على العكس عنده احساس بأنه لازم يكفر عن الخطأ الذي فعله وقد أعلنوا ذلك صراحة»(محمد عبدالملك المتوكل،المصدر نفسه(الأيام)27/7/2006م).
ولم يقرأ أحد في صحف الاصلاح شيئاً عن مثل هذا الندم في حدود علمي، بل إن احد مقار الاشتراكي التي احتلها الإصلاح الغازي أعيد إليه قبل بضعة أشهر. فكم عمر التوبة؟ وهل هي نصوح؟ وهل نسخ فتوى التكفير التي جعلت الحرب غزوا لدار كفر (الجنوب) وهي على أية حال لا تزال دار اضطهاد حتى يحررها ابناؤها وبناتها؟!
يريد الاصلاح إقامة الخلافة. وهذه نقطة انطلاق جميع حركات الاسلام السياسي السنية والشيعية(4) وهذا الهدف معيار المعايير كافة عندهم جميعاً. والتوبة -وإن تقية- ستفسد مشروع الخلافة، التي لا يطوى لها علم.
إن المغالطة المقصودة أو العفوية في سؤال الوحدة اللاهوتي تهب من أفق تصور الناس للوحدة المعيارية التي يتوق إليها المسلمون منذ الفتنة الكبرى، ومقتل الشهيد عثمان وهو يقرأ القرآن. فكل ظلم يصبر عليه باسمها، ويهرب الناس من التعدد لأنه إختلاف يؤدي إلى الفتنة. حتى أن مفكراً ليبرالياً رائداً مثل طه حسين ذم الفرقة التي حدثت في صفوف المسلمين في ذلك العهد، مع أن ابجدية الليبرالية الحرية والاختلاف. وكان هذا جزءاً من مرحلة ما بعد «في الشعر الجاهلي».
لا يتحدث أحد عن الوحدة المعيارية الغائبة بل عن هذه التي تأكل الحرث والنسل، هذا التنين النهم الذي لا يشبع مثل بئر لا قرار لها.
أضرى وأخبث ما في هذه الوحدة القائمة انها تدمر -بمنهجية «نظرية الإذلال»- مركز الثقل في الشخصية الانسانية، أي الكرامة، التي لا يستقيم أي أمر في غيابها، يستوي في هذا: المواطن/الوطن، الدستور / القوانين. وليس مصادفة البتة أن المادة الأولى في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان هي الكرامة، ومن هذا المبدأ يستخرج الدستور الألماني كل الحقوق، من التقاضي أمام المحكمة الفيدرالية العليا حتى حق التعويض إذا ما بنت الدولة مطاراً قرب منزل مواطن/ مواطنين.
«والنقمة هذه أوصلت الناس في الجنوب إلى أن يروا أبناء الشمال من مسؤولين وغير مسؤولين كل النعم تذهب إليهم ونحن بقينا بدون وظائف ودون مال ودون حياة سوية ودون عدالة. العدالة انتهت تماماً، وهذا ما دفعنا جميعاً إلى أن نقول: يجب أن ننفصل، الانفصال ليس جريمة إذا كانت له مبررات قوية.. أنا مثلاً مهندس مدني إنشائي كانت لي صولات وجولات قبل الوحدة من خلال وظيفتي وكنت اشعر بارتياح كبير وبالغ جداً باننا موظف ولي كرامتي ولي حقوقي كاملة؛ ولكن بعد الوحدة على طول وبعد الحرب اضمحل دخلي وشعرت بغبن وباننا انسان مضطهد وأننا انسان غير مطلوب في هذا البلد فإذا كان هذا شعوري؟! وشعور آخرين كغريم في الجنوب، فما تنتظر مني؟! أن أبارك الوحدة؟! أو أقول مشارك بقوة في الانتخابات؟! لا، هذا شيء لا يرضاه الله ولا رسوله»(محمد شفيق، المصدر السابق).
هذا كلام «مفرد بصيغة الجمع» وصاحبه صادق عندما يتحدث باسم الجميع: الناس، والماضي والحاضر والمستقبل المنشود. إن المهندس شعر بأنه خارج دائرة الكرامة التي عاش فيها وهو مثل وطنه غير مطلوب إلا ليكون موضوع حكم غريب ظالم، عينه على ثروات الارض والبحر والموقع. هذه صراحة وشجاعة، وكلتاهما من شيم أهل عدن، فليسوا ماهرين في الحديث الاعتباطي المزدوج. إذا حرمت الانسان - الفرد والجماعة- من الكرامة فلن تستطيع أن تهبه شيئاً يمت إلى الخيرات والطيبات المادية والروحية. الصولات والجولات تعبير عفوي شفهي جميل مفهوم في سياق الشخصية المدنية بأريحيتها وطلاقتها. كان الرجل يشعر أنه كل شيء إذ به يكاد يكون لا شيء، لولا أنه يعتصم داخل رفضه الشجاع للأمر الواقع فيصون كرامته. قال الفيلسوف هوبس: «إن ظهور القيمة التي نتبادلها ونسميها الاحترام، تعني اننا إذا ما قدرنا شخصاً تقديراً عالياً أننا نحترمه وإذا ما تدنى هذا التقدير فذلك يعني اننا لا نحترمه. بيد أن التقدير العالي والمتدني يجب ان يفهم مقارنة بتلك القيمة التي يراها الانسان في نفسه»(5). ومن يستطيع الحديث عن الاخوة داخل شروط العبودية عبد زنيم، وهو لغة: اللئيم الملتحق بقوم ليس منهم ولا يحتاجون إليه، الذي هجاه القرآن.
إن أهداف «نظرية الإذلال» قديماً وحديثاً تتلخص في حط قدر الانسان في نظر نفسه. وهذا ما لم تنجزه هذه النظرية التي تمارسها السلطة بلا كلل في الجنوب.
سؤال الوحدة والنظام يذكر بحكاية البيضة والدجاجة، البيزنطية، التي لا تزال شهرتها قائمة رغم أن علوم الاحياء ونظرية التطور تعرف أين البداية ومنذ زمن طويل.
إن الوحدة التي تحميها السلطة بالحراب تقود إلى نظامها، كما أن نظامها الذي يجسد الدولة السلطانية يقود إلى وحدتها، هما شيء واحد. وهناك سؤال يضاهيه في الزيف. كان كل نقد للدولة الاشتراكية في روسيا أو غيرها يواجه بإجابة كسول ومزهوة بنفسها: إن الخطأ في التطبيق وليس في النظرية. مع أن الفحص الفكري والتاريخي الدقيق قد أثبت منذ زمن طويل قبل سقوط دول «رأسمالية الدولة» أن الخطأ الأساسي في النظرية والتطبيق معاً.يكفي أن نذكر من حشو من الاسماء الأوروبية والروسية المفكر الاقتصادي والعربي سمير أمين، فقد ظل يعالج هذا السؤال على امتداد ثلاثين عاماً ومن زوايا متنوعة. فالنظرية التي مورست كانت استجابة لسؤال ملح: كيف يمكن تصنيع روسيا والنجاة من طوق الرأسمالية الأوروبية المتقدمة التي تملك مرتكزات في اقتصاد روسيا القيصرية؟ باختصار: كيف يمكن انقاذ الوطن روسيا الأم وليس بناء الاشتراكية والممارسة العملية السياسية كانت استمراراً للميراث القيصري الامبراطوري في صورة الاتحاد السوفييتي حيث الحاكم مالك (خازاين في الروسية) يشبه في جوانب عدة السلطان في الدولة السلطانية العربية الاسلامية. ولعل هذا الملمح من أسباب سلاسة التعامل بين عوامل أخرى، بين عبدالناصر وحكام روسيا وبعد ذلك مع طبعة فاشية ودموية من السلطان: صدام، والقذافي.. وهناك في آسيا وأفريقيا أمثلة أخرى. ولأسباب كثيرة سقطت القلعة من داخلها وكان الخارج عاملاً مساعداً فقط(6).
الخطأ إذاً في النظرية والتطبيق في حالنا أيضاً، رغم تواضع النظرية عندنا إلى درجة تهافت الذهنية البدوية، لأن الحديث يجري عن وحدة معيارية غائبة ويخلع صفاتها على وحدة قائمة، يراها الجنوبيون -كما يتضح من السطور السابقة- أكذوبة مسلحة.
يجني الاصرار على اضفاء الصفة المعيارية على هذه الوحدة القائمة، على المعيارية التي ينظر بها الناس إلى الوحدة بما هي أنموذج مثالي. ذلك لأن العلاقة بين المعياري والواقعي أو الأنموذج المثالي والواقع لها صفة الاقتراب النسبي أو الفشل في محاولة الاقتراب من المثال.ولأن الفشل في حالنا وفي زمان الوحدة السورية المصرية فاجع، فإن الادعاء بأن الوحدة غاية في حد ذاتها أو الوحدة وكفى، والعض بالنواجذ والمدافع على هذه الوحدة القائمة، يصيب الوحدة المعيارية في مقتل. ولأن الناس يعيشون في التاريخ وليس في الأبدية، يبدأ فكر الانفصال في التشكل، وهو فكر من أفكار فلا فضل لفكر الوحدة عليه إلا بقدر نجاعته في تحقيق طموح الناس داخل معطيات لا تجعل الوحدة غاية في ذاتها. إن الاحتماء داخل وحدة فاشلة بإضفاء المعيارية عليها يضاعف مشاكل الوحدة القائمة لأنها نقيض صارخ لأية وحدة معيارية. ويزدها خواءً الحديث الُهذاء عن استعادة للوحدة قديمة، وكأن عصرنا بحاجة إلىتاريخ الوحدات العسكرية التي استمرت حروب بعضها ثلاثمائة عام وهو الزمن الذي استغرقه تآلف سبأ وحمير..، تلك أمة قد خلت. بيد أن افتراض استمرارية الهوية مكون أساسي في الذهنية القبيلية البدوية، التي لا تعرف التاريخ إلا باعتباره تاريخ قبيلة، ولسنا بحاجة لا إلى العدنانية ولا القحطانية، ولا قيس واليمانية ولا إلى اقتتال السنة والشيعة، ولو بقيت للخوارج دولة لأكملوا الضلع الثالث. نريد وحدة عصرية تضمن اندارجنا في العصر وتحقق توقنا المزمن إلى الحرية والعدالة والتآخي الانساني.
قال العرب قديماً: أين الشجي من الخلي. ولذا لم استغرب أن محمداً لم يفهم حديث الأخوين أمان وقاسم. وينفرد قاسم بالحديث عن تزوير التاريخ ويذكر مقومات الدولة التي كانت قائمة في الجنوب بفضل جهود «كل الناس الطيبين في هذا الوطن الذين أفنوا اعمارهم في بناء هذه المكونات من مرافق إقتصادية ومؤسسات إدارة ونظم إدارية واسلوب حياة». أسلوب الحياة أمر بالغ الأهمية إذ يعني أن مقومات الدولة ومفهومها يتضافران في انتاج مجتمع عصري هو ما فقده الجنوب بعد الوحدة، ومن ثم فقده كل اليمنيين. اصبحت الوحدة عملية طرح دامية، لا جمعا بناءً وتراكماً لخبرات اجيال، تذكر بغارات البدو على المراكز الحضرية في تاريخنا وفي التاريخ العام. «ان الانتقام من هذه المكونات وتدميرها هو تدمير لأعمار الناس ولجهود الناس على مدى عقود من السنين، يعني تعدى من تدمير المؤسسات العامة ومقومات الدولة كاملة إلىالتعدي على حياة الناس وحقوقهم وأملاكهم من أصغرها إلى أكبرها ومعاملتهم كأنهم غرباء وكما قال أحد الزملاء وجد هنا ما يمكن تسميته بمشروع اجتثاث الجنوب والجنوبيين». هذه صورة دقيقة ومؤثرة لأنها صادقة تشرح واقعاً يعبث به الظلم والقسوة والبلادة والغطرسة. ذكر قاسم أن الموظف أو الطالب أو التاجر أو السياسي في الجنوب ليس مساوياً لنظير في الشمال. شعبان، بلدان، اللاتساوي قائم بين المواطنين لأن السلطة تقوم بتمييز رسمي في جميع المجالات فأنتجت عصبية شمالية صريحة تحول بين الناس والتعامل السوي(7). نحن أمام مواطنين بمرجعيتين فلا تجمعهم مرجعية واحدة. فما تمارسه السلطة يقوض من الأساس كل وحدة الوشائج الانسانية بين البشر لأنها تقوم على العنف وتصدر عنه فلا يتسع وعيها وسلوكها لأي لون من ألوان «الألفة الجامعة» التي يتحدث عنها أحد منظري الأحكام السلطانية و هو الماوري.
نعم أخي قاسم، «أصبح الناس ينقرضون من مؤسسات الدولة المركزية»، كما قلت، لأن الذهنية الحاكمة تقوم على مبدأ الحصرية. وحمى القبيلة هو المبتدأ والخبر، وخارجه يوجد رعايا أو أعداء. إن أزمة وجود النظام القائم تلخص أزمة القبيلة عندما تكون دولة، وأزمتها هنا هي اقصى حدود أزمة الدولة السلطانية العربية المعاصرة التي نسميها الدولة القُطرية. وكما تفشل في خلق متحد وطني قُطري وشروط تطور عصرية في مجتمعاتها، فإنها أيضاً تقوض كل امكان تضامن من الافكار العربية، إنها قد قضت على كل امكان لقيام نظام عربي، فاصبح الحديث عنه تفكيرا متمنياً لا يشير إلى أي واقع قائم. ومن هنا يكون اسقاطها شرط قيام اية صورة من صور النظام العربي المنشود.
الجنوب رافعة التحديث في يمن اليوم في نظر قاسم. وهذا قول صحيح وتعبير عن إرادة خيرة عند الجنوبيين، يرفضها النظام من اساسها. ومن المؤسف حقاً أن لا يفهمها المعارض محمد عبدالملك، لأن حدود معارضته لا تصل إلى تخوم الجنوب. وهو واحد من كثرة بين من يتحدثون وينشطون في مجال الشأن العام، دون أن يكون هذا العام في اتساعه وشموله وتعدده قائماً في نظرتهم إليه. ولعل العذر الوحيد، إن كان هذا جائزاً، أن واقع الجُزر اليمنية هو الذي يحكم الوعي. نحن لا نملك خبرة تاريخية متواصلة في الوطنية الجامعة، فالجهة او المذهب او العشيرة تدير دفة العين والعقل ومن هنا سهولة مهمة الدولة السلطانية، بل لعلها تدعي انها وحدها دليل وحدتنا، إذ يتغيب في أفق الممارسة السياسية نظرية وعملية أي جهد جماعي مشترك بين جميع الاطراف. ستبدو الكلمات التالية لقاسم اعتداداً مبالغاً فيه بالجنوب، ولكنها في واقع شروط التحديث المنشود خارج اطار الدولة السلطانية، كلمات دقيقة وصائبة. «التحديث والتنمية في اليمن هي الجنوب». لنتذكر الثروة النفطية، الكادر المُسرَّح مدنياً وعسكرياً، ميناء عدن وأسلوب الحياة. عندئذ تتضح بعض جوانب الفكرة. إن اعادة الاعتبار إلى العصرية والحداثة في الجنوب سوف يحيي أولاً ما كان الراحل زين السقاف يسميه ريف عدن: لواء تعز ولواء إب. وسكان هذه المناطق هم ملح الارض لأنهم لا يلتصقون بجهاز الدولة والجيش والأمن الذي اقصوا عنه منذ عقود طويلة، بل يذهبون رأساً إلى حقول العمل في التجارة والصناعة الحرفية والمهن الحرة من السمكرة حتى الطب. يمكن القول إن عدن كانت عاصمتهم الواقعية وبابهم إلى العالم والعصر.
إن تدمير الجنوب يلحق كل يوم ضرراً قاتلاً بكل اصقاع اليمن، وهذا ما لا تقدر على رؤيته عيون الحكام الشاخصة إلى المنفعة العاجلة والسريعة، فاتخذت من النهب والاستيلاء على الثروات الجاهزة -أرضاً وعقاراً وجهداً بشرياً- وسيلتها الاقتصادية الوحيدة. وإذا كان منطق الجباية سائداً في انحاء البلاد، فإنه في الجنوب يطبق وفقاً لمفهوم «أرض الخراج» المعروف في تاريخنا العربي الاسلامي.
من الواضح أن النظام القائم قوة برانية بالنسبة للجنوبيين، ولا يملك ذرة من الشرعية، لأن الحرب لا تصنع شرعية. وهو انما يستمد شرعيته من الاقلية التي يمثلها جهويا ومن المنتفعين ببلاطه ومائدته. ولذا ليس غريباً أن يشعر الجنوبيون بعزوف عن لعبة انتخابات الديمقراطية التي استُبدلت بالنظام الديمقراطي اليومي وبالانتخابات الديمقراطية، في سياق نفاق دولي تقوده الامبريالية الامريكية. كل هذه الافكار المحورية، التي ساقها قاسم ومحمد، بدا وكأنها زلت عن صخر- كما كان العرب القدماء يقولون. وكان هذا نصيب كلام الغريب.
إن هذا الواقع الذي يلغي بشرية الفرد والجماعة في الجنوب قبل الشمال لا يمكن أن تغير طبيعته انتخابات يقوم النظام بالاشراف عليها. وهذه حقيقة حتى بعد الاتفاق بينه والمشترك، وهو ما يؤكده كثيرون منذ شهور. هذه الدولة البرانية، التي لم تستبطن شرعيتها الاغلبية العظمى من الناس في هذه البلاد، لن تصبح جوانيه إلا بزوال طابع الدولة السلطانية عن دستورها وجيشها وإدارتها. فهل تستغرب إذا ما تدرج الوعي السياسي منذ 7/7/1994، من إصلاح مسار الوحدة، حتى تقرير المصير والمطالبة بالانفصال؟! رغم أن تأكيد قاسم على «رغبة الناس في هذا الشطر في الوحدة» صائب وبرهن عليه بالاستفتاء على دستور الوحدة والمشاركة في الانتخابات، ليخلص إلى أن الجنوبيين «كانوا أكثر إخلاصاً ووفاءً لقضية الوحدة». وليست مفارقة أن هذا الاخلاص للدستور والوفاء لمعايير الديمقراطية هو على وجه التحديد ما تكرهه السلطة في وعي وسلوك الجنوبيين.
أشرتُ في عامي 1994 و1995 في مقالات نشرتها «الأيام» إلى أن توقع تنازل المنتصر عن غنيمته -جزئياً أو كلياً- ضرب من تربيع الدائرة، فهو لا يجد سنداً لا في الطبيعة البشرية ولا في تاريخ السياسة. ولذا تنطوي فكرة اصلاح مسار الوحدة على استحالة تحول بينها والتحقيق، إلا في حال حدوث تغيير سياسي درامي في المنطقة. الوحدة القائمة في جزء كبير منها تقوم على الشرط الدولي، تماماً مثل سيادة كل بلد عربي. وقد اثبتت الأعوام الثلاثة عشر التي انقضت بعد نهاية حرب الالحاق، أن هذا التوقع لا يملك أية فرصة للتحقق، ولن يجدي الحجاج المنطقي المكرور في تغيير هذه الحقيقة. إن السلطة القائمة تعتقد أن الوحدة بدأت يوم 7/7/1994 فكيف تصلح وحدة كان مهرها الدم، كما في حكايات التوراة؟! وكان شاعرها مدركاً لهذا البعد عندما اقترح بُعيد نهاية الحرب إعتماد 7/7/94 يوم عيد وطني، لأن 22/5/90 يوم ناقص الأهلية الوطنية، أما يوم النصر فهو يوم أيام الدولة السلطانية.
الفدرالية تذكر بوثيقة العهد والاتفاق، التي دمغها الرئيس بالخيانة بعد ان وقع عليها. وتشبيه الاتفاق مع المشترك بها مكر جديد يضمر نية الانقلاب عليه وحشر كل اعداء الدولة السلطانية في حيز واحد، وهم: الانفصاليون، والملكيون، تمهيداً لحرب يومية ضداً عليهم في السنوات السبع القادمة، التي يراد لها إكمال المشوار التاريخي بالانتصار الكامل للقبيلة وولاية العهد فيها.
لم يبق إلا الانفصال. هذا ما جاء صريحاً في كلام أمان، ومضمراً عند قاسم، وتحذيراً مشفقاً بين السطور عند علي هيثم الغريب، مع إدراكه بأن المعارضة في اللقاء المشترك «... لم تتناول القضية المحورية في هذا الوقت وهي القضية الجنوبية». ويرى -محقاً وبناء على مقدمته هذه- ان هذه المعارضة «حتى إذا وصلت إلى السلطة، فإنها ايضاً لن تتبنى هذه القضايا ولذا عندما نقول إصلاح الوحدة يعني أنه لا بد أن يكون هناك شكل نظام وحدوي حقيقي...»، وهو يرى في تشكل ثقافة غير ثقافة الوحدة. وتكمن خطورة فكر الانفصال في تقديره في أن «... الهزيمة العسكرية يمكن ان تمر وهي مؤقتة والهزيمة الاقتصادية ممكن تمر وهي ايضاً مؤقتة ولكن نشوء أو ظهور ثقافة معينة من الصعب القضاء عليها لأن لديها مبرراتها ولديها الواقع الذي تنطلق منه ونحن وتقديراً لهذا الوطن العزيز وهذه الوحدة العظيمة(...) علينا أن نعيد حسابات كثيرة» وذلك «خوفاً على [لعلها من «أ.س»] تلك التقسيمات التي ظهرت في ماضي التاريخ»(المصدر نفسه) إنه خوف نبيل بلا شك، فلا أحد يطرب وهو يرى روما تحترق إلا نيرون، ليوقع الحانه المحبوبة على قيثارته. إن المخيف حقاً هو ذلك القدر الهائل من اللامعقول الذي تنطوي عليه اعمال البشر ولا سيما في السياسة. هناك كثير من الساسة قالوا: أنا ومعدي الطوفان. والمهمة تكمن في قدرتنا على اتخاذ المقاومة السلمية المنظمة والمستمرة طريقاً وحيداً للخلاص من الدولة السلطانية، أياً كان الدرب الذي نسلكه، اصلاح مسار الوحدة، أو حق تقرير المصير، أو الفيدرالية. إن تعدد الحلول المقترحة عندما يسمح النظام السياسي بطرحها علناً فإنه بذلك يقترب من احدى العلامات المميزة للديمقراطية الليبرالية، فاختفاء التنوع وتكرار فكرة واحدة واجترارها، دليل على ضمور مجال الفكر الحر وحيوية التفكير الخلاق، فالاختلاف مهماز الفكر ومادة التفكير. ومن المؤسف ان ذهنية السلطة لا تزال ماضية في التخوين والتكفير، ويتوقع ان تزيد سعار هذه الذهنية بعد الانتخابات.
واذا ما اردنا ان نتعلم من الاخرين فعلينا ان نتذكر ان الحزب النازي البريطاني بزعامة موزلي، لم يحظر إلا بعد سقوط قنابل هتلر على لندن وسجن الزعيم. فإذا لم تكن الحرية هي الاصل والمآل فلا خير في أي نظام سياسي. وليس مصادفة أن يتفق روسو وماركس في أن الهدف من السياسة ليس السلطة ولكن تحقيق الحرب والظفر بمباهجها للناس جميعاً.

كمبردج في 30/7/2006


* هوامش:

(1) كان ملوك سبأ في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد لا يشيرون البتة إلى انسابهم في النقوش ويكتفون بذكر اسمائهم، بينما تورد سلسلة النسب إذا ما ذكر احدهم في النقوش قبل توليه الحكم ملكاً. لان هذه الصفة تجعله فوق الانتماء الخاص.
تنبه الباحث الفرنسي في السبئيات، ك. روبان، إلى هذه المسألة في العام 1982. وأثبت هذه الحقيقة التاريخية عالم السبئيات الروسي أ.ف. كراتايف، وأفرد لها فقرة في كتابه «دراسات سبئية»: الاتجاهات العامة والعوامل التي اثرت في تطور الحضارة السبئية، الأداب والشريعة، أكاديمية العلوم الروسية، موسكو 1997.
(2) مصطلح العصبية الجامعة الخلدوني يساعد على فهم ما يجري في غير قطر عربي، وهذا يعني أنه وعصره معاصران ان لنا أي اننا لم نتزحزح في رحاب التاريخ وعندما يمتنع توظيف مقولاته ومصطلحاته لفهم رائفنا فذلك سيعني اننا ابتعدنا عن عصر العلاّمة الحضرمي الذي منح الجنسية اليمنية بأثر رجعي في المهرجان الأخير الذي نظمه اتحاد الكتاب ا لعرب بصنعاء لمداراة الخجل الذي ربما احست به الدول والمجتمعات العربية عندما اخذت تقلداً اسبانيا التي تحتفل به ستة اشهر هذا العام وباشراف ملكها. كان يمثل الثقافة العربية في مشرقها ومغربها فكان عربياً بامتياز وإن اثبت نسبه الحضرمي في سيرته على طريقة ذلك الزمان.
(3) عندما احتدم الصراع في أحد مؤتمرات البعث في العام 1968 ورأى الراحل ميشيل عفلق أن كفة تيار اليسار -ومعظم ممثليه من سورية: عبد الكريم زهور، ويس الحافظ وغيرهما- قد ترجح أراء قطع الطريق عليهم، فدخل صدام وطارق عزيز بأسلحتهم إلى الاجتماع.. وقال العميد عن صدام: هذا الشاب هدية السماء للبعث، وهو هدية البعث إلى الأمة، إنه «القائدة الضرورة» فأدخله عالم الحتمية الطبيعية، وهذه جبرية في مجال الفكر الاجتماعي السياسي. وللعميد تجارب مع الانقلابات العسكرية في سورية معروفة. وبذلك يكون العميد قد صنع وحشين في التاريخ العربي المعاصر: صدام وحافظ الأسد. والرومانسية واللاعقلانية في فكر البعث منذ الأرسوزي كان لا بد أن تقوده إلى هذا المآل، كما حدث في ايطاليا والمانيا وعند القوميين السوريين وأنطون سعادة.(عن مؤتمر العام 1968 ارجع إن شئت إلى مذكرات هاني الفكيكي دار الساقي، لندن، وهو بعثي سابق نشر كتابه قبل إعادة استعمار العراق في 2003).
(4) صرح المرشد العام للاخوان المسلمين في مصر لمجلة «روز اليوسف» في نيسان الماضي ضمن حديث طويل إن الهدف إنما هو اقامة الخلافة الاسلامية، وأنه يقبل بخليفة من ماليزيا.
والسؤال هو هل سيقبل الماليزي، الذي تجاوز إسلامه أفق الاسلام السياسي العربي فأصبح واحداً من ممثلي الاسلام في عصرنا؟! ومن المعروف أن حركة الاخوان العام1928 نشأت بتأثير قوي من فكر رشيد رضا، وجاء رداً على إلغاء الخلافة في تركيا الكمالية العام 1924، لا سيما بعد فشل فكرة الجامعة الاسلامية التي كان رضا من المتحمسين لها. وبيان مارس 2004 الذي أصدره الاخوان في مصر يؤكد هذا الطموح إلى الخلافة وهو بيان يشرح منهاج إصلاحهم بالتفصيل.. وقالوا في مناسبة أخرى «الاسلام سقف الديمقراطية» أي تعود السياسة المدنية إلى المربع الديني، بينما تهدف إلى ان تقيم دولة لمواطنيها لا مكان فيها للطوائف في صورتيها الدينية والاجتماعية. وهم إن وصلوا إلى السلطة سيعيدون انتاج الدولة السلطانية وفي نسخة تديين السياسة. وهم غير قادرين -مثلها- على التغيير أو الاصلاح بله الثورة والنهضة. وهنا كل القضية في المجتمعات العربية التي ألغى فيها الاستبداد السياسة، واستعادتها لن يكون على يد من يلغونها بالدين في اطار تصور يخدم دنياهم.
(5) يقول الشاعر والفارس قطري بن فجاءة المازني، وكان أحد زعماء الخوارج، في قصيدة مشهورة له:
وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع
(6) كانت عقدة العقد في نظام رأسمالية الدولة في المعسكر الاشتراكي توقف النمو بسبب عدم تحمس العمال والزراع واصحاب المهن للعمل مع أن شعار الدولة: «العمل قضية تتعلق بالشرف..» (الدستور السوفييتي)، وذلك لأن المناخ الذي خلقته رأسمالية الدولة سد مارب الحراك الاجتماعي والطموح الفردي ووضع في أيدي المواطنين نقود لا يستطيعون شراء شيء بها، وركز الثروة والسلطة في يد «الطبقة الجديدة»(جيلاس ميلوفان) الحريات العامة وحرية الفكر في بلدان أصبح فيها سكان الحضر الأغلبية العظمى أشرتُ إلى هذه القضايا في دراسة مطولة عن مشاكل البيئة في الاتحاد السوفييتي، ومخاطرها ودلالاتها السياسية، ونشرت في «العام 1980 في الثقافة الجديدة» بعدن.
(7) ما ذكره الأخ قاسم عن انسحاب النواب عندما رأس جلسة مجلس النواب باصالح، له دلالاته البعيدة بلا شك، والأسوأ أن الاستقواء بالشمالية اصبح ممارسة سائدة في اقسام الشرطة والمحاكم والادارات الرسمية. إن التمييز الرسمي الذي تمارسه السلطة يسمم العلاقات بين الناس. ثم ما معنى أن يتم دفع الديات او التعويضات لمتخاصمين في صنعاء بقطعة أرض تهبها الدولة في عدن. وقد سمعت غير واحد يقول إنه حصل على قطعة أرض ولا يعرف إلا أنها في مكان ما في عدن. «ارض لا مالك لها» كما يقول الانكليز... أرض الله التي تنتظر من يملكها. ورغم هذه الوقائع الدامغة يكتب اشتراكي جديد غاضباً لأن الزميل المرادي ذكر محقاً، في ندوة، غزو الجنوب فإذا بالاشتراكي الغيور يرى في هذا إساءة لابناء الشمال.. في تعقيب له نشرته «الثوري» ولا شك في أنه سمع في أيام الحرب عن الشعار «من جهز غازياً فقد غزا» وظل مرفوعاً نحو ستة اشهر في شارع تعز بصنعاء في غير تقاطع، وهو يلخص الفتوى سيئة الذكر.
عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14 - 09 - 2006, 07:23 PM   #8
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444
وهنا سأضع هذه المقالة لنفس المفكر
http://www.alnedaa.net/index.php?act...Details&id=609


إيران تقاوم جنون القوة الامريكي - أبوبكـــــر السقـــــاف
الخميس , 14 سبتمبر 2006 م
«خطير جداً أن تسلح أمة واحدة نفسها بمخزون من السلاح النووي داخل حمام العداء الذي تدعو دول الشرق الأوسط إليه، فهي بذلك توحي لدول اخرى ان تفعل هذا ايضاً. إن اسرائيل لا تسدي جميلاَ عظيماً إلى نفسها إذا ما تجاهلت هذا الأمر»
لي باتلر، رئيس القيادة الاستراتيجية السابق للجيش الامريكي. (من حديث لتشومسكي نشر في «يدعوت احرانوت» الاسرائيلية)


رغم ما تتسم به خطابات وتصريحات الرئيس الإيراني نجاد من جموح يصل إلى الديماجوجية احياناً، إلا أن فيها قضايا محورية محق في الدفاع عنها(1). إذ لا يشك من له أبسط إطلاع على السياسة الدولية أن العدالة هي الغائب الأكبر، لا سيما منذ صعود المحافظين الجدد، الذين لا يقنِّعون نزوعهم الامبريالي الجامح، بل ويطلقون له العنان ليعربد في أرجاء الكرة الأرضية. تحدث نجاد محقاً عن غياب العدالة في السياسة الدولية.
إن أمريكا تضع نفسها فوق القانون الدولي الذي تدعي حمايته، فقد غزت العراق لإعادة استعماره رغم ما يشبه الإجماع العالمي الذي لم يسبق له مثيل منذ ايام حرب فيتنام والذي رفض اي عمل عسكري لحل ما سمي ازمة اسلحة الدمار الشامل، والتي تبين انها كانت أكذوبة منسوجة بعناية فائقة. تواصل امريكا الامبريالية بهذا النهج مبدأ الاستثنائية الأمريكية في كل ما له علاقة بالسياسة الدولية. وأحد أشهر الكتب في تاريخ الفكر السياسي فيها عنوانه «الاستثنائية الامريكية» وهو نفسه ما يدور الحديث عليه في كتب المحافظين الجدد، الذين بدأ حتى فوكوياما في نقدهم بعد الجنون الذي شاهده منهم في العراق وأمريكا. ومن الواضح أن نقده هذا ليس دفاعاً عن الضحايا ولكنه حرص على سلامة السياسة الأمبريالية لوطنه.
عندما قال نجاد إن العدالة غائبة في العلاقات الدولية، فقد كان محقاً. فإذا ما كان القانون الدولي ليس محايداً أو حكماً بين الدول فإن من حق كل دولة أن تدافع عن نفسها بامتلاك السلاح المناسب لردع او تخويف او خلق توازن رعب يحول بين العدو/الأعداء وغزوها*، وهذا ببساطة ما تفعله ايران وفعلته قبل ذلك روسيا السوفييتية وفرنسا والصين والهند وباكستان.. إذ لا يمكن الاعتماد في الواقع عن الحقوق القومية والانسانية على هيئة الأمم التي ورثت فشل عصبة الأمم فلم تحلالثانية بين العالم الغربي والحرب العالمية الثالثة، بينما الأولى قدمت غطاء سياسياً لحلول ظالمه تناقض أبسط قواعد العدالة في فلسطين وكوريا وفي عشرات من الدول.
إن سلوك امريكا الامبريالية ومعا تابعها البريطاني يذكر بالتعريف الذكي الذي اطلقه تراسيماخوس، في احدى محاورات أفلاطون، في وجه سقراط: «العدالة مصلحة الأقوى». فرغم النقد الذي وجهه سقراط وهو محق فيه أحياناً وما يمكن أن نقوله اليوم في الدفاع عن حياد القانون والقضاء الدولي في عصر حقوق الانسان والمحاكم الأوروبية (ستراسبوج) والمحكمة الدولية الجزائية، إلا أن غطرسة وجنون أمريكا لا ينطبق عليها إلا تعريف السوفسطائي اليوناني. وهي لا تملك لا الحق القانوني الدولي، ولا الحق الأخلاقي في حربها السياسية الاعلامية والنفسية التي تشنها على إيران. فطبيعة القانون رافعة وقد تحدث فيها كتاب ومفكرون من كل انحاء العالم، وكان المناضل اليساري ناعوم تشومسكي، عالم اللسانيات المشهور أعلاهم صوتا في هذا الشأن بعد أحداث 11/9/2001 وقبلها. ولكن تبقى القضية الأخلاقية. إذ يدعي منظرو السياسة الأمريكية أنهم يخشون من لاأخلاقية الأنظمة في كل ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، وتردد حتى اسرائيل هذا القول دون كلل، بل قد ذهب وزير خارجيتها السابق سلطاان شالوم بالأمس تعليقا على انتاج إيران الماء الثقيل، إلى أنه يخشى ان تقوم إيران باستعمار الأقطار العربية بوساطة الشيعة العرب وأنه يخاف جنون ولاية الفقيه. وهذا ليس حديثاً عابراً أو جاء في مناسبة محددة، إنه لحن تعزفه الصحافة الإسرائيلية منذ عدوان العدو على لبنان، وتجتره صحف اليمين والوسط واليسار مؤكدة أن اسرائيل هي الحليف المناسب والمأمون الجانب للسنة العرب. ويتحدثون في الأردن عن «النظام العربي السني» وكأن النظام العربي موجود.
أمريكا إذاً تتعامل، لا مع الدول وحقها، بل مع الأنظمة التي تختلف معها، فيعطيها هذا الاختلاف حق العدوان على الدول ما دامت شعوبها تقبل هذه الأنظمة. واسرائيل في هذا السياق ليست استثناء بين الدول، بل مكون أساسي في الحلف الاستراتيجي وهي «مصلحة دائمة لأمريكا». ورغم الهامش الذي تملكه من الاستقلال إلا أنها قامت بشن حربها على لبنان بالانابة.
وإذا ما عدنا إلى تاريخ استخدام القنبلة الذرية فإننا نجد أن أمريكا أول من استخدمها ودون ضرورة عسكرية، فكان دمار هيروشيما وناجازاكي(2)، وهي التي تستخدم اليورانيوم المنضب حتى اليوم وتأثيره يبقى ملايين السنين في التربة كما يؤكد العلماء الأمريكان، وكان وراء أمراض جديدة غير معروفة، وإصابة العراقيين بالسرطان، لأن آثاره باقية في الكويت والعراق.
إن توازن الرعب وحده هو الذي حال بين أمريكا واستعمال السلاح النووي، بعد امتلاك روسيا -وبعد ذلك آخرين- له. فلو كان نوع النظام هو الذي يمنح الدولة حق امتلاك السلاح النووي فإن اول من يجب ان يحرم منه هي أمريكا.
وليس هناك ما يعلم اكثر من تصريح الرئيس الفرنسي شيراك قبل نحو ثلاثة اشهر بأن فرنسا ستستعمل السلاح النووي في حال تهديدها من جهة إرهابية. ليس دولة، بل جهة إرهابية، فقد أصبح الارهاب بحكمة بالغة من بن لادن «أنظف» ذريعة للقتل والدمار والتعذيب. إنه هدية الهدايا لأمريكا وشركائها.
اعلنت الصين الشعبية في نهاية العام 2005 أنها جربت بنجاح صاروخاً نووياً يطلق من الغواصات. ولم يكلف أحد نفسه مشقة التعليق فمنطق العدالة الدولي قد وزع الحقوق منذ مؤتمر يالطا، قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، بين الدول الخمس ومن يلوذ بها.
تحدث الرئيس الروسي بوتن في الفترة نفسها عن امتلاك روسيا سلاحاً جديداً تسبق به العالم نحو عشرين عاماً، وكرر القول وزير الدفاع الروسي. ولم يتحدث عن هذا التصريح أحد. إن التجارب مستمرة في امريكا والصين وروسيا، والفجوة تزداد اتساعاً بينهم والعالم الذي لا يملك السلاح النووي، مع أن أسلحتهم التقليدية تكفي وحدها لتدمير العالم.
قد يبدو احياناً أن امتلاك السلاح النووي قبل إشباع الحاجات الأساسية الأولية للناس، ضرب من الجنون، كما في باكستان والهند. ولكنه منطق البقاء الدارويني. نعم داروينية اجتماعية سياسية محدودة يفرضها المناخ الدولي.
وقد قرأت تصريحاً لقائد باكستاني عسكري بعد مشهد دموع الرئيس فؤاد السنيورة، لخص وضع باكستان ووضعنا: «إننا في باكستان لن نبكي»، وكان ذلك في سياق حديث عن الأزمة السياسية الأخيرة مع الهند.
إن تاريخ أمريكا السياسي دام في الاتجاهات كلها بدءا من النشأة التي تركت بصماتها البشعة، حتى اليوم. من يبدأ تاريخه بإبادة الهنود الحمر بالرصاص والويسكي والسفلس (الزهري)، من المنطقي أن يختمه بإعادة استعمار العراق وأفغانستان وتأييد اسرائيل لدفن الوطن الفلسطيني. ولا يميز أمريكا الاستعمارية إلا سعار الهوس الديني الذي يحكم سلوك الرئيس بوش ويتجلى في ملامح وجهه وتعبيراته، وعندما يخطب يبدو كأنه ينظر إلى أعماقه ولا يخاطب الجمهور أمامه. ولم تستطع حتى وزيرة الخارجية السابقة م.أولبرايت ان تتجنب هذه الحقيقة: «عملت مع رئيسين أمريكيين وكانا مؤمنين ولكنهما لم يجعلا من آرائهما الدينية جزءاً من السياسة الامريكية». الانجليكانية والمسيحية الصهيونية وهي تيار معروف في اوروبا وامريكا، هنا موظفتان لخدمة السياسة الامبريالية في سياق دولي لا يوجد فيه أقطاب متعددة. وتذهب الوزيرة بعيداً عندما تقول: «يقين الرئيس بوش بما يؤمن به، والفرق بين الخير والشر، هو من وجهة نظري أمر مختلف... الحقيقة المطلقة هي التي تجعل بوش مثيراً للقلق».
تقمص بوش دور المنقذ صاحب الرسالة الدينية ليس جديداً في التاريخ السياسي الأمريكي، فأصحاب «المصير الجلي» ورسالة الأنجلوساكسوني تحدثوا في كتب ومقالات عن أنهم «شعب الله المختار» دون جمجمة . كان ذلك في عشرينيات القرن الماضي، ويتابع بوش اليوم وتصفه اولبرايت بالكلمات التالية: «إنه يعتقد أن الله يريد منه أن يكون رئيس البلاد»، هذا العائد من رحلة إدمان الويسكي قال بعد التوبة النصوح: «استبدلت المسيح بجاك دانيل» نوع مشهور من الويسكي تنتجه أمريكا في ولاية تينسي. ولا شك في أن البعد الديني المذهبي الجامح يختلط عنده بالسياسة فتبدو له إيران ذروة «الفاشية الإسلامية» التي كتب فيها كثيرون لمداراة فاشيتهم الصريحة، ولكنها في خطب رئيس دولة تبدو راية جهاد صليبي بامتياز وليس ذكر الحرب الصليبية في حديثه بُعيد احداث سبتمبر وفلتة لسان، وإن كانت كذلك فهي إفصاح عن مكنون اللاوعي، كما يقول فرويد. فلتات اللسان تقود إلى اكتشاف عقدة المريض فيكون علاجه ممكناً. إن الرجل متسق مع عالمه الخاص وأوهامه واساطيره. وتضيف اولبرايت لتوضح الفرق بينه والرئيس لنكولن الذي قال: «يتعين علينا أن نقف إلى جانب الرب»، ويقول بوش: «إن الرب معناً». من سوء طالع البشر.. أن يكون هذا الرجل رئيساً لدولة عظمى؛ اذ لا يبدو أن لجنونه حدوداً حتى بعد تجربة العراق. يبدو انه مثل جان دارك يسمع اصواتاً.
ليس هناك ما هو شديد الغرابة من حديث خطاب الأنظمة عن سلاح ايران النووي فحكام الخليج يتحدثون منذ أيام عن الخليج منطقة خالية من الأسلحة النووية. الخليج، وليس ما يسمى بالشرق الأوسط، حتى تخرج دولة العدو من دائرة المساءلة. هذا موقف امريكا.
ثم ان السلاح الايراني لا يزال في عالم الغيب ، والسلاح المشرع على رؤوسنا هو سلاح العدو الصهيوني الذري والكيميائي والجرثومي. وقد مزق كل الأقنعة في ما يخص الأول، البطل اليهودي، سابقاً، فعنونو، الذي قضى 18 عاماً في السجن ولا يزال محروماً من مغادرة البلاد بعد ان تنصر وتبنته عائلة أمريكية. دولة العدو تنتج الأسلحة منذ العام 1933 باشراف حزب حيروت الذي ورثه الليكود. وفسر موشي ديان حروبها العدوانية عندما قال ليست لدينا سياسة خارجية بل سياسة دفاعية!! كما حدث منذ ايام في لبنان».
من حق ايران أن تمتلك في المستقبل السلاح النووي ولن يكون إلا سلاحاً دفاعياً لأن الترسانات الأخرى اكبر واعقد. ولكن ايران ستحمي نفسها بتوازن الرعب. وهذا منطق راسخ في العلاقات الدولية، واستنكار حكام أنظمة الفشل والخنوع إمعان في التبعية وممارسة مهينة لذهنية العبد.
بل ليس مبالغة ان يقال إن السلاح النووي قد يكون رادعاً للعدو الصهيوني. وهذا ما حرك عقدة الشك في إمكان استمرار وجود كيانه في هذه الازمة.
وهذا نفسه هو ما كشفت عنه الحرب العدوانية على لبنان عندما استطاع حزب مسلح ومؤمن بالوطن والحق ان يثبت في وجه مبدأ الروع الاسرائيلي فنجح. ومن هذه الزاوية فقط يمكن الحديث عن الانتصار ونحن قادرون عليه كاملاً لو غيرنا أنظمتنا وقمنا بتحديث مجتمعاتنا وجيوشنا وآمنا بحقنا الواضح في الدفاع عن أنفسنا وفي مكان لنا تحت الشمس، كان انتصاراً على النفس في المقام الأول إن النظام الايراني ليس أبدياً. بل تشير مؤشرات كثيرة إلى ان عوامل تغيير متنوعة ستعصف به وقد ارهق الايرانيين إلى درجة لا عقلانية، وليس هنا موضع هذا الحديث. والمعركة القائمة كانت أكبر هدية له. إن الذي سيبقى هو الشعب الايراني الصديق، شريكنا الكبير في الحضارة العربية الاسلامية. وحقائق الجغرافيا والتاريخ والمصير، هي التي يجب ان نفكر فيها، لا مصالح الحكام الأقزام وعشائرهم واسرهم او إنكشاريتهم العسكرية وأنظمة الفساد التي أهدرت إمكانيات الشعوب العربية. ان التحرر منهم جميعاً مدخلنا الوحيد إلى معركة التحرير السياسي والقومي والاجتماعي. وكل ما خلا هذا وهم وسراب وهدير كلام بليد يزيف الوعي والإرادة.
إن العداء الموجه نحو ايران في قضية السلاح النووي يقوض أمننا في المستقبل لا يضر إيران، بل يضرنا. لأن امتلاك عدونا التاريخي للسلاح النووي يحتم علينا أن نمتلكه إن كنا نفكر وفق ابجديات صراع البقاء، دون أن نحسن الظن لحظة واحدة بطموح القوميين الايرانيين، ولا أمل في الحكام القائمين القاعدين.
خرج وزير الخارجية البريطاني سترو من وزارة بلير لأنه صرح قائلاً: «إن التفكير في شن حرب على إيران جنون. قال هذا لذي الوجه الكئيبرامسفيلد. وهذا وصف دقيق، فهل يستطيع بوش أن يمارس لعبة جنون أشد هولاً من لعبته الدموية في العراق، حيث جسد جنوده وضباطه السكارى والصاحون ما هو أشد من القتل: التعذيب والتفنن فيه حتى السادية، واغتصاب وقتل النساء والاطفال.
حال العراق الشقيق الذي جلب إليه الاستعمار الداخلي أعتى استعمار خارجي مسلح بالبراجماتية الكلبية وهوس الرسالة الدينية. فيثبت مرة أخرى أن الاستعمار ليس منقذاً، وأنه لا يجب أن نقبل بوضعنا بين خيارين: إما الامبريالية أو الفاشية. يجب اسقاطهما معاً، وهذا لا يزال أفقاً مفتوحاً. وهناك عشرات الملايين في العالم يخوضون هذا الصراع في أوروبا وامريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. وكلي أمل في اقتراب صحوتنا الحاسمة من «رقدة العدم» التي تحدث عنها أحمد شوقي.
وللإخوة في إيران تحية تضامن وتقدير.

27/8/2006


- هوامش:
* هذا إحياء هزلي لصراع تراجيدي بين الدولتين العثمانية والصفوية، يقول اصحابه إن ايران تهدد دينهم واستقلالهم وهم لا يدافعون عن الاثنين،وموقفهم إنما يخدم سياسة العدوان الامريكي الاسرائيلي على إيران، ومن الواضح أنهم لا يعرفون أنه يتعذر تصور تاريخ الاسلام السياسي والديني والثقافي، ولو رجعوا إلى الكتاب «العمدة» لأبي ا لحسن الاشعري وقرأوا عنوانه لادركوا مدى ضلالهم «مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين». ومجتمعات أهل الكتاب كلها هذا شأنها.
خلا تقرير للدكتور الرداعي الأخير 31/8/2006 من اية اشارة إلى أن ايران تعد العدة لانتاج سلاح نووي وردد هذا الكلام متحدث رسمي من الهيئة. ورغم ذلك صرح بوش الرئيس الصليبي المقاتل، بأن التقرير يعزز القلق عند من يخشون انتاج ايران للسلاح النووي، وهذه إعادة للحديث الكاذب عن اسلحة الدمار الشامل قبل اعادة استعمار العراق.
(1) التصريح الذي تردد كثيراً عن إزالة اسرائيل من الخريطة تم إخراجه بالطريقة نفسها التي أُخرج بها تصريح للراحل أحمد الشقيري، أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، فعندما سئل في سياق حديث طويل عن مصير اليهود في دولة اسرائيل قال: «فليعودوا بالبحر إلى أوطانهم». وظهرت الجملة: «فلنقذف بهم إلى البحر». وكان ولا يزال متعذراً تصحيح هذا الخطأ العمد الخبيث. فاربع وكالات للأنباء تحتكر نحو 80٪ من الاخبار امريكية، وقد رفضت أمريكا في مؤتمرات اليونسكو أي محاولة لتغيير هذا الوضع ولو بصورة جزئية، وقاطعت اليونسكو لسنوات، ماليا وتنظيمياً، حتى عادت بشروطها.
حديث نجاد -بُحث ونشر وكُرر آلاف المرات بعد تحريفه- مُفاده الحقيقي ان اقامة دولة اسرائيل خطأ جسيم قامت به الأمم المتحدة تحت ضغوط دولية امريكية في المقام الأول. وهذا خطأ يجب ألا يستمر، لأن حرمان شعب فلسطين من وطنه جريمة جسيمة. ويرى نجاد أن حل القضية لا يمكن إلا بإجراء استفتاء في فلسطين التاريخية يشارك فيه المسلمون واليهود والمسيحيون لتقرير مصيرهم ومصير الأرض الفلسطينية. كل هذه الآراء حذفت بمقص الرقيب، ولم يسمع عنها شيئاً إلا من يتابع السياسة الدولية في نطاق غير الصحف اليومية، ونشرات الأخبار الفضائية. وكان من حسن حظي أنني تابعت بالمصادفة برنامجاً سياسياً تحليلياً لعدد من علماء السياسة اتسم بالرصانة العلمية في التلفزيون الروسي في قناة «الثقافة» المتخصصة في الثقافة الرفيعة ويخلو بثها من الاعلانات. فإذا بي اسمع ما أوجزته في السطور السابقة. وقد ساعد على ترويج وترسيخ صورة السياسي الذي يريد محو اسرائيل من الخريطة اسلوب نجاد الخطابي الديماجوجي، لأن المقصود بالمحو هنا ظهور اسم جديد على الخريطة بعد الاستفتاء. قد يقول بعضنا هذا مشروع خيالي.. ولكن على المدى البعيد يمكن ان يصبح الخيال واقعاً. والخيال جزء من العلم والسياسة ايضاً. ألم نسمع من قبل عن دولة علمانية في فلسطين من «فتح»؟ و الحديث يجري منذ سنوات عن دولة ثنائية القومية. وفي تاريخ الحركة الصهيونية آراء كثيرة تقترب من هذه الصورة. وليس هنا موضع الحديث فيها، ولا بد من العودة إليها في مناسبة قادمة.
(2) اقترح علماء امريكيون على الرئيس ترومان أن يطلب من اليابان إرسال وفد من علمائها ليشاهدوا تفجيراً نووياً، حتى يعودوا ويقنعوا حكومتهم بأن استمرار الحرب لا معنى له، ولكنه رفض لأنه كان يريد ان يقلل عدد الجنود والضباط الذين سيموتون في الحرب، كما أنه أراد تهديد روسيا الحليفة. وهذه قصة مشهورة ومعروفة. قال أوبنهايمر، وهو العالم المشرف على مشروع مانهاتن الذري في سنوات الحرب، بعد ان شاهد الانفجار تقيأ، رداً على سؤال وجه: إليه ماذا عملت بعد مشاهدة التفجير النووي؟ وكتب كتابه المشهور عن القنبلة الذرية «أقوى من ألف شمس» والاسم منقول من كتاب هندي قديم
عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16 - 09 - 2006, 10:05 AM   #9
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444
وهنا سأنقل المقالة لنفس المفكر التي نقلتها الشورى عن الثوري

http://www.al-shoura.net/sh_details.asp?det=5525



سجناء الرأي والضمير في سوريا واليمن

أبوبكر السقاف ( 15/09/2006 )




«عندما يغتصب الحاكم حقوق شعبه يخلق منه خصماً، وعند ذلك تهدر قوة البلاد الأساسية في صراع داخلي بدلاً من أن توجه للعمل الصالح» (نجيب محفوظ) أمام العرش.

ميشيل كيلو مثقف عربي سوري ومناضل اتسمت مواقفه السياسية الناقدة للنظام السوري بالوضوح والاتزان، وتصفه بعض الصحف العربية باليساري المعتدل ورغم ذلك فهو متهم بخيانة الوطن الذي يحميه ويدافع عنه منذ أن فتح عيون عقله وضميره على الشأن العام. هذا المثقف الذي يعتبره العارفون بحقائق الصراع بين النظام السوري والمدافعين عن قضايا الحرية والعدالة والتقدم واحداً من الذين يمثلون ضمير الشعب العربي في سوريا، أراد سدنة الظلم والقتل والتعذيب أن يمعنوا في ايذائه فحرموه من السير في جنازة والدته، كما صرح محاميه الاستاذ خليل معتوق (الخليج، 2006/8/30 نقلاً عن أ.ف.ب).

تذكرت ما حدث للزميل صبحي حديدي قبل نحو ثلاثة أعوام وهو يشبه من بعض الوجوه ما حدث لميشيل، والفرق أن الأول يعيش منذ سنوات في المنفى غير الاختياري في باريس والثاني في سجن من سجون أجهزة بصاصي السلطان وعسسه.<



دعي صبحي الى المشاركة في مؤتمر دوري عن الرواية في القاهرة وأعد بحثاً عن الروائي بهاء طاهر وطمأنه الزميل جابر عصفور بأنه سيترتب كل ما يتعلق بوصوله الى القاهرة، ثم اكتشف أن زيارة صبحي للقاهرة أمر دونه ما هو ألعن من خرط القتاد، وأظن أن الزميل جابر لم يعرف تفاصيل القضية.



كان صبحي يلتقي بوالدته كلما زار الأردن للمشاركة في ندوة أو مؤتمر هناك، وكان هذا اللقاء فرصته الوحيدة لرؤيتها. وفي الوقت الذي كان جابر عصفور يبذل جهده حتى يتمكن صبحي من المشاركة في مؤتمر الرواية بالقاهرة، اتصلت به والدته راجية منه ألا يسافر الى القاهرة اذا كان يريد أن يراها في أية فرصة قادمة في الأردن، وعلم صبحي بعد ذلك أن هذا كان هو ما قاله للسيدة والدته من تحدث اليها باسم مكتب رئيس الجمهورية: الأسد الأب. كما علم أن الوحدة بين سوريا ومصر لا تزال قائمة ولكن من أسوأ جوانبها، فهناك اتفاق بين القطرين الشقيقين يقضي بعدم السماح لكل من يغضب عليه «سيد» أحد القطرين بدخول القطر الآخر. هذه الوحدة التي يريدون. وهي قائمة بينهم ولا يحتاجون البتة الى غيرها.



وعندما توفيت والدة صبحي لم يسمح له بالطبع أن يسير في جنازتها.



صبحي وميشيل أعداء الشعب، بمنطق لغة عدوانية تغتصب المعاني والدلالات وهي تعيد تسمية الأشياء والبشر فتتضاعف ضراوة وحشية استبداد أصحابها.



كان بين زملائي في مصر في خمسينات القرن الماضي من تقدم الى امتحان الشهادة الثانوية، أو امتحان بإحدى الكليات من السجن. كان ذلك قبل العام 1952، إذ كانت القوانين تسمح للسجين السياسي أن يواصل دراسته. ذلك «العصر الليبرالي» وفقاً لوصف المؤرخ الراحل ألبرت حوراني في كتابه: «العمدة». ولا تسمح نزوات الحاكم التي حلت محل الدستور والقوانين منذ ظهور الدولة السلطانية الجديدة، التي أقامها الانقلاب العسكري، حتى بأبسط مستويات التعاطف الوجداني في موقف يستوي فيه جميع الناس: الاصدقاء والخصوم والأعداء المتقاتلين، ومن نعرف ومن لا نعرف. ولكن توقع النبل من سلاطين الظلام ربما يكون ضرباً من السذاجة أو التفاؤل. الأمل في إمكان صلاح البشر الذي هو ما لا يستطيع الإنسان أن يفارقه، حتى لا يقع في هوة اليأس. ولكن يبدو أن علينا أن نعلق الأمل على مقاومتهم وحدها، والسلطان الذي يجع بين رئاسة الجيش والرئاسات الباقية لايمكن أن يكون إلا ظالماً مستبداً، واذا لم يُحظر هـذا الجمع المشؤوم فلن نصل الى الدولة والسياسة المدنيتين.



نشرت صحيفة «الأمة» نداءاً صغيراً تناشد فيه رئيس الجمهورية إطلاق سراح المواطن محمد حمود العمدي الذي سجن لأنه شيعي جعفري!! وحسناً فعل المناشد الأخ حسن زيد، وما كان بحاجة الى أن يجعل ثبات اخوة العمدي واخوتنا في لبنان في وجه العدوان الاسرائيلي شفاعة له حتى يطلق سراحه، لأن اعتقاله بهذه «التهمة» غلو في الاضطهاد ولون من الاضطهاد الديني، والمناشد هو نفسه كان وراء الحرب الظالمة التي شنها النظام على من سماهم بالحوثيين في لواء صعدة وبالتهمة نفسها، ولذا فإن استنكار هذا الضرب من الظلم جملة وتفصيلاً هو الموقف المطلوب. وآن للسجان وهو في ذروة محاربته للظلم والفساد في حملته الانتخابية أن يعرف أن الجمهور أذكى مما يظن، وأنه يرفض أن يجعل مذهبه الرسمي هو الدين الحق.



إن العمدي مثل الزميلين ميشيل وصبحي سجين رأي وضمير، يحسن بالصحيفة أن تفصِّل في قضية سجنه، حتى يعرف الرأي العام أن رئيس الجمهورية يمارس الكيل بعدة مكاييل، إذ يأمر بقتل الشهيد حسين «المتهم» بموالاة «حزب الله» ويبالغ في الانتصار والحماس لحسن، وهو ليس أصيلاً في هذا، بل مقلداً جاء متأخراً. فمنذ ثلاثينات القرن الماضي والأنظمة العربية تبحث عن سند لها يسد ثغرة الشرعية القاتلة بالمغالاة في الدفاع عن فلسطين وتقديم الخدمة «الحنجورية» لقضايا العروبة والإسلام. وآن الأوان لافهامهم جميعاً بالنقد والمعارضة والمقاومة أن فيصل التفرقة بين الحق والباطل في شأن انظمتهم السلطانية الجديدة، هو موقفهم من حرية وكرامة الشعوب التي يحكمونها، وأن تكون السياسة الخارجية استمراراً للسياسة الداخلية، لا ورقة توت أو دخان كلام يستر الوضع البائس والجحيم الذي يصنعونه في الداخل وبدأب فاجع منذ سنوات وسنوات.



2006/9/3




هامش:

* واحد من مئات من سجناء الرأي والضمير، من اليساريين والقوميين والأكراد، .....




المصدر : صحيفة الثوري العدد (1929) الخميس 14 سبتمبر 2006.

عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20 - 10 - 2006, 07:10 PM   #10
شاعر يمني
 
الصورة الرمزية عبد الحكيم الفقيه
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2003
المشاركات: 17,444

وهنا سأنقل هذه المقالة لنفس المفكر

http://www.alnedaa.net/index.php?action=showNews&id=356
الروسية آنا بوليتكوفسكايا شهيدة الشيشان - أبوبكر السقاف
«محطة تشرفليونيا. نقل المعفي عنهم إلى عربات القطار من سيارات عليها حرفا (ام.يو): وزارة العدل. يصور عملية النقل ضابط شاب من الفرق الخاصة في الوزارة وهو من الذين يقو مون بالحراسة.
إذا ما ذكرنا المنظر في هذا الفيديو بشيء فإنه لا يذكر إلا بفيلم من الأفلام التي تصور في معسكرات الاعتقال الفاشية، إذ لا تخطر بالبال أية تداعيات أخرى. ويتصرف على الشاكلة نفسها أولئك الذين ينتشرون على التل القريب من محطة السكة الحديد ببنادقهم الآلية، وتلك أيضاً هيئة الذين يصوبون إليهم بنادقهم. هناك امرأتان بين المقاتلين بملابسهن الكاملة، ولا تبدو عليهن آثار الضرب، خلافاً للرجال، ويجري إبعاد المرأتين حالاً.
أما الباقون فهم من الرجال والمراهقين. كانوا محشورين في سيارات النقل كما في براميل حفظ السردين. كان المفروض أن عددهم 74، وعندما تمت عملية النقل يسمع حديث العسكريين، وذلك خارج إطار الصورة الملتقطة أثناء النقل: ماذا حصل؟ «قالوا إنهم 72 ولدينا هنا 74» في السيارتين.
معظم الرجال خرجوا قفزاً من السيارتين، ولكنهم في حال إرهاق جسدي كبير، وبعضهم ينقله رفاقه. كلهم تقريباً مصابون بجروح، ومنهم من فقد ساقه أو يده. وكانت أذن أحدهم تتدلى فوق كتفه. يعلن العسكريون: «ألا ترى؟! لم تصلم الأذن حتى النهاية!». كثير منهم عرايا وحفاة ملطخون بالدماء. كانت الملابس والأحذية تقذف من السيارتين في عملية مستقلة. يلاحظ الضمور الشديد عليهم.
يوجد بين المقاتلين من لا يدرك ما يجري وماذا يراد منهم، يتحركون كأنهم نيام. بينهم بعض المجانين.
يُضرب الرجال ضرباً غير مبرح. لا يوجد أطباء أو ممرضات. يؤمر المقاتلون بإنزال الذين توفوا أثناء نقلهم، ويضعونهم جانباً. يتكون تل من جثث الموتى بجانب قضبان السكة الحديد.
تنسى تماماً وأنت تشاهد هذه اللقطات أن هؤلاء نالوا العفو، أي أن الحكومة منحتهم الرحمة فساوتهم بالمواطنين الآخرين دون أن تحرمهم من حقوقهم.
تلاحظ حالاً أن العسكريين الفدراليين لا يلمسون الرجال بأيديهم أبداً، بل بأحذيتهم وبماسورات البنادق الآلية. يتقززون. تقلب وجوه الموتى بالأحذية، ويبدو الأمر مجرد فضول؛ إذ لا يفسر أحد المشهد، ولا تجرى عملية تسليم، ولا يتبادل العسكريون أية وثائق، ولا يدور الحديث عن ما يجري، رغم أن التعليقات التي تجري خارج اللقطات تُسمع بوضوح.
يظل تل الجثث المتناثرة بصورة عشوائية ثابتاً في لقطة الخاتمة الطويلة، بالأسلوب المعروف في الافلام التي تصور فظائع الفاشية.
بيد أن هذا زماننا. وكل هذا يحدث لمعاصرينا. لم يخدم لا هؤلاء ولا أولئك عند هتلر، ومعظمهم درسوا في مدارس تعتمد المقررات نفسها.
والآن: لماذا ننشر هذا الكلام؟ حتى نعرف بعضنا بعضا.
كيف أصبح هذا الشريط السري في يد المجتمع؟ من المعروف أن الجميع يعاني بعد الحرب الوحشية: المعذبون والذين عذبوا. كان الضابط الشاب الذي حمل آلة التصوير يشعر أنه في وضع مريح عند محطة تشرفليونا. وعندما عاد إلى منزله (في روسيا) كان مرحاً وهو يعرض فيلماً عن الشيشان، ليشاهده الأقرباء والأصدقاء.
ومر الزمان. صحا وداهمه الرعب، ولا يزال فريسة هذا الكابوس حتى الآن.
إن فكرة نشر هذا الشريط في وسائل الاعلام جاءت منه، فهو يقدر أنه إذا ما تمكن من التخلص من النير الذي يطوق حياته بعد الشيشان «فإنه قد يبقى على قيد الحياة»، من يدري؟ ربما! (الفيديو الروسي: العفو حتى الإبادة الكاملة، صحيفة «الزمان الجديد» العدد 25/955/12-4-14-4/2004. وهناك صور مرعبة من المشاهد التي ورد ذكرها في المقال. توزع الصحيفة من عددي الاسبوع مليون نسخة».
هذه فقرات من مقال نشرته عن مصير المقاتلين الشيشان الذين قالت الحكومة رسمياً إنها قد منحتهم العفو، وذلك بعد معركة كومسومولسك، في منطقة أوروزمارثان في الشيشان، التي جرت في شباط/ آذار، العام 1999/2000، التي هزم فيها الجيش الفيدرالي الروس شر هزيمة. وتذكر الكاتبة أن عائلات المقاتلين لم تعرف شيئاً عنهم حتى نيسان 2004، باستثناء ثلاثة منهم أصبح مصيرهم معروفاً، أي أن مصير 69 مقاتلاً كان لا يزال مجهولاً حتى الحصول على «الفيديو الروسي».
هذا أنموذج من المقالات والمتابعات والدراسات، التي كانت تنشر آنا. كانت تتمتع بشجاعة نادرة وباتساق مدهش في السلوك السياسي، والاخلاص للقيم الانسانية في معترك الأزمات والأحداث الصاخبة. وعندما تطامنت كرامة وكبرياء أقلام العشرات من الصحافيين والكتاب الروس والروسيات في الحرب الثانية في الشيشان (2004) بقيت مع نفر قليل من زملائها وفية لقضية حق تقرير المصير، رافضة وباصرار أبي أن تقع فريسة أعراض مرض الحنين إلى الإمبراطورية، الذي يعاني منه الروس، رجالاً ونساء، إذ يبدو أنه ضرب من التعويض النفسي الذي يدارون به الأزمات التي توالت بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي.
وسأعود إلى الكتابة عنه معتمداً على عمل علمي أصدره الاستاذ ليفادا بعد جهد دام نحو خمس عشرة سنة قام به مع فريق عمل من زملائه وطلابه، عن أعراض المرض، تجنب الحديث عن الحرب في الشيشان.
هذه السيدة صاحبة القلب الذكي والعقل الشجاع وُجدت جثة هامدة عند مدخل العمارة التي تقع فيها شقتها، بالأمس، 7/10/2006. إن اغتيالها جريمة حرب. لقد اجترحت مأثرة خرق صمت العبودية، الذي يفرضه طرفان :الدولة البوليسية، والجماعات الفاشية، التي يقدر عددها بنحو خمسين ألفاً وبعضهم يزين عضده بالصليب المعقوف (رمز النازية المشهور) ومنهم حليقو الرؤوس. وتوصف كل جرائمهم بأنها جنح ولا تحرك الدولة ساكناً عندما يقومون بتنفيذ احكامهم التي أصدروها بحق ضحاياهم ، وهو ما فصلته آنا في مقال كامل يصور قتل فتى شيشاني في 16 من عمره اسمه جمال عادل سلطان (في الأصل جمال عادلسولتانوف). الجهاز الإداري كله بما فيه القضاء شديد التسامح مع هذه الجماعات. ويصر القضاء على أنهم يقتلون دون دوافع ايديولوجية عنصرية، فيما تشهد جرائمهم على عكس ذلك.
أما الدولة الأمنية التي ورث فيها جهاز الأمن الفدرالي لجنة أمن الدولة (ك.ج.ب) المشهورة فإنه قد هدد الكاتبة غير مرة. وقد نشرت مقالاً كاملاً تصف فيه استضافة رامزان قديروف، إبن رئيس جمهورية الشيشان الذي اغتيل في حادث منصة تذكر باغتيال السادات، ليهددها بلغة ملتوية تتسم بقلة الأدب، ويعرض مظاهر جبروته وقوته حتى يرهبها.. وهي التي لا تملك إلا عقلها وقلمها. ومن المعروف أن رامزان إزداد سعاراً بعد اغتيال والده. ولعل اسمه تحريف «رمضان» كما يحدث عادة مع الاسماء غير الروسية، وهذا جزء من «استراتيجيات التسمية» التي تمارسها الإمبراطورية، فمن يسمي الشيء يملكه، واللغة أداة قمع وتدجين وازدراء تضخم ملكوت السيد، فيصبح مجاز «كاد المسمي أن يخلق» حقيقة يتوهمها.
عندما حدثت مجزرة مدرسة الاطفال في بيسلان التي نظمها الراحل شامل باساييف، الذي اشرف على العمليات الارهابية رغم اعتراض الرئيس الراحل اصلان ماسخادوف، قدمت لها المضيفة في الطائرة كوباً من الشاي حال بينها والوصول إلى موقع الحادث. سُممت.
كان الجنود الإنكليز يهربون كلما واجهوا المهاتما غاندي (الروح العظيم). وهؤلاء الجنرالات في أمن الدولة والجيش والسلطة الموالية للكرملين في غروزني يخافون من سيدة نحيفة يوحي مظهرها بالهدوء والرصانة، وبرشاقة تناسب سنها ورصانتها التي تنم عن الاعتداد بالنفس والكرامة التي مدتها بالثبات واليقين علىامتداد نحو عقد ونصف عقد من السنين. لم ينفع الاعتقال ولا التهديد ولا التسميم، فكان الرصاص، الذي حصد أرواح كثيرين من الرجال والنساء في روسيا عند مداخل العمارات، في جرائم تسجل دائماً ضداً على مجهول.
إذا لم يكن أمن الدولة وراء الاغتيال، فإن الاحتمال الثاني وهو الأضعف أنه من «بطولات» الجماعات الفاشية التي كتبت عنها الراحلة في سياق الدفاع عن قضية الشيشانيين العادلة. وقد ذهب ضحية دموية هذه الجماعات مواطنون من أذربيجان وأوزبكستان وطلاب أفارقة وعرب (من ليبيا واليمن) كما اغتالوا أكبر خبير في تاريخ ونشاط الجماعات الفاشية، العالم نيقولاي غيرنكو المقاوم للفاشية، في بطرسبيرغ في حزيران (2004). يقدر التقرير المذكور الذي اصدره ليافادا أن نحو 55٪ من الروس يعلنون عن كره الأجانب، وشعارهم «روسيا للروس» أي طرد ما خلاهم من السكان. ومن هؤلاء 5٪ من الذين يعلنون أنهم مستعدون لممارسة العنف. ويقول التقرير إن مليون جندي شاركوا في الحرب في القوفاز.
وهؤلاء عندما يعودون إلى روسيا يحملون اعراض الحرب الشيشانية، كما كانت حال الأفغان الروس. كما أن الاجهزة التي تمارس القتل العلني والتعذيب الروتيني هناك لا يمكن أن تقلع عنه عندما يعود ممثلوها إلى روسيا.
منحت آنا جائزة أولاف بالمه (رئيس وزارء السويد الاشتراكي الديمقراطي الذي اغتيل وهو خارج من دار السينما مع زوجته) تقديراً لدورها في الدفاع عن الشعب الشيشاني. وأصدر الاتحاد الأوروبي بعد اغتيالها بياناً يستنكر الحادث ويشيد بدورها في الدفاع عن الحرية وحقوق الانسان. وقد ندد اللورد جاد -رئيس وفد الاتحاد الأوروبي إلى الشيشان- غير مرة، بالاختطاف والتعذيب والمعالجة العسكرية المنهجية لقضية الشيشانيين.
بدأ الروس رجالاً ونساءً منذ مساء السابع من هذا الشهر في وضع الشموع وزهور القرنفل عند مدخل العمارة، وسيستمرون أياماً، ويعودون كلما حلت ذكرى ذلك المساء المشؤوم. فرغم كل الحصار النفسي والثقافي والمادي الذي يدمر الروس رجالاً ونساء، وذلك جزء من مثالب الرأسمالية المتوحشة، فإن الشاعر أو الكاتب أو المفكر عندهم لايزال أكبر من شاعر أو كاتب أو مفكر. فهم على منوال شاعرهم القومي، بوشكين، الذي وحد الشاعر والنبي (في قصيدة له مشهورة)، ليضفون عليه سيماء جلال فريد وألقاً خاصاً. ولا بد أن يتحرروا يوما من اعراض مرض الحنين إلى الإمبراطورية، فذلك شرط حريتهم ولن يذهب دم آنا بوليتكوفسكايا هدراً.
8/10/2006
عبد الحكيم الفقيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:00 PM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor